شبكة الإمامين الحسنين عليهما السلام للتراث و الفکر الإسلامي

 

أحلام اليقظة
مع صدر المتألّهين

تأليف
العلاّمة الكبير
الشيخ محمّـد رضا المظفّر
1322 ـ 1383 هـ
تحقيـق
الشيخ هادي القبيسي

مقـدّمة التحقيـق
بسـم الله الرحمن الرحيـم

الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على سيّد خلقه وخاتم رسله محمّـد وعلى آله الطيّبين الطاهرين ، واللعن على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين .

لما رأى في صدر المتألّهين الرجل العظيم ، والفيلسوف القدير ، صاحب النظريّات الجديدة والآراء الحديثة ، انبرى للدفاع عنه واضعاً نفسه موضع المستشكل متصدياً للاجابة عن الاشكالات المطروحة ، مستوحياً إيّاها من مبانيه الفلسفية ، ربّما أنّها تُعدّ من الأبحاث المعقّدة والجافة . فحاول عرضها بشكل حوار بين السائل والمجيب ، ثمّ بدا له أن يصوّر لقاءه به على شكل حلم ، لكن ليس من أحلام المنام بل من أحلام اليقظة .

فكان المحاور والمدافع والمحتلم يقظة هو : العلاّمة المحقّق الشيخ محمّـد رضا المظفّر . فالحوار حول نظريّتين .

1 ـ نظريّة اتحاد العلم والعالم والمعلوم . والحركة الجوهرية .

2 ـ نظريته في العلّة والمعلول ، وما هو مناط الحاجة إلى العلّة .

ولمّا اختلفت النظريّات ، وتباينت الآراء لدى علماء الطائفة في الفلسفة بين مدافع من جهة ومحارب من جهة اُخرى ارتئيت أن أضع هذه

(278)

المقالة بين يدي القاريء الكريم مع التحفّظ عن تبنّي موقف معيّن ، تاركاً هذا الأمر لكلٍّ على حسب قناعاته وآرائه ، مع أنّي أكنّ خالص احترامي وتقديري لكلٍّ من الرأي والرأي الآخر ، ما لم يخرج كلٌّ منهما عن الحدود المرسومة لآداب البحث والنقاش والمناظرة ، فتكون هذه المقالة معبّرة عن رأي الملاّ صدر المتألّهين والشيخ المظفّر «(رحمهما الله)» .

نبذة من حياة صدر المتألّهين :

هو : المولى صدر الدين بن ابراهيم بن يحيى القوامي الشيرازي .

ولد في شيراز ـ ولم يعلم سنة ولادته ـ من والد صالح اسمه ابراهيم بن يحيى القوامي ، وقيل : كان أحد وزراء دولة فارس فتربّى على والده ثمّ وجهّه إلى طلب العلم ، ولمّا توفّي والده رحل لتكميل معارفه إلى أصفهان يومئذ في عهد الصفوية ، وأوّل حضوره كان على الشيخ البهائي ((رحمه الله)) (953 ـ 1031 هـ) ومن ولعه في طلب العلم أنفق كلّ ما خلّفه والده من المال في تحصيله ، فانقطع إلى درس فيلسوف عصره السيّد المير الداماد محمّـد باقر المتوفّى (1040 هـ) .

وقد استنتج الشيخ المظفّر أنّ المترجم مرّ بثلاث مراحل رئيسية في نشأته العلمية .

1 ـ دور التلمّذ ، والبحث ، وتتبع آراء المتكلمين والفلاسفة ومناقشتهم . . .

2 ـ دور العزلة والانقطاع إلى العبادة في بعض الجبال النائية ، وقيل : إنّها (كهك) من قرى قم فاستمرّت هذه العزلة خمسة عشر عاماً .

3 ـ وهي : دور التأليف ، إذ ألهمه الله تعالى الإفاضة ممّا شربه في المرحلة الثانية .

وأمّا مدرسته العلمية الجديدة :

إنّ فيلسوفنا يرى أنّ المعرفة تحصل من طريقين : طريق البحث والتعلّم والتعليم الذي يستند على الأقيسة والمقدمات المنطقية ، وطريق العلم اللّدنّي الذي يحصل من طريق الإلهام والكشف والحدس .

وهذا الأخير إنّما يحصل بسبب تجريد النفس عن شهواتها ولذائذها ، والتخلّص من أدران الدنيا وأوساخها ; فتنجلي مرآتها الصقيلة .

ويرى الفرق بين العلمين كالفرق بين علم من يعلم الحلاوة بالوصف وبين علم من يعلمها بالذوق ، وأنّ الثاني أقوى وأحكم ، ولا يمتنع وقوعه ، بل هو واقع فعلاً للأنبياء ، والأوصياء ، والأولياء ، والعرفاء .

وأمّا منهجه العلمي في التأليف : فيبتني في كلّ ما ألّف على حصر العلوم الحقيقية والمعارف اليقينيّة ، في العلم بالله وبصفاته وملكه وملكوته والعلم باليوم الآخر ومنازله ومقاماته ، لأنّه يجد أنّ الغاية المطلوبة هي تعليم ارتقاء الإنسان من حضيض النقص إلى أوج الكمال ، وبيان كيفية سفره إلى الله تعالى .

وأمّا مؤلّفاته فكثيرة فقد جاوزت الثلاثين أبرزها الأسفار أو الحكمة المتعالية .

وفاته : توفّي سنة 1050 هـ في البصرة في طريقه للحجّ للمرّة السابعة أو بعد رجوعه ، وأكبر الظن أنه تجاوز السبعين أو ناهزها ، فيكون تولّده في الربع الأخير من القرن العاشر الهجري .

هذا ما اختصرته من حياته بقلم الشيخ محمّـد رضا المظفّر ((رحمه الله)) في مقدّمة الأسفار .

نبذة من حياة الشيخ المظفّر ((رحمه الله))(1)

هو الشيخ محمّـد رضا بن محمّـد بن عبدالله بن محمّـد المظفّر ، كان فقيهاً مجتهداً كاتباً مجدّداً شاعراً مجيداً .

ولد في النجف الأشرف سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة وألف .

