شبكة الإمامين الحسنين عليهما السلام للتراث و الفکر الإسلامي

 

استطلاع

الجالية الإسلامية في بريطانيا -2-

لندن .. مساجد ومراكز إسلامية فاعلة

جهاد يوسف

نتابع استطلاعنا الذي بدأناه في العدد الماضي في هذه الحلقة الخاصة عن عدد من المراكز والمساجد والمؤسسات التربوية والثقافية والاجتماعية التي أقامها المسلمون في العاصمة البريطانية لندن، والتي تمكّنا من زيارتها والتعرّف عليها.

وكنّا في الحلقة السابقة قد أعطينا صورة إجمالية عن الجالية الإسلامية الكبيرة في بريطانيا من حيث تاريخ هجراتها وحجمها وانتشارها واهتماماتها وفعاليتها، ومراكزها ومؤسساتها الهامة خارج لندن.

حيوية وحاجات

مع تعاظم حجم الجالية الإسلامية في العاصمة البريطانية، لندن، وازدياد أعداد العائدين إلى أحضان الإسلام من الشباب المسلم الذي نشأ في تلك الديار، ومع تنامي أعداد الناشئة التي يجب أن تُحضن وتُصان، وكذلك مع وعي المهتمين بالدعوة إلى الإسلام في العالم لأهمية الساحة البريطانية في حركة التبليغ في العالم الغربي.

مع ذلك كله، بادرت الجمعيات والتجمّعات الإسلامية المختلفة التابعة للأعراق والمذاهب والتوجّهات الإسلامية المتعددة، الموجودة في لندن أو الآتية من خارجها، بادرت إلى إنشاء مراكز إسلامية ذات منافع واهتمامات كثيرة، وكذلك إلى إقامة مساجد ومدارس ونواد، من أجل تلبية حاجات المسلمين الماسّة إلى مثل هذه المؤسسات والمباني، ولطرح أفكارها وعقائدها وأهدافها من خلالها.. فهناك الآن عدد لا بأس به من المساجد والمراكز والمؤسسات الكبرى التي تستقطب مبانيها ونشاطاتها واهتماماتها أعداداً كبيرة من المسلمين والمهتمين بالإسلام، وهناك عشرات المراكز الصغيرة والمدارس والمصلّيات المنتشرة في الأحياء التي يتواجد فيها المسلمون بكثرة، كمنطقة شرق لندن.

وإذا كان من الصعب تقديم صورة كاملة عن هذه المراكز وأعمالها جميعاً، خصوصاً إذا كانت مدة الإقامة قصيرة، وكان الدليل المرشد غير متوفر دائماً، فإنني لم أحرم من زيارة عدد من هذه المساجد والمراكز بقصد الاطلاع عليها، ونقل صورة للقرّاء الكرام عن مشاهداتي ولقاءاتي فيها، وعن بعض ما توفّر لي من معلومات عنها.

رابطة أهل البيت (ع) الإسلامية العالمية

كان الوقت صيفاً وعلى عكس ما اعتادته لندن مدينة الضباب من برودة الطقس حتى في فصل الصيف، فإن درجة الحرارة كانت نوعاً ما مرتفعة أواخر صيف العام المنصرم – 1994م- ، حيث كنت مدعواً لحضور المؤتمر الخامس لرابطة أهل البيت (ع) الإسلامية العالمية، والتي مقرّها لندن، بتاريخ (9-11 أيلول)، ومن مركز أهل البيت (ع) الإسلامي، المكان الذي عقد فيه المؤتمر الذي كان شعاره: (أتباع أهل البيت (ع) نحو مستقبل أفضل) أبدأ استطلاعي بالكلام عن هذه الرابطة التي قامت لأجل التنسيق والتعاون بين الجمعيات والمنظمات الخيرية والثقافية الإسلامية الشيعية في العالم، وخصوصاً تلك المهتمة بأمر التبليغ والتثقيف ورعاية شؤون المسلمين على مختلف الصعد، وذلك من أجل تبادل المعلومات والمنافع بينها، وزيادة فعاليتها في مجالات عملها. وقد اختيرت لندن كمقر للرابطة نظراً لسهولة التواصل والاتصال فيها خاصة لمواطني دول الكومنولث، وكذلك لوجود جالية إسلامية كبيرة فيها تضم بعض الشخصيات الفاعلة، والتي اضطرت للهجرة.

كان وراء تاسيس هذه الرابطة نخبة من العلماء والعاملين في هذه الجمعيات والمنظمات من مختلف البلاد الإسلامية والمغتربات، وفي مقدمتهم نجل المرجع الأعلى الراحل السيد محسن الحكيم (قده)، الشهيد السيد مهدي الحكيم الذي اغتيل في السودان سنة 1987م، وكان قد تولى رئاسة الرابطة منذ تأسيسها حتى وفاته. وكانت الرابطة قد عقدت مؤتمرها التأسيسي الأول سنة 1983م، حيث أقرّت فيه نظامها وأهدافها وأساليب عملها.

ويتولى حالياً – ومنذ سنوات عدة – مهمة الأمانة العامة للرابطة العلامة السيد محمد الموسوي، الذي يرأس في الوقت نفسه مجلس علماء الهند، ويعاونه في إدارتها هيئة منتخبة تضم بعض العلماء وأصحاب الخبرات.

