شبكة الإمامين الحسنين عليهما السلام للتراث و الفکر الإسلامي

 

مـصطلحـات نحـويّـة ( 27 )

السـيّد علي حسـن مطر

اثنان وخمسـون ـ مصطلح المصـدر

المصدر في اللغة : موضع الصدور ، يقال : « أصدَرَهُ فَصَدَرَ ، أي : رَجَعهُ فرجَعَ ، والموضعُ : المصدر »(1) ، ويقال : « صدرَ القوم عن المكان ، أي : رجعوا عنه ، وصدروا إلى المكان ، أي : صاروا إليه »(2) .

وقد استعملت كلمة « مصـدر » في المعنى الاصطلاحي النحوي مع أربع كلمات أُخر ، وهي : الفعل ، والحَدَث ، والحَدَثان ، والمعنى .

قال الزمخشري : « المفعول المعلّق هو المصدر ، سُمّي بذلك لأنّ الفعل يصدر عنه ، ويسمّيه سيبويه : الحَدَث والحَدَثان ، وربّما سمّاه : الفعل »(3) .

وقال ابن يعيش : « وإنّما سمّي مصدراً ; لأنّ الأفعال صدَرَت عنه ،

ـــــــــــــــــــ

1) مختار الصحاح ، محمّـد بن أبي بكر الرازي ، مادّة « صدر » .
2) لسان العرب ، ابن منظور ، مادّة « صدر » .
3) المفصّل في علم العربية ، جار الله الزمخشري : 31 .

(256)

كمصدر الإبل للمكان الذي ترده ثمّ تصدر عنه ، وذلك أحد ما يحتجّ به أهل البصرة في كون المصدر أصلاً للفعل »(1) .

وقال الجرجاني في
شرح إيضاح الفارسي : « وتسمّى المصادر : الأحداث والحَدَثان ، وذلك أنّها تحدث مرة بعد أُخرى ، ولا تكون ثابتة ، كـ : زيد وعمرو ، ويسمّيها : المعاني أيضاً ; لأجل أنّها ألفاظ لا تدلّ على أشخاص ، كـ : زيد وعمرو والرجل والفرس ، ألا ترى أنّ الضرب والقتل والقيام لا يدلّ شيء منه على شخص ، وإنّما يدلّ على معنىً . .

ويسمّيها : الفعل أيضاً ; وهذا على مقتضى العادة ، وهو أنّ الضربَ فعلٌ يُفعل في الحقيقة ، إلاّ أنّ النحويين لا يسمّونه فعلاً ; ليفصل بينه وبين هذه الألفاظ المشتقّة من هذه المصادر لاختلاف الأزمنة ، كـ : ضربَ ويضربُ ، وقد تقدّم . . . أنّ نحو الضرب والقتل سُمّي : مصدراً ; لأنّ الأفعال اشتقّت منه ، فكأنّها صدرت عنه صدورَ الإبل عن الماء »(2) .

وفي هذه الأقوال بيان للمناسبة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي لكلمة « المصـدر » .

ويلاحظ : أنّ هذه المناسبة إنّما تتحقّق بناءً على قول « سيبويه وجميع البصريين : الفعل مأخوذ من المصدر ، والمصدر سابق له »(3) ، وأنّه إنّما « سُمّي مصدراً لكونه موضع صدور الفعل »(4) . .

وقد خالفهم الكوفيون في ذلك ، وذهبوا إلى أنّ المصدر مشتقّ من الفعل ، وقالوا : « لا يجوز أن يقال : ( إنّ المصدر إنّما سُمّي مصدراً لصدور الفعل عنه ، كما قالوا للموضع الذي تصدر عنه الإبل : مصدراً ; لصدورها عنه ) ; لأنّا نقول : لا نسلّم ، بل سُمّي : مصدراً ; لأنّه مصدور عن الفعل ، كما قالوا : ( مَرْكبٌ فارِه ، ومَشـربٌ عَذْبٌ ) ، أي : مركوبٌ فاره ، ومشروبٌ عذْب ، والمراد به : المفعول ، لا الموضـع »(5) .

ويستفاد من كلام سيبويه ( ت 180 هـ ) أنّه يُعرّف المصدر اصطلاحاً بأنّه : اللفظ الدالّ على الحدث ; إذ قال في بيان معنى الفعل في اصطلاح النحاة : « وأمّا الفعل ، فأمثلة أُخذت من لفظ أحداث الأسماء وبُنيت لما مضى ، ولما يكون ولم يقع ، وما هو كائن لم ينقطع . . . والأحداث نحو : الضرب والحمد والقتل »(6) .

