شبكة الإمامين الحسنين عليهما السلام للتراث و الفکر الإسلامي

 

النظرية الأُصولية . . نشوؤها وتطوّرها

تاريخ علم الأُصول

وتطوّر الأفكار الأُصولية (1)

السـيّد زهير الأعرجي

بسـم الله الرحمن الرحـيم

مقدّمة :

تبحث « النظرية الأُصولية في المدرسة الإمامية » عن الأدلّة والحجج العقلية والشرعية ، كـ : مباحث القطع والظنّ والشكّ ، ومباحث البراءة والاحتياط والتخيير والاشتغال والاستصحاب والتعادل والتراجيح ، والحجّية بصورتها الكلّيّة ، من أجل الوصول إلى الحكم الواقعي أو الظنيّ المقيّد برضا الشارع ; فلا شكّ أنّ الطرق والأمارات والأُصول تساعدنا ، ونحن نبتعد يوميّاً عن عصر النصوص الشرعية ، على فهم وظيفتنا الشرعية ، وتطبيق ما ألزمنا المولى عزّ وجلّ بتطبيقه .

حالات المكلّف تجاه الحكم :

فقد قسّمت المدرسة الأُصولية الإمامية الحديثة ، عبـر منهجيّتها ، حالات المكلّف تجاه الحكم الشرعي بحالات : ( القطع ، والظنّ ، والشكّ ) ،

(138)

وتلك المنهجية حاولت استيعاب جميع الحجج التي يتمكّن العقل البشري من تصوّرها أو إدراكها ; فعندئذ لا تبقى حجّة من الحجج ـ ذاتية كانت أو مجعولة ، أفادت حكماً شرعياً أو وظيفة عقلية ـ إلاّ ودخلت تحت هذا التصميم ، ومن الطبيعي فإنّ هذا المنهج العلمي لم يكن نابعاً من فراغ بل كان وليد الصراع العلمي حول العقل وموقعه في الاستنباط .

فكان الرد العلمي على الذين حاولوا إنكار حجّية الدليل العقلي يتمثّل بمناقشة الملازمة بين الحكمين العقلي والشرعي ; فلا بدّ من تصميم قاعدة عقلية للتعامل مع حالات الظنّ والشكّ ، من خلال التمييز بين ( أصالة البراءة ) و( أصالة الاحتياط ) مثلاً ، أو التمييز بين مقام ثبوت التكليف على المكلّف ومقام الخروج من عهدة التكليف الثابت ; فبمجرّد الاحتمال العشوائي لا يثبت التكليف ولا يخرج من العهدة ، ما لم يتسلّح الفقيه بفهم شامل لعالم الحجج العقلية والشرعية حتّى يستطيع أن يفتي على ضوئها .

خطوط الحجّة العقلية والشرعية :

ولا شكّ أنّ الحجج العقلية والشرعية غير متقاطعة ، بل هي مترتّبة طولياً ، فانكشاف الواقع عن طريق القطع يأتي بالمرتبة الأُولى ويتقدّم على جميع الحجج ، وإذا شئت التعبير قل : هو الخطّ الطولي الأوّل .

أمّا الخطّ الطولي الثاني فهو الطرق والأمارات ( وهي الأدلّة الاجتهادية كخبر الواحد والإجماع والشهرة ) ، والطرق والأمارات اعتبرها الشارع حجّة شرعية في حالة عدم انكشاف الواقع وفقدان القطع ، ولكن مع انكشاف الواقع والقطع بالحكم الشرعي لا يصحّ شرعاً الاعتماد على تلك الطرق والأمارات .

والخطّ الطولي الثالث هو : صحّة الرجوع إلى الأُصول العملية الشرعية والعقلية ( وهي الأدلّة الفقاهتية كالبراءة والاشتغال والتخيير والاستصحاب ) في حالة فقدان الطرق والأمارات المعتبرة شرعاً ، بعد الفحص واليأس من عدم الوصول إليها .

وهذا التفريق بين القطع والأمارات ، والأُصول العملية خلق طريقة منهجية في عملية الاستنباط الشرعي للأحكام ; فالمجتهد قد يصيب الأحكام الواقعية وقد لا يصيبها ، فإذا كانت حالة الإصابة فيها ظنّية فهي الأدلّة الاجتهادية ، وإذا لم يستطع الوصول إلى هذا المقدار ، فلا بدّ له أن يصل إلى تحديد الوظيفة الشرعية المقرّرة للجاهل بالحكم عند الشكّ في التكليف أو المكلّف به عن طريقي البراءة أو الاحتياط .

القطع والشكّ والظنّ :

ولا شكّ أنّ اتّساع دائرة الدليل أدّت إلى تركيز البحوث على حجّية القطع ; فما لم يكن الدليل حجّة قطعاً لا يمكن الاستناد عليه أو التمسّك به بحال من الأحوال ، فكان لا بدّ من التمييز بين الحجج الذاتية للأدلّة القطعية ، والحجج المجعولة من قبل الشارع والتي لا يمكن اعتبار حجّيّتها إلاّ بدليل قطعي كالطرق ، والأمارات ، ومصاديقها الإجماع ، وخبر الثقة ، وبموجب هذا الفهم تطوّر مفهوم الحجّية الشرعية ; فكان لا بدّ للدليل من أن يصل حدّ القطع والعلم حتّى يسمح له بالدخول إلى عالم الاستنباط .

فالأخذ بالحجّية المجعولة من قبل الشارع وسّع من دائرة الدليل ; فإنّ الشارع مثلاً أمرنا باتّباع الظنّ في موارد البيّنة واليمين ، جاعلاً الحجّية لهما ، مع أنّ البيّنة واليمين بحدّ ذاتها لا توجبان القطع ولا تمنعان من احتمال الخلاف ، ولكنّ الشارع تمّم الكشف الناقص على الطريقة التعبّدية ، فأنشأ الحجّية المجعولة .

وهذا التوجّه العقلي يفتح لنا الطريق لإمكانية اعتبار الظنّ والتعبّد به ، شرط أن يحصل لنا علم يقيني بأنّ الشارع قد اعتمد سبيلاً من السبل الظنّية واعتبره وأمرنا بالتعبّد به ; فالظنّ ليس حجّة بذاته ولا يمكن الاعتماد عليه ، بل يكون حجّة شرعاً عندما يقوم دليل علمي من ناحية الشارع على حجّيته ، فيصبح عندها ظنّاً معتبراً .

وعلى هذا الأساس صُنّفت الظنون الخاصّة التي ثبتت حجّيتها بالدليل القطعي إلى صنفين :

الأوّل : الطرق والأمارات ، كالأخبار غير المتواترة والإجماع والسيرة والشهرة .

الثاني : المنحى العلمي المستخدم في اكتشاف الحكم الشرعي كحجّية الظهور .

ومعالجة هذا المقدار من مشاكل اكتشاف الحكم غير كافية على نطاق الاستنباط ، ما لم نجد حلاًّ لمعالجة مشاكل الشكّ في الشبهات الموضوعية والحكمية ; فكانت الأُصول الأربعة : البراءة ، والتخيير ، والاحتياط ، والاستصحاب هي الحلّ الأخير ، باعتبارها وظيفة الجاهل بالواقع من حيث جهله به ويأسه من الكشف عنه بالعلم أو الظنّ المعتبر .

معالجة التعارض بين الأدلّة الاجتهادية والفقاهتية :

وبطبيعة الحال ، وبسبب تراكم الروايات ، وعدم تمحيص جميعها بصورة قطعية من قبل الفقهاء ، وطول الفترة الفاصلة بيننا وبين عصر النصّ ; فأنّه يتبادر ظاهراً في مقام الاستدلال تعارضاً بين الأدلّة الاجتهادية والفقاهتية ، ولكن ذلك التعارض الظاهري رفع عن طريق أربع حالات عقلية مكتَشَفة هي : التخصّص ، والتخصيص ، والورود ، والحكومة .

وتفصيل ذلك : إنّنا نستظهر في ( التخصّص ) خروج موضوع أحد الدليلين عن موضوع الدليل الآخر ، وفي ( التخصيص ) عدم قصد المتكلّم للمعنى الظاهر من العامّ في استعمال الخاصّ ، وفي ( الورود ) نفي الدليل الوارد لموضوع الدليل المورود نفياً تكوينياً على الصعيد التعبّدي . وفي ( الحكومة ) بروز العلاقة الدلالية عندما يكون فيها أحد الدليلين ناظراً إلى مفاد الدليل الآخر ، وبذلك ينتفي التعارض بين الدليلين الاجتهادي والفقاهتي اللذين يترتّبان طولياً ولا يتقاطعان عرضياً .

وهذا المقدار من الفهم الأُصولي للحكم الشرعي أو الوظيفة الشرعية يشمل عالمي الاستنباط في العبادات والمعاملات .
الفصل الأوّل
المدارس الأُصولية في التاريخ الإمامي

منذ القرن الخامس وانتهاءً بالقرن الخامس عشر الهجري

مقدّمة :

يمكن اعتبار علم أُصول الفقه أحد العلوم الشرعية الذي اكتسب أهمّية خاصّة ، وقامت الحوزة العلمية الإمامية باحتضانه ، وبذلت الغالي والنفيس في تطويره والذود عنه ; لأنّ هذا العلم يبرز مبادئ القواعد العقلية والشرعية في مباني الاجتهاد الفقهي ، ويكفي فقهاء شيعة أهل البيت فخراً أنّهم بنوا على ضوء تعاليم أئمّتهم
(عليهم السلام) ، المباني العلوية للاجتهاد ، ولسوف يبقى هذا البناء شامخاً بإذن الله تعالى حتّى قيام مهدي هذه الأُمّة ( عجلّ الله فرجه ) وتحقيق جميع معاني العدالة الاجتماعية التي جاء بها الإسلام .

وقد ساهم فقيهان جليلان من فقهاء الطائفة بشكل رئيسي وحاسم في البناء الأُصـولي للفقه الشـيعي ، وهما : الشيخ أبو جعفر الطوسي ( ت 460 هـ ) من روّاد المدرسة الفقهية الأُصولية الأُولى التي قامت بالتأسيس للنظرية الأُصولية ، والشيخ مرتضى الأنصاري ( ت 1281 هـ ) رائد المدرسة الأُصولية الحديثة في بناء الأدلّة والحجج الشرعية والعقلية ، وكان بين هؤلاء العلمين وقبلهما وبعدهما مئات الفقهاء وعلماء الأُصول والمعارف الدينية الذين أثْروا بنتاجاتهم المكتبة الشيعية وأوصلوها إلى أرقى مراحل النضوج العلمي . فأصبح للشيعة الإمامية بفضل جهود الحوزة العلمية ، مقعد خالد للعلوم الشرعية في عالمنا الواسع الفسيح .

المدارس الأُصولية في التاريخ الإمامي :

إنّ أهمّ ما شغل علماء الإمامية بعد انتهاء عصر النصّ ، هو : البحث عن ( الدليل ) عند استنباط الحكم الشرعي ، ولكنّ البحث عن الدليل لم يكن في يوم من الأيّام من القضايا الميسورة التي يستطيع الفرد فيها إنشاء نظرية متكاملة بمفرده وبمعزل عن التضافر العلمي الجماعي الذي تنقل ثماره ـ عادةً ـ الأيادي الأمينة من العلماء من جيل إلى جيل ; فالفرد بمفرده ـ ومهما أُوتي من قدرة علميةـ غير قادر على تأسيس نظرية أُصولية تستطيع الصمود مئات السنين ما لم يصاحبها نزوع علمي ، جماعي ، في النقد ، والتنقيح ، والإضافة ، والتجديد . فالتضافر العلمي الجماعي في فترة زمنية مديدة يمتلك تلك الطاقة والقدرة على تأسيس وبناء النظرية العلمية في أُصول الفقه . وهكذا كان ، فقد تضافرت جهود فقهاء أهل البيت
(عليهم السلام) لفترة عشرة قرون كاملة أثمرت خلالها في إنشاء نظرية أُصولية في غاية المتانة في علم القواعد الممهّدة لاستنباط الحكم الشرعي .

وقد كان محور المشكلة الشرعية التي واجهت الفقهاء في عصر الغيبة وانتهاء عصر النصّ : ( الحجّية ) في نطاقها العامّ بما فيها حجّية ظواهر الكتاب المجيد ، وحجّية خبر الواحد الناقل لقول المعصوم
(عليه السلام) أو فعله أو تقريره ، وحجّية الإجماع ، وحجّية العقل والدليل العقلي ; فكان موضوع علم الأُصول ـ دائماً ومنذ عصر التأسيس ـ هو البحث عن الأدلّة المشتركة في الاستدلال الفقهي ، ولا شكّ أنّ البحث في دليلية تلك الأدلّة المشتركة كان قد تطوّر بشكل هائل على مرّ العصور ووصل إلى ما وصل إليه اليوم من القمّة في التفكير الأُصولي الإمامي .

