الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام)للتراث و الفكر الإسلامي  

هذا الكتاب

طبع ونشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف

شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي

وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً

قسم اللجنة العلمية في الشبكة


الصفحة 1

 

عَليٌّ وَمُناوِئُوه

 

الدكتور نوري جعفر


قدَّم له  :

الأستاذ عبد الهادي مسعود

بوزارة الثقافة والإرشاد القومي ومدير الفهارس العامة بدار الكتب المصرية

 

راجعه وعلَّق عليه  :

السيد مرتضى الرضوي

مؤلف كتاب : (مع رجال الفكر في القاهرة)

 

مطبوعات النجاح بالقاهرة
11


الصفحة 2

الطبعة الرابعة

1396 هـ ـ 1976 م

القاهرة

دار المعلّم للطباعة

8 شارع جنان الزهري بالمبتديان

 


الصفحة 3

بسم الله الرحمن الرحيم

(وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا)

قرآن كريم


الصفحة 4

كلمة مجلة "المسلم" وجريدة "المساء" القاهرية حول كتاب : (علي ومناوئوه)

في رحلتي إلى القاهرة عام 1394 هـ موافق 1974 م لنشر كتابي (مع رجال الفكر في القاهرة) كنت قد راجعت كتاب : (علي ومناوئوه) للدكتور نوري جعفر وعلَّقت عليه في الهامش بعض التعاليق التي كان يجب التنبيه عليها والإشارة إليها وكنت أهملتها في الطبعة الثانية لضيق الوقت آنذاك وهذه الطبعة هي الطبعة الثالثة كما تجدها كاملة والحمد لله .

وقد نشرت مجلة المسلم الغراء في عددها الرابع في السنة الخامسة والعشرين الصادر في ذي القعدة عام 1394 هـ الكلمة التالية :
 

علي ومناوئوه :

أصدر السيد الرضوي في سلسلة مطبوعات النجاح بالقاهرة كتاب : (علي ومناوئوه) للدكتور نوري جعفر بتقديم الأستاذ عبد الهادي مسعود وبتعليق السيد مرتضى الرضوي ، وهو حديث مفصل عن الفتنة الكبرى بين علي ومعاوية بتحقيق حديث في نحو مئتي صفحة من القطع الكبير ، وطباعة فيها عناية واضحة ، واهتمام بالغ .
وقد نشرة جريدة المساء القاهرية في عددها الصادر يوم السبت / 28 ديسمبر / عام 1974 م الكلمة التالية :
مكتبة النجاح في طهران أصدرت بحثاً تاريخياً عن الإمام علي (رضي الله تعالى عنه) في تعليق السيد مرتضى الرضوي وتقديم العالم الإسلامي المصري عبد الهادي مسعود .  الكتاب في مئتي صفحة ويتناول تاريخ صدور الإسلام ، وما كان بين رجال الشورى وأهل الحل والعقد بعد وفاة الرسول (صلَّى الله عليه وسلَّم) ويعرض لنا المؤلف خاصة ما دار من حروب بين علي ومعاوية ، وبين أهل العراق وأهل الشام ، وما كان من مقتل علي وتولِّي معاوية للخلافة من بعده فانتقل نظام الحكم في الإسلام من الشورى والإجماع إلى حكم السيف والقوة ، والاستبداد .

مرتضى الحاج سيد محمد الرضوي       


الصفحة 5


بسم الله الرحمن الرحيم

لقد كان من واجبي أن اعترف على نفسي بالتقصير أو القصور ، إذ كتبت ترجمات عديدة عن شخصيات أوربية أو أجنبية ولم أتمكن من الكتابة عن عظماء التاريخ الإسلامي ، وعلى رأس هؤلاء الإمام علي (عليه السلام) .
ولم يكن بد ـ كما يحدث غالباً ـ أن ألقي بظلال هذا العتاب على الظروف والملابسات التي مرت ولا تزال تمر بي لأدفع عن نفسي هذا القصور والتقصير أمام جمهور أحبه كل الحب ـ بل أحبه إلى حد العشق ـ وهو جمهور القارئين في الأقطار العربية والإسلامية الشقيقة .
وتقدم إلى الأستاذ مرتضى الرضوي لا كتب مقدمة لكتاب الدكتور نوري جعفر : (علي ومناوئوه) ، وكان ذلك في منتصف شهر شعبان 1394 هـ الموافق أواخر الشهر الثامن أغسطس 1974 م ، فقلت مالنا ومناوئيه ولست منهم ولا شك أيها القارئ الكريم ، كما وأنني لست منهم على التحقيق ، ولقد أقبل الموسم القضائي ـ أيها الصديق المرتضى ـ ولنا فيه معارك على ساحة مجلس الدولة ، مما قد يشغلنا عن كثير مما يتوجب بذل الجهد والوقت فيه من قضايا الفكر والعقيدة والإيمان .
كنت أتوق إلى الكتابة عن الإمام علي بن أبي طالب منذ أمد بعيد ، وهو أول فتى في الإسلام وفارس فرسانه ، وكنت ولا زلت أتوق لأن تكون الكتابة عنه تمهيداً لي وتمهيداً للقراء أن أكتب عن الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) .