وعقّب الزجاجي ( ت 337 هـ ) على عبارة سيبويه بقوله : « وأحداث الأسماء : المصادر ، وفي الكلام اختصار وحذف تقديره : من لفظ أحداث الأسماء »(7) .

وشرحها السيرافي ( ت 368 هـ ) بقوله : « يعني : أنّ هذه الأبنية المختلفة أُخذت من المصادر التي تُحدثها الأسماء ، وإنّما أراد بالأسماء : أصحاب الأسماء ، وهم : الفاعلون »(8) .

وعرّفه المبرّد ( ت 285 هـ ) بقوله : « المصدر : اسم الفعل(9) ، وذلك قولك : . . . عسيت أن أقوم ، أي : دنوت من ذلك وقاربته بالنية ، و( أن أقوم ) في معنى القيام »(10) .

وعرّفه ابن السراج ( ت 316 هـ ) بقوله : « المصدر : الذي صدرت عنه الأفعال واشتقّت منه »(11) ، فقيّده باشتقاق الأفعال منه ، لإخراج ما دلّ على الحدث ولا يشتقّ منه فعل ، ممّا ستأتي أمثلته ; فإنّ النحاة لا يُسمّونه : مصدراً ، بل اسم مصدر .

وعرّفه الزجاجي ( ت 337 هـ ) بأنّه : « الحدث ; لأنّه الحدث الذي أحدثه زيد »(12) ، ومراده : الاسم الدالّ على الحدث .

وقال الزجاجي في كتابه
الجُمل : « والحدث : المصدر ، وهو اسم الفعل ، والفعل مشتقّ منه »(13) . .

وقال البطليوس في « شرحه للجمل » : « عورض أبو القاسم في هذا القول ، وقيل : كيف يصحّ أن يقال : إنّ الشيء مشتقّ من اسمه ، والمسمّى متقدّم على التسمية؟

والذى . عندي : أن الفعل الأوّل غير الفعل الآخر ، وأنّ أبا القاسم لم يذهب إلى شيء ممّا قالوه .

وبيان هذا : أنّ الأفعال في الحقيقة هي حركات الأشخاص وتأثيرها في غيرها ، ولكن الحركات والتأثيرات لمّا اختلفت وُضع على كلّ واحدة منها لقب ليتفصّل بعضها من بعض ، فقيل لبعضها : قيام ، ولبعضها : قعود ، ولبعضها : ضرب . . .
ليتفصّل؟؟

وأمّا قولهم
: يَقعُدُ وقَعَدَ ، ويضرب وضربَ ، ونحوها ، فإنّما هي صيغة مشتقّة منها ; لتحصلَ الأزمنة ، إذا كان القعود والضرب ونحوهما لا يعطي زماناً محصّلا(14) ، إنّما يعطي زماناً مبهماً ، فلمّا كانت هذه الصيغ(15) تعطي المعاني التي تدلّ عليها أسماء الحركات والتأثيرات ، وتزيد عليها لتحصل الأزمنة ، كانت أوْلى بأن تُسمّى : أفعالاً ، من أسماء الحركات والتأثيرات ; فإذا ذكر النحويون الأفعال لم يريدوا أسماء الحركات والتأثيرات ، وإنّما يريدون الصيغ المشتقّة منها ، ووضعوا للحركات والتأثيرات ألقاباً أُخر ، فسمّوها : أحداثاً ; لأنّ الأشخاص تُحدثها ، وسمّوها : مصادر ; لأنّ الصيغ المحصّلة للأزمنة لمّا اشتُقّت منها صدرت عنها ، كما يصدر الصادر عن المكان . . .

فأراد أبو القاسم بقوله : ( وهو اسم الفعل ) أنّه : اسم للحركات والتأثيرات ، وبقوله : ( والفعل مشتقّ منه ) : الصيغ المشتقّة من المصادر والمحصّلة للأزمنة »(16) .

وخالفه في ذلك : الإشبيلي ( ت 688 هـ ) ، وذهب إلى أن مراد الزجّاجي بـ : ( الفعل ) في كلا الموردين واحد ، وهو : ( الفعل ) المقابل للاسم والحرف ; إذ جاء في شرحه للجمل : « وقوله : ( والحدث : المصدر ) يريد : أنّ الحدث هو الذي صدر منه الفعل ، أي : خرج . . .

وقوله : ( وهو اسم الفعل ) ، أي : الاسم المأخوذ منه الفعل ، كما تقول : تراب الآنية ، أي : التراب المعمول منه الآنية . . .

وقوله : ( والفعل مشتقّ منه ) : هذا اللفظ أجلى في ما أراد من الكلامين المتقدّمين ، فهذه ثلاث جمل معناها واحد .