وبطبيعة الحال ، فإنّ الترابط الُمحكم بين الأفكار الأُصولية التي تطوّرت تدريجياً على مدى مئات السنين يدفعنا قهراً ـ في هذه المرحلة الفكرية ـ إلى عرض ( علم الأُصول ) على الصعيد التاريخي عرضاً شاملاً من دون التركيز على مواقع المدارس الأُصولية جغرافياً ، ذلك أنّ تطوّر ( علم الأُصول ) في مدرسة جغرافية كالنجف الأشرف مرتبطٌ بتطوّره في مدرسة جغرافية أخرى ، وهي : مدرسة الحلّة وتطوّره في مدرسة كربلاء لا يقطع ارتباطه بمدرستي النجف والحلّة . وبكلمة ، فإنّ المدارس الأُصولية التي سوف ندرسها ستهتمّ بالتطوّر الشامل لـ( علم الأُصول ) عند الشيعة الإمامية على مرّ التاريخ دون النظر إلى الفكر الجغرافي .

وهذه المدارس الأُصولية رُتّبت على أساس التاريخ الزمني المحدّد بقرن كامل لكلّ مدرسة أُصولية ، فكانت إحدى عشرة مدرسة على طول السنين الألف الماضية من عمر التشيّع وموالاة أهل البيت
(عليهم السلام) . وقد ابتدأنا بمدرسة القرن الخامس الهجري ; لأنّنا لم نكتشف نظرية إمامية في أُصول الفقه قبل هذا التاريخ . نعم ، قد تناثرت هنا وهناك أفكار أُصولية ، لكنّها لم تنهض إلى مستوى النظرية إلاّ في عصر الشيخ المفيد ( ت 413 هـ ) .

1 ـ مدرسة القرن الخامس الهجري :

وأركانها أربعة فقهاء عظام من مدرسة أهل البيت
(عليهم السلام) ، عرضوا أربعة كتب مستقلّة في أُصول الفقه ، وهم :

أ ـ الشيخ المفيد ( ت 413 هـ ) وكتابه
رسالة في أُصول الفقه مطبوع ضمن كتاب
كنز الفوائد للشيخ الكراجكي ( ت 449 هـ ) .

ب ـ السيد المرتضى ( ت 436 هـ ) وكتابه
الذريعة إلى أُصول الشريعة .

ج ـ الشيخ الكراجكي ( ت 449 هـ ) وكتابه
كنـز الفوائد .

د ـ الشيخ الطوسي ( ت 460 هـ ) وكتابه
عدة الأُصول .

وتتميّز هذه المدرسة بعرض ضبابي غير واضح لمطالب علم الأُصول ، ووجود خلط معرفي بين ( علم أُصول الدين ) و( علم أُصول الفقه ) ; فبالرغم من الاستقلالية النسبية التي حصل عليها ( علم الأُصول ) المتطوّر باستمرار مع الحاجات الاستدلالية في عملية استنباط الأحكام الشرعية ، إلاّ أنّ ذلك الخلط كان لا يزال قائماً بين علمي الكلام والأُصول خصوصاً في أخبار الآحاد ; فقد كان أصوليّو هذه المدرسة لا يرغبون في الاستدلال بالروايات الظنّية التي لا يُعَرف صدقها باعتبار أنّها لا تؤدّي إلى القطع ، وهي بذلك ليست دليلاً من الأدلّة القطعية . ولا شكّ أنّ هذه الفكرة كانت قد استمدّت من علم أُصول الدين حيث اتفق الكلاميّون على أنّهم لا يستطيعون إثبات صفات الخالق عزّ وجلّ عن طريق أخبار الآحاد .

الشيخ المفيد و « رسالة الأُصول » :

وقد تناول الشيخ المفيد
(رضي الله عنه) في
رسالته الأُصولية : الطرق أو الأدلّة إلى أُصول الأحكام الشرعية فأوصلها إلى ثلاثة وهي :

أ ـ العقل ، وهو سبيل إلى معرفة حجّية القرآن ودلائل الأخبار .

ب ـ اللسان ( أي اللغة ) ، وهو : السبيل إلى المعرفة بمعاني الكلام .

ج ـ الأخبار ، وهي : السبيل إلى إثبات أعيان الأُصول من الكتاب وسُـنّة أهل البيت
(عليهم السلام)(1) .

وهذه الطرق الثلاث تقابل الأدلّة العقلية ، ومباحث الألفاظ ، والحجج الشرعية بأبسط صورها الفكرية . إلاّ أنّه صرّح في الوقت ذاته بأنّ خبر الواحد لا يوجب علماً ولا عملاً ، إلاّ إذا اقترن بقرينة تؤيّد صدقه ، أو بدليل عقلي أو بشاهد من عرف ، أو بالإجماع غير المخالف ; وإلاّ فأنّه ليس بحجّة(2) .

وفي ضوء تلك الأفكار ، فإنّ كتاب الشيخ المفيد ( ت 413 هـ ) الذي استفاده الكراجكي ( ت 449 هـ ) قد يعدُّ أوّل كتاب مستقلّ تناول علم أُصول الفقه عند الشيعة الإمامية ، أي بعد أقلّ من قرن كامل على الغيبة الكبرى .

السيد المرتضى و « الذريعة » :

ومع وضوح الشيخ المفيد
(رضي الله عنه) في طرح المباحث الأُصولية الابتدائية ، إلاّ أنّ التشويش يبدو ظاهراً في مطالب العلم الجديد في عصر السيّد المرتضى ( ت 436 هـ ) ; فقد حاول هذا الفقيه الجليل بلورة الفروق المبدأية بين علم أُصول الدين وعلم أُصول الفقه ; فعرض في كتابه
الذريعة إلى أُصول الشريعة ردّاً مفصّلاً موجهاً إلى فقيه قد صنّف كتاباً عنونه بـ
أُصول الفقه . .

ولكنّه في واقع الأمر تناول بالتفصيل أُصول الدين دون أُصول الفقه ; فانبرى السيّد المرتضى لتفصيل الاختلاف بين أُصول الدين وأُصول الفقه ، وأوضح أنّ أُصول الدين أو ( علم الكلام ) ممّا يتناول حدوث الأجسام وإثبات المحدث وصفاته وجميع أبواب التوحيد والعدل والنبوات ، أمّا أُصول الفقه فيتناول الأمر والنهي ، والعموم والخصوص ، والبيان والمجمل ، والإجماع ، والأخبار ، والقياس ، والاجتهاد ونحوها(3) .

ومع كلّ ذلك البيان ; فهو
(قدس سره) لم يستطع التخلّص من رواسب تلك الرمادية التاريخية المتأصّلة بين علم الأُصول وعلم الكلام ، فيقول باحثاً صيغة الأمر وأحكامه وأقسامه : « إنّ الفقهاء كلّهم وأكثر المتكلّمين يذهبون إلى أنّ للأمر صيغة مفردة مختصّة به ، متى استعملت في غيره كانت مجازاً ، والذي يدلّ على أنّ هذه اللفظة مستعملة بلا خلاف في الأمر والإباحة في التخاطب والقرآن والشعر ، يقول تعالى :
(وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ )(4) وهو أمر ، ويقول تعالى :
(وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ)(5) وهو مبيح ، وكذلك قوله تعالى : (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُوا فِي الاَْرْضِ )(6) والانتشار مباح وغير مأمور به ، وظاهرُ الاستعمال يدلّ على الحقيقة ، إلاّ أن تمنع دلالـة »(7) . وهذا التفكير الأُصولي مع أنّه يغطّي مساحة مشتركة من علمي الأُصول والكلام ، إلاّ أنّه يحمل بوضوح فكرة القواعد العامّة في عملية الاستنباط الفقهي .

الكراجكي و « كنـز الفوائد » :

وفي كتاب
كنـز الفوائد للكراجكي ( ت 449 هـ ) عمق واضح يتناسب مع تلك المرحلة ، في نقاش طبيعة الحجج الأُصولية بشكلها الأوّلي ، فيتناول ذلك الكتاب تعريف الخبر بالقول : « فأمّا الخبر فهو ما أمكن فيه الصدق والكذب وله صيغة زمنية مبنية ينفصل بها ممّا يخالفه في معناه ، وقد تستعار صيغته في ما ليس بخبر كما يستعار غيرها من صيغ الحقائق في ما سواه على وجه الاتّساع والمجاز ، قال الله عزّ وجلّ :
(. . . وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا)(8) ، فهو لفظ بصيغة الخبر والمراد به الأمر بأن يؤمّن من دخله . والعامّ في معنى الكلام ما أفاد لفظه اثنين فما زاد ، والخاصّ ما أفاد واحداً دون ما سواه ; لأنّ أصل الخصوص التوحيد وأصل العموم الاجتماع ، وقد يعبّر عن كلّ واحد منهما بلفظ الآخر تشبّهاً وتجوّزاً قال الله تعالى :
(اِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)(9) ، فعبّر عن نفسه سبحانه وهو واحد بلفظ الجمـع »(10) .

الشيخ الطوسي و « عدّة الأُصول » :

وقد واصلت مدرسة ( القرن الخامس الهجري ) تطوّرها الأُصولي ، ووصلت إلى درجة من الرقي في أبحاثها عندما انتقل شيخ الطائفة الجليل أبو جعفر الطوسي ( ت 460 هـ ) إلى النجف سنة 448 هـ وبدأ بممارسة الكتابة والتدريس هناك ; فكتب كتاب
عُدّة الأُصول الذي يعتبر من أوائل الكتب التي تخلّصت من عقدة الخلط بين علمي الكلام والأُصول ، وميّزت البحوث الأُصولية عن الفقهية على أساس الفرق بين الأدلّة الإجمالية والأدلّة التفصيلية . .

يشير شيخ الطائفة إلى ذلك في كتابه
عُدّة الأُصول بالقول : « أُصول الفقه هي أدلّة ; الفقه فإذا تكلّمنا في هذه الأدلّة فقد نتكلّم في ما يقتضيه من إيجاب وندب وإباحة وغير ذلك من الأقسام على طريق الجملة ، ولا يلزمنا عليها أن تكون الأدلّة الموصلة إلى فروع الفقه ، لأنّ هذه الأدلّة أدلّة على تعيين المسائل ، والكلام في الجملة غير الكلام في التفصيـل »(11) . ولعلّ في تعبير الشيخ
(رضي الله عنه) أوّل إشارة إلى مصطلح القواعد المشتركة على الصعيد الأُصولي ، ومصطلح المفردات الخاصّة على الصعيد الفقهي .

2 ـ مدرسة القرن السادس الهجري :

ويقف على رأسها فقيهان جليلان هما : ابن زهرة ، حمزة بن علي الحسيني الحلبي ( ت 585 هـ ) ، وابن إدريس الحلّي ( ت 598 هـ ) .

ابن زهرة و « الغُنية » :

وأهم مؤلّفات ابن زهرة كتاب :
غُنية النـزوع إلى علمي الأُصول والفروع أو كما هو مدوّن في كتاب
الجوامع الفقهية المنشور في طيّاتها ، باسم
الغُنية أصولها وفروعها . وهو على قسمين :

الأوّل : أُصول الفقه ويشمل ربع الكتاب في 25 صفحة طبعة حجرية من القطع الكبير ( الرحلي ) .

الثاني : فروع الفقه ويشتمل على أكثرَ من ثلاثة أرباع الكتاب في 77 صفحة طبعة حجرية من نفس القطع .

وقد بدأ كتابه بالقول : « لمّا كان الكلام في فروع الفقه يُبنى على أُصول له وجب الابتداء بأصوله ثمّ إتباعها بالفروع ، والكلام في الفروع من دون إحكام أصله لا يثمر . وقد كان بعض المخالفين سأل ، فقال : إذا كنتم لا تعملون في الشرعيّات إلاّ بقول المعصوم فأيّ فقر بكم إلى أُصول الفقه ، وكلامكم فيها كأنّه عبث لا فائدة فيه . فيقال له : قد ثبت عندنا بالأدلّة القاهرة وقوف الأحكام الشرعية على نصّ علاّم الغيـوب سبحانه العالـم بمصالح عباده فيها وبمفاسدهم . . . »(12) . وهذا النصّ التاريخي يشدّد على دور الأُصول في استنباط الفروع الفقهية ، ويؤكّد على أهمّية الحاجة إلى إثراء القواعد الأُصولية بعد أكثر من قرن على وفاة الشيخ الطوسي ; فالحاجة إلى علم الأُصول في عصر انتهاء النصّ الشرعي كانت تزداد كلّما ظهر للفقيه افتقاره للقواعد الكلّية المشتركة في عملية الاستنباط . .