الصفحة 6


والكتابة عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كتابة عن الإيمان وكتابة عن الحكم الإسلامي في ظل الإيمان ، وكتابة عن الإسلامية الصحيحة ، ودفاع عن المسلمين على مر العصور ، من حضر منهم في عهد علي (عليه السلام) ، ومن حضر بعده أو قبله ، منذ نزلت الرسالة على رسول الله محمد بن عبد الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) .
كان عليَّ أن أنتظر سانح فرصة لأسجل بعض ما خطر في ذهني عن هذا الرجل العظيم . وكان علي بن أبي طالب (عليه السلام) كما ورد في الإصابة : قد اشتهر بالفروسية والشجاعة والإقدام فهل كانت شهرته قاصرة على هذا المجال فحسب ؟!
لقد أجمع الرواة ـ وترى ذلك متواتراً طبقة عن طبقة ـ أن علي بن أبي طالب هو أول فتى دخل في الإسلام ، وسارت الركبان بهذا الحديث يسوقونه على أنه ميزة لعلي ، بمعنى أنه لم يعش الجاهلية ، وإنما يكاد يكون مسلماً منذ أدرك ، فهل كانت هذه هي ميزته فحسب ؟!
كان علي ابن عم الرسول الأعظم ومتبناه .
وكان علي أخاً لرسول الله والرسول ، أخوه ـ كما يروي الرواة الثقات ـ نقلاً عن الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) نفسه ، حيثما كان يتحدث عن ابن عمه علي .
وكان بمنزلة هارون من موسى ، غير أنه لم يكن ثَمَّة نبي بعد محمد بن عبد الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) .
وكان هو وزير النبي وخليفته من بعده
(1) .
ـــــــــــــــــ
(1) انظر : المستدرك على الصحيحين : 3 / 109 . مسند الإمام أحمد : 4 / 281 (الطبعة الأولى) . خصائص الإمام علي للحافظ النسائي : 21 (طبعة مصر) . تفسير الفخر الرازي : 13 / 48 ـ 49 . أسباب النزول للواحدي : 135 (طبعة مؤسسة الحلبي) . حياة محمد للأستاذ محمد حسين هيكل : 104 (الطبعة الأولى) . جريدة السياسة المصرية : ملحق عدد 2751 .


الصفحة 7

وتلك نصوص قاطعة عن الرسول ، قاطعة الدلالة على إمامة علي ، فهل تكفي هذه الإشارات اللامحة للكشف عن أحقيته في الإمامة عليه الإسلام ؟