ثلاثة أيام بقيت جلسات المؤتمر ومداولاته، حيث راحت وفود حضرت من 42 دولة من علماء وشخصيات إسلامية، تبحث وتناقش المواضيع الواردة في ورقة عمل المؤتمر التي أعدّتها الرابطة، والتي تتناول قضايا أساسية تهمّ المسلمين عامة وأتباع أهل البيت (ع) في العالم خاصة. (نشرت نور الإسلام توصيات المؤتمر في العدد (51- 52). وقد تعرّفت خلال المؤتمر على العديد من الشخصيات والوفود حيث تبادلنا معاً المعلومات المفيدة حول أوضاع التبليغ والاعلام الإسلاميين.

وكان لابدّ أن ألتقي في الأثناء السيد الموسوي لأتعرف منه عن قرب على عمل الرابطة ونشاطها المتنامي، وقد تمّ ذلك في مركز الرابطة الخاص في منطقة (فيليمور غاردن) حيث ذكر لي فضيلة السيد الموسوي أنه بالإضافة إلى المؤتمرات الدورية التي تعقدها الرابطة كل ثلاث سنوات ( 5 مؤتمرات حتى الآن) من أجل بحث قضايا العمل الإسلامي وشؤون المسلمين عامة في العالم، خاصة منهم أتباع أهل البيت (ع) والتي تتوّلى الرابطة متابعة تنفيذ توصياتها وقراراتها بالتعاون مع الأعضاء المنتشرين في العالم، وكذلك بالإضافة إلى الزيارات الاستطلاعية العملية إلى البلدان الإسلامية والمهاجر، التي يقوم بها أعضاء الرابطة، والمواقف والملاحقات العملية التي تتخذ إزاء الأحداث المستجدة على المسلمين، وخاصة في مجال متابعة حقوق الإنسان الأساسية للمسلمين في المناطق الساخنة، مثل بورما ولبنان والعراق وكشمير والبوسنة والهرسك وأذربيجان وغيرها...

بالإضافة إلى ذلك فإن عمل الرابطة يتمحور حول الأنشطة التي تقوم بها المكاتب المتخصّصة، وهي:

أ – مكتب تنسيق التبليغ: الذي يهدف إلى تشخيص أماكن الحاجة إلى المبلّغين، ومن ثم تهيئة هؤلاء المبلّغين وإرسالهم وإمدادهم بما هو مطلوب في عملهم.

ب- مكتب شؤون آسيا الوسطى: وهو معنيّ بمساعدة المسلمين في الجمهوريات الإسلامية التي استقلت حديثاً عن الاتحاد السوفياتي السابق، خاصة في المجالات الثقافية.

ج- مكتب شؤون أصحاب الكفاءات: ويعنى باستقصاء أصحاب الكفاءات العلمية والمهنية للتنسيق معها بما يعزّز أوضاع المؤمنين والعمل الإسلامي.

د- مكتب العلاقات العامة: ويهتم بشكل أساس بتنشيط الروابط مع وسائل الاعلام المختلفة ضمن قارة أوروبا للاستفادة منها في حركة التبليغ والدعوة، والدفاع عن الإسلام والمسلمين.

هـ - وكالة غوث الهلال: وتهدف إلى جمع وإرسال المعونات العاجلة والمؤن إلى المحتاجين في مختلف بقاع العالم، وخاصة حين الأحداث والأوضاع الطارئة.

و – نشرة (أهل البيت (ع)): وهي نشرة شهرية ثقافية وإعلامية تصدر باللغتين العربية والانكليزية.

ز- الجمعية الإسلامية النسوية: وقد تمّ استئجار مكان خاص لها، وتهتم بمتابعة النشاط النسوي الإسلامي في بريطانيا وخارجها.

مركز أهل البيت (ع) الإسلامي

هو المركز الذي أقامت فيه رابطة أهل البيت (ع) الإسلامية العالمية مؤتمرها الخامس – كما ذكرت سابقاً – ويقع في (كلابهام) جنوبي لندن البعيدة نسبياً عن أمكنة تجمّع العرب والمسلمين. وقد أسس المركز سنة 1983 بجهود الشهيد السيد مهدي الحكيم (ره) والسيد محمد بحر العلوم الذي ما زال يتولى مهمة الإشراف العام عليه. وهو من المراكز الإسلامية الهامة التي بنيت خصّيصاً وجهّزت لتكون مهيأة للنشاطات الإسلامية الثقافية والاجتماعية، ولذلك يستفيد من قاعته الحديثة الكبيرة، العديد من العاملين للإسلام لإقامة مؤتمراتهم ولقاءاتهم العامة. وعلمت من عضو الهيئة الإدارية المشرف على نشاطات المركز الدكتور إبراهيم محمد بحر العلوم نبذة عن دور المركز ونشاطاته حيث قال: (تتحدد أهداف المركز بتحقيق نشاط إسلامي تبليغي بالدرجة الأولى، ثم تأتي المهمة الثقافية بالدرجة الثانية، وخلال عقد الثمانينات أدّى المركز هذه المهام بنجاح عن طريق النشاط الأسبوعي أو الموسمي الذي تقتضيه المناسبات الدينية والاجتماعية. وفي السنوات الأخيرة تبلورت نشاطات المركز بالندوات الدورية الدينية، وكذلك في القيام بالمهمات الاجتماعية للطائفة الإسلامية الشيعية، بعد أن حصلنا على إجازة رسمية من الحكومة البريطانية لإنجاز عقود الزواج وقضايا الطلاق وأمور الشرع الأخرى، وكذلك يتلقّى المركز الاستفسارات الشرعية ويجيب عليها. وفي المجال التعليمي أنشأ المركز ومنذ عدة سنوات مدرسة لتعليم اللغة العربية تدرّس يوم السبت فقط، وهناك اهتمام بالعلاقات مع أهل الأديان الأخرى حيث عقدت في المركز الكثير من اللقاءات والندوات مع ممثلين عنهم لأجل التعرّف والتنسيق في القضايا المشتركة.