وقد فصلّ ابن زهرة في القسم الأُصولي من كتابه ، في مباحث : الأوامر الشرعية ، والخصوص والعموم ، والنسخ ومتعلّقاته ، والأخبار ، والأفعال ، والإجماع ، وحرمة القياس ، والاستصحاب . . . وكذلك تناول مباحث ابتدائية حول الحجّية كحجّية العامّ المخصّص وعدم حجّية مفهوم الوصف . .

ولعلّ مدرسة ( ابن زهرة ) الفكرية تعدُّ من أهم مدارس الإمامية التي حاولت إنشاء جسر موصل بين الفقه وأصوله في كتاب واحد يتضمّن كلا القسمين : أُصول الفقه ، والفروع الفقهية ، وحاولت ـ بتوفيق ظاهرـ تطبيق القواعد الأُصولية على تلك الفروع .

ولكن ما ميّز ( ابن زهرة ) عن أقرانه من الفقهاء في تلك الحقبة الزمنية أنّه عمد إلى عدم محاكاة الشيخ الطوسي ، بل مخالفته صريحاً في مواضع متعدّدة . ففي باب دلالة النهي على الفساد مثلاً آمن الشيخ الطوسي بدلالة النهي على الفساد ، بينما آمن ابن زهرة بعدم وجود ملازمة بين الحرمة والفساد ، وفي باب دلالة الأمر على الفور آمن الشيخ الطوسي بدلالة الأمر على الفور ، بينما آمن ابن زهرة بعدم دلالة الأمر على الفور أو على التراخي ; فقد عرض استدلاله في مخالفة الشيخ الطوسي قائلاً : « ولا يعلم من مطلق الأمر فورٌ ولا تراخ وإنّما يعلمُ أحد الأمرين بقرينة دالّة عليه ; لأنّه قد ورد في القرآن العظيم والاستعمال وأريد به تارة الفور وأخرى التراخي . . . وتعلّقهم : بأنّ الأمر إيجاب فعل واحد وقد دلّ العقل على أنّ أفعالنا لا يصحّ فيها التقديم والتأخير ; فوجب أن يكون المراد فعل المأمور به عقيب الأمر ليكون الفعل واحداً ، غير صحيح ; لأنّ التراخي والتخيير في أوقات الفعل جائز وإن كان واحداً . . . »(13) .

وهذا التطوّر خطير للغاية ; لأنّه فتح الباب أمام كسر الحواجز النفسية في النقد العلمي لكبار مشايخ الطائفة ، وهو بلا شكّ ـ مفتاح رئيسي من مفاتيح الاجتهاد ، لأنّه عبّر عن قدرة استقلالية في الاستدلال الشرعي والبحث عن سند الدليل ، بدل المحاكاة المعرفية التي لا تنهض إلى إدراك معاني الدليل أو واقعيّته . وقد كانت قدسية الشيخ الطوسي ومكانته العلمية في النفوس تمنع من ممارستهم ذلك اللون من النقد والتنقيح .

ابن إدريس و « السرائر » :

وشهد هذا القرن أيضاً عالماً جليلاً آخراً انتقل من النجف إلى الحلّة ، وهو : ابن إدريس الحلّي ( ت 598 هـ ) وكتابه الفقهي الجليل
السرائر ، فقد ابتدأه بإعلان إيمانه بحجّية العقل بالإضافة إلى النصوص الشرعية ، قائلاً : ( . . .فإنّ الحقّ لا يعدو أربع طرائق : كتاب الله سبحانه أو سنّة رسوله
(صلى الله عليه وآله وسلم)المتواترة المتفق عليها أو الإجماع أو دليل العقل ; فإذا فقدت الثلاثة فالمعتمد في المسألة الشرعية عند المحقّقين الباحثين عن مآخذ الشريعة التمسّك بدليل العقل فيها ، فأنّها مبقاة عليه وموكولة إليه ، فمن هذه الطريق توصّل إلى العلم بجميع الأحكام الشرعية في جميع مسائل أهل الفقه ، فيجب الاعتماد عليها والتمسّك بها فمن تنكّر عنها عسف وخبط خبط عشواء . . . )(14) .

ولم يكتف ابن إدريـس في كتابه بيان آرائه الفقـهية ، بل كان يناقش في كلّ فـرع الأساس الأُصولي للمسألة الفقهية ، وقد ناقش ـ في بعض الأحيان ـ أكثر من مسألة أصولية في فرع فقهي واحد ، وعمد ابن إدريس إلى مناقشة آراء الشيخ الطوسي ونقدها نقداً علمياً على نطاقي الاستدلال والاستنباط .

وبكلمة ، فإنّ كتاب
السرائر كان محاكمة علمية أخرى لآراء الشيخ الطوسي في كتابي
النهاية و
المبسوط ، وطريقاً جديداً للنقد العلمي والاستنباط الشرعي المستقلّ عن المحاكاة والتقليد .

3 ـ مدرسة القرن السابع الهجري :

وهي المدرسة التي ازدهرت في الحلّة وامتدّت ـ مع مدارس القرن الثامن والتاسع والعاشر الهجري ـ إلى أكثر من ثلاثة قرون ونصف ، ابتدأت ـ نظرياً ـ من ابن إدريس ( ت 598 هـ ) واضمحلّت في النصف الأخير من القرن العاشر الهجري ، وأهمّ أقطاب هذه المدرسة : المحقّق الحلّي ، جعفر بن الحسين ( ت 676 هـ ) ، الذي كتب في علم الأُصول كتابين هما :
نهج الوصول إلى معرفة علم الأُصول ، و
معارج الأُصول . وقد سيطرت هذه المدرسة ، بشقّيها الأُصولي والفقهي ، على الفكر الشيعي حقبة طويلة من الزمن ; فقد أصبح كتاب
شرائع الإسلام للمحقّق الحلّي ، وهو من الكتب الفقهية الاستدلالية المبوّبة تبويباً علمياً جديداً ، مدار بحث وتدريس وشرح وتعليق في الحوزات العلمية بدلاً من كتاب
النهاية للشيخ الطوسي ، وبذلك فقد انتهى العصر التدريسي لمؤلّفات الشيخ الطوسي المتمثّل في الكتب الرئيسية الثلاثة :
المبسوط ، و النهاية ، و عدة الأُصول ليدخل عصر المحقّق الحلّي بكتابيه
شرائع الإسلام ، و المعارج .

4 ـ مدرسة القرن الثامن الهجري :

ومن أعمدتها : العلاّمة الحلّي ، الحسن بن يوسف ( ت 726 هـ ) ، وفخر المحقّقين ، محمّـد بن الحسن ( ت 771 هـ ) ، والشهيد الأوّل ، محمّـد بن مكّي ( ت 786 هـ ) .

كتابات العلاّمة وفخر المحقّقين والشهيد الأوّل :

فقد كَتَبَ العلاّمة الحلّي أكثر من كتاب في أُصول الفقه ، منها :

أ ـ
تهذيب الوصول إلى علم الأُصول ، وهو : مختارات من مختصر المنتهى لابن الحاجب .

ب ـ
مبادئ الوصول إلى علم الأُصول ، مطبوع مع كتاب
المعارج للمحقّق الحلّي .

ج ـ
نهاية الوصول إلى علم الأُصول .

د ـ
النكت البديعة في تحرير الذريعة ، ذكره المصنّف في كتاب
الخلاصة(15) .

هـ ـ
منتهى الوصول إلى علمي الكلام والأُصول .

و ـ
شرح غاية الوصول في الأُصول ، وهو : شرح العلاّمة الحلّي على كتاب الغزالي(16) .

وكتب ( فخر المحقّقين ) كتابين في أُصول الفقه هما :
غاية السؤول في شرح تهذيب الأُصول ، و
شرح المبادئ .

أمّا الشهيد الأوّل فله كتاب
ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة ، وكتاب
القواعد والفوائد في الفقه والأُصول والعربية .

الشهيد الأوّل و « القواعد والفوائد » :

وقد بلغ ( علم الأُصول ) في هذه المرحلة درجة أعلى في الدقّة والعمق من أيّ وقت مضى ; ففي كتاب
القواعد والفوائد في الفقه والأُصول والعربية للشهيد الأوّل ، ضمّن المصنّف
(رضي الله عنه) كتابه ما يقرب من ثلاثمائة وثلاثين قاعدة أصولية وفقهية ونحوية ، إضافة إلى فوائد تقرب من مائة فائدة ، والكثير من التنبيهات التي يغلب عليها الطابع الفقهي الاستدلالي . .

ومنهجه في ذلك إيراد القاعدة الأُصولية ثم مناقشتها مناقشة استدلالية على ضوء المذهب الإمامي ، ثمّ مقارنتها بالمذاهب الأخرى ; فعلى سبيل المثال تناول بالشرح قواعد أصولية عديدة كقاعدة ( البناء على الأصل عند الشكّ في سبب الحكم ) ، وقاعدة ( أقسام التكاليف الشرعية بالنسبة إلى قبول الشرط والتعليق ) ، وقاعدة ( اليقين : وهي البناء على الأصل واستصحاب ما سبق ) . والقاعدة الأخيرة ، وهي قاعدة اليقين يتناولها بإسهاب حيث يشقّقها إلى أربعة تشقيقات ، هي :

1 ـ استصحاب النفي في الحكم الشرعي إلى أن يرد دليل ، وهو المعبّر عنه بـ ( البراءة الأصلية ) .

2 ـ استصحاب حكم العموم إلى ورود مخصّص ، وحكم النصّ إلى ورود ناسخ .

3 ـ استصحاب حكم ثبت شرعاً .

4 ـ استصحاب حكم الإجماع في موضع النـزاع .

ويتناول صور تعارض الأصل والظاهر ، والموارد التي يقدّم فيها الأصل على الظاهر والظاهر على الأصل . وكذلك الأصل في اللفظ ( أي الحمل على الحقيقة الواحدة ) ، ويقسّم الحقيقة إلى ثلاثة أقسام : لغوية ، وعرفية ، وشرعية ، ثمّ يشرع في شرح المجاز والمشترك ، ويتناول أقسام متعلّق الأمر والنهي ، ويبيّن ألفاظ العموم ، ويذكر أيضاً معاني ( الألف واللام ) عند الفقهاء والأُصوليّين ، ثمّ يعرّج على الإنشاء فيعرّفه ويذكر الفرق بينه وبين الخبر ، والفرق بين الفتوى والحكم .

ثمَّ يتناول العديد من الموارد لتطبيق تلك القواعد ، فعلى سبيل المثال يقول في شرح قاعدة ( حمل المطلق على المقيد ) : ( . . .لو قُيّد الحكم بقيدين متضادّين تساقطا وبقي المطلق على إطلاقه ، إلاّ أن يدلّ دليل على أحد القيدين ، كما ورد عن النبي
(صلى الله عليه وآله وسلم) : إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً إحداهنّ بالتراب . وبهذا عمل ابن الجنيد ، وروينا ( ثلاثاً ) ، وروى العامّة ( أخراهن بالتراب ) . وروينا ورووا : ( أولاهنّ ) . فيبقى المطلق على إطلاقه ، لكن رواية ( أولاهنّ ) أشهر ، فترجّحت بهذا الاعتبار )(17) .

وهذه الروح الاستدلالية نقلت علم الأُصول إلى مرحلة جديدة من مراحل استقراره وثبوته ، وأوجدت إدراكاً خاصّاً لفهم دوره الحاسم في عملية استنباط الأحكام الشرعية الخاصّة بالأحداث والوقائع المتغيّرة بتغيّر الزمان والمكان .

5 ـ مدرسة القرن التاسع الهجري :

ولم يظفر هذا القرن إلاّ بفقيه من فقهاء مدرسة ( الحلّة ) وهو : المقداد ابن عبد الله السيوري الحلّي ( ت 826 هـ ) الذي كتب :
شرح مبادئ الوصول لعلم الأُصول للعلاّمة وسمّاه بـ
نهاية المأمول ، و
نضد القواعد الفقهية على مذهب الإمامية ، و
التنقيح الرائع في شرح المختصر النافع ، و
كنـز العرفان في فقه القرآن . وهذه الكتب وغيرها ممّا كتب من قبل ساهمت كلّها في تنظيم المناهج الأُصولية في عملية الاستنباط في تلك المرحلة ، خصوصاً وإنّ ابتعاد الفقهاء عن عصر النصّ واختلافهم في سلامة الروايات من حيث السند والدلالة ، جعلهم يصبّون جهداً مكثّفاً في سبيل بلورة القواعد الأُصولية المشتركة في عملية استخراج الحكم الشرعي .