قال ابن مسعود في شأن الإمام : (كنا نتحدث عن أن أفضل أهل المدينة هو علي) ، بل إن عمر نفسه كان يتعوذ من معضلة ليس لها أبو الحسن ، وكان يقول : (لولا علي لهلك عمر) ، وهناك جوانب أخرى عديدة يجب أن نجليها لأنفسنا وللعالم كله على السواء ...
لقد نقض بعض الذين بايعوا علياً ، ونقضوا ما عقدوا عليه العزم وكانت الحروب بين المسلمين أن انتهى صراعها بانتصار الأقوياء ، ولم تنته المعارك بانتصار الحق ، إذ لو انتصر الحق لكان علي (عليه السلام) هو الحقيقة المجسدة ، وكان نصره فوق كيد الكائدين ، وقوة المال والسلاح ، وسطوة البغي والغرض ، والدهاء والإغراء .
ولأمر ما أراد الله أن تدخل دولة المسلمين في محنة كبرى ، ولما تستقر أصول الإسلام في نفوس الناس ، ولا سرت روحه في دمائهم على الوجه الذي كنا نظنه في أول دراسة لنا لقضية صدر الإسلام ، ومن المعلوم الذي يجب أن يكون بديهة في نفوس الباحثين أن نعلم أن الإسلام هو صحوة المستقبل للعالم كله ، ولم يكن ـ كما كنا نتخيَّل أحياناً ـ دعوة الزمن الذي ظهر فيه وحده ... لأن إطاره المكاني هو العالم كله ، والإطار الذي يتحرك من خلاله ـ من حيث الأزمنة والعصور ـ هو كل الأزمنة وكل العصور ، منذ ظهر الرسول (صلوات الله عليه) حتى يرث الله الأرض ومن عليها .
ولقد علمنا من الصراع بين علي (عليه السلام) وبين معاوية أن السلطة قد انتقلت إلى معاوية بن أبي سفيان بن حرب ... وأمه هند آكلة الأكباد .. التي نهشت جسد عم الرسول حمزة (عليه السلام) ، وفلقت رأسه ، وأكلت كبده ؛  شفاء لحقدها على الرسالة وأهلها حينذاك . واستبد معاوية بالناس ، وأحال


الصفحة 8

الخلافة ملكاً عضوضاً ، واستحصل من الناس ، جبراً وقسراً ، على عهد لابنه (يزيد) .. ونحن نعلم من هو (يزيد) ! وما كان عجباً أن يكون هو (يزيد) ؛ لأنه وارث القسوة والفجر ، ومستمد الفساد من شجرة الفساد .. والعرق دساس ... ونحن لا نجري الأبحاث ـ مع الأسف الشديد ـ عن شجرة الرجال ، وأصول الرجال .
لقد عمل اليهود ـ من خلال كل الجهود ـ على تدمير علم الأنساب لتختلط العائلات ويمكن من خلال هذا الاختلاط أن يندس في وسط كل قطر من أقطار الإسلام طبقة من اليهود يدعون الإسلام ليفسدوا فيه ، وكانوا يناصرون كل من يدعو للفتنة .
ولكن بنية الإسلام القوية رغم كل ما مر بها لم تتوقف عن النماء ولم يزعزع عقيدة الإسلام ما مارسه بنو أُمية من طغيان .

ولقد أحاط المفسدون بحكام الدولة الإسلامية ليحولوا بينهم وبين كل إصلاح ... محاولين إيقاع الفتنة في دولة المسلمين . لقد قيل : إن بناء الجماعة تصدع على عهد علي ، ومن قبله كان الثائرون يحاصرون بيت عثمان ، فهل قرر هذا أو ذاك : مصير الإسلام والقرآن ؟!
إن هذا الدين الخالد مر بهذه المحنة وبغيرها من المحن وخرج منها أقوى مما كان من قبلها ؛ ذلك أن بنية العقيدة أقوى من أن تحطمها الرضوض والآلام . أكلت الحروب بين علي وخصومه عدداً كبيراً من المسلمين ولم يكن متوقعاً أن يحدث ذلك على وجه من الوجوه ، إلا أن اتساع الملك والسلطان كان يقتضي ذلك ، وكان يقتضي غيره من ألوان الصراع ... وكانت هذه المحن ـ في رأيي ـ هي درجة الغليان التي أحاطت بالدين الجديد فحفظت الشعب أن ينهار أمام الحضارات المجاورة ، وأمام الفتوحات الوسيعة المدى ، بما تحتويه من أفكار جديدة ، واتجاهات متعددة مختلفة الألوان والأحجام .