وهناك معهد أهل البيت (ع) الذي يعتبر مركزاً ثقافياً وعلمياً، وهو يمارس نشاطه في المركز بشكل مؤقت، إلى جانب المكتبة العامة التي تضمّ حالياً أكثر من 20 ألف مجلّد بمختلف اللغات، وهناك توجّه لإنشاء مركز أبحاث ومعلومات من خلال ربط شبكة كمبيوتر مع المكتبات البريطانية والعالمية لتسهيل عملية البحث والدرس).

وفي النواحي الاجتماعية يذكر الدكتور إبراهيم أن المركز لديه مشروع لإغاثة اللاجئين العراقيين الموجودين في بعض المخيمات وهو يعمل على تأمين احتياجاتهم المختلفة.

مركز الإمام الخوئي (ره)

محطتنا الاستطلاعية الثالثة كانت في مركز الإمام الخوئي الإسلامي الذي يقف شامخاً باعثاً على الاعتزاز بإطلالته البهية في منطقة سالزبوري في لندن. وكان المشرف على المركز فضيلة السيد عبد المجيد الخوئي نجل الراحل الإمام الخوئي (قدس) قد أولم في المركز احتفاء بالوفود المشاركة بمؤتمر رابطة أهل البيت (ع)، وقبل أن أجول في المركز لأتعرف على أقسامه وأنشطته والمدارس الملحقة به، كان لي لقاء مع مسؤوله وعضو مؤسسة الإمام الخوئي (ره) الخيرية السيد عبد المجيد، الذي ذكر أن والده المرجع الكبير الراحل آية الله العظمى السيد الخوئي (ره) كان شديد الاهتمام بإيجاد مركز إسلامي يلبّي حاجات أبناء الطائفة الدينية والاجتماعية في المملكة المتحدة، وكذلك بإقامة مدارس ترعى أبناءهم وتربّيهم تربية إسلامية سليمة. وهكذا طلب (رحمه الله) من مسؤولي مؤسسته الخيرية العالمية تنفيذ هذه الرغبة. وبعد البحث تمّ اختيار مبنى مدرسة يتسع لأكثر من ثمانمائة طالب مع أقسام إدارية وبجانبه كنيس يهودي في شمال غرب لندن، وكلاهما كان معروضاً للبيع، حيث كان المجموع مثالياً لتغطية الحاجة المتوخاة، فعملت المؤسسة على شرائهما ومن ثم تحويل الكنيس إلى مركز إسلامي يضمّ قاعتَين ضخمتين للصلاة للرجال والنساء، مع سائر المرافق، تقام فيهما الصلوات وتحيى المناسبات الإسلامية المختلفة، وكذلك تعطى دروس التثقيف الدينية لمختلف الأجيال.

كما يضمّ المركز قاعة للطعام وأخرى للمكتبة العامة إلى جانب المكاتب الإدارية لمؤسسة الإمام الخوئي الخيرية، ومنها تجري رعاية ومتابعة شؤون مراكزها المنتشرة في بلدان عديدة من مختلف القارات، ومنها المركز الإسلامي الذي أنشأته المؤسسة في مدينة سوانزي البريطانية. كما يضمّ المركز أيضاً المكاتب الإدارية لفرع بريطانيا الذي يعمل ما أمكنه على رعاية مختلف المؤسسات والأنشطة الإسلامية التي تقيمها الطائفة في بريطانيا، وكذلك فإن نادي الزهراء (ع) للفتيات المسلمات الذي ترعاه المؤسسة قائم فيه. ومما يجدر ذكره أن المؤسسة تصدر عن المركز ذاته مجلة شهرية باللغة العربية هي مجلة (النور) وهي تتناول الشؤون الثقافية والسياسية التي تهمّ المسلمين، كما تصدر مجلة باللغة الإنكليزية تحمل الاسم ذاته.. وأتجول في المركز الذي تمّ افتتاحه في حفل خاص في يوم الغدير 1992م، بعد تحويله داخلياً بشكل لائق بما يتلاءم مع الهندسة والمتطلبات الدينية الإسلامية، وكذلك تمييزه خارجياً بجعل لمسة إسلامية على مظهره الخارجي من خلال إقامة قبتَين بارزتَين على جناحي المدخل الرئيسي، وقد لفت نظري المحراب الجميل في قاعة الصلاة والمزين بنقوش وخطوط إسلامية بديعة.

ومنه أنتقل إلى مدرستَي الإمام الصادق (ع) للذكور، ومدرسة الزهراء (ع) للإناث، اللتين تحتلان أبنية المدرسة المشتراة المجاورة للمركز المذكور لأقابل مديرهما الدكتور محمد مهدي موحدي ولأتعرف منه على ما تقوم به هاتان المدرستان من دور هام في رعاية أبناء المسلمين.. ومع أن العطلة الصيفية كانت ما تزال مستمرة، إلاّ أن المدرستين لم تخلوَا من وجود تلامذة وتلميذات يتابعون دورات وتلميذات يتابعون دورات في التربية الإسلامية واللغة العربية والنشاطات الرياضية والترفيهية.

تحدث المدير عن المدرستَين اللتَين بدأتا تستقبلان التلامذة منذ السنة الدراسية 1991- 1992، بعد تهيئة المباني وتجهيزها بأفضل المستلزمات الحديثة من مختبرات وأجهزة كمبيوتر وقاعات طعام ورياضة وغيرها، وبعد إعداد الكادر التعليمي والجهاز الإداري الكفوءَين.