السيوري الحلّي و « نضد القواعد » :

والملاحَظ أنّ مجرّد النظر إلى عنوان كتابه القيّم :
نضد القواعد الفقهية على مذهب الإمامية يدلّل على مدى الحاجة القائمة آنذاك إلى تنظيم القواعد المشتركة في عملية الاستنباط الشرعي للأحكام وترتيبها وتهذيبها ، قال في المقدّمة في إشارة إلى أستاذه الشيخ الشهيد الأوّل
(قدس سره) بأنّه : ( . . .قد جمع كتاباً يشتمل على قواعد وفوائد في الفقه تأنيساً للطلبة بكيفية استخراج المنقول من المعقول وتدريباً لهم في اقتناص الفروع من الأُصول ، لكنّه غير مرتّب ترتيباً يحصّله كلّ طالب وينتهز فرصة كلّ راغب ، فصرفتُ عنان العزم إلى ترتيبه وتهذيبه وتقرير ما اشتمل عليه وتقريبه )(18) .

ويقسّم السيوري الحلّي كتاب
نضد القواعد إلى قسمين أو إلى قطبين حسب تعبيره :

الأوّل : في القواعد العامّة وما يتفرّع عليها ( وهي القواعد الأُصولية ) . الثاني : في العبادات وغيرها من أبواب الفقه .

وقد بذل المصنّف جهده في تبويب الضوابط الكلّية للأصول في مباحث الأوامر والنواهي ، والعموم والخصوص والمطلق والمقيّد ، ومباحث الألفاظ ، ومباحث الحجج . إلاّ أنّ بثّ القواعد الأُصولية بشكل غير مبرمج أفقد الكتاب منهجه الموضوعي في تصنيف القواعد المشتركة في الأُصول بشكل مستقلّ عن القواعد الفرعية الفقهية ، ولكن هذا الخلل المنهجي لم يكن ليقلّل من قيمة الكتاب العلمية والتاريخية في تطبيق تلك القواعد على الفروع الفقهية في عملية الاستنباط ; خصوصاً وأنّ كتابه جاء متطوّراً عن كتاب أستاذه الذي كان ينقصه الترتيب العلمي ، كما أشار إلى ذلك في المقدمة .

6 ـ مدرسة القرن العاشر الهجري :

وعلى رأسها الشهيد الثاني ، زين الدين الجبعي ( ت 965 هـ ) ، الذي كان ملمّاً بأفكار المدارس الفقهية والأُصولية السنّية ( على ضوء المذاهب الأربعة ) من خلال رحلاته وأسفاره إلى الشام ، ومصر ، والحجاز ، والقسطنطينية ، والعراق إضافة إلى موطنه في ( جبل عامل ) ; فاستفاد من ذلك كلّه في الحفاظ على استقلالية أُصول فقه أهل البيت
(عليهم السلام) في الاستنباط بشكل واع ومتميّز ; فقد طبعت تلك الخبرة والثقافة المذهبية مؤلّفاته بطابع الموضوعية في العرض ، والعمق في الفكرة ، والوضوح في التعبير .

الشهيد الثاني و « الروضة البهية » و « تمهيد القواعد » :

وأهمّ كتبه :
الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية وهو شرح مزجي استدلالي مختصر يعرض فيه آراءه الفقهية على ضوء القواعد المشتركة في الأُصول ، وكتاب
تمهيد القواعد الأُصولية والعربية ، وهو يضمّ قسمين ، الأوّل : يتناول مائة قاعدة أصولية وما يتفرّع عليها من الأحكام . والثاني : يتناول مائة قاعدة من القواعد العربية ، يليهما فهرس مبسوط لتسهيل استخراج المطالب من الكتاب .

وقد ناقش المصنّف في كتابه
تمهيد القواعد : القواعد المشتركة في علم الأُصول كمباحث الأوامر والنواهي ، والعموم والخصوص ، والمطلق والمقيّد ، والمجمل والمبيّن ، والتعادل والتراجيح ، والاجتهاد والتقليد ، بالإضافة إلى بعض مباحث الألفاظ كالوضع ، والاشتراك ، والصفة ، والشرط ، والحقيقة ، والمجاز .

انتقال الحوزة من الحلّة إلى النجف :

ويعتبر القرن العاشر الهجري فترة تطوّر كمّي لا نوعي في علم الأُصول عند الشيعة الإمامية ; فلم تتعدّ مواضيع الأُصول في تلك الفترة ما كان متعارفاً بين الفقهاء من مباحث الألفاظ ، وبعض الأدلّة العقلية والشرعية .

وبانتهاء القرن العاشر ينتهي دور مدرسة الحلّة في الفقه والأُصول ، وتنتقل الحوزة العلمية الشيعية ثانية إلى النجف الأشرف ، وإذا حاولنا التفتيش عن أسباب هذا الانتقال ، فإنّنا قد نجد الموارد التالية :

1 ـ خلو ( الحلّة ) من كبار فقهاء الشيعة بوفاة ( فخر المحقّقين ) ، و( المقداد السيوري الحلّي ) وأمثالهم من كبار فقهاء الطائفة .

2 ـ اهتمام سلاطين الدولة الصفوية بإحياء مدينة النجف باعتبارها مدينة مقدسة تضمّ في أحشائها قبر مولى الموحّدين وأمير المؤمنين علي ابن أبي طالب
(عليه السلام) ; فحاولوا إيصال الماء إليها . . وقد ورد في كتاب
نزهة الغري أنّ ( شاه عبّاس الأوّل ابن السلطان محمّـد خدا بندة ابن شاه طهماسب الصفوي عندما أخذ بغداد توجّه بعدها إلى زيارة أمير المؤمنين . . . وبعد الزيارة أمر بتعمير النهر الذي حفره شاه إسماعيل الأوّل ، وأجرى الماء من نهر الفرات إلى مسجد الكوفة ، وكان عزمه أن يحفر قناة وآباراً ويوصل الماء إلى الروضة المقدّسة وأن يجعل عليها نخيلاً وأشجاراً . . . )(19) . وبُنيت حولها الأسوار لحمايتها من غزوات القبائل البدوية وما كانت تمثّله من وحشية وانتهاك لحرمة الأمان الذي يجلبه التوجّه الديني والعلمي فيها . .

وتذكر المصادر التاريخية : أنّ الشيخ جعفر كاشف الغطاء ( ت 1227 هـ ) بنى لاحقاً سوراً للمدينة لصدّ هجمات الأعراب عليها .

3 ـ إنّ ارتباط الحلّة بالنجف كان لا يزال قائماً حتّى مع بروز مدينة الحلّة مركزاً للحوزة العلمية الشيعية ; فقد ذكرت بعض مصادر تاريخ النجف : أنّ المقداد السيوري ( ت 828 هـ ) بنى مدرسة في النجف لطلبة العلوم الدينية في أوائل القرن التاسع الهجري ; فقد شوهد على كتاب
مصباح المتهجد المخطوط للشيخ الطوسي الذي وقع في حيازة الفقيه الجليل الميرزا محمّـد حسين النائيني ( ت 1355 هـ ) ما يؤيّد ذلك ، وهذا نصّه : ( كان الفراغ من نسخه يوم السبت 12 جمادي الأولى سنة 832 هـ على يد الفقير إلى رحمة ربّه وشفاعته عبد الوهاب بن محمّـد بن جعفر بن محمّـد بن علي بن السيوري الأسدي بالمشهد الشريف الغروي على ساكنه السلام وذلك في مدرسة المقداد السيوري )(20) . وفي ذلك دلالة على أنّ الرابطة بين النجف والحلّة كمركزي علوم أهل البيت
(عليهم السلام) كانت لا تزال قائمة ، وفيها دلالة أيضاً على أنّ النجف كانت البديل الوحيد لمدرسة الحلّة الآفلة .

4 ـ إنّ الصراع الطائفي بين الدولتين العثمانية والفارسية ، كان دائماً يرجّح مدينة النجف ; لاحتلال دور عاصمة التشيّع على صعيد العلوم الفقهية والأُصولية . فالنجف رمز خالد للشيعة كما أنّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
(عليه السلام) رمز خالد للإسلام ، وقد كانت السلطتان الجلائرية والإيلخانية اللتان حكمتا بغداد فترة من الزمن ترجّحان انتقال عاصمة التشيّع إلى النجف لمقابلة عاصمة التسنن العلمية في بغداد .

7 ـ مدرسة القرن الحادي عشر الهجري :

ومن أعمدتها : ابن الشهيد الثاني ( وهو : الحسن بن زين الدين المتوفّى سنة 1011 هـ ) وكتابه المعروف بـ
معالم الدين وملاذ المجتهدين ، والشيخ البهائي ( بهاء الدين العاملي المتوفّى سنة 1031 هـ ) وكتابه
زبدة الأُصول .

الشيخ الحسن و « معالم الدين » :

والشيخ الحسن بن زين الدين أقام في النجف الأشرف بعد أن أكمل دراسة المقدّمات في مسقط رأسه في جبل عامل بلبنان ، ودرس عند المقدّس الأردبيلي ( ت 993 هـ ) والمولى عبد الله اليزدي ( حيث لم نعثر على تاريخ وفاته ) وهما من كبار علماء النجف في ذلك الوقت ، ولكن لم يصلنا من نشاطهما الفكري في علم الأُصول شيء .

ولا شكّ أنّ كتاب
معالم الدين يعتبـر نقلة نوعية في منهجة علم أُصول الفقه ، فهو بالإضافة إلى دقّته في التعبيـر ، فأنّه يحمل عمقاً جديداً في نظرية الاستدلال . ويحوي الكتاب مقدمة ذات خطبة بليغة ، ومقصدين ، وخاتمة . يقول في المقدمة : ( . . .فشرعنا بتوفيق الله تعالى في تأليف هذا الكتاب الموسوم بـ
معالم الدين وملاذ المجتهدين ، وجدّدنا به معاهد المسائل الشرعية ، وأحيينا به مدارس المباحث الفقهية ، وشفّعنا فيه تحرير الفروع بتهذيب الأُصول ، وجمعنا بين تحقيق الدليل والمدلول ، بعبارات قريبة إلى الطباع ، وتقريرات مقبولة عند الأسماع ، من غير إيجاز موجـب للإخـلال . . . )(21) .

أمّا المقصد الأوّل فهو في فضل العلم والعلماء ، وما يجب لهم وعليهم ، ويضمّ تسعة وثلاثين حديثاً بالإضافة إلى نصوص قرآنية شريفة . والمقصد الثاني ، في تسعة مطالب أصولية ، وهي : مباحث الألفاظ ، والأوامر والنواهي ، والعموم والخصوص ، والمطلق والمقيّد والمجمل والمبيّن ، والإجماع ، والأخبار ، والنسخ ، والقياس ، والاستصحاب ، والاجتهاد ، والتقليد . أمّا الخاتمة فهي تبحث موضوع التعادل والتراجيح .

وقد أصبح هذا الكتاب محطّ عناية الفقهاء وعلماء الأُصول منذ عصر التأليف وحتّى الماضي القريب ; فقد احتلّ كتاب
المعالم المواقع التدريسية للكتب الثلاثة في الحوزة العلمية الإمامية آنذاك ، وهي :
الشرح العميدي على تهذيب العلاّمة ، و
شرح العلاّمة على مختصر ابن الحاجب ، و
شرح العضدي على مختصر ابن الحاجب .

ولعلّ المنهجية الجديدة لهذا السفر الأُصولي قد فتحت الأبواب لفهم أعمق لمباني الاستدلال الفقهي عند أرباب الطائفة ، وأشعرت الجميع بالحاجة إلى تكثيف الجهود من أجل إثراء علم الأُصول بالقواعد العقلية التي لا تبتعد كثيراً عن القواعد الشرعية في تعاملها مع الإنسان والبيئة التي يعيش فيها .