وطوى بعض المراحل الدراسية متتلمذاً على : محمّـد طه بن نصر الله الحويزي ، ومرتضى بن علي الطالقاني ، وحضر الأبحاث العالية فقهاً وأصولاً على مشاهير المجتهدين كمحمّـد حسين النائيني ، وضياء الدين العراقي ، وأخيه محمّـد حسن المظفّر ، وتلقّى الحكمة والفلسفة عن محمّـد حسين الأصفهاني الكمباني ، وانتفع به كثيراً .

وحاز ملكة الاجتهاد ، وتضلّع من العلوم الاسلامية ، ونال قسطاً وافراً من البراعة في الأدب والكتابة ، وعرّفته الأندية الأدبية شاعراً له وزنه بين أخدانه .

وكان في طليعة العلماء المجدّدين الذين سعوا إلى إصلاح نظام الدراسة الدينية ، وتطوير المناهج بما ينسجم ومتطلّبات العصر ، وإصلاح المنبر الحسيني ، وتعميم الثقافة الاسلامية ، وتطوير أساليب التبليغ والتوجيه والارشاد .

أسّس جمعية منتدى النشر عام (1354 هـ) ، وكلّية منتدى النشر عام (1362 هـ) ثمّ كلّية الفقه عام (1376 هـ) اللتين انبثقتا من الجمعية المذكورة ، وتولى أمانة سرّ الجمعية في أوّل الأمر ثم رئاستها ، وعمادة الكلّيّتين المذكورتين آنفاً .

وحضر عدّة مؤتمرات إسلامية ، مثل مؤتمر باكستان المنعقد سنة (1376 هـ) ، ومؤتمر جامعة القرويّين بمراكش سنة (1379 هـ) .

وانضمّ إلى حركة (جماعة العلماء) التي شكّلت في النجف عام (1379 هـ) لتوعية الاُمّة ، ومواجهة الغزو الثقافي والتيّارات الإلحادية الوافدة .

ووضع مؤلّفات قيّمة ، منها : أُصول الفقه ، حاشية خيارات المكاسب ، المنطق ، السقيفة ، عقائد الامامية ، فلسفة ابن سينا . . . نقد بعض آرائه ، وأحلام اليقظة بسط فيه حياة الفيلسوف صدر الدين الشيرازي .

توفّي ليلة (16) من شهر رمضان سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة وألف .

المقالة ونسبتها :

قال الشيخ المظفّر في مقدّمة الأسفار في حياة الملاّ صدرا : وقبل «إثنا عشر عاماً وضعت محاضرات رمزية في عرض فلسفته ، تخيّلته فيها كأنّه يحدثني في الأحلام ولكن من طريق مؤلّفاته : فتألّفت منها رسالة سمّيتها (أحلام اليقظة) نشر أكثرها في المجلاّت السيّارة» .

أقول : وهذا الذي بين أيدينا بعض من هذه الأحلام تمّ العثور عليه في مجلّة العرفان العاملية ، صدرت في المجلّد 33 فكان الحلم الأوّل من ص 67 ـ 71 والحلم الثاني من ص 739 ـ 744 مختومة باسمه ((رحمه الله)) ، فما ذكره في مقدّمة الاسفار كاف للدلالة على نسبتها له ، مضافاً إلى ذكر من ترجم له .

وأخيراً أقدّم شكري الجزيل للأخ الفاضل الشيخ عبد الرحمان الربيعي لما قدّمه من مساعدة مشكورة .

فلله درّه وعليه أجره .
وكتب هادي القبيسي العاملي
حامداً مصلّياً
قم ـ 1426 هـ
]الحلم الأوّل[ لا تركن إلى أقاويل الفلسفة وأهل الكلام

غفوت ، وإذا بي أتمثّل ـ في خيالي شيخاً فوق المربوع ، وشبحاً ممشوقاً ليس بالنحيف ، ذا عمّة بيضاء ناصعة لا تظهر عليه العناية ، على رأس أصلع ليس بالكبير النابي ، وينفتح قليلاً حول جبهته في موضعي النزعتين ، ويعلو جبيناً أبلج ، كأنّ السنين والجهود لم تؤثّر فيه تجعيداً إلاّ ما يبيّن من موضع السجود الذي يطلّ على عينين واسعتين ، تبدو عليهما آثار العناية الإلهية في جمالهما وتوقّدهما ذكاءً وفطنة ، لولا أنّ لحظاتهما تبدو كأنّها لا تثبت على مواجهة المرئيات أمامها ، وبينهما ينساب العرنين رفيقاً حيث يميل إلى النتوء ، وقد حُفّ بخدّين أسيلين وعارضين خفيفين ويستقبله فم مفلَّج يشفّ عن ابتسامة حلوة وصحة ضاحكة ونفس مطمئنة . ثمّ تنحدر لحيته وهي بين البياض والسواد لتؤلّف مع الوجه شبه مخروط قاحدته الجبين .

فتقدّمت وقد جذبتني إليه جذبة الحبّ الهائم ، فانقدح في خاطري أنّه (المولى صدر الدين الشيرازي) . وكأنّي أعرفه بشخصه ، وكأنّ من عادتي الجلوس إليه لاستماع دروسه ، إلاّ أنّه نفر منّي وأنكر عرفاني إنكار مستوحش في الناس ، فقلت له : ألستُ تلميذك منذ سنوات ، وقد تلقّيت منك بعض المعارف ؟ ! فقال بنفور وقد تجهّم وجهه : لا أعهدك تلميذاً ، ولا أثبتك معرفة !

أمّا أنا فقد صدمتني هذه المجابهة صدمة قويّة جعلتني أفزع إلى أغوار نفسي لأستنجد بخيالي . وهنا تذكّرت أنّي في حلم من الخيال ، وأين منّي زمانه ، وقد توفّي عام 1050 هـ وأنا الآن في عام 1365 هـ .

ولكنّي سرّيت عن نفسي ، فحدّثتها أنّي اتصلت بأفكاره عن طريق كتبه ، فلا بدّ أنّ روحه السابحة في فضاء القدرة الالهية عرّفتني حقّ العرفان . . .

وساءلتُ نفسي لماذا هذا التنكّر عليَّ إذاً ، أكنت أسأت فيمن أساء إليه ؟

ـ لا .

ـ ألأنّي لم أحسن فهم كلامه ومغازي إفاداته في كتبه ؟ أم ماذا ؟

ـ إذاً فلأخاصمه على طريقته الفلسفية ، لافتح معه باب البحث في هذا الطريق .