وذكر المدير أن المدرستَين المنفصلتَين بمبانيهما تضمّان حوالي 400 تلميذ وتلميذة، في المرحلتَين الابتدائية والمتوسطة، وهما تدرّسان المنهج الإنكليزي الرسمي بالإضافة إلى اللغة العربية والتربية الإسلامية بكفاءة عالية. وعن جنسيات التلامذة، قال: إنهم من مختلف البلاد الإسلامية ومختلف الأعراق والألوان، وجميعهم يلقون الرعاية والمحبة نفسيهما. أما عن أكلاف التعليم، فذكر أن المدرستَين تحمّلان الأهالي فقط حوالي ثلثي الكلفة العالية التي تقرب من ثلاثة آلاف جنيه لكل تلميذ.

المجمع الإسلامي العالمي

إنه من أقدم المراكز الإسلامية وأهمّها في لندن، زرت مبناه الكائن في منطقة (هولند بارك) وقد أطلعني بعض الاخوة من المعارف والأصدقاء العاملين فيه بعد جولة على أقسامه، على ظروف نشأته ونشاطاته الحالية المتعددة.. هو مبنىً متسع قائم على الطراز الإنكليزي التقليدي، مشرف على الطريق العام، وقد استحدثت داخله قاعة كبيرة للصلاة والنشاطات الثقافية وقاعة أخرى للمكتبة العامة وثالثة لإطعام الضيوف إلى جانب المكاتب وغرف التدريس والاستقبال، وكلها أدخلت عليها لمسة فنية إسلامية تضفي عليها رونقاً يبعث على الراحة والأنس.. تمّ تأسيس هذا المركز في ظل رعاية وتوجيهات المرجع الأعلى الراحل السيد محمد رضا الكلبيكاني (قده) سنة 1390 هـ 1974م، وكان سماحته قد أناط بنجله الأكبر السيد جواد مهمة تدبير شؤون المجمع وتيسير احتياجاته. والآن يقوم المجمع بفضل العلماء العاملين فيه وجهاز الموظفين والمتطوعين بخدمات دينية وثقافية واجتماعية جلّى لأبناء الجالية الإسلامية في لندن.

ومن تلك النشاطات الثقافية – كما علمت – إقامة صلاة الجماعة، والجمعة التي يحضرها جموع من المؤمنين وتلقى أثناءها خطبة الجمعة باللغتَين العربية والفارسية وتترجم وتطبع باللغة الإنكليزية، ومحاضرة دينية فكرية كل ليلة جمعة تختتم بقراءة دعاء كميل والزيارة، وكذلك إحياء جميع المناسبات الإسلامية الهامة والأعياد، وخاصة إحياء ليالي شهر رمضان عبر برنامج ثقافي وروحي واجتماعي خاص يستمر طوال الشهر. وهناك اهتمام خاص بإحياء ذكريات وفاة النبي  صلى الله عليه وآله  والأئمة الأطهار (ع) وعلى الأخص ذكرى استشهاد الإمام الحسين (ع) وصحبه (رض) في شهرَي محرم وصفر حيث تقام مجالس العزاء التي يحضرها جمع غفير من المؤمنين في الليالي العشرة الأولى من محرم الحرام، وفي العاشر منه تنظّم مسيرة حسينية حاشدة تبدأ من حديقة (هايد بارك) الشهيرة وتنتهي في المجمع، وفي ذكرى الأربعين يتمّ إحياء العشرة الأخيرة من شهر صفر بمجالس حسينية خاصة. ومن النشاطات الثقافيّة الثابتة للمجمع أيضاً، المكتبة العامة التي تضمّ حوالي 12 ألفاً من الكتب القيمة المتنوعة ويستفيد القرّاء من المطالعة داخلها ومن نظام الإعارة الخارجية للكتب، وهي توزع مجاناً ما يتوفر فيها من كتب سواءً في بريطانيا أو خارجها. ويقيم المجمع دورات تربوية إسلامية للأطفال والمراهقين، كما يعمل على تحقيق التواصل الفعّال مع المراكز الإسلامية المختلفة وتزويد بعضها بالإمكانات في حدود القدرة، إضافة إلى الإجابة على الأسئلة الفكرية والفقهية التي ترده. ومن الأنشطة الثقافية المميزة للمجمع عقد المجالس الخاصة بالمعتنقين الجدد للإسلام لتنميتهم فكرياً، وقد بلغ عدد الذي أشهروا إسلامهم في مقرّه 1244 شخصاً منهم 433 رجلاً والبقية من النساء.

أمّا الخدمات الاجتماعية التي يقدّمها المجمع لأبناء الجالية، فبالإضافة إلى الإرشادات الضرورية للقادمين للدراسة أو العلاج، فإنه تجري فيه عقود الزواج وتسوية مشاكل الأسر التي يمكن ان تؤدي إلى الطلاق، كما يجمع المساعدات المالية والعينية لتقدّم إلى المحتاجين بشكل منتظم.