الصفحة 9

إن علينا أن ندرس كل أولئك حين ندرس شخصية هذا البطل العظيم في تاريخ الإسلام علي بن أبي طالب (عليه السلام) . وعلينا أن نعلم : أن انفصام عرى الوحدة بين المسلمين ، وتفرقهم في الآراء والمذاهب والأحزاب ؛ كل ينصر رأيه بالقول وبالعمل على رأي خصمه ، وكل يصارع في سبيل عقيدته هذه أو تلك ، بالفكرة حيناً وبالسلوك أحياناً . وعلينا أن ندرك أن هذا كله وغيره ليس إلا دلائل صحة ، لا دلائل وهن أو هزيمة ، وأن الصراع دائماً يدل على اليقظة لا على الموت ، ما دام لا يفضي إلى انشقاق في صفوف الأمة ، أو مواجهة عدائية بين الطوائف .
وقد اكتمل الدين حينما اكتمل نزول القرآن ، ولقد كان الإسلام على عهد الرسول دعوة وفكرة أكثر منه دولة وسلطاناً ، وإذا كان النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) قد أقام دولة على أساس من التشريع القرآني ، فقد كانت دولة صغيرة الحدود على أية حال ، ولكنها كانت نواة قوية ، قابلة دائما على النمو والازدهار ، وبقي أن تكتمل الدولة بعد ذلك فتوسع من آفاقها وتنشر من سلطانها على هذه الأسس السليمة . كانت نواة في مثل صلابة (الجرانيت) يحمل لواءها نفر من المؤمنين الأتقياء لا يبالون أين يكون الموت ، إذ هو ـ عندهم ـ دور من أدوار الحياة ، ومرحلة من مراحل الوجود ، فهم لا يخشون شيئاً ولا أحداً ولا دولة من الدول ، ولا حكومة من الحكومات ، وإنما يذيعون نظريتهم في مجال الفكر وفي مجال التطبيق على السواء ، وقد بدأ صفوة المسلمين ، وعلى رأسهم علي (عليه السلام) ، يتوقون إلى بناء الدولة الوليدة ، على أساس من النظرية والعقيدة ، واختلفت الآراء بين الصفوة وبين عامة من المسلمين ، ممن لم تتدخل العقيدة في مسرى دمائهم ...
كانت الدولة وليدة في المهد ، وقد تعرَّض الوليد لكل ما يتعرض له الوليد من محن تكبر في عينه هو ، وأن صغرت في عين الزمن ، الذي اثبت دائماً أن البقاء للأصلح ، وأن الخلود للإيمان .


الصفحة 10

مرت دولة المسلمين في محنة كبرى فآذت المحنة دولتهم ، ولم تنل من دينهم ، وللنشأة الجديدة ثورات وحركات وصراعات ، سنرى جوانب منها حين ندرس الإمام ، وما أحاط به ، وبالمسلمين من حوادث ، وأحداث ...
وسنرى جوانب منها حين نطالع صفحات هذا الكتاب .

عبد الهادي مسعود             
القاهرة                   

18 / شعبان / 1314هـ . 5 / سبتمبر / 1974 م


الصفحة 11

 

مقدمة المؤلِّف

خالجتني فكرة البحث في هذا الموضوع منذ زمن بعيد ، غير أن أموراً كثيرة قد حالت ـ مع الأسف الشديد ـ بيني وبين إخراجها إلى حيز الوجود ، وعند ما قررت الحكومة العراقية إعفائي عن الخدمة ـ بالشكل المعروف ـ ساورني ألم وامتعاض شديدان ، فطفت أبحث عن وسائل تعينني على التعبير عن ذلك الألم وهذا الامتعاض ، وما هذه الدراسة في جوهرها إلا أحد الجوانب الايجابية لذلك التعبير ، وقد شجعني على ذلك عامل أشار إليه أبو جعفر ابن أبي زيد نقيب البصرة قبل زهاء سبعمئة عام ذكره ابن أبي الحديد حين قال : (قلت لأبي جعفر النقيب ما سبب حب الناس لعلي .. دعني في الجواب من حديث الشجاعة والعلم والفصاحة ؟ ... فضحك وقال : ... إن أكثر الناس موتورون في الدنيا . أما المستحقون فلا ريب في أن أكثرهم محرومون ! نحو عالم يرى أن لاحظ له في الدنيا ، ويرى جاهلاً غيره مرزوقاً وموسعاً عليه . وشجاع قد أبلى في الحرب .. وليس له عطاء يكفيه .. ويرى غيره ، وهو جبان ، مالكاً لقطر عظيم .. . وعاقل سديد التدبير قد قدر عليه رزقه ، وهو يرى غيره أحمق مائقاً تدر عليه الخيرات .
فإذا عرفت هذه المقدمة فمعلوم أن علياً كان مستحقاً محروماً ، بل هو أمير المستحقين المحرومين . ومعلوم أن الذين ينالهم الضيم يتعصب بعضهم لبعض .. وعلي رجل عظيم القدر جليل الخطر كامل الشرف جامع للفضائل .. وهو مع ذلك محروم محدود قد جرعته الدنيا علاقمها .. وعلا عليه من هو دونه .. ثم كان في آخر الأمر أن قُتل هذا الرجل الجليل في محرابه ، وقتل بنوه وسبي حريمه ونساؤه ، وتُتُبِّع أهله وبنوه بالقتل والطرد والتشريد والسجون ، مع فضلهم وزهدهم وعبادتهم وسخائهم وانتفاع الخلق بهم)
(1) .
ـــــــــــــــــ
(1) يدنف : أي يجهز عليه بالقال .