فقلت في خطابه : يا حضرة المولى ! إنّي اتّصلت بروحك بواسطة بعض مؤلّفاتك ، كالأسفار التي أفضت بمجلّداتها الأربع الكبيرة إلى الناس ، فأفرغت فيها نفسك ، وسافرت(2) أنت من الخلق إلى الحقّ ، ثمّ بالحقّ في الحقّ ، ثمّ من الحقّ إلى الخلق بالحقّ ، ثمّ بالحقّ في الخلق(3) ، والسفر ليس عندكم إلا سير النفس وتوجّه القلب ، وقد سافرت أنا بتوجّه قلبي إليك على متن أسفارك .

هو ـ كيف ؟ هذا كلام غير مفهوم . وليس من أسفارنا ـ نحن معاشر أهل الله ـ السفر من الخلق إلى الخلق .

أنا ـ ليكن ليس من أسفاركم على ما تصطلحون ! ولكنّه على كلّ حال سفر للنفس وتوجّه القلب نحوك .

هو ـ أعوذ بالله ممّا تصفون . إنّ هذا هو الشرك بعينه ، أن يتوجّه إنسان بقلبه لغير الله وليست أسفارنا اصطلاحات خالية من الحقيقة(4) .

أنا ـ وقد جفّ ماء فمي ـ أمهلني دقيقة واحدة حتّى أجمع نفسي للجواب ؟

هو ـ أمهلتك ألف سنة ممّا تعدّون(5) .

أنا ـ «بعد التفكّر» ـ أنت طريقي إلى الله ، لأنّي درست أفكارك وأراءك . فتوجّهي إليك توجّه إلى الله بك(6) . فهو سفر من الخلق إلى الحقّ .

هو ـ تخلّص حسن ونظرة دقيقة ، لو أنّ نفسي من وسائط وجود نفسك أو أنّ نفسي تجلّت لنفسك ، متعارفاً . ولكن كلّ منهما لم يكن .

أنا ـ هذا الوجه الأخير هو الذي أريد أن أتوصّل إليه فنبّهني ، أليس الكتاب وجود ظلّي لوجود الكاتب ; لأنّه من رَشَحاته بل من تجلّياته وتنزّلاته وشؤونه ؟ فنفسك ـ إذاً ـ موجودة في كتبك بوجود معلولها . وقد سافرتُ إليها ، وناجيتُها وناجتني ، فكيف صحّ نكران معرفتي ؟ وكيف لم يشاهدني حسُّك الباطن ، وكيف لم تتجلّ نفسك لنفسي ؟

هو ـ أتهزل ؟

أنا ـ استعيذ بالله من الهزل ! وأنا إنّما جئتك للاستفادة ممّا وهبك الله من العلم والفهم ونور البصيرة والمشاهدة ، وكلامي هذا مأخوذ من فلسفتك في الوجود والعلّة والمعلول .

هو ـ يا سبحان الله ! مثل هذا الكلام والوهم هو الذي كان يضايقني من الناس ، فكنت أفرّ منهم ما استطعت . وكلّما جاهدت أن أوضّح مقصدي بالبيان المبسّط والدليل المقنع أراهم لا يزيدون إلا تبلّداً ، وللواضحات إلاّ جحوداً . وكأنّك من هذه الفصيلة ؟ إليك عنّي !

أنا ـ ألستَ قد نصبتَ في مؤلّفاتك هادياً للناس ، ومرشداً لمن كان ضالّته الحكمة ! وأملي أن أكون من طلاّب الحقيقة ، فأفض عليّ ممّا آتاك الله ، وأوضح لي هذا التوهّم ، إذا كان !

هو ـ أنت في محاولتك هذه تستدرجني لترجع بي إلى الدنيا وغواشيها بعد أن منّ الله تعالى عليّ فأدخلني في عالم البرزخ «عالم الصور الإدراكية الحسّية المجرّدة عن المادة» ، وانقطعت علائق نفسي بالدنيا ، وقويت قوّتها وتأكّدت فعليّتها(7) ، وأصبحت مصروفة الهمّة إلى فعل التخيّل والتصوّر ، وغير مرتهنة بما يزعجها ويؤذيها وما يمنعها من الرجوع إلى ذاتها ولها عالم خاص من نفسها فيه كلّ ما تريده وتشتهيه ، وأصبحت متمكّنة من الصعود إلى مرتبة المقرّبين وترى الأشياء «بعين اليقين» .

فلست بحاجة ـ اليوم ـ وأنا في عالم الشهادة إلى الأدلّة والبراهين ، ولا إلى الخصومة واللجاج . فاتركني من أوهام أهل الدنيا ونقاشها ، وقد تركت لكم كتباً مبسّطة فيها الغنى لمستزيد ، وخلِّني منشرح الصدر مبتهجاً بما أوتيت من اليقين بما لم تسمع به أذن ولم تره عين .

أنا ـ إنّ النفس ـ على ما قرّرتَ في فلسفتك ـ لسعة وجودها ووفور نورها في هذا العالم العلوي ، فذاتها تتطوّر بالشؤون والأطوار ، وتتنزّل إلى منازل القوى والأعضاء . فكما أنّ لها الصعود إلى مرتبة العقل الفعّال(8) . فلها النزول إلى مرتبة الحواس والآلات الطبيعية في آن واحد ، من غير مشقّة وكلفة . . . فما كان عليك لو نزلت فجاريتني في النقاش ، كما تنزّلت في خطابي ومشافهتي ، لتكشف سرّ تلك المغالطة التي قلت عنها في كلامي !

ولئن لم يزدك ذلك مالاً ولا استعداداً لكمال ، فإنّ نفسي لمّا استعدّت لتلقّي نور العلم وفيض المعرفة بتجرّدها بهذا الحلم عن الحوائل المادّية والموانع العنصرية والحواجز الحسّية ، فإنّها تطلب منك بلسان أستعدادها ألاّ تبخل عليّ من فيض قدسك ، وليس لك أن تبخل وحاشاك !