مؤسسة دار الإسلام

ومن المراكز الإسلامية الناشطة التي دعيتُ إلى زيارتها، مؤسسة (دار الإسلام ) الحديثة العهد، التي افتتحت مركزها الجديد البديع الكائن في منطقة (كريكلوود) اللندنية السنة الماضية، وذلك في ذكرى المولد النبوي الشريف، كما تحدث بذلك رئيس مجلس أمناء المركز فضيلة السيد حسين الشامي، والذي ذكر أيضاً أن الإخوة المؤمنين من أبناء الجالية العراقية الذين كانوا يلتقون في حسينية المصطفى  صلى الله عليه وآله  في لندن، رأوا بعد تزايد أعداد المسلمين المهاجرين خصوصاً من أبناء الشعب العراقي المظلوم، ضرورة إيجاد مركز يستوعب حاجاتهم ونشاطاتهم الإسلامية، وذلك من خلال دعم المرجع الديني الراحل آية الله العظمى السيد الگلبيگاني (قدس) وتبرعات المؤمنين، حيث أمكن شراء مبنى المركز الذي سمّي بدار الإسلام، والذي كان سابقاً مركز احتفالات لسکان المنطقة، فجرى تحويله داخلياً بجهود المهندسين إلى مركز إسلامي يتلاءم مع الأنشطة المطلوبة.

يقع المركز شمال غرب لندن في منطقة يكثر فيها تواجد المسلمين، وتمتاز بقربها من مركز المدينة ومن مدارس إسلامية مجاورة، وهو يحتوي على قاعة رئيسية للصلاة ذات أقواس مزينة بلوحات جدارية إسلامية، وفي زاويتها يقع المحراب الجميل الذي تزينه آيات ونقوش إسلامية. وإلى جانب القاعة الرئيسية تقع قاعة المكتبة العامة المليئة بالمصادر والموسوعات والمراجع المهمة بالإضافة إلى المكتبة الصوتية والمرئية. وأصل إلى مكتب المراجعات الشرعية الذي يتلقى فيه السيد الشامي وإخوانه مراجعات المؤمنين بشأن قضاياهم من الزواج إلى الطلاق إلى المسائل الشرعية والأمور الاجتماعية.

وفي الطابق السفلي تقع قاعة مفروشة خاصة بالنساء وانشطتهن.

وعن النشاطات التي تقام في المركز أو يرعاها، أخبرت بأنه يصدر عن المركز مجلة (الفكر الجديد) الفصلية التي تعالج قضايا فكرية تواجه المسلمين في العصر الحاضر، ويساهم فيها علماء وباحثون من مختلف البلدان الإسلامية، كما يصدر عن الدار العديد من الكتب والدراسات الإسلامية.

والمركز هو مقرّ (رابطة الشباب المسلم) التي تقوم في بريطانيا بنشاطات ثقافية، كما تعقد مؤتمرات ثقافية سنوية بلغ عددها 28 مؤتمراً لحد الآن، ويدعى إليها العديد من العلماء والمفكرين.

وتقام في المركز صلاة الجمعة، كما تحيى المناسبات الإسلامية والاجتماعية المختلفة، وتعطى في المركز يوم السبت دروس باللغة العربية والمبادئ الإسلامية للأطفال، وكذلك تنظم دورات ثقافية للكبار في مختلف العلوم والمعارف الإسلامية.

 

الجامعة العالمية للعلوم الإسلامية

وانتقل بصحبة بعض الإخوة المشاركين في المؤتمر إلى منطقة (كيلبورن لاين)، لنزور مقرّ الجامعة العالمية للعلوم الإسلامية، ونتعرف على فكرتها الفريدة وعلى نظامها ومنهجها الجديدَين بالنسبة للمؤسسات التعليمية الإسلامية العالية.. هناك ألتقي مؤسسها ورئيس مجلس أمنائها رجل العلم والأعمال الدكتور محمد علي الشهرستاني الذي حدّثنا بإيجاز عما يتعلق بهذا الجامعة الجديدة، فبيّن أن فكرة الجامعة انبثقت عن (المؤسسة العالمية للخدمات الإسلامية) التي اكتسبت خبرة ربع قرن من العمل في مجال التأليف والترجمة والأبحاث المضنية، والتي بعد استلهام خبرة المراكز الأكاديمية الجامعية العالمية، عملت على وضع برنامج جديد للتعليم العالي للعلوم الإسلامية، يجمع بين الأسلوب التقليدي المباشر الذي يُعمل به في مختلف جامعات العالم، حيث يحضر الطلاب إلى الصف ويلقي عليهم الأستاذ محاضراته، وتجري لهم الامتحانات في نهاية كل سنة، وبين أسلوب الجامعات الحرة، أي التي تتم فيها الدراسة بالانتساب والمراسلة. وأسلوب الجامعة العالمية للعلوم الإسلامية يأخذ من النظامَين حسناتهما ويترك ما يعيق مادياً التحاق الطلبة بالجامعة، وما يؤثر على مستوى التعليم الجامعي وفعاليته.

لذلك يقوم نظام التدريس في الجامعة بشقّيه الانتاجي والتنفيذي، بأن تنعقد صفوف دراسية لتدريس المواد المقررة حيثما يوجد أستاذ قدير في اختصاصه (في اي نقطة من العالم) فيجري تسجيل محاضراته وملاحظات تلامذته على أشرطة فيديو، وهذه بالإضافة إلى الكتب المطبوعة تستنسخ وتوزع على الفروع التي يمكن أن تقام في أي مكان مراد في العالم، حيث يعرضها أستاذ مساعد على تلامذته في الصف وتجري مناقشتها والامتحان بها في نهاية السنة.. وهكذا تجري الأمور في كل مادة دراسية.. وهذا الأسلوب برأي الدكتور الشهرستاني يضمن مستوىً دراسياً عالياً ويساعد الطلبة غير الميسورين على متابعة دراستهم الجامعية الإسلامية بكلفة زهيدة.