الصفحة 12

طفقت إذن أبحث في هذا الموضوع المعقد الشائك ، وقد أنار أمامي سبيل البحث كبار المؤرخين المسلمين من حيث تدوين الوقائع التاريخية ، كما أنار سبيلي كذلك ـ من حيث تحليل تلك الحوادث وتفسيرها ـ فريق من الكتاب المصريين المحدثين ، فانقسمت هذه الدراسة من حيث وحدة موضوعها إلى ثلاثة أقسام :

* بحثت في القسم الأول منها قصة الخلافة بثلاثة فصول :

ـ تطرقت في الفصل الأول إلى : مسألة الوصية .

ـ وفي الفصل الثاني إلى : حديث السقيفة ، الذي بدأ ـ على ما أرى ـ والرسول مسجى على فراش الموت ، وانتهى بمقتل عثمان ، لا بخلافة أبي بكر كما هو معروف .

ـ وبحثت في الفصل الثالث : خلافة الإمام .

* أما القسم الثاني من الكتاب فيتضمن البحث فيما سميته : (قميص عثمان) ، ويقع في ثلاثة فصول أيضاً :

ـ تطرقت في الفصل الأول منها إلى : حركة الناكثين / أصحاب الجمل .

ـ وفي الفصل الثاني إلى : تمرد القاسطين / أصحاب صفِّين .

ـ وفي الفصل الثالث إلى : مسألة التحكيم وخروج المارقين ومصرع الإمام .

لقد ساقني البحث ، في معرض التحدث عن قميص عثمان ، إلى الاعتقاد بأن الصراع بين علي ومناوئيه ما وهو في جوهره إلا صراع بين فلسفتين : فلسفة خلقية مثالية ، تستمد أصولها من القرآن وسنة الرسول ، سار عليها الإمام في حكمه . وفلسفة ملتوية غادرة ، تستمد مقوِّماتها من حياة العرب في جاهليتهم ، انغمس فيها مناوئوه إلى الأذقان . ولعل الصراع بين علي ومناوئيه يعيد إلى الذاكرة قصة الصراع الذي حدث بين النبي وكفَّار قريش تحت زعامة الأُمويين . وإذا كان النصر قد كتب للنبي في نزاعه مع مناوئيه لاعتصامهم بالأوثان ، فإن النصر لم يكن في متناول الإمام لتقمُّص مناوئيه (1) رداء الإسلام .
ـــــــــــــــــ

(1) معاوية ومن هم على شاكلته . ومن المحزن حقاً أن يتخذ بعض الناس من هؤلاء إبطالاً يدرسون سيرتهم للناشئة في الوقت الذي يريدون من تلك الناشئة أن تتحلَّى بمكارم الأخلاق التي جاء بها الدين الحنيف ، فالاستقامة التي يدعو إليها الدين والغدر الذي سار عليه معاوية ضدان لا يجتمعان .