ومن الناس مَن قال : إنّ الفعل الأوّل غير الثاني ، وأنّ معنى : ( هو اسم الفعل ) أي : اسم الحدث ، وأطلق الفعل هنا على الحدث ، وأراد بالفعل الثاني : الفعل الصناعي ، وهو بلا شكّ خروج عن الكلام واضطراب فيه ، إنّما ينبغي أن يجري الأوّل والثاني على الإطلاق الصناعي ، ويكون مأخذه ما ذكرته »(17) .

وعرّفه الرمّاني ( ت 384 هـ ) بأنّه : « اسم لحادث يؤخذ منه الفعل »(18)، أي : يشتقّ منه .

وقال ابن جنّي ( ت 392 هـ ) في تعريف المصدر : « كلّ اسم دلّ على حَدَث وزمان مجهول »(19) .

ويلاحظ عليه : أنّ تقييده للزمان بـ( المجهول ) وإن أخرج الأفعال الصناعية ( الماضي والمضارع والأمر ) لدلالتها على وقوع الحدث في زمان معيّن ، إلاّ أنّه لا يُخرج أسماء المصادر من الحـدّ .

وعرّفه الحريري ( ت 516 هـ ) بأنّه : « اسم يقع على الأحداث »(20) .

ويرد عليه أيضاً : عدم مانعيته من دخول ما ليس بمصدر اصطلاحاً ، كاسم المصدر والمصدر الصناعي .

وعرّفه الزمخشري ( ت 538 هـ ) في
أُنموذجه بقوله : « المصدر : هو الاسم الذي يشتقّ منه الفعل »(21) ، ولم يقل هو ( اسم الحدث ) ; استغناءً بكون الفعل لا يشتقّ من غيره من الأسماء .

وعرّفه ابن الخشّاب ( ت 567 هـ ) بقوله : « هو ] اسم [ الحدث الذي اشتقّ الفعل منه »(22) .

وميزة هذين الحدّين أنّه لا يرد عليهما إشكال عدم المانعية ، الوارد على ما سبقهما من التعاريف .

وعرّفه ابن الحاجب ( ت 646 هـ ) بقوله : « المصدر : اسم الحدث الجاري على الفعل »(23) ، وتابعه عليه : ابن هشام الأنصاري ( ت 761 هـ )(24) .

وقال الرضي في « شرحه » : « يعني بالحدث : معنىً قائماً بغيره ، سواء صدر عنه ، كالضرب والمشي ، أو لم يصدر ، كالطول والقصـر .

والجري في كلامهم يستعمل في أشياء ، يقال : هذا المصدر جار على هذا الفعل ، أي : أصل له ومأخذ اشتُقّ ] الفعل [ منه ; فيقال في : ( حمدت حَمْداً ) : إنّ المصدر جار على فعله ، وفي : ( وتبتّل إليه تبتيلا )(25) : إنّ تبتيلاً ليس بجار على ناصبه(26) .

ويقال : اسم الفاعل جار على المضارع ، أي : يوازنه في الحركات والسكنات .

ويقال : الصفة جارية على شيء ، أي : ذلك الشيء صاحبها ، إمّا مبتدأ لها ، أو ذو حال ، أو موصوف ، أو موصول .

والأوْلى : صيانة الحدّ عن الألفاظ المبهمة ، ولو قال : ( اسم الحدث الذي يشتقّ منه الفعل ) ، لكان حدّاً تامّاً على مذهب البصرية ، فإن الفعل مشتقّ منه عندهم »(27) .

وعرّفه ابن مالك ( ت 672 هـ ) بتعريفين :

أوّلهما : أنّه : اسم الحدث ; وهو المستفاد من قوله في
أُرجوزته الألفية :

المصدر اسم ما سوى الزمانِ من *** مدلولي الفعلِ كأمْن من أمِن

قال ابن عقيل : « الفعل يدلّ على شيئين : الحَدَث والزمان ، فـ( قامَ ) يدلّ على قيام في زمن ماض ، و ( يقومُ ) يدلّ على قيام في الحال أو الاستقبال ، و ( قُمْ ) يدلّ على قيام في الاستقبال ، و ( القيام ) هو الحَدَث ـ وهو أحد مدلولي الفعل ـ وهو المصدر ، وهذا معنى قوله : ( ما سوى الزمان من مدلولي الفعل ) ، فكأنّه قال : المصدر اسم الحَدَث ، كأمْن ; فإنّه أحد مدلولي أمِنَ »(28) .
ـ ؟؟

وقال الخضري معقّباً على كلام ابن عقيل :

« قوله : ( وهو المصدر ) ، أي : مدلوله ; لأنّ المصدر هو اللفظ ، والحدث مدلوله ، والمراد بالحدث : المعنى القائم بغيره .