وذكر أن الخطوة الأولى كانت فتح فرع في لندن لكلية الشريعة الإسلامية، التي هي إحدى ثلاث كليات تنوي الجامعة تأسيسها وإقامة فروع عالمية لها، وكان ذلك في سنة 1990 – 1410 هـ. ومدة الدراسة في هذه الكلية أربع سنوات يمنح في نهايتها الطالب شهادة بكالوريوس في العلوم الإسلامية. أمّا المجموعات الدراسية لهذه الكلية فهي أربعة: الفقه والأصول، اللغة العربية والعلوم الممهدة، القرآن والحديث، العلوم العقلية.

هذا وللجامعة مجلس أمناء وهيئة علمية مرتبطة بها وهي مشكّلة من عشرات الأساتذة من مختلف دول العالم الإسلامي من العلماء ومن أصحاب الاختصاص حملة الدكتوراه.

 

المركز العالمي لجماعة الخوجا الاثني عشرية في منطقة (ستانمور)

من المراكز الإسلامية الهامة التي وفّقت لزيارتها والاطّلاع عليها في لندن، مركز جماعة الخوجا الاثني عشرية الكائن في منطقة (ستانمور) بضاحية لندن.. والخوجا كما هو معروف إخوة مسلمون إماميون من أصول باكستانية وهندية اهتدوا منذ أزمان طويلة إلى الإسلام بعد أن تحولوا عن الهندوسية، وهم منتشرون في بلدان عديدة في العالم، وقد نالوا جنسيات تلك البلدان، وبينهم رجال أعمال كثيرون ناجحون وكذلك رجال علم واختصاص، وقد أقاموا لهم رابطة عالمية تهتم بشؤونهم وترعى جمعياتهم المحلية التي يؤسسونها أينما حلّوا، ومركز لندن في (ستانمور) يعتبر المركز الرئيسي للاتحاد العالمي لمسلمي الخوجا وهو مقرّ رئيس المجلس الإداري العالمي السيد ملاّ أصغر علي الذي هو في الوقت نفسه عضو مؤسس في رابطة أهل البيت (ع) العالمية ومؤسسة السيد الخوئي الخيرية.

يقع المركز في مبنى تاريخي جميل ومتسع، تحيط به مساحات خضراء ومرآب واسع للسيارات، وهو مؤلف من ثلاث طبقات علوية وطابق أرضي يستخدم كمطعم لشاغلي المركز من إداريين وطلاب وضيوف.. ويستخدم المركز لعدة أغراض، ففيه المكاتب الإدارية وقاعات الاجتماعات للمجلس الإداري، ويستخدم جزء من الطابقين الأول والثاني منه كمقرّ لمدرسة الإمام الخوئي الإسلامية العالمية، التي أسسها اتحاد مسلمي الخوجا. والباقي يشغله مدرسة حضانة للأطفال، ومعهد للفتيات، ولتعليم الكمبيوتر واللغة العربية. وكذلك مكاتب الجريدة اليومية التي تصدر عنه، وهناك قاعة الصلاة التي تقام فيها صلاة الجمعة والجماعة. وقد بلغت كلفة هذا المركز الذي افتتح سنة – 1989 – 5 ملايين جنيه.

وحول مدرسة الإمام الخوئي للدراسات الإسلامية الكائنة في المركز أُفدت أنها أسست في البداية في مدينة برمنغهام سنة 1985 ثم انتقلت إلى لندن، ويديرها مدير صارم محبّ للنظام ويعمل بجد لكي يبني طلاباً جيدين وأتقياء هو (مولانا ظفار عباس مالك). وتدرّس المدرسة اللغة العربية وآدابها والعلوم الإسلامية التي تدرّس في الحوزات الدينية، ومدة الدراسة فيها خمس سنوات يقيم اثناءها الطلبة غير المتزوجين داخل مبنى المدرسة.

المدارس الإسلامية الخيرية

لا مندوحة لزائر لندن ومستطلع مراكزها ونشاطاتها الإسلامية المعتبرة، إلاّ أن يقصد مباني المدارس الإسلامية الخيرية في شارع (سالزبوري)، حيث تقع مدرسة الفتيات الثانوية ومدرسة الأطفال اللتان ذاعت شهرتهما لجهة شهرة مؤسسهما المسلم البريطاني الأصل السيد يوسف إسلام، ولجهة الأخذ والرد بين إدارتهما وبين وزارة التربية البريطانية من أجل شمولهما بالمساعدات الحكومية ورفض الوزارة لذلك، وأخيراً لكون ثانوية البنات بمستواها العلمي الجيد تسدّ حاجة ملحة للمسلمين في لندن.

هناك التقيت السيد يوسف إسلام الذي كان سابقاً مغنياً شهيراً وأصبح بعد أن هداه الله تعالى للإسلام من أهم الشخصيات الإسلامية العاملة والمتحمّسة للإسلام في بريطانيا، بل له اهتمامات عالمية بأوضاع المسلمين خاصة من خلال منظمة الغوث التي أسّسها والتي تقدّم مساعدات للمنكوبين المسلمين في أوروبا والصومال وغيرها.

لم أشأ أن أحدثه في الوقت القصير الذي التقيته به عن قصّة إسلامه وأعماله التي باتت معروفة، بل رحت أتعرف منه على المدرستين اللتين يشرف عليهما مع مجلس الأمناء.