الفاضل التوني و« الوافية » ، والخونساري و« مشارق الشموس » :

ولا شكّ أنّ هذا القرن أنتج فقهاءً عظاماً كتبوا في علمي الأُصول والفقه الاستدلالي منهم : عبد الله التوني ( ت 1071 هـ ) الذي كتب
الوافية في الأُصول ، وحسين الخونساري ( ت 1098 هـ ) الذي كتب كتاب
مشارق الشموس في شرح الدروس ، وهو كتاب فقهي استدلالي ، ومحمّـد بن الحسن الشيرواني ( ت 1098 هـ ) الذي كتب
حاشية على المعالم في الأُصول . وقد مدّت هذه المؤلفات الأُصولية والاستدلالية القيّمة روحاً جديدة في الفكر الأُصولي ، خصوصاً ، وأنّ القرن القادم : وهو الحادي عشر الهجري كان قمّة نشاط الحركة الإخبارية التي حاولت تقويض مباني علم الأُصول في الصميم .

فقد أبدع الفاضل التوني في كتابه
الوافية في تقسيم علم الأُصول إلى قسمين ، على خلاف ما كان يؤمن به معاصروه . الأوّل : مباحث الألفاظ ، والثاني : المباحث العقلية ; وهو التقسيم المعمول به حتّى عصرنا الحاضر . ثمّ آمن بأنّ مبحث مقدمة الواجب ، ومبحث الضدّ ، ومبحث المفاهيم ينبغي أن تُدرج جميعها في المباحث العقلية تحت عنوان ( التلازم بين الحكمين ) لا في مباحث الألفاظ كما هو المعمول في عصره .

وقد نحا السيّد الخونساري ( ت 1098 هـ ) في كتابه
مشارق الشموس في شرح الدروس منحىً عقلياً واضحاً ، بحيث أضاف إلى علم الأُصول دقّة عقلية وطابعاً فلسفياً كان له أثر كبير على التركيبة الثقافية لعلماء الأُصول الذين جاؤوا من بعده ، وبالخصوص في القرن الثالث عشر الهجري .

8 ـ مدرسة القرن الثاني عشر الهجري :

وقد شهد هذا القرن ركوداً في النشاط الأُصولي وحركة الإبداع التي شهدناها سابقاً ، بسبب التأثيرات الفكرية التي تركتها الحركة الإخبارية على مجمل النشاط العلمي للطائفة . ولم أرَ في ما لدي من مصادر سوى مؤلّفين في الأُصول هما :
حاشية شرح المختصر للعضدي تأليف آغا جمال الخونساري ( ت 1125 هـ ) ، و
شرح الوافية تأليف السيد صدر الدين بن محمّـد باقر الرضوي القمي ( ت 1170 هـ ) .

ولا شكّ أنّ اقتصار فقهاء هذا القرن على شرح الكتب الأُصولية للسلف الشريف ، والتعليق عليها دون التوجّه نحو المنحى الإبداعي في الكتابة المستقلّة كان يعدُّ نكسة من نوع ما في تاريخ علم الأُصول ، ولكن رغم حجم تأثير تلك النكسة الفكرية على تطوّر علم الأُصول ، إلاّ أنّنا نشعر بأنّ تلك الكتابات والشروح ساهمت بشكل من الأشكال في التمهيد لظهور مدرسة الأستاذ الأكبر الوحيد البهبهاني ( ت 1206 هـ ) التي افتتحت عصراً جديداً في تاريخ هذا العلم .

9 ـ مدرسة القرن الثالث عشر الهجري :

وهذا القرن من أنشط الحقبات الزمنية في تاريخ علم الأُصول ; فقد ظهر من بين ثناياه فقيهان من أعظم فقهاء الإمامية في العصور المتأخّرة ، وهما : الوحيد البهبهاني ( ت
1206
هـ ) في كربلاء ، والشيخ مرتضى الأنصاري ( ت
1281
هـ ) في النجف . وقد احتلّت النجف في تلك الفترة وبالأخصّ في الربع الأوّل من هذا القرن موقعها القيادي والعلمي المرتقب من جديد .

الوحيد البهبهاني و« الفوائد الحائرية » :

فقد استطاع الوحيد البهبهاني في الحوزة العلمية في مدينة كربلاء التصدي لأفكار الحركة الإخبارية ، خصوصاً وأنّ تسلّحه بالعلوم العقلية كان قد أعدّه إعداداً جيّداً للدخول في صراع مكشوف مع رموز تلك الحركة في ذلك الوقت مثل الشيخ الجليل يوسف البحراني صاحب موسوعة
الحدائق الناضرة الفقهية وغيره . .

وكان هدف مدرسة الوحيد تفنيد شبهات الإخباريّين واتهاماتهم وإثبات الحاجة إلى القواعد الأُصولية في عملية الاستنباط . إلاّ أنّ تلك المدرسة تطوّرت لاحقاً وأضفت على علم الأُصول صبغة جديدة ، وهي صبغة التلازم بين الأدلّة العقلية والشرعية . . يقول الوحيد البهبهاني في مقدّمة كتابه
الفوائد الحائرية
شارحاً مشكلة الصراع بين المدرستين الأُصولية والإخبارية : ( أمّا بعد ، فإنّه لمّا بعُد العهد عن زمان الأئمّة
(عليهم السلام)وخُفيت أمارات الفقه والأدلّة ، على ما كان المقرّر عند الفقهاء والمعهود بينهم بلا خفاء ، بانقراضهم وخلوّ الديار عنهم . إلى أن انطمست أكثر آثارهم ، كما كانت طريقة الأمم السابقة والعادة الجارية في الشرائع الماضية أنّه كلّما يبعد العهد عن صاحب الشريعة تخفى أمارات وتحدث خيالات جديدة إلى أن تضمحلّ تلك الشريعة . توهّم متوهّم : أنّ شيخنا المفيد
(رحمه الله)ومن بعده من فقهائنا إلى الآن كانوا مجتمعين على الضلالة . . . )(22) . وهي إشارة إلى ما زعمه الاسترآباداي ( ت
1033
هـ ) في
الفوائد المدنية . وهذا النصّ يعكس عمق المشكلة التي كان يواجهها علم الأُصول وخطورتها.

ولكنّ الوحيد البهبهاني مهّد الطريق لمباني النظريات الأُصولية الحديثة . وناقش بالخصوص مباحث الشكّ . وهي خطوة ذكيّة لردّ الفلسفة الإخبارية التي كانت ترى في قطعية أحاديث الكتب الروائية الأربعة أهمّ محاورها الشرعية ، في الوقت الذي أنكرت فيه حجّية الدليل العقلي واعتبرته من أهمّ أعداء نظريّتها حول النصّ الشرعي ; فكأنّ نقاش مباحث الشكّ عند الوحيد البهبهاني ـ في واقع الأمر ـ نقاش لمباحث الأُصول العملية . فقد قسّم الوحيد البهبهاني ( الشكّ ) إلى قسمين :

1 ـ الشكّ في التكليف ، كما لو حصل الشكّ في تكليف الفرد بزكاة مال التجارة مثلاً ; فتكون الوظيفة العملية : ( البراءة العقلية ) بموجب قاعدة ( قبح العقاب بلا بيان ) العقلية .

2 ـ الشكّ في المكلّف به ، كما إذا حصل الشكّ في أنّ صلاة المكلّف ظهر يوم الجمعة هي الجمعة أم الظهر ؟ فتكون الوظيفة العملية : الاشتغال والاحتياط بموجب القاعدة العقلية القائلة : أنّ ( الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينية ) . يقول في فوائده الحائرية : ( فرق بين مقام ثبوت التكليف ومقام الخروج من عهدة التكليف الثابت ، إذ بمجرد الاحتمال لا يثبت التكليف على المجتهد والمقلّد له ، لما عرفت من أنّ الأصل براءة الذمّة حتّى يثبت التكليف ، وتتمّ الحجّة ، وأنّه ما لم تتمّ الحجّة لم تكن مؤاخذة أصلاً وقبح في الارتكاب أو الترك مطلقاً .

وأمّا مقام الخروج من عهدة التكليف فقد عرفت أيضاً أنّ الذمّة إذا صارت مشغولة ، فلابد من اليقين في تحصيل براءتها للإجماع والأخبار ، وتثبت أيضاً من العقل والنقل ، والآيات القرآنية ، والأخبار المتواترة ، والإجماع من جميع المسلمين وجوب الإطاعة للشارع ، ومعلوم أنّ معناها هو الإتيان بما أمر به ، فلا يكفي احتمال الإتيان ولا الظنّ به ، لأنّ الظنّ بالإتيان غير نفس الإتيان .

وممّا ذكرنا يعلم أنّه إن استيقن أحدٌ بأنّ عليه فريضة فائتة فلا يعلمها بخصوصها أنّها الظهر أو الصبح ، أو يعلم أنّ عليه فريضة فائتة ولم يعلم أنّها فائتة أو حاضرة ، يجب عليه أن يأتي بهما جميعاً حتّى يتحقّق الامتثال )(23) .

الشيخ الأنصاري و« فرائد الأُصول » :

وقد مهّدت تلك الأفكار العقلية الدقيقة إلى ظهور فقيه وأصولي عظيم استطاع ـ بحقّ ـ تأسيس المدرسة الأُصولية الإمامية الحديثة في النجف ، ألا وهو الشيخ مرتضى الأنصاري ( ت 1281 هـ ) . فقد قام الشيخ الأنصاري في كتاب
فرائد الأُصول ، بعد استيعاب كامل للحجج العقلية والشرعية ، بطرح منهجية جديدة تماماً في علم الأُصول كان محورها عالم الأدلّة والحجج العقلية والشرعية ; فتناول مباحث القطع ، والظنّ ، والشكّ ، والبراءة ، والاشتغال والاستصحاب ، والتعادل والتراجيح ، بدقّة متناهية بالتهذيب والتنقيح .

وهذه المنهجية الجديدة ، التي قسّمت حالات المكلّف تجاه الحكم الشرعي بـ : ( حالة القطع والظنّ والشكّ )(24) ، حاولت استيعاب جميع الحجج التي يستطيع العقل البشري إدراكها ، فلا تبقى حجّة من الحجج ـ ذاتية كانت أو مجعولة ، أفادت حكماً شرعياً أو وظيفة عقلية ـ إلاّ ودخلت تحت هذا التصميم الجديد .

فلا شكّ أنّ هذه الحجج غير متقاطعة ، بل هي مترتبة طولياً ، فانكشاف الواقع عن طريق القطع يتقدّم على كلّ الحجج أمّا الطرق والأمارات ( وهي الأدلّة الاجتهادية كخبر الواحد والإجماع والشهرة ) فهي الخطّ الطولي الآخر ، أو قل المرحلة الثانية التي اعتبرها الشارع حجّة شرعية في حالة عدم انكشاف الواقع وفقدان القطع ، ولكن مع انكشاف الواقع والقطع بالحكم الشرعي لا يصح شرعاً الاعتماد على تلك الطرق والأمارات ، والخطّ الطولي الثالث هو صحّة الرجوع إلى الأُصول العملية الشرعية والعقلية ( وهي الأدلّة الفقاهتية كالبراءة والاشتغال والتخيير والاستصحاب ) في حالة فقدان الطرق والأمارات المعتبرة شرعاً بعد الفحص واليأس من عدم الوصول إليها .

وهذا التفريق بين القطع ، والأمارات ، والأُصول أوجد فهماً جديداً للأدلّة الشرعية الموصلة إلى الحكم الشرعي ، وأوجد أيضاً طريقة علمية متطوّرة في الاجتهاد الفقهي ، فأصبح المجتهد يسير على خطى واضحة في عملية الاستنباط الشرعي للأحكام ، وقد يصيب الأحكام الواقعية وقد لا يصيبها ، فإذا كانت حالة الإصابة فيها ظنّية فهي الأدلّة الاجتهادية ، وإذا لم يستطع الوصول إلى هذا المقدار ، فلابد له أن يصل إلى تحديد الوظيفة الشرعية المقرّرة للجاهل بالحكم عند الشكّ في التكليف والمكلّف به كالبراءة أو الاحتياط .

بقية فقهاء القرن الثالث عشر :

ولا شكّ أنّ هذه الفترة المباركة كانت قد أفرزت إضافة إلى الشيخين الوحيد في كربلاء والأنصاري في النجف ، حشداً كبيراً من علماء الأُصول الأجلاّء ، مصحوباً بعدد متميّز من كتب الأُصول ; وقد استعادت مدينة النجف رونقها العلمي واسترجعت طبيعتها الحضارية الإسلامية ، فأصبحت مرّة أخرى محطّ أنظار العالم الشيعي وقبلة الفكر الأُصولي ، ومن هؤلاء الأجلاّء ندرج الأسماء التالية :

1 ـ السيّد مهـدي الطباطبائي المعروف بـ ( بحر العلوم ) ( ت 1212 هـ ) .