قوله : ( المصدر اسم الحدث ) ، لا يقال : يدخل فيه اسم المصدر ، كـ : اغتسل غسلا ، وتوضّأ وضوءاً ، وأعطى عطاءً ; لأنّ مدلوله لفظ المصدر لا الحدث ، كما نقله الدماميني عن ابن يعيش وغيره وأقرّه ، فهو يدلّ على الحدث بواسطة ، والمراد : الدلالة مباشرةً . .

فإن قلنا : يدلّ عليه مباشرة كالمصدر ، فلا بُدّ لإخراجه من قيد ملحوظ ، أي : الجاري على فعله ، واسم المصدر لا يجري عليه ، بل ينقص عن حروفه ، أو المراد : الدالّ على الحدث بالأصالة ، واسم المصدر نائب عنه ، وبما ذكر يُعلم الفرق بينهما »(29) .

وثانيهما : « المصدر : الاسم الموضوع بأصالة ، الدالّ على المعنى الصادر من المحدَّث به عنه ، أو القائم به ، أو الواقع عليه . . .

وتقييد وضع المصدر بالأصالة مخرج لاسم المصدر ، وهو : ما وافق في بالمعنى مصدر غير الثلاثي ، وفي الوزن مصدر الثلاثي ، كـ : غُسْل وقُبْلَة وعَوْن ، فإنّها أسماء مصادر ; لأنّها وافقت في الوزن : الشكر والقدرة والصوْنَ ، لكنّ هذه مصادر ; لأنّ أفعالها : اغتسل وقبّل وأعان ، ومصادرها : اغتسال وتقبيل وإعانة ، فوضع هذه متقدّم في الرتبة على تلك ، فلهذا نسبَ وضع المصدر إلى الأصالة .

والدالّ على معنىً صادر من المحدَّث به عنه ، كنطق ، والدالّ على معنىً قائم به ، كعلم ، والدالّ على معنىً واقع عليه ، كنحت وزكام ، ممّا لا يكون فعله مسنداً إلى فاعل بل واقعاً على مفعول »(30) .

وقد أورد ابن مالك في
التسهيل مضمون هذا الحدّ مع اختلاف يسير في الألفاظ ، بقوله : « المصدر : اسم دالّ بالأصالة على معنىً قائم بفاعل ، أو صادر عنه حقيقة أو مجازاً ، أو واقع على مفعول »(31) .

وقد أخذ الفاكهي ( ت 972 هـ ) بهذه الصياغة الأخيرة للحـدّ ، وممّا قال في « شرحه » : « ( اسم دالّ بالأصالة ) ، أي : بالوضـع ، ( على معنىً ) هو الحدث ، ( قائم بفاعل ) ، كـ : فرح زيد فرحاً . . . ( أو ) على معنىً ( صادر عنه ) ، كـ : قعد زيد قعوداً . . . ثمّ ذلك المعنى الصادر ( إمّا حقيقة ) ، كما مثّلنا ، ( أو مجازاً ) ، كـ : مرض زيد مرضاً ، ومات بشرٌ موتاً ; فإنّ صدورهما من الميت مجازٌ ، ( أو ) على معنىً ( واقع على مفعول ) ، قال ابن مالك : هو مصدر ما لم يُسَمّ فاعله(32) ، كـ : زهو وجنون .

وقيد الأصالة مخرج لاسم المصدر ; فإنّ دلالته على الحدث إنّما هي بالاستعمال ، أو بإقامته مقام المصدر في بعض المواضع(33) »(34) .

وكان الأوْلى : الاقتصار في صياغة هذا الحدّ على القول : ( المصدر : هو الاسم الدالّ بالأصالة على حَدَث ) ، بدلاً من استعمال كلمة ( معنى ) ثمّ تفسيرها بعد ذلك بالحَدَث ، وبحذف عبارة : ( قائم بفاعل . . . إلى آخره ) ; لأنّها ليست من ذاتيّات المعرَّف ، ويمكن ذكرها في شرح التعريف ، ففي هذا الصنيع مراعاة للاختصار المطلوب في الحدود .

ثلاثة وخمسـون ـ مصطلح اسم المصدر

ورد مصطلح ( اسم المصدر ) في كتاب سيبويه ( ت 180 هـ ) مع التمثيل له ببعض مصاديقه ، وهو : ما عُدِل به عن اللفظ الدالّ على الحَدَث وجُعل علم جنس عليه ، وذلك في قوله :

« وممّا جاء اسماً للمصدر : قول الشاعر النابغة :

إنّا اقتسمنا خُطّتينا بيننا *** فحملتُ بَرَّةَ واحتملتَ فَجارِ

فـ( فَجارِ ) معدولٌ عن ( الفَجْرَة ) .