هو ـ أحسنت إنّك عن صبوح ترفق وإلى مسلك دقيق تشير ، هذا ما أحكمنا بنيانه في فلسفتنا ، وإن كنت قد أخطأت المرمى بعض الشيء . ولكن لنثق أنّ هذا لا يقنعني للدخول معك في المجادلات الكلامية ، والأبحاث البحثية(9) ، فإنّي قد مللت من تتّبع أمثال هذه السخافات والأوهام فيما ألّفت لمّا كنتُ في عالمكم الدنيوي ، وأضعت الوقت الكثير بذكر هذه المجازفات وردّها . وكان عذري أن أصحابها كانوا يُعدّون عند الناس من أهل النظر والرأي ، فيتبعونهم على أهوائهم وسفسطاتهم(10) . وأنت الآن تريد أن تعيد عليّ جذعة ! لماذا هذا الإزعاج ؟
أنا ـ ما كنت أتخيّل أنّ هذا يزعجك ! مع أنّ نفسك في رضوان وابتهاج دائم ، وإفاضتك علي من نور علمك هو عين الابتهاج ومحض الرضا ، وصرف الكمال لنفسك أليست هذه فلسفتك ؟
هو ـ هذا صحيح لو أنّ نفسي بإنّيّتها وحاقّ ذاتها تتجلّى لك ، فتفيض عليك نورَ العلم ، وتؤثر فيك ، كما توهّمتَ أوّلاً ، وهذا التوهّم سرّ المغالطة عندك(11) . ولكن لتعلم أن تخيّلك لي وتصوّرك لوجودي هو عين نفسك(12) ، وتطوّر لوجودها وتقوٍّ لقوّتها ، لأنّه مخلوق لها وفعلها وأثرها ، قال سيّدي أوّل الأئمّة قسيم الجنّة والنّار أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام :

«كلّ ما ميّزتموه بأوهامكم في أدقّ معانية فهو مخلوق لكم مردود عليكم»(13) .

ما أعظم هذه الكلمة لهذا الإمام القدّوسي الربّاني ، والحكيم العظيم الإلهي ، وقد مرّت على مسامع الأجيال المتعاقبة ، فما كان لأحد أن يكون أهلاً لإدراك مغزاها ، أو ليحوم حول مرماها . ولو لم تكن له سواها لكفتني دليلاً على إمامته وعصمته ، وأنّ علمه من لدن حكيم عليم من غير تعليم وتلقين ، فإنّه لو كان من سائر البشر في عصره البعيد كلّ البعد عن المعارف الكونيّة والعلوم الفلسفية ، وهذه الدقائق العلمية العالية ، لما استطاع أن يتوصّل إلى شمّ رائحة هذه النظريّة(14) .

على أنّ هذه الفلسفة لم يتوصّل إليها بشر إلاّ بعد أبحاث ومجادلات ، وحدوث نظريّات وافتراضات في العلم والوجود الذهني ، سوّدت فيها الصحف فملأت الطوامير ، ومرّت عليها القرون . واشتركت فيها مئات العلماء العظام . وقد كشفناها في أسفارنا في عدّة مناسبات . ولم يسبقنا إليها إلاّ هذه الكلمة من سيّد الكونين عليه السلام ، وكلمة اُخرى من العارف المحقّق محي الدين بن العربي المتوفّى سنة 638 هـ ، ذكرناها في مبحث الوجود الذهني في السَفَر الأوّل(15) . . . . . . . .

وإذا استطعت أن تعرف ما رمينا إليه ، سهّل عليك أن تعرف أنّ تصوراتك الباطلة وتوهّماتك المريضة إنّما هي إنزعاج لنفسك في الحقيقة وآلام لروحك ، ومرض ونقص في وجودك ، وكذلك اعتقاداتك الصحيحة وآراؤك المطابقة للواقع هي تطوّر في وجود نفسك ، وترقٍّ إلى مراقي الأنبياء والأولياء ، وانتقال من مرتبة النقص إلى مرتبة الكمال ، واستعداد للرجوع إلى ذاتك والاتحاد مع العقل الفعّال(16) .

أنا ـ لقد بعدنا ـ أيها المولى ـ عن الهدف في مسألتنا التي طلبتُ كشفها ، وكأنّك تفرّ من توضيح تلك المغالطة التي أشرتَ إليها .

هو ـ لو كنتَ من أهل طريق الكشف واليقين ، وممّن عنّى نفسه بالمجاهدات العقلية والرياضات البدنيّة ، لكنتَ انتفعت بهذه الرموز والإشارات ولا ستغنيت بها عن مجادلات الكلاميّين وأصحاب المباحثة والنظر البحت ، ولعرفتَ كيف حللتُ لك المسألة من أقرب طرقها ؟

إني(17) لأستغفر الله تعالى كثيراً مما ضيّعت أوّل الأمر شطراً من عمري في تتبّع تلك التدقيقات والمجادلات ، وتعلّم جربزتهم في القول . وأنصح كلّ من يريد أن يسلك مسلك الكرام الإلهيّين ، ويتمثّل له ما ينكشف للعارفين المستصغِرين لعالَم الصور واللذّات المحسَّة ، فينفتح له طريق الحقائق أن يبدأ أوّلاً بتزكية نفسه عن هواها ، فـ (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا)(18) ، وباستحكام أساس المعرفة والحكمة بالتقوى ليرقَ ذُراها ، وإلاّ كان ممّن (أَتَى الله بُنْيَانَهُم مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ)(19) .

وأنصحه ثانياً ألاّ يشتغل بترّهات عوامّ الصوفيّة من الجهلة ، ولا يركن إلى أقاويل المتفلسفة وأهل الكلام جملة(20) ، فإنّها فتنة مضلّة ، وجميعها (ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْض ، إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراهَا ، وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُور)(21) .

وآخر نصيحتي أن يلقي بزمام أمره إلى الله تعالى وإلى رسوله النذير الأمين ، فكلّ ما بلغه منه آمن به وصدَّقه ، من غير أن يتحيّل فيتخيّل له وجهاً عقليّاً ومسلكاً بحثيّاً . بل يجب أن يقتدي بهديه وينتهي بنهيه ، امتثالاً لقوله تعالى (مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا)(22) حتّى يفتح الله على قلبه ، ويجعل له نوراً يمشي بين يديه .