2 ـ الشيخ جعفر كاشف الغطاء ( ت 1227 هـ ) .

3 ـ الميرزا أبو القاسم القمّي ( ت 1231 هـ ) وكتابه
قوانين الأُصول وهو في مجلّدين طبعة حجرية ، الأوّل : يقع في 409 صفحة ( رحلي ) ، والثاني : في 291 صفحة .

4 ـ السيّد علي الطباطبائي ( ت 1221 هـ ) وكتابه
الرياض في الفقه الاستدلالي .

5 ـ الشيخ أسد الله التستري ( ت 1234 هـ ) .

6 ـ السيّد محسن الأعرجي المعروف بالمقدّس الكاظمي ( ت 1240 هـ ) وكتابه
المحصول في علم الأُصول ، وكتاب آخر له باسم
الوافي في شرح الوافية .

7 ـ المولى أحمد الخوانساري ( لم نعثر على تاريخ وفاته ، ولكن القرائن تدلّ على كونه من أعلام القرن الثالث عشر ) وكتابه
مصابيح الأُصول .

8 ـ السيّد محمّـد بن علي الطباطبائي ( ت 1242 هـ ) وكتابه
مفاتيح الأُصول في 720 صفحة طبع حجري ( رحلي ) .

9 ـ المولى أحمد بن مهدي النراقي ( ت 1247 هـ ) وكتابه
مفتاح الأُصول .

10 ـ الشيخ محمّـد تقي الأصفهاني ( ت 1248 هـ ) وكتابه القيّم
هداية المسترشدين في شرح معالم الدين ، وهو من أوسع الكتب الأُصولية خصوصاً في مباحث الألفاظ .

11 ـ الميرزا عبد الفتّاح بن علي الحسيني المراغي ( ت 1250 هـ ) وكتابه
عناوين الأُصول .

12 ـ الشيخ محمّـد حسن بن عبد الرحيم ( ت 1261 هـ ) وكتابه
الفصول في علم الأُصول .

13 ـ المولى محمّـد إبراهيم الكاخكي الأصفهاني المعروف بالكباسي ( ت 1262 هـ ) وكتابه
إشارات الأُصول .

14 ـ السيّد محمّـد إبراهيم بن محمّـد باقر الموسوي القزويني ( ت 1265 هـ ) وكتابه
ضوابط الأُصول .

15 ـ الشيخ محمّـد حسن النجفي ( ت 1266 هـ ) وموسوعته الفقهية الاستدلالية الجليلة
جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام في 43 مجلداً .

16 ـ السيّد محمّـد باقر بن السيّد علي القزويني ( ت 1286 هـ ) وكتاباه
مفاتيح الأُصول و
نخبة الأُصول .

17 ـ والميرزا أبو القاسم بن الحاج محمّـد علي الطهراني المعروف بكلانتر ( ت 1292 هـ ) وكتابه
مطارح الأنظار وهو
تقريرات الشيخ الأعظم الأنصاري في مباحث الألفاظ .

فقد تميزت تلك الفترة بلون جديد من الكتابة تمثّلت بكتابة التلاميذ مواضيعَ أستاتذتهم الملقاة عليهم ، ثمّ نشرها على شكل تقارير لأساتذتهم ولكنّها في الوقت نفسه حملت أسماءهم كمؤلّفين ، ولم نختبر مثل هذا اللون من التأليف في الفترات السابقة ، بل اختبرنا في عهد الشيخ الصدوق والمفيد والمرتضى والطوسي إلقاء موضوعات مترابطة ومرتبطة بالكتاب المجيد والسنّة المطهرة وفضائل أهل البيت
(عليهم السلام) من قبل الأساتذة على تلامذتهم ، سُميّت بـ
الأمالي .

18 ـ السيّد حسن بن محمّـد بن الحسن الكوهكمري ( ت 1299 هـ ) وكتابه
بشرى الوصول إلى علم الأُصول .

19 ـ الميرزا موسى بن جعفر بن المولى أحمد التبريزي ( الذي لم نعثر على تاريخ وفاته ) وكتابه
أوثق الوسائل في شرح الرسائل كتبه سنة 1295 هـ . فيمكن تصنيف أفكاره من ثمار القرن الثالث عشر الهجري .

10 ـ مدرسة القرن الرابع عشر الهجري :

واتسمت مدرسة هذا القرن التي ترعرعت في النجف الأشرف بالاهتمام بالمباني العلوية لعلم الأُصول ، بعد أن بنى الشيخ الأعظم ( الأنصاري ) رضوان الله عليه صرح المنهج الجديد في عملية الاستنباط ، فلم تكن هناك حاجة لتطوّر نوعي جديد في علم الأُصول ، بل كانت هناك حاجة ماسة لإثراء كمي وتفصيلات وكتابة تقريرات علمية وشروح للمباني الأساسية والقواعد المشتركة خصوصاً مباحث الألفاظ والحجج والأدلّة العقلية والشرعية . . .

وهكذا كان ، فقد اتسم هذا العصر بكثرة المصنّفين والتصانيف في شتّى مباحث الأُصول ، بحيث شكّل هؤلاء الفقهاء الأجلاّء ـ مجتمعين ـ مدرسة جماعية مترابطة ومتضافرة في أبعادها وأركأنها بحيث لم يتميّز فقيه عن بقية فقهاء المدرسة بنسبة عظيمة كما لاحظنا ذلك في القرن الثالث عشر الهجري .

فقهاء القرن الرابع عشر :

ويمكن تصنيف هؤلاء الفقهاء الأُصوليّين تاريخيّاً مع كتبهم الأُصولية على الترتيب التالي :

1 ـ محمود بن جعفر بن الباقر الميثمي المسمّى بالعراقي ( ت 1308 هـ ) من تلاميذ الشيخ الأنصاري ، وكتاباه :
جوامع الشتات ، و
قوامع الفضول عن وجوه حقائق أُصول علم الأُصول في 583 صفحة طبعة حجرية .

2 ـ الميرزا حبيب الله الرشتي ( ت 1312 هـ ) وكتابه
بدائع الأفكار .

3 ـ ضياء الدين محمّـد حسين بن محمّـد علي الشهرستاني ( ت 1315 هـ ) وكتابه
غاية المسؤول في علم الأُصول .

4 ـ الميرزا محمّـد حسن الأشتياني ( ت 1319 هـ ) وكتابه
بحر
الفوائد في شرح الفرائد الذي ناقش فيه آراء الشيخ الأنصاري مصنّف ( فرائد الأُصول ) .

5 ـ محمّـد باقر بن محمّـد علي المازندراني ( ت 1322 هـ ) وكتابه
مجمع الأُصول .

6 ـ المولى محمّـد كاظم الخراساني المعروف بالآخوند ( ت 1329 هـ ) وكتابه الأُصولي المعروف :
كفاية الأُصول ، وله تعليقة على الرسائل اسمها
حاشية كتاب فرائد الأُصول وهي تعليقة علمية على كتاب
فرائد الأُصول للشيخ الأنصاري .

7 ـ الشيخ محمّـد حسين الغروي النائيني ( ت 1355 هـ ) ، وليس له كتاب مؤَلَّف ، إلاّ أنّ بحوثه سجّلها بعض تلامذته : كالشيخ محمّـد علي الكاظمي ( ت 1365 هـ ) في
فوائد الأُصول ، والسيد أبو القاسم الخوئي ( ت 1413 هـ ) في
أجود التقريرات .

8 ـ الشيخ عبد الكريم الحائري ( ت 1355 هـ ) مؤسس الحوزة العلمية في قم ، وكتابه
درر الأُصول .

9 ـ السيد محمّـد بن عبد الأمير محمّـد تقي التنكابني ( ت 1359 هـ ) وكتابه
إيضاح الفرائد في علم الأُصول .

10 ـ الشيخ ضياء الدين العراقي ( ت 1361 هـ ) وكتابه
مقالات الأُصول في مجلّدين ، إضافة إلى أنّ بحوثه كانت قد سُجلّت من قبل تلامذته : الشيخ محمّـد تقي البروجردي ( ت 1391 هـ ) في كتاب
نهاية الأفكار ، والميرزا هاشم الآملي في
بدائع الأفكار .

11 ـ الشيخ محمّـد حسين الأصفهاني ( ت 1361 هـ ) وكتبه الأُصولية :
نهاية الدراية في شرح الكفاية و
الاجتهاد والتقليد و
الطلب والإرادة و
بحوث في الأُصول .

12 ـ الشيخ محمّـد رضا المظفر ( ت 1384 هـ ) وكتابه المنهجي المدرسي
أُصول الفقه .

13 ـ السيّد محسن الحكيم ( ت 1390 هـ ) وكتابه
حقائق الأُصول وهو شرح وتعليق على كتاب
كفاية الأُصول للآخوند .

14 ـ الميرزا علي الإيرواني ( لم نعثر على تاريخ وفاته ) وكتابه
نهاية النهاية في شرح الكفاية المكتوب سنة 1345 هـ ، فيعدّ أحد أركان هذه المدرسة .

تطوّر قاعدة ( البراءة العقلية ) :

وقد كان محور أفكار تلك المدرسة هو مناقشة أصل ( البراءة العقلية ) عند الشكّ في التكليف ; فقد اشتهر بين علماء الأُصول تمسّكهم بالدليل العقلي في البراءة عند الشكّ في التكليف ، بالإضافة إلى تمسّكهم بالدليل الشرعي فيها ; ولعلّ أقدم نصّ عند الشيعة حول هذا الأصل هو كتاب
المعارج للمحقّق الحلّي ( ت 676 هـ ) . . .

يقول المحقّق الحلّي
(رحمه الله) : ( لو كان الحكم ثابتاً لدلّت عليه إحدى تلك الدلائل ، لأنّه لو لم يكن عليه دلالة لزم التكليف بما لا يطاق للمكلّف إلى العلم به ، وهو تكليف بما لا يطاق )(25) .

واستمرّ فهم أصالة ( البراءة العقلية ) عند الفقهاء على تلك الصورة حتّى عرض الوحيد البهبهاني ( ت 1206 هـ ) فكرة أصالة البراءة ضمن قاعدة ( قبح العقاب بلا بيان ) ; فقد ذكر الوحيد في كتابه
الفوائد الحائرية ما يلي : ( اعلم أنّ المجتهدين ذهبوا إلى أنّ ما لا نصّ فيه ، والشبهة في موضوع الحكم الأصلي ، فيهما : البراءة ، والمقصود بالأوّل الشبهة الحكمية ، وبالثاني الشبهة الموضوعية . . . فدليل المجتهدين حكم العقل بقبح التكليف والمؤاخذة ما لم يكن ببيان )(26) ، ثمّ قام السيّد محمّـد المجاهد ، وهو سبط الوحيد البهبهاني بصياغة استدلالية أخرى للبراءة العقلية ، فقال : ( دليل المعظّم ] أي الوحيد [أنّه إذا لم يكن نصّ لم يكن حكم ، فالعقاب قبيح على الله تعالى . . . والصواب أن يجعل الدليل هكذا : إذا لم يصل الحكم لم يمكّن عقاباً ، لقبح التكليف والعقاب حينئذ )(27) .

وذهب المحقّق النائيني ( ت 1355 هـ ) في الاستدلال على القاعدة بالقول : إنَّ ( وجود البيان الواقعي كعدمه غير قابل لأن يكون باعثاً ومحرّكاً لإرادة العبد ما لم يصل إليه ويكون له وجـود علمـي )(28) ، وتوضيح هذا التقريب : إنّ البيان ما لم يصل إلى المكلّف لا يكون محركاً له ، ووجود البيان الواقعي كعدمه لا يصلح أن يكون سبباً في تحريك المكلّف ، كما لا تصلح الأمور التكوينية التي تثير الحركة في الإنسان عادةً لإثارته وتحريكه بوجودها الواقعي ما لم يكن هناك أمر حقيقي يصل المكلّف ليحرك دوافعه في الحركة .

أمّا المحقق الأصفهاني ( ت 1361 هـ ) فقد رأى بأنّ أحكام العقل العملي تؤول بالنتيجة إلى حسن العدل وقبح الظلم بالضرورة ، ومن المعلوم أنّ تمرّد العبد على أوامر المولى ونواهيه إذا أقام عليها الحجّة تعتبر من الظلم والخروج عن طور العبودية ، وهو من أقبح الأمور التي يستحقّ عليها العقاب .