وقال الشاعر :

فقالَ امكثي حتّى يسارِ لعلّنا *** نحجُّ معاً ، قالت : أعاماً وقابلَه

فهي معدولة عن ( المَيْسَرة ) »(35) .

فالكلمات : برَّةَ وفَجارِ ويَسارِ ، رغم اشتراكها مع المصدر في الدلالة على الحَدَث ، إلاّ أنّها لا تسمّى : مصادر ، بل تسمّى : أسماء مصادر ; لأنّ كلاّ منها أصبح عَلَمَ جنس على معنىً خاص ، فـ( برَّةَ ) علم جنس على ( البِرّ ) ، و( فجارِ ) علم جنس على ( الفَجْرة ) بمعنى ( الفُجور ) ، و( يسارِ ) علم جنس على ( الميسَرة ) بمعنى ( اليُسر ) .

وذكر ابن الحاجب ( ت 646 هـ ) : أنّ اسم المصدر يستعمل لدى النحاة في شيئين :

أوّلهما : اسم المعنى(36) الذي ليس له فعل يجري عليه ، أي : ليس له فعل مشتقّ منه .

وثانيهما : اسم الآلة التي يستعمل بها الفعل ، ويريد بالفعل : الحَدَث .

وهذا ما يستفاد من قوله :

« الفرق بين قول النحويين : مصدر واسم مصدر ، أنّ ( مصدر ) هو الذي له فعل يجري عليه ، كالانطلاق في انطلق ، واسم المصدر هو اسم لمعنىً وليس له فعل يجري عليه ، كالقهقرى ، فإنّه نوع من الرجوع ، ولا فعل له يجري عليه من لفظه .

وقد يقولون : مَصْدَرٌ واسم مصدر في الشيئين المتقاربين لفظاً ، وأحدهما للفعل(37) والآخر للآلة التي يستعمل بها الفعل ، كالطُهور والطَهور ، والأكْل والأُكُل ، فالطُهور : المصدر ، والطَهور : اسم ما يتطهّر به ، والأكْل : المصدر ، والأُكُل : ما يؤكل »(38) .

وعرّفه ابن مالك ( ت 672 هـ ) في
شرح عمدة الحافظ بقوله :

« اسم المصدر هو : ما وافق في المعنى مصدر ] الفعل [ غير الثلاثي ، وفي الوزن مصدر الثلاثي ، كغُسل وقبلة وعَون ، فإنّها أسماء مصادر ، لأنّها وافقت في الوزن الشكر والقدرة والصوْنَ ، لكنّ هذه مصادر ; لأنّ أفعالها : اغتسل وقبّل وأعان ، ومصادرها : اغتسال وتقبيل وإعانة »(39) .

وهذا في الواقع تعريف لأحد مصاديق اسم المصدر .

وذكر في
التسهيل : « ويعمل عمله(40) اسمه غيرُ العَلَم ، وهو ما دلّ على معناه ، وخالفه بخلوّه ـ لفظاً وتقديراً دون عِوَض ـ من بعض ما في فعله »(41) .

وقال في شرحه : ونبّهتُ بقولي : ( ويعمل عمله اسمه غير العلم ) على أنّ من الأسماء ما يسمّى ( اسم مصدر ) ، وأنّه على ضربين : عَلَمٌ وغيرُ عَلَم ، فالعَلَم : ما دلّ على معنى المصدر ، دلالة مُغنية عن الألف ; لتضمّن الإشارة الإشارة إلى حقيقة ، كقول الشاعر : ( فقلتُ امكثي حتّى يَسارِ ) . . . وكـ : بَرَّةَ وفجارِ . . . فهذه وأمثالها لا تعمل عمل الفعل ; لأنّها خالفت المصادر الأصلية بكونها لا يقصد بها الشياع ولا تضاف ولا تقبل الألف واللام ولا توصف ، ولا تقع موقع الفعل ، ولا موقع ما يوصل بالفعل . . .

والثاني من ضربيْ اسم المصدر هو : ما ساواه في المعنى والشياع وقبول الألف واللام والإضافة والوقوع موقع الفعل أو موقع ما يوصل بالفعل ، وخالفه بخلوّه لفظاً وتقديراً دون عوض من بعض ما في الفعل ، كـ : وضوء وغسل ; فإنّهما مساويان للتوضّؤ والاغتسال في المعنى والشياع وجميع ما نفي عن العَلَم ، وخالفاه بخلوّهما(42) دون عوض من بعض ما في فعليهما ، وهما : توضّأ واغتسل ، وحقّ المصدر أن يتضمّن حروف الفعل بمساواة ، كقولك : توضّأ توضّؤاً ، أو بزيادة عليه ، كأعْلَمَ إعلاماً ، ودحرجَ دحرجةً .