وبينا أنا في نشوة الابتهاج باستماع هذه النصائح الخالدة(23) ، استيقظت من رقدتي ، ولم أتمكّن من حمله على الدخول في محاورات أهل النظر .
]الحلم الثاني[
فلسفة شيخ الفلاسفة في العلّة على خلاف رأي المتكلّمين

جهدت نفسي هذه المرّة لأستسلم لأحلامي ، بعد ذلك الحلم اللذيذ المزعج في وقت واحد الذي لاقيت فيه العنت مع شيخ الفلاسفة ، وقد امتنع عليّ أن يدخل في المحاورات التي أردتها وإن كان أفاض بكثير ممّا يجب العلم به ، من رأيه في طريقة أهل الكلام وأهل النظر والمتصوّفة ومن نظريّته في خلق النفس لتصوّراتها ، ومن عقيدته في إمامنا علي عليه السلام ، ومن طريقته في الأخذ بظواهر الكتاب والسنّة ونقمته على أهل التأويل .

فهوّمت ، ليتراءى لي صاحبنا صدر المتألّهين ، فرأيته جالساً كأنّه ينتظرني ، ولكن ما جئت إليه إلاّ وظهر لي أنّه لا يزال متنكراً عليّ ، مستوحشاً منّي ، فعظم خطبي ، وكدت أيأس من أن أخفض جناح تصلّبه ، لولا أنّي تذكّرت أنّه الآن في صفوف الملائكة المقرّبين ، والملائكة لسلامة طوياتهم وطهارة نفوسهم قد ينخدعون بحيل الإنسان ، وحذلقة شياطين الإنس .

تحاملت على نفسي ، لأبتدع له اُسلوباً من الحديث أثير به حفيظته فأبلغ ما أريد .

قلت : أيّها المولى : أراك لا تزال تنكرني ، مع أنّي أقمت البرهان على معرفتك لي .

هو ـ البرهان ! ؟

أنا ـ نعم ! البرهان .

هو ـ أظنّكم تكتفون من حظوظكم من العلم ومن ادّعائكم الفلسفة ، أن تسموا مجازفاتكم وأوهامكم براهين وأدلّة ، تتخيّلون أنّ الحقائق تُنال بالأسماء ، واليقين يحصل بالوهم .

أنا ـ رأفةً بنا يا صدر الفلاسفة ! إنّ هذه لصواعق محرقة . على أنّي لا أدري من تقصد بخطاب الجمع ؟

هو ـ لا تدري من أقصد ؟ !

أنا ـ إذا أبيت فربّما . وعلى كلّ حال لا أحبّ أن تزجّني في فئة صوّبتَ لها سهام نقدك اللاذع ، وقد تعلّقت بأذيال فلسفتك . والبرهان الذي أقمته فيما تقدّم مأخوذ كما قلتُ أوّلاً من فلسفتك في الوجود والعلّة والمعلول ، وأراك تتهرّب من الجواب عنه . وقد يظنّ الظانّ أنّ ذلك كان عجزاً ، وقد نسيتَ المباحثات النظرية لمّا شُغلتَ بمشاهدة الحق بعين اليقين ، أو كان هزيمة من الالتزام بنتيجة البرهان وأنت تريد ألا تتعرّف على أحد ، ابتهاجاً بما عندك(24) .

هو ـ الصحيح أن تقول : ـ وأنت لا تريد أن تتعرّف على أحد ـ لأنّ المختار من إذا شاء فعل ، وإذا لم يشأ لم يفعل ، لا كما يقوله المحجوبون عن نور الحقّ في تعريفه : إنّه من إذا شاء فعل ، وإذا شاء لم يفعل . لأنّ عدم الفعل لا يكون بإشاءة وإرادة ، فإنّ الإنسان حينما يترك العمل لا يريد الفعل لا أنّه يريد عدم الفعل ، إذ أنّ عدم المعلول ـ كما برهن عليه في الفلسفة ـ بعدم العلّة ، ولا يحتاج إلى علّة وجودية(25) .

أنا ـ نعم كما تقول ! أرجو السماح !

هو ـ إذاً لم أكن قد نسيتُ المباحث النظرية !

أنا ـ مليح ]جيّد[ ! ولكن يبقى ظنّ الاُخرى ، وهي (الهزيمة) .

هو ـ (وقد تململ من هذه المضايقة) : أصحيح أنت تعتقد أنّ ما لفقّتَه كان برهاناً منطقياً ؟ !

أنا ـ قلت : إنّه مأخوذ من فلسفتكم .

هو ـ بلى !

أنا ـ وأنت تقرّر في مؤلّفاتك : أنَّ وجود كلّ معلول طور من أطوار وجود العلّة وشأن من شؤونه(26) ، بل ليس لحقيقة المعلول هوية مباينة لحقيقة علّته ، ولا يعقله العاقل إلاّ مضافاً ومنسوباً إلى العلّة(27) . فما يقال في النظر الفلسفي البحثي(28) : أنَّ في الوجود علّة ومعلولاً ، فهو في نظر أهل المكاشفة والإشراق يرجع آخر الأمر إلى كون العلّة أمراً حقيقياً والمعلول جهة من جهاته(29) ، ورجعت علّية الشيء الذي يسمّى علّة وتأثيره في المعلول إلى معنى أنّ المعلول يتطوّر العلّة ويتحيّث بحيثيّتها ، لا انفصال شيء مباين عنها(30) .

فأنت إذاً موجود في كتبك ، وأنا قد اتصلت بها فلا بدّ أنّي اتصلت بنفسك فعرفتني .

هو ـ أهذا كلّ مبلغ علمك ؟ وأنت تدّعي أنّك أخذت الفلسفة عنّي وتتلمذت على كتبي ، وقد غالطت نفسك وحسّك ؟ !

أنا ـ لماذا ؟ إنّ كلامي منطقي برهاني ينطبق على قواعدك الفلسفيّة : فقولي «الكتاب معلول للكاتب» صغرى للقياس وقد اعترفت بصدقها ، وقولي «كلّ معلول وجود للعلة» كبرى وهي صحيحة حسبما ملأت بها طواميرك ومسفوراتك ـ على حدّ تعبيرك ـ فيتألّف من هاتين المقدّمتين قياس من الشكل الأوّل ، فينتج أنّ الكتاب وجود للكاتب ، فأنت موجود في مؤلفاتك . أليس كذلك ؟ !