أمّا إذا لم تقم عليه الحجّة ، ولم يصل بيانه إلى المكلّف من أوامر المولى ونواهيه فلا تعتبر مخالفته من قبل المكلّف من الظلم والخروج عن طور العبودية ، فلا يستحقّ بذلك العقاب ولا يصحّ عقابه من قبل المولى ، بل يقبح عقابه من جانب المولى الحكيم ، لأنّه لم يرتكب ظلماً في علاقته بمولاه لتحسن عقوبته(29) .

وقد آمن السيّد الشهيد السعيد محمّـد باقر الصدر ( ت 1400 هـ ) بنفي البراءة العقلية وشكّك بالقيمة العقلية لقاعدة قبح العقاب بلا بيان . قال رضوان الله عليه في دروسه الأُصولية : ( ونحن نؤمن في هذا المسلك بأنّ المولوية الذاتية الثابتة لله سبحانه وتعالى لا تختصّ بالتكاليف المقطوعة بل تشمل مطلق التكاليف الواصلة ولو احتمالاً ، وهذا من مدركات العقل العملي ، وهي غير مبرهنة ; فكما أن أصل حقّ الطاعة للمنعم والخالق مدرك أوّلي للعقل العملي غير مبرهن ، كذلك حدوده سعةً وضيقاً ، وعليه فالقاعدة العملية الأوّلية هي أصالة الاشتغال بحكم العقل ما لم يثبت الترخيص الجادّ في ترك التحفّظ على ما تقدّم في مباحث القطع . . . )(30) .

وملخّصه أنّه لا نجوّز لأنفسنا أن نقيس حقّ الطاعة لله سبحانه على عباده بحقّ طاعة الموالي العرفية على من يتولّون أمرهم ، لسبب بسيط وهو أنّ مولوية الله تعالى ذاتية ، ومولوية الموالي عرفية مجعولة . . .

ولا يمكننا قياس أحكام المولوية الذاتية في حق الطاعة بالمولوية العرفية ; فإنّ انحصار حقّ الطاعة للمولى على المكلّفين في ما وصلهم من التكاليف يختصّ بالموالي العرفية ، أمّا حقّ طاعة الله تعالى على عباده فلا يمكن قياسه بما سبق .

11 ـ مدرسة القرن الخامس عشر الهجري :

ولا نستطيع الحكم على هذه المدرسة ; لأنّها لم تكمل الربع الأوّل من عمرها بعد ، إلاّ أنّ طبيعة الفقهاء الذين ظهروا على ساحتها العلمية تنبئ بمستقبل عظيم في التنقيح والإضافات الجديدة لعلم الأُصول ، والدعوة إلى استخدام القواعد الأُصولية في بناء النظرية الاجتماعية الفقهية .

فقهاء الربع الأوّل من هذا القرن :

ونستطيع تسجيل أسماء ثلاثة فقهاء عظام لحدّ الآن لمسنا آثار علومهم الجليلة في الوسط العلمي الأُصولي ، وهم : السيّد الشهيد محمّـد باقر الصدر ( ت 1400 هـ ) ، والسيّد روح الله الموسوي الخميني ( ت 1409 هـ ) ، والسيّد أبو القاسم الخوئي ( ت 1413 هـ ) .

فقد كتب السيّد الشهيد الصدر
(رضي الله عنه) :
دروس في علم الأُصول و
غاية الفكر و
المعالم الجديدة للأصول ، وكُتبت
بحوث علم الأُصول بقلم بعض تلامذته ، وتُعدّ أفكار السيّد الشهيد قمّة في البلاغة والعمق والوضوح .

وكتب السيّد الخميني
(رضي الله عنه) كتاب
الرسائل ويحتوي خمس رسائل هي : ( في قاعدة اللاّضرر والاستصحاب والتعادل والتراجيح والاجتهاد والتقليد والتقية ) وهذه الرسائل تعليقات على آراء المحقق الخراساني في الكفاية ، وكتب الشيخ جعفر السبحاني تقريرات أستاذه وأسماها بـ :
تهذيب الأُصول .

أمّا السيّد الخوئي (رضي الله عنه) فقد صدرت له تقريرات عديدة في علم الأُصول بأقلام تلامذته ، منها :

1 ـ دراسات الأُصول بقلم : السيّد علي الشاهرودي .

2 ـ مصباح الأُصول بقلم : السيّد محمّـد سرور البهبودي .

3 ـ جواهر الأُصول بقلم : فخر الدين الزنجاني .

4 ـ مصابيح الأُصول بقلم : علاء الدين بحر العلوم .

5 ـ مباني الاستنباط بقلم : أبو القاسم الكوكبي .

6 ـ محاضرات في أُصول الفقه بقلم : محمّـد إسحاق الفياض .

7 ـ الأمر بين الأمرين بقلم : محمّـد تقي التبريزي .

8 ـ الرأي السديد في الاجتهاد والتقليد والاحتياط والقضاء بقلم : ميرزا غلام رضا عرفانيان .

ونشطت في بداية القرن الخامس عشر الهجري المدرسة الأُصولية في قم المشرّفة ، وتوافد عليها العلماء العظام من كلّ طرف ، وازدهرت بحوثها العقلية والشرعية المعمّقة ، ولا يمكننا الآن دراسة المنهج الأُصولي لمدينة قم المشرّفة ، بسبب حداثة عهدها ; فنترك ذلك للأجيال العلمائية الآتية من أجل النقد والتقييم .

الاستنتاج :

وهذا العرض الشامل للمدارس الأُصولية عند الشيعة الإمامية في التاريخ ، يكشف لنا ـ إلى حد ما ـ حجم الجهد الذي بذله فقهاؤنا الأعلام من أجل الوصول إلى صيغة استدلالية شرعية في عصر الغيبة . تلك الصيغة التي نأمل أن ترشدنا لفهم الحكم الشرعي والاقتراب من مطابقته للواقع . وقد أصبح محور علم الأُصول ، وهو في قمة نضوجه الفكري اليوم ، هو البحث عن وسائل لمعرفة الوظيفة الشرعية للمكلّف في حالات القطع والظنّ والشكّ .

ولكنّنا قد لا نستطيع إدراك مغزى الوظيفة الشرعية بعد إبتعادنا عن عصر النصّ ، ما لم نفهم الفرق بين فقه النصّ وفقه الاستدلال . فطبيعة الاستدلال تستدعي البحث عن سند الدليل في زمان ومكان يختلفان تماماً عن عصر النصوص الشرعية . بينما لا يستدعي عصر النصّ كلّ ذلك التعقيد . ومن هنا جاءت أهمّية الفروق بين فقه النصّ وفقه الاستدلال التي سندرسها في الفصل الثاني بإذنه تعالى .

ونستنتج من دراسة المدارس الأُصولية للشيعة الإمامية ، أنّ نظريات الدليل العقلي واللفظي والشرعي لم تكن من إنتاج مفكّر واحد أو من إفراز عصر معيّن بذاته . بل إنّ النظريات الأُصولية الإمامية تمثّل جهدَ حشد كبير من العلماء على طول فترة زمنية مديدة استمرّت أكثر من عشرة قرون . وإذا كان ذلك الجهد قد أثمر بناء المباني الأُصولية وترميمها ، فإنّ النظرية الأُصولية الإمامية مرشّحة للتطوّر والتكامل إذا استمرّ جهد العلماء بنفس الزخم والقوّة التي لحظناها في الألف سنة الأخيرة .
الفصل الثاني
فقه النصّ وفقه الاستدلال : من وجهة نظر أصولية

فقه النصّ وفقه الاستدلال :

إنّ السؤال الذي أثير حوله جدل واسع بين فقهاء الإسلام هو : ما مدى مصداقية الاستدلال الفقاهتي زمن النصّ ؟ وهل أنّ الاجتهاد أمر حادث زمن النبي
(صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمّة أهل بيت النبوّة
(عليهم السلام) ، أم أنّه وجد بعد انقضاء ذلك العصر ؟

ومن أجل الجواب عن ذلك السؤال لابدّ من دراسة ( فقه النصّ ) ، و( فقه المتون المجرّدة عن أسانيدها ) ، و( فقه الاستدلال ) ، و( بوادر التفكير الأُصولي عند الأصحاب ) .

أ ـ فقه النصّ :

لا شكّ أنّ في ( فقه النصّ ) التزاماً شديداً بنصّ الحديث وعدم الخروج عن إطاره اللغوي أو العرفي ، وكان يقوم بممارسة ذلك اللون من الفقه : الرواة الثقات الحافظون لمتون الأحاديث وأسانيدها ; فقد كانت الروايات تنقل زمن أئمّة أهل البيت
(عليهم السلام) بأسانيدها في كتب الأصحاب ، وكانوا يدوّنونها في أبواب خاصّة كالطهارة والصلاة والزكاة والحجّ ونحوها ، ولا يلزم الراوي أن يكون مجتهداً في فهم الحكم الشرعي وطبيعة استنباطه من الأدلّة المتعارفة كما في ضمّ المخصّص إلى العامّ ، والمقيّد إلى المطلق مثلاً ، بل يلزم أن يكون عالماً بألفاظ الرواية وارتباطها بالموضوع محلّ البحث أو السؤال ; ولذلك فإنّ الرواة الثقات أقلّ حظّاً في بذل الجهد في استخراج الحكم الشرعي من الفقهاء الذين يمتلكون القدرة على إرجاع الفروع إلى الأُصول أو الاستدلال بالأدلّة الشرعية والعقلية .

ب ـ فقه المتون المجرّدة عن أسانيدها :

وهذا اللون من الفقه استند على تجريد الروايات عن أسانيدها وكتابتها ـ كنصوص ـ ضمن الأبواب الفقهية . وكان من روّاده علي بن بابويه ( ت 329 هـ ) وهو والد الشيخ الصدوق ، حيث ألّف كتاب
الشرائع ، وسار على هداه ولده الشيخ الصدوق ( ت 381 هـ ) فكتب
المقنع و
الهداية ، وكتب الشيخ المفيد ( ت 413 هـ ) كتاب
المقنعة ، وتلاه الشيخ الطوسي ( ت 460 هـ ) بكتاب
النهاية .

إلاّ أنّ ظهور هذا اللون من الفقه النصّي بعد أكثر من مائة وخمسين عاماً من وفاة الصادقين
(عليهما السلام) يدلّ على أنّ أئمّة أهل البيت
(عليهم السلام) كانوا قد عالجوا ـ عن طريق النصوص الشرعية ـ أغلب معضلات وابتلاءات القرون الأربعة التي تلت ظهور الرسالة السماوية الشريفة ; فلم تكن هناك حاجة ماسّة لممارسة الفقه الاستدلالي الذي حاول الأئمّة
(عليهم السلام) تدريب أصحابهم عليه ، وربّما كان رسوخ التعبّد بالنصوص الشرعية في أذهان أصحاب أئمّة الهدى
(عليهم السلام) قد أخّر عملية ممارسة الفقه الاستدلالي ذلك الردح الطويل من الزمن .

ج ـ الفقه الاستدلالي :

وهذا اللون من الفقه يستند على جملة من المبادئ الأُصولية التي ازدادت الحاجة إليها في استنباط الأحكام الشرعية مع ابتعادنا عن عصر النص الشرعي خصوصاً بعد الغيبة الكبرى سنة ( ت 329 هـ ) ; فهذا العلم الشريف أخذ ـ بعد تطوّره المذهل ـ يستمدّ من علم الأُصول المباني الاستنباطية في أربع مساحات لغوية وعقلية وشرعية . . .

ففي المساحة الأولى تأخذ المبادئ اللغوية كالوضع ، والحقيقة ، والمجاز ، والنقل ، والاشتراك ، والصحيح ، والأعمّ حيّزاً مهمّاً ، بينما تشغل مباحث الألفاظ كدلالة الأمر والنهي والجملة الخبرية والفور والتراخي والمرّة والتكرار والتوصّلي والتعبّدي والمفاهيم والعامّ والخاصّ والمطلق والمقيّد والمجمل والمبيّن . . . ونحوها الحيّز الآخر من تلك المساحة .

أمّا المساحة الثانية وهي التي تغطّي الملازمات العقلية ، فتشمل المستقلاّت العقلية كالتحسين والتقبيح العقليين والملازمة بين حكم العقل والشرع والأُصول العقلية ، وتشمل أيضاً غير المستقلاّت العقلية ( وتسمّى بمباحث الاستلزامات ) كالإجزاء ومقدّمة الواجب ومبحث الضدّ واجتماع الأمر والنهي ودلالة النهي على الفساد .

أمّا المساحة الثالثة وهي مباحث الحجّة ، فتشمل الكتاب المجيد والسنّة المطهرة والإجماع والدليل العقلي وحجّية الظهور والشهرة والسيرة والتعادل والتراجيح ( أي تعارض الأدلّة ) .