وقلت : ( لفظاً وتقديراً ) احترازاً من ] نحو [ فعال مصدر فاعَلَ ، كقتال ; فإنّه مصدر مع خلوّه من المدّة الفاصلة بين فاء فعلهِ وعينه ; لأنّها حُذفت لفظاً ، واكتُفي بتقديرها بعد الكسرة ، وقد تثبت فيقال : قيتال ، وقلت : ( دون عوض ) احترازاً من عِدَهِ ; فإنّه مصدر وَعَدَ ، مع خلوّه من الواو ; لأنّ التاء في آخره عوض منها ، فكأنّها باقية »(43) .

وقال الرضي ( ت 686 هـ ) في التعريف باسم المصدر : « هو شيئان : ما دلّ على معنى المصدر ، مزيداً في أوّله ميمٌ كالمقتل والمستخرج ، الثاني : اسم العين مستعملا بمعنى المصدر ، كقوله :

أكفراً بعدَ ردِّ الموتِ عنّي *** وبعدَ عطائكَ المئة الرِتاعا

أي : إعطائك ، والعطاءُ في الأصل اسم لما يُعطى »(44) .

وقال ابن الناظم ( ت 686 هـ ) في التعريف باسم المصدر : « اعلم أنّ اسم المعنى الصادر عن الفاعل كالضرب ، أو القائم بذاته كالعلم ، ينقسم إلى مصدر واسم مصدر ، فإن كان أوّله ميمٌ مزيدة لغير مفاعلة كالمضربة والمحمدة ، أو كان لغير ثلاثي بوزن الثلاثي كالوضوء والغُسل فهو اسم المصدر ، وإلاّ فهو المصدر »(45) .

وتابعه على هذا : المكودي ( ت 807 هـ ) في شرحه للألفية(46) .

وعرّفه ابن هشام ( ت 761 هـ ) في
شرح شذور الذهب ، بأنّه : « اسم دالّ على الحدث لكنّه لا يجري على الفعل »(47) ، ثمّ قال : « وهو يطلق على ثلاثة أُمور :

أحدها : ما يعملُ اتّفاقاً(48) ، وهو : ما بُدئ بميم زائدة لغير المفاعلة ، المضرب والمقتل ; وذلك لأّنه مصدر في الحقيقة ، ويسمّى المصدر الميمي ، وإنّما سمّوه أحياناً : اسم مصدر ; تجوّزاً . . .

والثاني : ما لا يعمل اتّفاقاً ، وهو : ما كان من أسماء الأحداث علَماً ، كـ( سُبحانَ ) علماً للتسبيح ، و ( فجارِ ) و ( حمادِ ) عَلَمين للفجرة والمحـمدة .

والثالث : ما اختلف في إعماله ، وهو : ما كان اسماً لغير الحدث فاستعمل له ، كـ( الكلام ) ; فإنّه في الأصل اسم للملفوظ به من الكلمات ، ثمّ نقل إلى معنى التكليم »(49) .

وواضح من كلامه هنا : أنّه يعدُّ ما بدئ بميم زائدة لغير المفاعلة مصدراً حقيقةً لا اسم مصدر ، لكنّه في
شرحه ألفية ابن مالك خالف ذلك وعدّه اسم مصدر ; إذ قال : « الاسم الدالّ على مجرّد الحدث ، إن كان عَلَماً كـ ( فَجارِ وحمادِ ) ، للفجرة والمحمدةِ ، أو مبدوءاً بميم زائدة لغير المفاعلة كـ ( مضرب ومقتل ) ، أو متجاوزاً فعله الثلاثة وهو بزنة اسم حدث الثلاثي . . . فهو اسم مصـدر »(50) .

وتابعه على ذلك : الأزهري ( ت 905 هـ ) في
شرح التصريح(51) .

وقال ابن عقيل ( ت 796 هـ ) والأشموني ( ت 900 هـ ) في تعريفه : « اسم المصدر : ما ساوى المصدر في الدلالة ] على معناه [ ، وخالفه بخلوّه ـ لفظاً وتقديراً ـ من بعض ما في فعله دون تعويض »(52) .

وهما تابعان في ذلك لما ذكره ابن مالك في تعريف الضرب الثاني من ضربيْ اسم المصدر .

وعرّفه السيوطي ( ت 911 هـ ) بأنّه : « الاسم الدالّ على الحدث غير الجاري على الفعل »(53) ، أي : أنّه لا يصلح مصدراً لاشتقاق الفعل المذكور معه ، نحو : اغتسل غُسْلا ; فإنّ ( غُسْلا ) ليس مصدراً لاشتقاق الفعل ( اغتسلَ ) وإنّما مصدره الاغتسال .