الصفحة 13

فكان خصوم الرسول المندحرين من الأمويين ومن هم على شاكلتهم قد حاربوا ابن عمه بعقائد آبائهم الكامنة وراء ستار الإسلام . فمعاوية ـ مثلاً ـ هو ابن هند آكلة الأكباد ، وأبوه أبو سفيان أول المشركين في كل حرب ، ورأسهم في كل فتنة ، لم ترفع على الإسلام راية إلا وكان صاحبها . تظاهر بالإسلام غير منطو عليه ، وأخفى الكفر غير مقلع عنه ، ويلوح لي أن غدر معاوية قد أصاب روح الإسلام قبل أن يصيب أبا تراب (1) . فقد انفسح باغتيال علي المجال واسعاً أمام قوى الشر التي حبسها الإمام في نطاق ضيق من خشية الله ، ومبادئ الدين الحنيف ؛ فتلاشت من القلوب حرارة الإيمان التي كانت تجمع بين قلب الخليفة الكبير وقلوب رعاياه ، واستهان الولاة والحكّام بتطبيق مبادئ الإسلام على شئون الحياة ، وعمدوا إلى كسب ولاء الناس بوسائل فاسدة من الرشوة والملاينة أو الإرهاب والتجويع ، فذرى روح الإسلام وانطوت مبادئه على نفسها بدلاً من أن تسير في طريق التوسُّع والانتشار . وكانت حصيلة ذلك انتشار التذمر والإلحاد في جسم المجتمع العربي وتدنِّي المستويات الخلقية الرفيعة بين الحكَّام والمحكومين على السواء ، فبرز الاستهتار والظلم والخروج على القرآن وتعاليم الرسول من جهة الحاكمين ، والانقياد والملق والنفاق من جهة الرعايا . واختفى القائلون بالحق وراء سحب المطاردة والاضطهاد ، فأصبح المطالبون بحقوقهم (زنادقة) و(ملحدين) و(رافضة) ، وصار الوصوليون والمنافقون أصحاب الحظوة والكلمة النافذة ، فجريرة معاوية ـ إذن ـ أكبر من مجرد غدره بالإمام ؛ لأنها أصابت صرح الإسلام من حيث هو نظام للحكم ومجموعة من المثل العليا ومكارم الأخلاق .

ذلك ما يتصل بالقسمين الأول والثاني من هذه الدراسة .

* أما القسم الثالث فيروي للقارئ مقتطفات من سيرة الإمام رواها كبار المؤرخين المسلمين ، ونماذج من سيرة معاوية أثناء نزاعه مع الخليفة . وبما أني كتبت هذا البحث متأثراً بالمثل العليا التي جاء بها محمد ؛ والتي حرص عليٌّ على تطبيقها في الحكم ، وبخاصة ما يتصل منها بتوزيع العدالة الاجتماعية بين الناس وبالتحلي بمكارم الأخلاق ،
ـــــــــــــــــ
(1) لا مجال للتفكيك بين الإسلام وعلي (عليه السلام) (الناشر) .


الصفحة 14

فلا عجب إن وجدني القارئ أنتقد الذين خرجوا على تلك المثل في الأقوال وفي الأعمال من الحكام والأمراء والولاة . قال تعالى في سورة آل عمران : (إِنَّ الَّذينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَليم‏ * أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ) (3 : 21 ، 22) .

وذكر مسلم بن الحجاج في صحيحه بأسانيد مختلفة عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : (قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) : (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً ، ومن كانت فيه خلة منهن كانت فيه خلة من نفاق حتى ينزعها : إذا حدث كذب ، وإذا عاهد غدر ؛ وإذا وعد اخلف ، وإذا خاصم فجر) (1) . والمنافقون ؛ كما وصفهم الله في سورة المنافقين : (اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (63 : 3) ، وسوف نتخذ هاتين الآيتين والحديث الآنف الذكر مقياساً للحكم على علي ومناوئيه أثناء البحث في (قميص عثمان) .

حق وباطل ، أبديان سرمديان ، لكل زمان حقه وباطله ، ولكل زمان علي ومناوئوه .

بغداد في : 1/ 1 / 1956                

نوري جعفر                       

ـــــــــــــــــ
(1) انظر : صحيح مسلم ، ج 1 ، ص 42 .


الصفحة 15

القسم الأول : [ قصة الخلافة 11 ـ 35 هـ ]


الصفحة 16

قصة الخلافة

11 ـ 35 هـ

1 ـ الفصل الأول : مسألة الوصية  .
2 ـ الفصل الثاني : حديث السقيفة  .
أ ـ أبو بكر الصديق (11 ـ 13 هـ)  .
ب ـ عمر بن الخطاب (13 ـ 23 هـ) .
ج ـ عثمان بن عفان (23 ـ 35 هـ) .
3 ـ الفصل الثالث : خلافة الإمام (35 ـ 40 هـ) .


الصفحة 17

 

[الفصل الأول : ] مسألة الوصية

الخلافة ـ بنظر فريق من المسلمين ـ مركز ديني ودنيوي في آن واحد . فهي دينية من حيث كونها تستند إلى تعاليم الإسلام في تصريف شئون الناس فيما يتعلق بصلاتهم في جميع مظاهرها من جهة ، ومن حيث كون صاحبها معصوماً من الخطأ كعصمة الأنبياء ، عالماً بجميع أمور الدين ومن جهة أخرى . وهي دنيوية فيما يتصل بكون الخليفة شخصاً لا ينزل عليه الوحي ، وإنما هو مكلَّف ، بنص من النبي ووحي من الله ، بالمحافظة على تعاليم الدين وتطبيقها على سنن الحياة والنهوض بالرسالة النبوية وبثِّها بين البشر كافة .