هو ـ يا سبحان الله ! ألم أقل : إنّكم تكتفون من الحقائق بالأسماء ، فتسمّون المغالطة برهناً والسفسطة قياساً . وأنا أطلب إليك الآن أن تنصفني من نفسك فيما أضرب لك من الأمثلة ، لتنكشف لك المغالطة من غير كثير عناء بطريق نظري ، بعد أن حاولتُ كشفها لك من طريق إشراقي في جلستنا السابقة ، فلم تنكشف . أتعاهدني على ذلك ؟ !

أنا ـ لك عليَّ ذلك .

هو ـ إذاً فأنصف من نفسك : لو أنّك كتبت إلى أحد واطّلع عليه آخرون ، أفتظنّ أنّك ستعرفهم لمجرّد أنّهم قرأوا كتابك ؟ !

أنا ـ لا

هو ـ حسن ثمّ اعتبر بالباني للدار ، أليست هي معلولة له ، كالكتاب بالقياس إلى المؤلّف ؟ هل تظنّ أنّ الباني سيعرف كلّ من يدخل الدار أو يشاهدها ، لمجرّد أنّه كان قد بناها ليس إلاّ ؟ !

أنا ـ لا .

هو ـ فاكشف الغطاء عن بصيرتك واعترف بالحقّ . . . ! فإنّ هذا الكلام يجري في كلّ صانع لشيء ما ، فلا يمكن أن يعرف كلّ من يستعمله أو يراه لمجرّد أنّه من صنعه وعمله . فأنا ـ وهذا بيت القصيد ـ لا أعرف كلّ من يقرأ كتبي ويفهم مضامينها لمجرّد أنّها تأليفي وسجّل آرائي ، سواء كنتُ حيّاً أم ميّتاً .

أنا ـ وعليه ، فالكبرى التي فهمتُها من فلسفتك ليست بصحيحة ، وهي «كلّ معلول وجود للعلة» .

هو ـ بل صحيحة ، وهي الركن الركين في التوحيد .

أنا ـ الصغرى أيضاً صحيحة باعترافكم ، فلماذا تتخلّف النتيجة ، فلم يبق إلاّ أن نفرض أنّ العلّة(31) في الأمثلة المذكورة ليست علّة إلاّ في حال الحدوث فقط ، أمّا البقاء فلا يحتاج إلى العلّة ، ولذا تغيب علّة الحدوث عن المعلول بعد بقائه في هذه الأمثلة التي ذكرتُها ، فلا يكون بقاؤه من أطوار وجود علّته التي قد فرضناها علّة للحدوث فقط .

مع أنّكم تشنّعون أشدّ التشنيع في فلسفتكم على من يقول : بأنّ منشأ الحاجة إلى العلّة هو (للحدوث) في المعلول ، حتّى رميتم قائلها بالسخف وسخرتم فيه بلاذع الكلام في (الأسفار)(32) .

وبرهنتم على أنّ منشأ الحاجة إلى العلّة هو (الإمكان) في المعلول الذي لا يزول عنه قطّ وهو لازم له في حال حدوثه وبقائه ، ولذا قلتم لا يستغني المعلول عن العلّة ولا يغيب عنها طرفة عين أبداً ، بل قلتم : إنّ حقيقة المعلول حقيقة الحاجة والفقر إلى العلّة . فكيف نوفّق بين الكلامين ؟ !

هو ـ (وقد بدأ عليه التأثّر والحماس لقول الحقّ) : لقد زدتَ الموضوع على نفسك تعقيداً بهذه المغالطات المتتابعة ، وقد نصحتك ألاّ تركن إلى أبحاث المتفلسفة والمتكلّمين ، ولماذا تزجّني معك في الدخول فيها ؟ !

أنا ـ إنّ المجاز قنطرة الحقيقية كما تقولون ، فلا بدّ من تتبّع آراء المتفلسفة والمجادلين من أهل الكلام وتعنّتهم في البحث ، لكي يتبيّن آخر الأمر بنور الإيمان وتأييد الله تعالى أنّ قياسهم عقيم وصراطهم غير مستقيم (على طريقتك أنت في مؤلّفاتك) . . . .

صمت طويل . . . . .

أنا أيضاً ـ فلماذا سكتّ عن جوابي ؟ وأنت أيها الحكيم أدمجت في كتبك الحكمة البحثية في العلوم التألّهية ، ومزجت البيانات التعليمية في الأسرار الإلهية ، وعندك في ذلك هو عذري في إصراري على هذا النوع من البحث .

هو ـ أخشى !

أنا ـ من أين تخشى ؟

هو ـ أخشى ألاّ يسع فهمك بعض الأبحاث الدقيقة ، فيختلط الأمر عليك وتضلّ عن طريق الحقّ من حيث لا تدري .

أنا ـ أكشف لي هذه المغالطة ، ولك علي ألاّ أدخل في بحث إلاّ بإذنك .

هو ـ (وكأنّه قد رقّ لي وشعر بحاجتي) يا حبيبي ما أشدّ سخافة توهّم من يرى أنّ حاجة المعلول إلى العلّة إنّما هي في حال الحدوث لا في حال البقاء ، حتّى صرّح بعض هؤلاء القائلين بهذا الرأي جهلاً وعناداً : أنّ الباري لو جاز عدمه لما ضرّ عدمه في وجود العالم بعده لتحقّق الحدوث بإحداثه ولا يحتاج البقاء إليه(33) . وهذا غاية الجهل والفساد في الاعتقاد .

على أنّ كلّ علة ذاتية فهي مع معلولها وجوداً ودواماً ، ومن الشواهد على ذلك حرارة النار التي تفيض من جوهرها التسخين على ما حولها من الأجسام ، وإفاضة الماء الرطوبة والبلل على الأجسام المجاورة له ، وإشعاع النور من الشمس على الأجرام المواجهة لها ; وإشعاع نور الشمس لرطوبة الماء وحرارة النار ذاتية لعللها .

وكذلك النفس تفيض الحياة على البدن والحياة ذاتية لها ، فلا تزال الحياة تنشأ منها على البدن الذي هو جسم ميّت في ذاته حيّ بالنفس مادام صالحاً لإفاضة الحياة عليه منها ، فإذا فسد صلاحه لقبول الحياة تخلّت عنه وارتحلت .