وقال الفاكهي ( ت 972 هـ ) في تعريفه : « هو : ما ساوى المصدر في الدلالة ] على الحَدَث [ ، وخالفه بعَلَميّة ، أو بخلوّه لفظاً وتقديراً دون عوض من بعض ما في فعله »(54) .

وهو في هذا تابع لما ذكره ابن مالك في
التسهيل .

ولعلّ التعريف الجامع لمعظم أفراد اسم المصدر في اصطلاح النحاة أن يقال : ما دلّ على الحدث ، ولا يشتقّ منه فعله ، وهذا يشمل :

1 ـ ما ليس له فعل يشتقّ من لفظه ; نحو : ( القهقرى ) لنوع من الرجوع .

2 ـ عَلَمُ الجنسِ على حَدَث خاصّ ; كـ : فَجارِ وحمادِ .

3 ـ المدوء بميم زائدة لغير المفاعلة ; كمضرب ومقتل .

4 ـ ما تجاوز فعله الثلاث وهو بوزن اسم حَدَث الثلاثي ; نحو : غُسل ووضوء .

5 ـ ما كان اسماً لغير الحَدَث ، فاستعمل له ، كـ : الكلام والعطاء ; فإنّ الأوّل في الأصل اسم للملفوظ به من الكلمات ، والثاني اسم لما يُعطى .

بقيت نقطة تجدر الإشارة إليها في ختام البحث ، وهي : أنّ النحاة مع اتّفاقهم على عدم الفرق بين دلالة المصدر واسمه على الحَدَث ، إلاّ أنّهم اختلفوا في تحديد نحو هذه الدلالة على قولين :

ذهب بعض إلى أنّ كلاّ منهما يدلّ على الحدث المجرّد مباشرة من غير واسطة . .

وذهب آخر إلى التفريق بينهما بالقول : إنّ اسم المصدر يدلّ مباشرة على لفظ المصدر ، لا على الحدث المجرّد ، وإنّ دلالته على لفظ المصدر تستتبع دلالته على معنى المصدر ( الحَدَث ) ، فتكون دلالته على الحدث غير مباشرة ، وإنّما تحصل بتوسّـط دلالته على لفظ المصـدر .

ومن الذاهبين إلى ذلك : الشيخ خالد الأزهري ; فقد قال : « ومدلولهما مختلف ; فمدلول المصدر : الحدث ، ومدلول اسم المصدر : لفظ المصدر الدالّ على الحَدَث ، فدلالة اسم المصدر على الحدث إنّما هي بواسطة دلالته على المصـدر »(55) .

ـــــــــــــــــــ

1) شرح المفصّل ، ابن يعيش ، تحقيق أميل بديع يعقوب 4 / 46 .
2) المقتصـد في شرح الإيضاح ، عبـد القاهر الجرجاني ، تحقيق كاظم بحر المرجان 1 / 580 ـ 581 .
3) الإيضاح في علل النحو ، أبو القاسم الزجّاجي ، تحقيق مازن المبارك : 56 .
4) شرح الرضي على الكافية ، تحقيق يوسف حسن عمر 3 / 399 .
5) الإنصاف في مسائل الخلاف ، عبـد الرحمن بن محمّـد الأنباري ، تحقيق محمّـد محيي الدين عبـد الحميد 1 / 235 ـ 236 المسألة 28 .
6) الكتاب ، سيبويه ، تحقيق عبـد السلام هارون 1 / 12 .
7) الإيضاح في علل النحو : 56 .
8) شرح كتاب سيبويه ، أبو سعيد السيرافي ، تحقيق رمضان عبـد التوّاب وصاحباه 1 / 54 ـ 55 .
9) يريد من الفعل : الحدث .
10) المقتضب ، محمّـد بن يزيد المبرّد ، تحقيق محمّـد عبـد الخالق عضيمة 3 / 68 .
11) الموجز في النحو ، ابن السراج ، تحقيق مصطفى الشويمي وبن سالم دامرجي : 33 .
12) الإيضاح في علل النحو : 57 .
13) الجمل ، أبو القاسم الزجاجي (مخطوط) : 7 ، نقلاً عن حاشية اصلاح الخلل الواقع في الجمل ، ابن السـيّد البطليوسي ، تحقيق حمزة النشرتي : 37 .
14) أي : محـدّداً .
15) أي : صيغ الأفعال من الماضي والمضارع والأمر .
16) اصلاح الخلل الواقع في الجُمل : 38 .
17) البسيط في شرح جمل الزجّاجي ، ابن أبي الربيع الإشبيلي ، تحقيق عيّاد الثبيتي 1 / 168 ـ 169 .
18) الحدود في النحو ، علي بن عيسى الرمّاني ، ضمن كتاب « رسائل في النحو واللغة » ، تحقيق مصطفى جواد ويوسف يعقوب مسكوني : 39 ; وفي المصدر : « يوجد فيه الفعل » ولعلّه تصحيف أو خطأ طباعي .
19) اللمع في العربية ، ابن جنّي ، تحقيق فائز فارس : 48 .
20) شرح ملحة الإعراب ، أبو القاسم الحريري ، تحقيق بركات يوسف هبود : 166 .
21) شرح الأُنموذج في النحو ، محمّـد بن عبـد الغني الأردبيلي ، تحقيق حسني عبـد الجليل يوسف : 124 .
22) المرتجل ، ابن الخشّاب ، تحقيق علي حيدر : 159 .
23) أ ـ الأمالي النحوية ، ابن الحاجب ، تحقيق هادي حسن حمودي 3 / 52 .
ب ـ شرح الكافية ، الرضي الاسترابادي ، تحقيق يوسف حسن عمر 3 / 399 .
24) أ ـ شرح قطر الندى ، ابن هشام ، تحقيق محيي الدين عبـد الحميد : 291 .
ب ـ شرح شذور الذهب ، ابن هشام ، تحقيق محيي الدين عبـد الحميد : 381 .
25) سورة المزّمل 73 : 8 .
26) أي : أنّ الفعل « تبتّل » ليس مشتقّاً من « تبتيلا » .
27) شرح الكافية ، الرضي الاسترابادي 3 / 399 .
28) شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك ، تحقيق محمّـد محيي الدين عبـد الحميد 1 / 557 . وانظر : شرح الأشموني على الألفية ، تحقيق حسن حمد 1 / 466 .
29) حاشية الخضري على شرح ابن عقيل 1 / 375 .
30) شرح عمدة الحافظ وعدّة اللافط ، ابن مالك ، تحقيق عدنان عبد الرحمن الدوري : 689 ـ 690 .
31) تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد ، ابن مالك ، تحقيق محمّـد كامل بركات : 87 .
32) شرح التسهيل ، ابن مالك ، تحقيق محمّـد عبـد القادر عطا وطارق فتحي السـيّد 2 / 107 .
33) نحو : اغتسلتُ غُسلاً ، وتوضّأتُ وضوءاً .
34) شرح الحدود النحوية ، جمال الدين الفاكهي ، تحقيق محمّـد الطيّب الإبراهيم : 139 ـ 140 .
35) الكتاب ، سيبويه ، تحقيق عبـد السلام هارون 3 / 274 ـ 275 .
36) يريد بالمعنى : الحَدَث ، كـ : الضرب والقتل .
37) أي : للحَدَث .
38) الأمالي النحوية ، ابن الحاجب ، تحقيق هادي حسن حمودي 4 / 126 .
39) شرح عمدة الحافظ وعدّة اللافظ ، ابن مالك ، تحقيق عدنان عبد الرحمن الدوري : 189 ـ 190 .
40) أي : ويعمل عمل المصدر .
41) تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد ، ابن مالك ، تحقيق محمّـد كامل بركات : 142 ـ 143 .
42) في المصـدر : وخالفه بخلوّه .
43) شرح التسهيل ، ابن مالك ، تحقيق محمّـد عبـد القادر عطا وطارق فتحي السـيّد 2 / 448 ـ 449 .
44) شرح الرضي على الكافية ، تحقيق يوسف حسن عمر 3 / 412 .
45) شرح ألفية ابن مالك ، بدر الدين ابن الناظم : 160 .
46) شرح ألفية ابن مالك ، عبـد الرحمن المكودي ، ضبط وتخريج إبراهيم شمس الدين : 162 .
47) شرح شذور الذهب ، ابن هشام ، تحقيق محمّـد محيي الدين عبد الحميد : 382 .
48) أي : يعمل عمل الفعل بالاتّفاق .
49) شرح شذور الذهب ، ابن هشام ، تحقيق محمّـد محيي الدين عبد الحميد : 410 ـ 412 .
50) أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك ، ابن هشام ، تحقيق محمّـد محيي الدين عبـد الحميد 2 / 240 ـ 241 .
51) شرح التصريح على التوضيح ، خالد الأزهري 2 / 61 ـ 62 .
52) أ ـ شرح ألفية ابن مالك ، ابن عقيل ، تحقيق محمّـد محيي الدين عبـد الحميد 2 / 98 .
ب ـ شرح الأشموني على الألفية ، تحقيق حسن حمد 2 / 204 .
53) البهجة المرضية في شرح الألفية ، جلال الدين السيوطي ، تعليق مصطفى الدشتي 2 / 2 .
54) شرح الحدود النحوية ، جمال الدين الفاكهي ، تحقيق محمّـد الطيّب الإبراهيم : 140 ـ 141 .
55)