فالخلافة على هذا الأساس ظاهرة تأتي بعد مرتبة النبوة مباشرة في القدسية والأهمية ؛ فلا غرابة والحالة هذه ، على ما يقول حملة هذا الرأي ، أن أمر الله نبيه محمداً بالنص على ولاية خليفته من بعده : وهذا الخليفة هو الإمام علي بن أبي طالب . غير أن قسماً من المسلمين ـ حسب وجهة النظر هذه ـ قد سلب الإمام علياً حقه في الخلافة حينما نقلها منه إلى غيره من الصحابة ، ولكن الإمام علياً ـ مع هذا بنظر هؤلاء ـ هو الخليفة الحقيقي للمسلمين بعد الرسول ، وإن لم يمارس منصبه هذا بحكم طبيعة الظروف التي عاش فيها .
والأساس الذي يستند إليه هذا الفريق من المسلمين في اعتباره الخلافة منصباً دينياً ؛ هو أن الرسول ، بعد أن فارق الحياة الدنيا تاركاً تعاليمه الدينية ، كان لابد له من تولية شخص يأتي من بعده في الكفاءة والخُلق ليقوم بتصريف أمور الناس ، وذلك لأن الغاية من نزول الدين ليست محصورة على تطبيقه في عهد الرسول وبين قريش أو العرب وحدهم ، ولابد لتطبيق تعاليمه بعد وفاته من شخص ـ كما ذكرنا ـ أقرب الناس إليه من حيث فهمه لأصول الدين واتصافه بمتانة الأخلاق .


الصفحة 18

وليس من المعقول أن يُترك أمر المسلمين ، بعد وفاة الرسول ، إلى الصدف والظروف في هذه المسألة الحيوية التي يتوقف عليها مصير الشريعة السمحاء من حيث التطبيق والانتشار . وأنَّ قصة اختيار المسلمين لخليفتهم بعد النبي ، أمر على جانب كبير من الخطر والمجازفة ؛ فمن هم الذين يوكل إليهم اختيار الخليفة الجديد ؟ هل هم جميع المسلمين ؟ أم فئة خاصة منهم ؟ ما خصائص هذه الفئة ؟ هل هي مقصورة على أبي بكر وعمر وأبي عبيدة في بادئ الأمر ونفر من الأنصار اجتمعوا في السقيفة كما سنرى ؟ أليس استبعاد علي وبني هاشم وسعد بن عبادة وابنه ، وسلمان الفارسي ، وأبي ذر الغفاري ، والمقداد بن الأسود ، وعمار بن ياسر ، والزبير بن العوام ، وخالد بن سعيد ، وحذيفة بن اليمان ، وبريدة .. وغيرهم (وهم من خيرة أصحاب النبي) بجعل الخلافة ، وفي حالة اقتصارها على رأي فئة خاصة من الصحابة ، غير كاملة الشروط ؟
هل يمكن أن يتوصل المسلمون إلى اختيار أفضلهم للخلافة مع ما بينهم من أحقاد وعنعنات قبلية جاهلية لم يستأصلها الإسلام كما سنرى ؟
هل كان الرسول راغبا في إثارة تلك العصبيات ؟
كيف يجري اختيار الخليفة : بالتصويت الشفوي ؟ أم بالكتابة ؟
كم من المسلمين يستطيعون أن يقرءُوا ويكتبوا آنذاك ؟
أين يجري الانتخاب ؟ أفي الحواضر والبوادي ؟ وكيف يمهد لذلك الانتخاب ؟ وكم يستغرق من الوقت ؟ وكيف تصرف شئون المسلمين أثناء فترة الانتخاب
تلك أسئلة محيِّرة ... ؟
لقد مر بنا ذكر رأي فريق من المسلمين في قضية خلافة الرسول . وقد لخَّص أحد الباحثين موضوع الخلافة والوصية من وجهة النظر هذه بقوله
(1) :
ـــــــــــــــــ

(1) عبد الحسين أحمد الأميني النجفي ، الغدير في الكتاب والسنة والأدب ، الطبعة الأولى ، مطبعة الغري في النجف ، 1945 م ، ص 8 ـ 11 .