وأمّا نسبة الإيجاد إلى المؤلّف والمركِّب كالبنّاء للدار والكاتب للخطّ والخيّاط للثوب ، فهي مغالطة نشأت من عدم الفرق بين ما بالذات وما بالعرض ، وأخذ ما ليس بعلّة علّة ، فإنّ أكثر ما يظنّونه فاعلاً ليس بفاعل في الحقيقة ، وذلك كالأب للأولاد والزارع للزرع ، فليست هذه ونحوها عللاً مفيدة لوجود ما يُنسب إليها ، بل إنّما هي معدّات تعدّ الشيء لإفاضة الوجود من فاعله ، وعلل بالعرض لا بالذات ، والمعطي للوجود في هذه المعلولات هو الله تعالى كما أشار إليه في القرآن الكريم في آيات منه كهذه الآية (أَفَرَأَيْتُم ما تُمْنُونَ ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ)(34) فما يُسمّيه الجمهور فاعلاً ليس إلا مباشر الحركات ومبدأ التغييرات ; وأمّا فاعل الصور ومعطي الوجود فهو الحقّ عزّ اسمه لا شريك له في خلقه .

بل إن شئت فقل ـ في كلّ معلول وعلّة ، وفي كلّ فعل وفاعل ، حتّى فيما قيل إنّه علّة ذاتية كالنار ـ : إنّ الفاعل الذي يفيض الوجود ومنه الوجود وواهب الصور هو الله وحده ، والفاعل الذي به يستعدّ الشيء للوجود ويتهيّأ لقبول الصور غيره تعالى . فلا يصحّ أن نقول : إنّ من منه الوجود غيره تعالى ، فهو شرك . ولا يصحّ أن نقول : إنّ من به الوجود المباشر للحركة هو الله فهو جهل وكفر .

وزبدة المخض ، أنّا إذا قلنا : إنّ المعلول طور من أطوار العلّة ، وإنّ العلة من . . . . . وجوداً ودواماً ، فالمقصود بالحقيقة هو الفاعل الذي منه الوجود ، وهو الله تعالى .

وعلى هذا الاساس المتين نبني نظرية أفعال العباد ، فيما كشف عنها أئمّتنا وساداتنا في قولهم المعروف «لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين»(35) هذا القول الذي قصرت عنه أفهام الباحثيين من إدراك مغزاه ـ وقد وضعنا فيه رسالة مختصرة سمّيناها رسالة خلق الأعمال ـ وكم خبط الناس في الجبر والتفويض والقضاء والقدر وجاءوا بالمضحكات المبكيات .

ألا تعتبر أنت الآن فيما اشتبهتَ فيه وتشبّثتَ فيه ، بما لو أودعت عند أحد أمانة فإنّ إيداعها فعلك ، وأمّا بقاؤها عنده فهو فعل الأمين لا يبقى لك فيها سلطان ولا فعل وكذا مؤلّف الكتاب إنّما فعله نقش صور هذه الألفاظ ، وهو سبب مُعِدّ لبقائها ، أمّا بقاؤه في الورق فليس داخلاً في سلطانه وفعله ، وقد يأتي غيره فيتصرّف فيها ما يشاء إضافة وتغييراً ، أو نسخاً ونقلاً ، أو اتلافاً ومحواً .

على أنّ نفس خطّك وتفكيرك ، هو فعلك من جهة لأنّك الفاعل الذي به الوجود المباشر له ، ومن جهة اُخرى هو فعل الله تعالى وهو الخالق المصوّر له وحده لا شريك له ، لأنّه هو الذي منه الوجود (لا جبر ولا تفويض . . .) .

وأظنّه ـ إلى هنا ـ اتّضح لك أنّ مغالطتك كانت في الصغرى ، إذ اشتبه عليك معنى العلّة فيها ، فلم يتكرّر الأوسط في القياس ، لأنّ معنى العلّة في الصغرى العلّة بالغير ، ومعنى العلّة في الكبرى العلّة بالذات .

ولم يتمّ كلامه حتّى استيقظت من غفوتي ، وفي النفس ما فيها من تطّلع للبحث .
النجف ـ محمّـد رضا المظفّر