بدت لي المباني متّسعة، حسنة الهندسة، جميلة المظهر وجيدة التجهيزات. وقد ذكر الأخ (إسلام) أن الدراسة بهما بدأت سنة 1983 بقسم الأطفال، وفي سنة 1989 شرعت ثانوية البنات باستقبال التلميذات، وفي سنة 1990 تمّ شراء مبنى جديد كلفته 5و2 مليون جنيه ألحق بالمبنى القديم، وهو مبنى واسع أضيف إليه مسجد واستديوهات فنية ومختبرات، وقاعات رياضية ومشغل وقاعة طعام، وقال إن المدرستَين تعملان على إكساب التلامذة أفضل المستويات العلمية بالإضافة إلى التربية الإسلامية النموذجية.

المركز الثقافي الإسلامي والمسجد المركزي

كان عليّ تخصيص وقت أطول لزيارة وتفقد المسجد المركزي في لندن، والمركز الثقافي الكبير التابع له، كيف لا وهو المسجد والمركز الذي يعدّ الواجهة الأولى للمسلمين في لندن، وربما في بريطانيا على العموم، ليس فقط لأن الدول الإسلامية عبر سفرائها ممثلة فيه وهم يكوّنون مجلس أمنائه، بل لكثرة رواده سواء من المسلمين أو من غيرهم، ولتعدد نشاطاته، وبالتالي لموقعه الهام وبنائه المميز، حيث يعدّ المسجد من أكبر المساجد خارج العالم الإسلامي.

يقع المسجد المركزي في الحديقة العامة المسماة (ريجنت بارك) وهو يطلّ على لندن عبر قبته النحاسية الكبيرة ومئذنته الشامخة (45 متراً)، وفي اي وقت زرته تراه يعجّ بالمصلين والزائرين للتعرّف، أو المراجعين وأصحاب الحاجات، وطالبي العلوم الإسلامية وغير ذلك. وأستفيد نبذة عن المركز من مديره الذي لا يتوقف مكتبه عن استقبال المراجعين.

حيث يقول: نشأت فكرة المركز الإسلامي في لندن عام 1944، حين وافقت بريطانيا على طلب الحكومة المصرية بناء مسجد ومركز ثقافي في لندن مقابل بناء كنيسة في القاهرة، وتبرعت بريطانيا بثمن الأرض وهيّأتها، وتكوّن مجلس أمناء من جميع سفراء الدول الإسلامية في لندن على أن يرأسه دورياً واحد منهم، وتمّ افتتاح المركز القديم عام 1947 غير أنه ولعدم قدرته على الاستيعاب هدم سنة 1973 وأعيد بناؤه بشكل أحدث وأوسع وأفخم، ليقدّم الخدمات المطلوبة للمسلمين، وليكون مركزاً يشعّ الإسلام منه في هذه البلاد، وقد ساهمت الدول الإسلامية في نفقات بنائه خاصة الدول العربية الخليجية وإيران، وافتتح المركز الجديد والمسجد التابع له سنة 1977، وقد وضع تصاميمه المهندس المعماري البريطاني (فريدريك جيبرد) وما زالت الدول الإسلامية تؤمّن نفقاته بحصص ثابتة. ويتمّ في المركز أوجه عديدة من النشاطات، ففي المسجد الكبير والقاعة الفسيحة الفخمة – التي تتسع لألفي مصلٍّ، ومع الملحقات يصبح العدد 4000 مصلٍّ – تقام الصلوات جماعة بإمامة عالم أزهري، كما تعطى دروس دينية مختلفة، ويزداد رواد المسجد في شهر رمضان المبارك، ويصل عدد المصلين فيه مداورة أيام الأعياد إلى أكثر من 60 ألف شخص، كما تقام في القاعة السفلية الكبرى الاحتفالات في المناسبات الإسلامية ومنها مناسبة عاشوراء، وكذلك تلقى المحاضرات المختلفة. أمّا المركز الثقافي الذي يحيط بالمسجد بطوابقه الثلاث وبقاعاته المتعددة فينظم دورات دراسية إسلامية للصغار والكبار، ويقيم سلسلة محاضرات شهرية ويتلقى الاستفسارات الشرعية، ويصدر بعض النشرات والكتيبات الإسلامية باللغة الإنكليزية، كما يرسل المحاضرين والمتحدثين للتعريف بالإسلام إلى المدارس والجامعات والكنائس والمؤتمرات، وهو يستقبل سنوياً مئات الأشخاص الذين يرغبون باعتناق الإسلام. كما يزوره سنوياً عشرات ألوف الطلبة الإنكليز الذين تستقدمهم المدارس للتعرّف على الإسلام كجزء من المناهج المقررة في التعرّف على الأديان، هذا بالإضافة إلى خدمات المكتبة العامة الكبيرة، كما تجري في المركز نشاطات اجتماعية عديدة، منها إجراء عقود الزواج وتقديم العون للمحتاجين خاصة للطلبة منهم وذلك من أموال الزكاة والتبرعات التي تصل المركز، كما يهتم المركز بمساعدة المرضى والمساجين المسلمين في بريطانيا. وينظم المركز حملات التبرع لمساندة المسلمين المتضررين في أنحاء العالم.