والمساحة الرابعة وهي مباحث الأُصول العملية أو الأدلّة السمعية ، وتشمل الاستصحاب والبراءة والتخيير والاحتياط .

د ـ بوادر التفكير الأُصولي عند الأصحاب :

وقد ظهرت أولى بوادر التفكير الأُصولي في زمن الصادقين
(عليهما السلام) ; فقد كان أئمّة أهل البيت
(عليهم السلام) يدرّبون أصحابهم على أساليب الاستدلال الفقهي والاستنباط ، وكان لقربهم ( رضى الله عنهم ) من أئمّتهم
(عليهم السلام) أثر عظيم في تكامل ذلك التدريب .

تدريب الأصحاب على الاستدلال :

فنرى الإمام الصادق
(عليه السلام) يدرّب ( زرارة بن أعين ) ، وهو من خيرة أصحابه ، على فهم الروايات العلاجية وممارسة أسلوب الترجيح في الأعدلية مثلاً ، والأفقهية والأشهرية والأوثقية وما خالف العامّة ، كما ورد في
غوالي اللئالي عن العلاّمة الحلّي مرفوعاً إلى زرارة قال : « سألت أبا جعفر
(عليه السلام) فقلتُ : جعلتُ فداك يأتي عنكم الخبران والحديثان المتعارضان فأيّهما آخذ ؟ فقال
(عليه السلام) : يا زرارة خُذ بما اشتهر بين أصحابك ودع الشاذ النادر .

فقلتُ : يا سيّدي إنّهما معاً مشهوران مأثوران عنكم ؟

فقال
(عليه السلام) : خُذ بما يقول أعدلهما عندك وأوثقهما في نفسك .

فقلتُ : إنّهما معاً عدلان مرضيّان موثّقان .

فقال
(عليه السلام) : انظر ما وافق منهما العامّة فاتركه ، وخُذ بما خالف ; فإنّ الحقّ فيما خالفهم .

قلتُ : ربّما كانا موافقين لهم أو مخالفين : فكيف أصنعُ ؟

قال : إذن فخُذ بما فيه الحائطةُ لدينك واُترك الآخر .

قلتُ : فإنّهما معاً موافقان للاحتياط أو مخالفان له ، فكيف أصنعُ ؟ فقال : إذن فتخيّر أحدهما وتأخذُ به وتدع الآخر »(31) .

وهو قد يمارس حجّية ظواهر الكتاب والعمل بعموم الآيات ، كما ورد في رواية عبد الأعلى في حكم من عثر فوقع ظفره فجعل على إصبعه مرارة ، قال : قلتُ لأبي عبد الله
(عليه السلام) : « عثرتُ فانقطع ظفري فجعلتُ على إصبعي مرارة فكيف أصنع بالوضوء ؟ قال : يُعرف هذا وأشباهه من كتاب الله عزّ وجلّ ، قال الله تعالى :
(. . . وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج )(32) ، امسح عليه »(33) .

وفي صحيحة زرارة في سؤاله أبي جعفر
(عليه السلام) : « ألا تخبرني من أين علمتَ وقلتَ : أنّ المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين ؟

فضحك فقال
(عليه السلام) : يا زرارة قاله رسول الله
(صلى الله عليه وآله وسلم) ونزل به الكتاب من الله عزّ وجلّ ، لأنّ الله عزّ وجلّ قال :
(فاغسلوا وجوهكم ) ، فعرفنا أنّ الوجه كلّه ينبغي أن يغسل ، ثمّ قال :
(وأيديكم إلى المرافق ) ، فوصل اليدين إلى المرفقين بالوجه فعرفنا أنّه ينبغي أن يُغسلا إلى المرفقين ، ثمّ فصّل بين الكلام فقال :
(وامسحوا برؤوسكم ) فعرفنا حين قال :
(برؤوسكم ) أنّ المسح ببعض الرأس لمكان الباء ، ثمّ وصل الرجلين بالرأس كما وصل اليدين بالوجه فقال :
(وأرجلكم إلى الكعبين ) فعرفنا حين وصلهما بالرأس أنّ المسح على بعضهما ، ثمّ فسّر ذلك رسول
(صلى الله عليه وآله وسلم) للناس فضيّعوه »(34) .

وهو قد يمارس أصالة البراءة ، كما ورد في رواية عبد الصمد بن بشير عن أبي عبد الله
(عليه السلام) في حديث من أحرم في قميصه قال : « أي رجل ركب أمراً بجهالة فلا شيء عليه »(35) .

وغير ذلك من الموارد التي يستطيع فيها الأصحاب الذين كانوا على درجة من الفقاهة إفتاء الناس بها . فـ ( زرارة بن أعين ) المعاصر للأئمّة : الباقر والصادق والكاظم
(عليهم السلام) ، و( يونس بن عبد الرحمن ) المعاصر للإمامين الكاظم والرضا
(عليهم السلام) ، و( زكريّا بن آدم ) المعاصر للأئمّة : الصادق والرضا والجواد
(عليهم السلام) وغيرهم من أصحاب الأئمّة
(عليهم السلام) كانوا يدركون أهمّية القواعد المشتركة في تحديد الأحكام الشرعية الثابتة تجاه متغيّرات الزمان والمكان ، وكانوا يحملون بوادر التفكير الأُصولي ، وهذا واضح من خلال دراسة طبيعة تلك الحقبة الزمنية وطبيعة الأسئلة والأجوبة الشرعية المتبادلة بين الأصحاب وأئمّتهم
(عليهم السلام) ، ومعنى الإفتاء الذي كان الأئمّة
(عليهم السلام) يأمرون أصحابهم بممارسته في المراكز العلمية والعبادية كمسجد المدينة ، لا يخرج عن إطار الفقه الاستدلالي بشكله الأوّلي الذي فصّلناه .

الإرجاع إلى الأصحاب :

ويستدلّ على ما ذكرناه آنفاً بما صدر عن الأئمّة المعصومين
(عليهم السلام) : كالإرجاع إلى أمثال ( زكريّا بن آدم ) ، و( أبي بصير الأسدي ) ، و( يونس بن عبد الرحمن ) من ثقات أصحابهم
(عليهم السلام) بعنوان كلّي مثل قول الإمام الحجّة ( عجّل الله تعالى فرجه الشريف ) لإسحاق بن يعقوب ، على ما في كتاب
الغيبة للشيخ ، و كمال الدين للصدوق ، و الاحتجاج للطبرسي : « وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا ، فإنّهم حجّتي عليكم وأنا حجّةُ الله عليهم »(36) . وعنوان ( الحوادث الواقعة ) يشمل الرواية والفتوى . فـ ( الحوادث الواقّعة ) غير المتوقّعة تناسب الاجتهاد بما فيه من استدلال وحجّية ; فقد لا ترد في تلك الحوادث آية محكمة أو رواية مسندة ، والرجوع المذكور في الحديث الشريف مقيّد برواة الأحاديث لا بالروايات ذاتها ، وهو يعكس معنى الاستدلال الفقهي بالرجوع إلى القواعد المشتركة في الاستنباط .

وقريب من ذلك ما ورد في أمره (عليه السلام) بالإفتاء لـ ( أبان بن تغلب ) قائلاً : « اجلس في مسجد المدينة وأفتِ الناس فإنّي أحبّ أن أرى في شيعتي مثلك »(37) . وربّما كان أمل الإمام
(عليه السلام) وحبّه بأن يرى في شيعته أمثال ( أبان بن تغلب ) نموذجاً من نماذج فقهاء الشيعة المتمرّسين على الاستدلال بالكتاب والسنّة من طريق مشروع في مقابل مدرسة القياس وإجماع الصحابة والمصالح المرسلة التي كانت ناشطة في بثّ أفكارها المستندة على الاجتهاد بالرأي .

وفي رواية أخرى أنّ الإمام الصادق
(عليه السلام) قال لـ ( معاذ بن مسلم النحوي ) : « بلغني أنّك تقعد في الجامع فتفتي الناس ؟ قلتُ : نعم ، وأردتُ أن أسألك عن ذلك . . . إلى أن يقول (عليه السلام) : اصنع ذلك فإنّي كذا أصنع »(38) .

وفي تلك الشواهد التاريخية دلالات قوية تعبّر عن بدايات تمرس الأصحاب على إدراك القواعد الأُصولية في عملية الاستنباط .

بذور الاستدلال الفقهي :

ونرجع الآن إلى الجواب عن السؤال الذي أثرناه في بداية نقاشنا لموضوع فقه النصّ وفقه الاستدلال ، المتعلّق بمصداقية الاستدلال زمن النصّ ; فلا شكّ أنّ بذور الاستدلال الفقهي كانت موجودة عند الأصحاب زمن الأئمّة
(عليهم السلام) ، وقد عرضنا من الروايات ما يدلّ على ذلك التفكير الاستدلالي عند الأصحاب ، وما يدلّ أيضاً على تصريح أئمّة الهدى
(عليهم السلام)بأهمّيته خصوصاً بعد انتهاء عصر النصّ ; فالنقل المجرّد للروايات لا يضمن ، خصوصاً بعد تبدّل الزمان والمكان ، الوصول إلى الحكم الواقعي أو الظنّي المقيّد برضا الشارع ، بل لابدّ من طرق وأمارات وأُصول تساعدنا ، ونحن نبتعد كلّ يوم عن عصر النصوص ، على فهم وظيفتنا الشرعية وتطبيق ما أُلزمنا بتطبيقه من قبله عزّ وجلّ ، وبطبيعة الحال ; فإنّ بوادر نشوء الفقه الاستدلالي الذي لمسنا وجوده في عصر النصّ كان قابلاً ـ بطبيعته ـ للتطوّر بقدر قابلية الإنسان على إدراك الملازمة بين الأحكام الشرعية والأدلّة العقلية التي يمتلكها ، وكانت البوادر الأولى لتطبيق النظرية الأُصولية على المفردات الفقهية في الاستنباط قد ظهرت على يد شيخ الطائفة ، أبي جعفر محمّـد بن الحسن الطوسي
(رضي الله عنه) .

للبحث صلة . . .

ـــــــــــــــــــ

(1) رسالة في أُصول الفقه عن كتاب المفيد ضمن كتاب كنز الفوائد .
(2) رسالة في أُصول الفقه .
(3) الذريعة إلى أُصول الشريعة 1 / 6 المقدّمة .
(4) سورة البقرة 2 : 43 .
(5) سورة المائدة 5 : 2 .
(6) سورة الجمعة 62 : 10 .
(7) الذيعة إلى أُصول الشريعة 1 / 39 .
(8) سورة آل عمران 3 : 97 .
(9) سورة الحجر 15 : 9 .
(10) كنـز الفوائد : 188 .
(11) عدة الأُصول ج 1 / 3 .
(12) الغنية : 461 ضمن كتاب الجوامع الفقهية .
(13) الغُنية : 465 ـ 466 .
(14) السرائر : 2 طبعة حجرية والمطبوع 1 : 18 و46 .
(15) الخلاصة : 46 .
(16) كشف الظنون 2 / 1194 .
(17) القواعد والفوائد في الفقه والأُصول والعربية 1 / 210 .
(18) نضد القواعد الفقهية على مذهب الإمامية ـ المقدمة : 1 .
(19) نزهة الغري : 30 .
(20) ماضي النجف وحاضرها 1 / 85 .
(21) معالم الدين وملاذ المجتهدين : 5 .
(22) الفوائد الحائرية ـ المقدمة : 85 .
(23) الفوائد الحائرية مع تعاليق الفريد الكلبايكاني : 319 قم : مكتبـة الصـدر ، بدون تاريخ .
(24) الرسائل : 1 .
(25) معارج الأُصول : 213 .
(26) الفوائد الحائرية : 133 قم : مكتبة الصدر .
(27) مفاتيح الأُصول ـ السيد محمّـد المجاهد الطباطبائي ـ : 518 طبعة حجرية .
(28) فوائد الأُصول 3 / 365 .
(29) نهاية الدراية 2 / 190 .
(30) دروس في علم الأُصول ـ القسم الثاني من الحلقة الثالثة : 33 ـ 34 .
(31) غوالي اللآلي 4 / 133 .
(32) سورة الحج 22 : 78 .
(33) الوسائل 1 / 327 ح 5 .
(34) الوسائل 1 / 290 ح 1 .
(35) الوسائل 9 / 125 ح 3 .
(36) كمال الدين : 484 .
(37) الكافي ابواب الرجوع إلى الكتاب والسنّة 1 / 59 .
(38) الوسائل 18 / 108 ح 36 .