ـــــــــــــــــــ

(1) انظر موسوعة طبقات الفقهاء 214 ص 710 .
(2) اشارة إلى الأسفار الأربعة التي بنى الملاّ صدرا كتابه عليها ، الأسفار 1/13 .
(3) وقد بيّنها السبزواري في تعليقته على هذه العبارات قائلاً : السفر الأوّل : . . . برفع الحجب الظلمانية والنورية التي بين السالك وبين حقيقته التي هي معه أزلاً وأبداً .
السفر الثاني ، وهو السفر بالحقّ في الحقّ ، وإنّما يكون بالحقّ لأنّه صار وليّاً وجوده وجوداً حقّانياً ، فيأخذ في السلوك من موقف الذات إلى الكمالات واحداً بعد واحد .
السفر الثالث : ويسلك من هذا الموقف في مراتب الأفعال ويزول نحوه ويحصل له الصحو التامّ .
السفر الرابع : فيشاهد الخلائق وآثارها ولوازمها ، فيعلم مضارّها ومنافعها في الدنيا والآخرة . الأسفار 1/ هامش ص 13 .
(4) بيان أنّ هناك سفران :
1 ـ سفر أنفسي وهو ما كان في داخل النفس الإنسانية وقد أشارت إليه بعض الأحاديث «من عرف نفسه فقد عرف ربّه» .
2 ـ سفر الآفاق وهو ما كان خارج حيطة النفس وهو السفر في ملكوت السماوات والأرض ، أنظر قوله تعالى في سورة فصلت : 53 (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الأفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) .
(5) إشارة إلى أنّ صدر المتألّهين يعيش عالم البرزخ الذي انعدم فيه الزمان والمكان حيث فناء المادّة وبقاء الروح ، فيكون كلامه صحيحاً بحساب البرزخ ، وإن كان خطابه لما في عالم المادة .
(6) إنّ الذي يليق لأن يكون طريقاً إلى الله هو المعصوم والامام المفترض الطاعة وليس كلّ خلق ، إلاّ أن يقصد المتكلّم أنّ المؤمن يكون طريقاً لأهل البيت (عليهم السلام) وهم طريق إلى الله ، ألاّ أن تحمل على مقولة «أنّ الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق» البحار 64/137 وهو يحتاج إلى بيان وتوضيح وتوثيق .
(7) النفس الانسانية في عالم الدنيا والمادّة تنشغل بالجسد والبدن ، وبعد انفصالها عنه تتفرّغ لشؤوناتها فتقوى قوّتها وتتأكّد فعليّتها .
(8) يقسّم العقل النظري إلى أربع مراتب العقل الهيولائي ، العقل بالملكة ، العقل الفعّال ، العقل المستفاد .
(9) إشارة إلى العلوم التي تكتسب من خلال البحث والاستقصاء ويقابله العلم الإلهامي واللدنّي الذي يأتي دفعة واحدة . لأنّ من يخرج من عالم المادّة يدخل في عالم الحقائق والوقائع فلا يتنزّل إلى عالم المادّة مرّة اُخرى .
(10) المسمّى بعلم المغالطة .
(11) هذا اشارة إلى المغالطة التي ذكرها المظفّر ، وهو لسان حال المستشكل وقد قال له فيما سبق : أنّك قادر على التجلّي ، حيث ينفيه الملاّ صدرا .
(12) هذا إشارة إلى نظرية اتحاد العلم والعالم والمعلوم وهي من ابتكارات الملاّ صدرا وكذا الحركة الجوهرية : وهو أنّ العلم يتذوّت ويتشأّن وتزداد النفس قوّة وسعة وشدّة .
(13) البحار 66/293 .
(14) وهي نظرية اتحاد العلم والعالم والمعلوم ، والحركة الجوهريّة . انظر الأسفار 3/381 .
(15) مع التحفّظ في اعتقادات هذا الشيخ لتضارب أقواله في كتبه وهناك أدلّة لكلّ من يمدح ويقدح في أرائه الاعتقادية ، والله العالم .
(16) حيث أنّ الملاّ صدرا يعتقد أنّ النفس إذا اتحدت مع العقل الفعّال يمكن أن تفاض عليها الصور الحقيقية الواقعيّة .
(17) هنا يُعرّض الملاّ صدرا بمن يدّعي أنّه يعرف الفلسفة وهو بعيد عنها كلّ البعد ، ويأسف لمناقشته ومباحثته إيّاهم ، لأنّهم لا يريدون بنقاشهم الوصول إلى الحقيقة ، بل غايتهم تبكيت الخصم وإفحامه ، انظر الاسفار 1 / 11 .
(18) سورة الشمس : 9 .
(19) سورة النحل : 26 .
(20) إشارة إلى من يريد من هذين العلمين تبكيت الخصم والزامه بحجج واهية لا إحقاق الحق .
(21) سورة النور : 40 .
(22) سورة الحشر : 7 .
(23) ومجموع هذه النصائح مستوحات من كتابه الأسفار 1/12 .
(24) اشارة إلى ما يمكله من يقين في عالم البرزخ والحقيقة .
(25) إشارة على عدم العلّية بين الاعدام وإنّما تكون العلّية بين الوجودات فقط .
(26) وقع الكلام في أن مناط الاحتياج إلى العلّة هو ما ذهب إليه جمع من المتكلمين إلى أنّ: مناط الاحتياج إلى العلّة هو الحدوث أي أنّه يحتاج إلى العلّة من حيث كونه حادثاً أي أنّ الشيء يحتاج إلى العلّة من حيث لم يكن ثمّ كان، ولازمه أنّ القديم لا يحتاج إلى علّة الحدوث، وذهب المتكلّمون إلى أنّ القدم يساوي الوجوب الذاتي، وأنّ الحدوث يساوي الإمكان الذاتي.
أمّا الفلاسفة فقد جعلوا الإمكان ملاك الإحتياج إلى العلّة، أي أنّ كون الشيء ممكن الوجود هو مناط حاجته إلى العلّة ولا يحتاج الشيء إلى العلّة من حيث هو موجود أو حادث، فتتساوى نسبت ماهيّته إلى الوجود والعدم وهي السبب في احتياجه إلى العلّة، سواء كانت تلك الماهيّة حادثة بعد العدم أو قديمة، وقد تبنّى هذا الرأي ابن سينا، والخواجة نصير الدّين الطوسي ثمّ ابتكر صدر المتألّهين معنى آخر للإمكان أسماه الإمكان الفقري ومن هنا أعتبر الحكماء العقول المجرّدة من القديم الزماني وكذلك من قال بوجود الأفلاك.
(27) إشارة إلى نظرية الامكان الفقري وأن مناط الحاجة إلى العلّة هو الاحتياج إليها حدوثاً وبقاءً ، ويقول أيضاً : إنّ العلّة حقيقة واحدة وأفرادها مشكّكة خلافاً لما ذهب إليه المشّائيون من أنّ الوجودات متباينة بتباين الذات .
(28) المراد بهم المشائبون وهو ابن سينا وأترابه القائلون بأنّ القدم ليس مختّصاً بالحقّ عزّ وجلّ ، لكن يفرّقون بين القدم الزماني والقدم الذاتي ، فيقولون أنّ العالم الذي نعيشه قديم بالزمان وحادث بالحدوث الذاتي وكذا الحال في قدم العقول العشر .
(29) أو قل شُعاع من أشعته أو طور من أطواره .
(30) هذا التقرير الذي يلهج به ملاّ صدرا في كتبه ، وهو أساس فكرة وحدة الوجود عنده .
(31) قسمت العلّة على نوعين :
1 ـ علّة المعدّ أو الفاعل بالعرض : ومثاله من يبني الدار أو يضع الحب في التراب فبعد بناء الدار لا يلزم بقاء الدار ببقاء بانيها ، فلو مات الباني تبقى الدار لأنّه علّة معدّ فقط (مأخوذ من الإعداد) .
2 ـ علّة الفاعل التامّ أو الفاعل بالذات : وهو الحقّ عزّ وجلّ فلا بدّ في علّيته الحاجة وجوداً ودواماً .
نعم يمكن القول بأنّ العلّة المعدّة تعبير مجازي لكن ذهب الفخر الرازي وأتباعه إلى أنّ العلّة علّة في الوجود فقط . وهذا ضعفه ظاهر .
(32) الأسفار 1/206 .
(33) انظر ما ذكرناه من تقسيم العلّة إلى علّة معدّ وعلّة فاعل .
(34) سورة الواقعة : 58 .
(35) الاعتقادات للمفيد : 29 . انظر البحار 5/12 .