مسجد شرق لندن

مسجد شرق لندن المعروف بهذا الاسم هو المسجد الآخر الذي زرته، وهو أقدم مسجد في لندن، ويقع في شارع (دايتشابل) في شرقي لندن، حيث تقيم جالية مسلمة كبيرة وفقيرة نسبياً، وهو المسجد الآخر في لندن المبني على الطراز الإسلامي إذ ترتفع فوق بنائه المربع الشكل مئذنة عالية وقبة كبيرة. البناء الأول البسيط لهذا المسجد كان عام 1910 وفي سنة 1940 تمّ توسيعه، وفي سنة 1975 هدم البناء القديم واقيم مكانه البناء الحالي المتسع الأنيق، وهو يحتوي على قاعة فسيحة للصلاة للرجال وفوقها قاعة أخرى للنساء، وتنتشر على جوانبه غرف امتلأت بمقاعد الدراسة يجري فيها تنظيم دورات للّغات الأصلية وللثقافة الإسلامية لأبناء الجالية بأصولهم العرقية المتعددة، وإلى جانب المسجد تقوم بناية كبيرة هي وقف للمسجد ويشغلها مصرف (البركة).

ومراكز اخرى

هناك مراكز أخرى كان لي حظ زيارتَها أو لقاء المشرفين عليها في قاعة المؤتمرات، وكلها تقوم بدور مشكور في خدمة الإسلام والمسلمين في لندن وبريطانيا امتداداً إلى الساحة الأوروبية عموماً، وليس لي إلاّ أن أعرّف عنها باليسير أو اكتفي بذكر اسمها آملاً أن تتاح للمجلة فرصة أخرى للحديث الموسّع عنها: ومن هذه المراكز والمكاتب:

المكتب الإسلامي للثقافة والاعلام في منطقة (ويليسون): ويشرف عليه العلامة السيد ضياء الدين مكي. ويستقطب نشاطه الثقافي والتبليغي الكثير من الشبان المسلمين العرب والإيرانيين والإنكليز المهتدين، وتصدر عنه نشرة شهرية إسلامية هي (ذي لاين) (The Line) التي يكتب فيها الشباب الانكليز المهتدين، وتهتم بالتبليغ بين المواطنين البريطانيين بشكل خاص. ومما يجدر ذكره إن هؤلاء الشباب النشطون يعملون على إنجاز مواد إعلامية وثقافية إسلامية، سمعية وبصرية ذات فائدة وأهمية.

مركز محفل عليّ في منطقة (أنورت هاروف): وهو المركز الآخر الذي أسّسه المسلمون الخوجا الاثنا عشرية، ويستقطب عنصر الشباب من كل الأعراق، ويقدّم خدمات دينية وثقافية واجتماعية جلّى، وتصدر عنه نشرة إسلامية هي: - (Inquiry).

المعهد الإسلامي للتبليغ والخطابة: الذي يشرف عليه العلامة السيد حسين الصدر وهو يعني بتدريس الشباب العلوم الإسلامية واللغة العربية في الفترة المسائية ليصبحوا مبلّغين مؤهّلين.

الادارة الجعفرية: وهي من أوائل وأقدم الجمعيات الإسلامية التي أسسها في لندن المسلمون الشيعة – الهنود والباكستانيون- ويقوم مركزها في منطقة (Church Lane)، وهو بناء مؤلف من طابقين، يضم قاعات فسيحة للصلاة والنشاطات الاجتماعية والتدريس بالإضافة إلى مكتبة عامة.

يرأس الجمعية حالياً فضيلة السيد رضا حيدر رضوي الذي يؤم المصلين في المركز، ويرعى النشاطات الثقافية. وتحيى في المركز الذي يتردد عليه المئات من المؤمنين الشعائر والمناسبات الإسلامية، وخاصة الأعياد ومواليد ووفيات النبي  صلى الله عليه وآله  والأئمة الأطهار (ع)، كما تقام شعائر أهل البيت (ع) في محرم الحرام وصفر. وتمتاز (الإدارة الجعفرية) بما اعتادت عليه من توزيع الطعام في شهر رمضان، حيث لا تقتصر في ذلك على المسلمين، بل تعمد إلى توزيعه على المعوزين من غير المسلمين، المتشردين بلا مأوى في الأزقّة والشوارع، وهم كثير في لندن، وهذا العمل يلاقي صدى طيباً وانعكاساً إيجابياً لصورة المسلمين.

ولا أنسى أخيراً أن أذكر من هذه المراكز والجمعيات حسينية الرسول الأعظم  صلى الله عليه وآله  والجمعية الإسلامية الكويتية، ودار الحكمة للإخوة البحرانيين، والجمعية التربوية الشيعية، وجمعية الإخوة الأفغانيين الهزارة، والجمعية الإٍسلامية العالمية التي يرأسها الشيخ عالمي، والحسينية الحيدرية للإخوة المسلمين الهنود، ومدرسة الهدى العربية التي تعنى برعاية وتربية مئات التلامذة. فهذه المراكز والمنتديات وغيرها الكثير مما لم أتمكن من زيارتها أو مقابلة أحدٍ من العاملين فيها، تؤدي جهوداً مشكورة في خدمة الإسلام والمسلمين خصوصاً للأجيال الجديدة التي تنشأ في تلك البلاد. وهذا الأمر يتبيّنه كل من زار بريطانيا في السنوات السابقة، ليعرف مقدار ما تحقّق من نجاح ونقلة نوعية في الحاضر على صعيد الحضور الإسلامي والاهتمام المتزايد بالإسلام في هذا البلد الغربي.

غير أن المرء مع ذلك يخرج من هذه الجولة بانطباع بارز وهو ضرورة قيام علاقات تنسيقية وتعاونية وثيقة بين المراكز والجمعيات الإسلامية هناك، وعلى الأقل بين المتجانسة منها في نشاطاتها حتى يتم اختصار الجهد وتفعيل الأثر، وهذا أيضاً لسان حال الكثيرين من أبناء الجالية الذين التقيتهم في لندن.