الصفحة 19

أجمع رسول الله الخروج إلى الحج في سنة عشر من مهاجره ، وآذن في الناس بذلك ، فقدم المدينة خلق كثير يأتمون به في حجته تلك التي يقال عليها : حجة الوداع ... ولم يحج غيرها منذ هاجر إلى أن توفاه الله ...  ولما قضى مناسكه وانصرف راجعاً إلى المدينة .. ووصل غدير خم من الجحفة التي تتشعب فيها طرق المدنيين والمصريين والعراقيين ، نزل عليه جبرائيل عن الله يقول : (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) (1) .. وأمره أن يقيم علياً علماً للناس .. ثم قام الرسول خطيباً .. وأخذ بيد علي فرفعها .. فقال : (إن الله مولاي وأنا مولى المؤمنين) .. والولاية لعلي ، (من كنت مولاه فعلي مولاه) (2) .. ثم نزلت الآية : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) (3) ، فقال رسول الله :[ الحمد لله ] (4) على إكمال الدين وإتمام النعمة ... والولاية لعلي من بعدي) .
ومن الطريف أن نذكر هنا أن المقريزي
(5) قد أشار إلى احتفال قسم من المسلمين القدامى بذكرى عيد الغدير حين قال :
(اعلم أن عيد الغدير لم يكن عيداً مشروعاً ، ولا عمله أحد من سالف الأمة المقتدى بهم ، وأول ما عرف في الإسلام بالعراق أيام معز الدولة علي بن بابويه ، كان أحدثه في سنه اثنتين وخمسين وثلاثمئة ، فاتخذه الشيعة من حينئذٍ عيداً ، وأصلهم فيه ما خرجه الإمام أحمد في مسنده الكبير من حديث البراء بن عازب قال : كنا مع رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) في سفرتنا فنزلنا بغدير خم ونودي :
ـــــــــــــــــ

(1) المائدة : الآية 67 .
(2) انظر : عبقات الأنوار ، مجلد : حديث الولاية .
(3) المائدة : الآية 3 .
(4) ما بين المعقوفين سقط من الأصل .
(الناشر)
(5) الخطط : 1/ 288 ـ 389 .


الصفحة 20

الصلاة جامعة ، وكسح لرسول الله تحت شجرتين فصلى الظهر ، وأخذ بيد علي بن أبي طالب فقال : ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قالوا : بلى .. قال : من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه . قال : فلقيه عمر بن الخطاب فقال : هنيئاً لك يا ابن أبي طالب ، أصبحت مولى (1) كل مؤمن ومؤمنة . (وغدير خم) على ثلاثة أميال من الجحفة يسرة الطريق وتصب فيه عين وحوله شجر كثير . ومن سننهم في هذا العيد ، وهو أبداً اليوم الثامن عشر من ذي الحجة ، أن يحيوا ليله بالصلاة ، ويصلوا في صبيحته ركعتين قبل الزوال ، ويلبسوا فيه الجديد ويعتقوا الرقاب ، ويكثروا من عمل البر ومن الذبائح . ولما عمل الشيعة هذا العيد بالعراق أرادت عوام السنة مضاهاة فعلهم ونكايتهم فاتخذوا في سنة تسع وثمانين وثلاثمئة بعد عيد الغدير بثمانية أيام عيداً أكثروا فيه من السرور واللهو وقالوا : هذا يوم دخول رسول الله الغار هو وأبو بكر . وبالغوا في هذا اليوم في إظهار الزينة .. ولهم في ذلك أعمال مذكورة في أخبار بغداد) (2) .
والخلافة ، بنظر فريق آخر من المسلمين : مركز دنيوي صرف من حيث وجوده ، وإن كان مبنياً على الدين من حيث الأسس النظرية التي ينبغي أن يسير وفق مستلزماتها ، وعلى هذا الأساس فليس هناك نص صريح من جانب الرسول على توليته خليفة للمسلمين ؛ لانتفاء الضرورة الدينية إلى ذلك .
ـــــــــــــــــ

(1) وفي نسخة :
مولاي ومولى .. إلخ . (الناشر)  
(2) يراجع : سيرة ابن هشام ، والسيرة الحلبية ، والبخاري . وعيد الهجرة : في ربيع الأول .

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة