شبكة الإمامين الحسنين عليهما السلام للتراث و الفکر الإسلامي

 

باب العلم بالحكم الشرعي

بين الانسداد والانفتاح السـيّد عليّ الهاشمي

بسـم الله الرحمن الرحـيم

الإسلام دين العلم ; لأنّ مصدره العليم الحكيم ، الذي ( أَحَاطَ بِكُلِّ شَيء عِلْمَاً )(1) ، والذي ( يَعْلَمُ مَا فِي السَّماوَاتِ وَالأرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ )(2) .

والنصوص الشرعية من الآيات والأحاديث متضافرة على تأكيد حجيّة العلم ، بمعنى : الانكشاف التام لقضيّة من القضايا لدى العقل بدرجة لا يشوبها شكّ ، كما أنّها متضافرة على إبطال حجيّة الانكشاف الناقص ، من الظنّ ، فضلا عمّا دونه من الشكّ والوهم .

ومن شواهد ذلك في كتاب الله عزّ وجلّ :

1 ـ قوله تعالى : ( وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ الْسَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً )(3) .
ـــــــــــــــــــ
(1) سورة الطلاق 65 : 12 .
(2) سورة التغابن 64 : 4 .
(3) سورة الإسراء 17 : 36 .

(90)

2 ـ قوله تعالى : ( وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْم إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً )(1) .

3 ـ قوله تعالى : ( وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ الله إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ )(2) .

4 ـ ( قُلْ هَلْ عِندَكُم مِنْ عِلْم فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ )(3) .

5 ـ قوله تعالى : ( أَتَقُولُونَ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ )(4) .

ومن شواهده من أحاديث النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته المعصومين (عليهم السلام) :

1 ـ قول النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) : « إيّاكم والظنّ ; فإنّ الظنّ أكذب الحديث »(5) .

2 ـ قول الإمام الصادق (عليه السلام) : « مَن شكّ أو ظنّ فأقام على أحدهما ، فقد حَبِط عمله ، إنّ حجّة الله هي الحجّة الواضـحة »(6) .

وليست الحجّة الواضحة بعد استبعاد الشكّ والظنّ إلاّ العلم .

3 ـ عن زرارة بن أعين ، قال : قلت لأبي عبـد الله (عليه السلام) : ما حقّ الله على خلقه ؟
ـــــــــــــــــــ
(1) سورة النجم 53 : 28 .
(2) سورة الأنعام 6 : 116 .
(3) سورة الأنعام 6 : 148 .
(4) سورة يونس 10 : 68 .
(5) سُـنن أبي داود 2 / 459 ح 4917 ، البخاري : 1536 ـ 1537 ح 6064 ، 6066 ، وسائل الشيعة 27 / 59 ح 33192 ; وفيه : « أكذب الكذب » .
(6) وسائل الشيعة 27 / 40 ح 33158 .

(91)

قال : حقّ الله على خلقه أن يقولوا بما يعلمون ، ويكفّوا عمّا لا يعلمون ، فإذا فعلوا ذلك فقد واللهِ أدّوا إليه حقّه »(1) .

ولأجل هذه النصوص وكثير غيرها ، ذهب العلماء إلى أنّ الظنّ بذاته ليس حجّة في تنجيز الحكم المظنون ، ولا في التأمين عن التكليف الذي قد اشتغلت به الذمّة يقيناً ، ولا في إفراغ ذمّة المكلّف من عُهدته(2) .

إلاّ أنّهم عقدوا في مصنّفاتهم الأُصولية بحوثاً لإثبات جعل الحجّية للظنّ شرعاً أو عقلا ، واتّخاذه أساساً لمعرفة الأحكام الشرعيّة ، حتّى عرّف بعضهم الاجتهاد في الاصطلاح بأنّه : « استفراغ الفقيه وسعه في تحصيل الظنّ بحكم شرعي »(3) .

فما هي التوجيهات التي قدّموها للعمل بالظنّ ، حتّى أصبحنا نتقبّل قولـهم : « إنّ المجـتهد في عمليّة استنباط الحكم الشرعـي يستند إلـى مقدّمتين : إحداهما ثابتة بالوجدان ، وهي : هذا ما أدّى إليه ظنّي ، والأُخرى ثابتة بالبرهان ، وهي : كلّ ما أدّى إليه ظنّي فهو حكم الله في حقّي »(4) ، دون أن تثير فينا هذه العبارة أيّ استغراب ، رغم صراحتها في تبعيّة أحكام الشارع المقدّس لظنون المجتهدين ؟ !

لقد طرح العلماء ـ قدماءَ ومتأخّرين ـ للإجابة عن هذا التساؤل وإثبات حجّية الظنّ ، عدّة توجيهات ، نستعرضها في ما يلي :
ـــــــــــــــــــ

(1) المحاسـن 1 / 324 ح 651 .
(2) بحوث في علم الأُصول 4 / 185 .
(3) معالم الدين وملاذ المجتهدين : 327 .
(4) الفوائد الحائرية : 127 ، فرائد الأُصـول 2 / 12 ـ 13 .

(92)

* التوجيه الأوّل :

إنّ المراد بـ« العلم » الذي هو حجّة شرعاً هو : المعنى الشامل للظنّ ، وأنّ استعمال لفظة « العلم » بهذا المعنى شائع في استعمال أهل اللغة ، وفي الأحكام الشرعية .

وقد ذكر هذا التوجيه صاحب
معالم الدين وملاذ المجتهدين ، دفعاً للإشكال الذي أورد على تعريفه للفقه في الاصطلاح بأنّه : « العلم بالأحكام الشرعية الفرعيّة عن أدلّتها التفصيلية »(1) ; إذ قال : « وقد أورد على هذا الحدّ . . . أنّ الفقه أكثره من باب الظنّ ; لابتنائه غالباً على ما هو ظنّي الدلالة أو السـند ، فكيف أُطلق عليه العلم ؟ »(2) .

وأجاب عنه بأن : « يُحمل العلم على معناه الأعمّ ، أعني : ترجيح أحد الطرفين ، وإن لم يمنع من النقيض ، وحينئذ فيتناول الظنّ ، وهذا المعنى شائع في الاستعمال ، سيّما في الأحكام الشرعيّة »(3) .

ويرد عليه :

أوّلاً : إنّ حمل لفظ « العلم » على الأعمّ منه ومن الظنّ لا دليل عليه من اللغة ولا من الاستعمال ; إذ لم يرد في معاجم اللغة أيّة إشارة إلى أنّ لفظ « العلم » موضـوع للأعـمّ من العلم والظنّ بنحو الاشتراك اللفظي ، والاستعمال إنّما يكون في المعاني التي وضعت لها الألفاظ .
ـــــــــــــــــــ
(1) معالم الدين : 66 ـ 67 .
(2) معالم الدين : 68 ـ 69 .
(3) معالم الدين : 71 .

(93)

نعم ، قد يستعمل لفظ « الظنّ » خاصّة في « العلم » استعمالا مجازيّاً بجامع الانكشاف في كلّ ، مع وجود القرينة المصحِّحة ، وأمّا لفظ « العلم » ، فإنّه لا يستعمل في « الظنّ » حتّى مجازاً ، ولا في الأعمّ منهما ، ولأجلِ ذلك لا نجد شاهداً على هذه الدعوى من استعمالات العُرف أو الشارع ، بل الواقع خلاف ذلك ; إذ كثيراً ما يستعمل الشارع كلمة « العلم » مقابل الظنّ في سياق واحد ، نحو قوله تعالى : ( قُلْ هَلْ عِندَكُم مِنْ عِلْم فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ ) الأمر الذي يؤكّد تغايرهما في المعنى .

ثانياً : إنّ الأدلّة الشرعية من الكتاب والسُـنّة قد استعملت لفظ « الظنّ » في معناه المقابل للعلم ، ونهت عن اتّباعه مطلقاً ، ولم تجوّز الرجوع إليه في تحديد الأحكام الشرعية ، فإذا كان لفظ « العلم » شاملاً للظنّ ودالاًّ على حجّـيّته ، فمعنى ذلك : أنّ الشارع المقدّس قد أثبت الحجّـيّة للظنّ ونفاها عنه في الوقت نفسـه ، وهذا تهافت يستحيل صـدوره من الحكيم .

* التوجيه الثاني :

إنّ المراد بالظنّ الذي نَهَتْ النصوص الشرعية عن العمل به وسلبتْ الحجّية عنه ، هو : « الوهم » ، أي : الانكشاف الضئيل ، وليس المراد به الانكشاف الناقص ، وإن كان راجحاً .

وقد طرح هذا التوجيه صاحب
وصول الأخيار بقوله : « وأمّا ما جاء في القرآن من النهي عن اتّباع الظنّ ، فالمراد به : الوهم ; لأنّه يطلق عليه اسم الظنّ لغة ، إمّا حقيقةً وإمّا مجازاً »(1) .
ـــــــــــــــــــ

(1) وصول الأخيار إلى أُصول الأخبار : 174 .

(94)

أقول :

المعـروف أنّ لفظ « الظنّ » قد يستعمل أحياناً بمعنى « العلم » ; قال ابن منظور : « وقد يجيء الظنّ بمعنى العلم ، وفي حديث أُسيد بن حُضير : وظننّا أن لم يَجُدْ عليهما . أي : عَلمنا . .

وفي حديث عبيدة : قال أنس : سألته عن قوله تعالى : ( أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ )(1) ، فأشار بيده ، فظننت ما قال . أي : علمتُ »(2) .

وفي القرآن الكريم : ( وَظَنُّوا أَن لاَمَلْجَأَ مِنَ الله إِلاَّ إِلَيْهِ )(3) .

وأمّا استعمال الظنّ بمعنى : « الوهم » فهي دعوىً جديدة ، يردّها أنّ استعمال كلمة « الظنّ » في الوهم بمعناه اللغوي ـ لو سلّمناه ـ ليست نافعة لصاحب التوجيه ; لأنّ معنى « الوهم » لغةً هو : الظنّ أو الخطأ(4) ، لا الانكشاف الضئيل ، الذي هو معنىً اصطلاحيٌّ للمناطقة حادث بعد زمن النصوص الشرعية ، فلا يمكن حملها عليه .

* التوجيه الثالث :

دعوى التخصّص ، وأنّ الأدلّة الشرعية من الآيات والأحاديث النافية لحجّـية الظنّ ، ناظرة إلى المجال العقائدي فقط ، وليست شاملة للأحكام الشرعية ، فهذه خارجة تخصّصاً .
ـــــــــــــــــــ
(1) سورة النساء 4 : 43 ، سورة المائدة 5 : 6 .

(2) لسان العرب 13 / 272 مادّة « ظنن » .

(3) سورة التوبة 9 : 118 .

(4) لسان العرب 12 / 643 ، مختار الصحاح : 377 ; مادّة « وهم » .

(95)

ومن القائلين بذلك : صاحب
وصول الأخيار ; قال : « وأمّا الشرع ، فلا يخفى فيه وجوب العمل بالظنّ الغالب في أكثر موارده . . . وأمّا ما جاء في القرآن من النهي عن اتّباع الظنّ ، فالمراد به . . . ما الغرض فيه العلم من العقائد ، كما هو الظاهر ; لأنّ الآيات وردت في حقّ الكفّار »(1) .

ومنهم : الآمدي ; قال : « إنّ المعتبر في الأُصول : القطع واليقين . . . بخلاف الفروع ; فإنّها مبنيّةٌ على الظنون »(2) .

ومن المعاصرين : الدكتور السباعي ; فقد ذكر أنّ القول بعدم حجّية الظنّ ثابت « في أُصول الدين وقواعده العامّة ، أمّا في فروع الدين وجزئيّاته فالعمل بالظنّ واجب ، ولا سبيل إليها إلاّ بالظنّ غالباً »(3) .

وقال الشهيد الصدر (قدس سره) : « إنّ قوله تعالى : ( إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً ) مدلوله المطابقي إنّما هو : بيان صغرى أنّ الظنّ لا يغني في التوصّل إلى لبّ الحقّ والواقع ; لأنّه يخطئ . . . فإذا ضمّ إليها كبرى أنّ المطلوب هو التوصّل إلى لبّ الحقّ والواقع ، انتج المطلوب ، إلاّ أنّ هذه الكبرى إنّما تكون واضحة في باب أُصول الدين . . . ومعه لا يتمّ في الآية إطلاق لغير أُصول الدين »(4) .

فحاصل هذا التوجيه : أنّ أُصول الدين لا بُدّ أن يستدلّ لإثباتها بالأدلّة العلمية ، ولا يصحّ إثباتها بالأدلّة الظنّية ، وأمّا فروع الدين المتمثّلة بالأحكام الشـرعية ، فليست مشمولة للأدلّة النافية لحجّـية الظنّ ، فيكفي
ـــــــــــــــــــ
(1) وصول الأخيار إلى أُصـول الأخبار : 174 .

(2) الإحكام في أُصول الأحكام 2 / 64 .

(3) السُـنّة ومكانتها في التشريع الإسلامي : 192 .

(4) بحوث في علم الأُصول 4 / 239 ـ 240 .

(96)

الاستدلال عليها بالأدلّة الظنّية الخاصّـة ، كإثبات صدور الحديث عن المعصوم (عليه السلام) بخبر الثقة ، رغم أنّه لا يؤدّي إلى العلم بصدوره عنه ، وكإثبات مدلول الدليل بالظهور ، رغم أنّه لا يؤدّي إلى أكثر من الظنّ بالمراد الواقعي للشارع .

والجواب عن دعوى التخصّص هذه بوجهين :

* أوّلهما : إنّ الأدلّة النقلية من الآيات والأحاديث المثبتة لحجّية العلم ، والنافية للحجّية عن الظنّ ، شاملة بإطلاقها لكلّ من المجالين العقائدي والتشريعي معاً ، فلا وجه للقول بالتخصّص ، وجواز إثبات الأحكام الشرعية بالأدلّة الظنّية .

وأمّا ما ذكره السـيّد الشهيد الصدر (قدس سره) من أنّ : كبرى التوصّل إلى لبّ الحقّ إنّما تكون واضحة في أُصول الدين ، فيرد عليه : أنّه لماذا لا يكون المطلوب التوصّل إليه في فروع الدين أيضاً هو : العلم بواقع الحكم الشرعي ؟ فإنّ ثبوت الحجّية للعلم في العقائد لا يدلّ على حجيّة الظنّ في الأحكام ، وممّا يؤكّد ذلك : إطلاق معظم أدلّة عدم حجّية الظنّ .

* وثانيهما : إنّ الشواهد والقرائن في الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة تبيّن بوضوح أنّها تؤكّد حجّية العلم وتنفي حجّية الظنّ في مجال تشخيص الأحكام الشرعيّة أيضاً .

ومن الشواهد التي يمكن تقديمها لإثبات ذلك ما يلي :

أوّلا :

قوله تعالى : ( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ

(97)

وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِالله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ )(1) .

فما ذكر فيها من المحرّمات إنّما هي من الفروع ، وقد عطف عليها تحريم القول بغير علم .

ثانياً :

قوله سبحانه : ( ثَمَانِيَةَ أَزْوَاج مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأنْثَيَيْنِ أَمّا اشْتَمَلَتْ أَرْحامُ الاُْنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْم إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ )(2) .

فتحريم الحيوانات وتحليلها من الفروع ، وقد طُلب أن يكون بيانها بعلم .

ثالثاً :

عن الإمام عليّ (عليه السلام) : « يا أيّـها الناس ! اتّقوا الله ، ولا تفتوا الناس بما لا تعلمون »(3) ; والفتيا إنّما تكون في الأحكام الشرعية لا في العقائد .

رابعاً :

عن الإمام الباقر (عليه السلام) : « مَن أفتى الناس بغير علم ولا هدىً من الله ، لعنته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ، ولحقه وزر مَن عمل بفتياه »(4) .
ـــــــــــــــــــ

(1) سورة الأعراف 7 : 33 .

(2) سورة الأنعام 6 : 143 .

(3) بحار الأنوار 2 / 113 ح 1 .

(4) بحار الأنوار 2 / 118 ح 23 ، وسائل الشيعة 27 / 20 ح 33100 .

(98)

خامساً :

قول الإمام الباقر (عليه السلام) : « مَن أفتى الناس برأيه ، فقد دان الله بما لا يعلم ، ومن دان الله بما لا يعلم فقد ضادّ الله ، حيث أحلّ وحرّم في ما لا يعلم »(1) .

* التوجيه الرابع :

دعوى التخصيص ، وأنّ الأدلّة النافية لحجّيّة الظنّ ، مخصّصة بأدلّة شرعية تستثني بعض الظنون ، وتجعلها حجّة في إثبات الحكم الشرعي ، كـ : الظنّ الحاصل من خبر الثقة ، والظنّ الحاصل من الظهور .

وهناك ردّ للسـيّد الخوئي (قدس سره) على دعوى التخصيص هذه ، بدأه بالتساؤل عن « أنّ الآيات الناهية عن العمل بغير العلم ، واردة لبيان حكم مولويّ هو : حرمة العمل بالظنّ ، أو لا ، بل مفادها إرشاد إلى حكم العقل بعـدم صحّة الاعتماد على الظنّ ، وأنّه لا بُدّ من العمل بما يحصل معه الأمن من العقاب ، والعمل بالظنّ ممّا لا يحصل معه الأمن من العقاب ، لاحتمال مخالفته للواقع ؟ »(2) .

وذهب إلى أنّ مفاد الآيات في المقام هو : الإرشاد إلى حكم العقل بعدم صحّة الاعتماد على الظنّ ; لاحتمال مخالفته للواقع ، فلا يحصل معه الأمن من العقاب ، وإنّما يحصل الأمن « بالعلم أو بما ينتهي إليه ، كـ : العمل بأمارة دلّ على حجّيّتها دليل علمي . . . وبعد كون الآيات الناهية ] عن العمل
ـــــــــــــــــــ

(1) الكافي 1 / 58 ح 1 باب البدع والرأي والمقاييس .

(2) مصباح الأُصـول 2 / 114 .

(99)

بالظنّ [ إرشاداً إلى حكم العقل ، لا تكون قابلة للتخصيص . .

وكيف يمكن التخصيص في مثل قوله تعالى : ( إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً ) بأن يقال : إلاّ الظنّ الفلاني ; فإنّه يغني عن الحق ؟ !

فلم يرد عليها تخصيص ولن يرد ; فإنّ لسانها آب عن التخصيص .

وأمّا الظنّ الذي قام على حجيّته دليل علميٌ ، فليس فيه الاعتماد على الظنّ ، بل الاعتماد على الدليل العلمي القائم على حجيّة الظنّ ، فهو المؤمِّن من العقاب لا الظنّ . . .

فتحصّل : أنّ الآيات الشريفة ليست واردة لبيان حكم مولويّ »(1) .

ولا بُدّ من التعقيب على هذا الكلام بثلاث ملاحظات :

الملاحظة الأُولى :

صحيح أنّ الأحكام العقلية ليست قابلة للتخصيص ، ولكن هذا لا يعني بالضرورة أنّ كلّ الأحكام غير العقلية قابلة للتخصيص ; فإنّ منها ما لا يقبل التخصيص عُرفاً ، كما في المقام ; فإنّ ألسنة الآيات والأحاديث الناهية عن العمل بالظنّ تأبى التخصيص أيضاً ، حتّى لو كان مفادها الحرمة المولوية ; لأنّ العرف المتشرعي لا يتقبّل استثناء بعض الظنون ومنحها الحجّية ، لا سيّما إذا أدّى ذلك إلى اتّخاذ الظنّ حجّة وطريقاً لأمر بالغ الأهمّية ، هو : إثبات الحكم الشرعي ، وما يترتّب عليه من آثار في دنيا الإنسان وآخـرته . .

بل إنّ العرف يعدّ ذلك نقضاً للغرض ومخالفاً للحكمة ، فيستحيل
ـــــــــــــــــــ

(1) مصباح الأُصـول 2 / 114 ـ 115 .

(100)

صدوره من الشارع الحكيم ; قال الله سبحانه : ( وَلاَ تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّة أَنكَاثاً )(1) ، « فكيف ينهى الشارع عن اتّباع الظنّ ، ويذمّه لنا ، ثمّ يتعبّدنا به ! تعالى الله عن هذا المقول »(2) .

الملاحظة الثانية :
قوله : ( وأمّا الظنّ الذي قام على حجّيّته في مورد دليل علميّ ، فليس فيه الاعتماد على الظنّ ، بل الاعتماد على الدليل العلمي القائم على حجّية الظنّ ، فهو المؤمِّن من العقاب لا الظنّ ) ، يفهم منه : أنّه بعد أن قرر أنّ الأدلّة الشرعية النافية لحجّية الظنّ ، ترشد إلى قاعدة عقلية تأبى التخصيص ، عمد إلى طريقة أُخرى تؤدّي إلى استثناء بعض الظنون من عدم الحجّية ، لم يسمّها تخصيصاً ، بل أرجعها إلى قيام الدليل العلمي على حجّيّة الظنّ في بعض الموارد ، وعليه فالنتيجة واحدة من الناحية العملية ، وهي استثناء بعض الظنون وتجويز العمل بها لإثبات الحكم الشرعي .

والملاحظة الثالثة :

إنّ أصل دعوى قيام دليل علمي على حجّية بعض الظنون لا صحّة له ; لأنّ ألسنة الأدلّة النافية لحجّية الظنّ ، تأبى الاستثناء بأيّ نحو صوّرناه ، وسوف نقوم بعرض ومناقشة أهم الأدلّة التي طرحت لاستثناء بعض الظنون ومنحها الحجّية شرعاً .
ـــــــــــــــــــ

(1) سورة النحل 16 : 92 .

(2) فصل الخطاب في تفسير خبر العرض على الكتاب ، مقال لمجد الدين المؤيّدي ، منشور في مجلة « علوم الحديث » ، العدد 18 لسنة 1426 هـ ، ص 194 .

(101)

ويحسن أن نستذكر هنا بعض ما تقدّم من الأدلّة الشرعية النافية لحجّية الظنّ ، ونتأمّل في ألسنتها :

1 ـ قوله تعالى : ( إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً ) .

2 ـ قول النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) : « إيّاكم والظنّ ; فإنّ الظنّ أكذب الحديث » .

3 ـ قول الإمام الصادق (عليه السلام) : « مَن شكّ أو ظنّ ، فأقام على أحدهما ، فقد حَبِط عمله ، إنّ حجّة الله هي الحجّة الواضحة » .

وإذا كان جعل الشارع الحجّية للظنّ غير معقول ولا مقبول عرفاً ، في مرحلة الثبوت والواقع ، فإنّ النوبة لا تصل إلى مرحلة الإثبات والتماس الأدلّة على وقوعه ، وإنّما يحصل اليقين بأنّ أيّ دليل يقام لإثبات حجّية الظنّ شرعاً هو من قبيل الشبهة في مقابل البديهة ، وأنّه قابل للردّ والإبطال .

وإنّ الأدلّة التي أقامها علماء العامّة على حجّية خبر الواحد ( الخبر الظنّي ) من الآيات والأحاديث ، وقعت كلّها في معرض المناقشة والردّ من قبل علمائنا المتقدّمين والمعاصرين ، ابتداءً من السـيّد المرتضى والشيخ الطوسي وانتهاءً بالسـيّدين الخوئي والشهيد الصـدر(1) .

وإنّ الاطّلاع على ما ذكروه بهذا الشأن في مصنّفاتهم الأُصوليّة يُغني عن تكراره في هذا البحث المختصر ، ولكنّني سأعرض بإيجاز لاستدلالهم بـ : « آية النبأ » ; لأنّه أوّل وأهمّ ما استدلّوا به على حجّية خبر الواحد العادل ، ثمّ أذكر ما استدلّ به علماؤنا على حجّية خبر الواحد الثقة ، من السُـنّة
ـــــــــــــــــــ

(1) العِدّة في أُصـول الفقه 1 / 108 ، الذريعة إلى أُصول الشريعة 2 / 517 ، مصباح الأُصول 2 / 146 وما بعدها ، بحوث في علم الأُصول 4 / 344 وما بعدها .

(102)

القوليّة والتقريريّة ; فالكلام في نقطتين :

* النقطة الأُولى :

الاستدلال على تخصيص الشارع للأدلّة الناهية عن العمل بالظنّ ، بمفهوم الشرط في آية النبأ ، وهي قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَة فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ )(1) .

وأقدم من وجدته يستدلّ بهذه الآية : مسلم بن الحجّاج النيسابوري في مقدّمة
صحـيحه ، وتابعه على ذلك مَن جاءَ بعده ، مع تطوير لتقريب الاستدلال بها . .

قال مسلم : « واعلم ـ وفّقك الله تعالى ـ أنّ الواجب على كلّ أحد عَرف التمييز بين صحيح الروايات وسقيمها ، وثقات الناقلين لها من المتّهمين ، أن لا يروي منها إلاّ ما عَرف صحّة مخارجه والستارة في ناقليه ، وأن يتّقي منها ما كان منها من أهل التُهم والمعاندين من أهل البدع .

والدليل على أنّ الذي قلنا من هذا هو اللازم دون ما خالفه : قول الله جلّ ذكره : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَة فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ) . . . فدلّ بما ذكرنا من هذه الآي أنّ خبر الفاسـق ساقط غير مقبول ، وأنّ شهادة غير العدلِ مردودة »(2) .

ـــــــــــــــــــ

(1) سورة الحجرات 49 : 6 .
(2) صحيح مسلم بشرح النووي 1 / 61 .

(103)

وكلامه واضح في أنّه يرى دلالة الآية على سقوط خبر الفاسق عن الحجّية رأساً ، مع أنّها لا تدلّ على ذلك ، وإنّما تعلّق الأخذ به على تبيّن صحّة صـدوره ، وأنّه لا يردّ إلاّ بعد عدم قيام البيّنة على صدقه .

ولأجل ذلك طُرح تقريب الاستدلال بالآية ببيانات أُخرى ، منها : « أنّها تشتمل على جملة شرطية تربط الأمر بالتبيّن عن النبأ بمجيء الفاسق به ، وهذا يعني عدم الأمر بالتبيّن عن النبأ بمجيء العادل به ، وبذلك تثبت حجّية نبأ العادل ; لأنّ الأمر بالتبيّن الثابت في منطوق الآية ، إمّا أن يكون إرشاداً إلى عدم الحجّية ، وإمّا أن يكون إرشاداً إلى كون التبيّن شرطاً في جواز العمل بخبر الفاسـق ، وعلى الثاني ـ يعني نفيه ـ أنّ جواز العمل بخبر العادل ليس مشروطاً بالتبيّن ، وهذا بذاته يلائم جواز العمل به بدون تبيّن ، وهو معنى الحجّية »(1) .

« وقد اعترض على الاستدلال المذكور بوجوه يرجع بعضها إلى إنكار أصل ] دلالة [ الظهور الاقتضائي للآية على المفهوم ، وبعضها إلى دعوى وجود مانع عنه ، بعد افتراض وجوده بنحـو القرينة المتّصلة الرافعة لفعليّته »(2) .

أمّا إنكار أصل اقتضاء الآية للدلالة على المفهوم ، أي : حجّية خبر العادل ، فله تقريبان :

* أوّلهما :

ما ذكره السـيّد الخوئي (قدس سره) من أنّ الشرط في آية النبأ مسوق لتحقّق
ـــــــــــــــــــ

(1) دروس في علم الأُصـول ، الحلقة الثالثة 1 / 204 .
(2) بحوث في علم الأُصـول 4 / 351 .

(104)

الموضوع ، وفي مثله لا يُثبت للجملة الشرطية مفهوم . .

قال : إنّ الظاهر من الآية بحسب الفهم العرفي : أنّ موضوع الحكم بوجوب التبيّن فيها « هو : الفاسق ، وله حالتان ; لأنّ الفاسق قد يجيء بالنبأ ، وقد لا يجيء ، وعُلِّق وجوب التبيّن على مجيئه بالنبأ ، ويكون مفاد الكلام حينئذ : أنّ الفاسق إن جاءكم بنبأ فتبيّنوا ، فلا دلالة للقضية على المفهوم(1) ; لأنّ التبيّن موقوف على مجيئه بالنبأ عقلا ، فتكون القضية مسوقة لبيان الموضوع ; إذ مع عدم مجيئه بالنبأ كان التبيّن منتفياً بانتفاء موضوعه ، فلا مفهوم للقضية الشرطية في الآية المباركة . . . فإنّه لا فرق بين الآية الشريفة وبين قولنا : إن أعطاك زيدٌ درهماً فتصدّق به ، من حيثُ المفهوم . . .

وذلك لأنّ الموضوع بحسب فهْم العرف هو : زيد ، وله حالتان : فإنّه قد يعطي درهماً وقد لا يعطيه ، وقد عُلِّق وجوب التصدّق بالدرهم على إعطائه إيّاه ، وهو متوقّف عليه عقلا ; إذ على تقدير عدم إعطاء زيد درهماً يكون التصدّق به منتفياً بانتفاء موضوعه . .

فالقضية مسوقة لبيان الموضـوع ، ولا دلالة لها على المفهوم وانتفاء وجوب التصدّق بالدرهم عند إعطاء غير زيد إيّاه ، والآية الشريفة من هذا القبيل بعينه ; فلا دلالة لها على المفهوم »(2) .

إلاّ أنّ السـيّد الشهيد الصدر ردّ هذا الاستدلال بـ : استظهار أنّ موضوع الحكم في الآية الكريمة ليس هو الفاسق ، بل هو : « طبيعيّ النبأ » ، وأنّ الشرط مجـيء الفاسـق به . .
ـــــــــــــــــــ

(1) أي: لا تدلُّ على أنّ مجيء العادل بالنبأ يجعله حجّة دون حاجة إلى التبيّن بشأنه .
(2) مصباح الأُصـول 2 / 161 ـ 162 .

(105)

قال : « فالظاهر ثبوت المفهوم وإن كان الشرط محقّقاً للموضوع ; لعدم كونه هو الأسلوب الوحيد لتحقّقه »(1) ، أي : لتحقيق الشرط ; لأنّ النبأ كما يتحقّق بمجيء الفاسـق به ، يتحقّق أيضاً بمجيء العادل به ، فعدم مجيء الفاسق بالنبأ لا يجعل القضية على وزن : « إن رُزقتَ ولداً فاختنه » لكي تكون بانتفاء الشرط سالبةً بانتفاء الموضوع ، فلا يثبت لها مفهوم .

* وأمّا التقريب الثاني :

فهو ما ذكره السـيّد الشهيد الصدر ـ على تقدير كون الآية ليست مسوقة لتحقّق الموضوع ـ وخلاصته : أنّ ثبوت المفهوم للجملة الشرطية متوقّف على « أن يكون موضوع الجزاء ] فيها [ ملحوظاً ومفروضاً في المرتبة السابقة على الشرطية والتعليق على الشرط ، ] وأمّا [ إذا كانت الشرطية مسوقة لبيان نفس افتراض موضوع الجزاء ، ] فإنّها لا تكون [ ذات مفهوم . . . والأمر في المقام كذلك ; لأنّ الآية لم تفترض النبأ موضوعاً في الرتبة السابقة على تحقّق الشرطية والتعليق ، بل قد افترض مجموع مفاد الجملة الشرطية ] أي : مجيء الفاسق بنبأ [ بافتراض واحد ، ومن هنا لا يكون لها مفهوم »(2) .

وأما إبراز المانع المتّصل من فعليّة المفهوم بعد فرض ثبوت مقتضيه ، فهو : أنّ ذيل الآية ( أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَة فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ) قرينة على إلغاء المفهوم . .
ـــــــــــــــــــ
(1) دروس في علم الأُصـول ، الحلقة الثالثة 1 / 205 .
(2) بحوث في علم الأُصـول 4 / 356 .

(106)

وتوضـيحه :

إنّ تعليل وجوب التبيّن بالجهالة بمعنى : عدم العلم بصدور الحديث ، يدلّ على أنّ كل خبر لا يفيد العلم فالتبيّن عنه واجب ، وإن كان المُخبر عادلا ; ذلك أنّ العدالة إنّما تؤمّن من احتمال تعمّد الكذب ، وأمّا احتمال خطأ العادل واشتباهه ; فإنّها لا تؤمِّن منه ، فيبقى خبره غير معلوم الصدور ، وعليه يسري الحكم المعلّل ، أي : وجوب التبيّن ، الذي هو إرشاد إلى عدم الحجّية إلى خبر العادل أيضاً .

ولعلّ أقوى الأجوبة التي ذكرت لدفع هذا الإشكال : « إنّ الجهالة المذكورة في التعليل ليست بمعنى عدم العلم ، بل بمعنى : السفاهة والتصرّف غير المتّزن ، فلا يشمل العمل بخبر الثقة ; لأنّه ليس سفاهة ولا تصرّفاً غير متّزن »(1) .

وأوّل مَن ذكر هذا الجواب ـ في حدود اطلاعي ـ هو : ابن القصّار المالكي ( ت 397 هـ ) ، وتابعه عليه غيره ، فقد ذكر في جواب الإشكال : « فإن قيل بأنّ : في سياق الآية ما يوجب التوقّف عن خبره ، وهو قوله عزّ وجلّ : ( أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَة ) ، والجهالة قد تدخل في خبر العدل من حيث كان خبره لا يقطع على مغيّبه ، ومن حيث كان السهو والغلط والكذب جائزاً عليه .

قيل : الجهالة في هذا الموضـع هي : السفاهة ، وفعل ما لا يجوز فعله ممّا يقع التوبيخ والذمّ عليه »(2) . .
ـــــــــــــــــــ

(1) دروس في علم الأُصـول ، الحلقة الثالثة 1 / 207 .

(2) المقدّمة في علم الأُصـول : 69 .

(107)

وعبّر الشهيد الصدر عن هذا المعنى بقوله : « المراد بالجهالة : السفاهة ، التي هي جهالة عملية ، لا عدم العلم والجهالة النظرية ، والعمل بخبر العادل ليس سفاهة عند العقلاء »(1) .

ويرد عليه :

أوّلا : « إنّـه لا معـيِّن لحـمل الجهالة على السفاهـة ; إذ لا أقلّ من احـتمال إرادة الجهالة النظرية ، خصـوصاً مع أنّه المناسب لذيل التعليل ، حيث ذُكرت ( الندامة ) التي لا تكون إلاّ بلحاظ عدم إصابة الواقع ، لا العمل السفهي »(2) .

ثانياً : إذا كان قبول خبر الفاسق وترتيب الأثر عليه بلا تبيّن يعدّ عملا سفهيّاً غير جائز شرعاً ، فما ذلك إلاّ لعدم العلم بصدوره ، بسبب احتمال تعمّد الفاسق للكذب ، فكذلك الحال في قبول خبر العادل ; فإنّه غير معلوم الصدور أيضاً ، ولكن بسبب آخر ، وهو احتمال عروض الخطأ والنسيان عليه ، أي : إذا كان مناط كون العمل بالخبر سفاهة هو كونه غير معلوم الصـدور ، فهذا المناط موجود في خبر الفاسق والعادل معاً ، وإن اختلف منشـؤه .

هذا وقد أضاف بعض العلماء بعد ذلك إلى العدالة قيد الضبط ، وجعلوا عنوان : ( الثقة ) جامعاً للعدالة والضبط ، ولكن هذه الإضافة لا تغيّر من النتيجة شيئاً ; لأنّ الضبط لا يجعل من الراوي شخصاً معصوماً لا يتطرّق إليه احتمال الخطأ ، ولأجل ذلك عرّفوا الضابط بأنّه من يقلّ خطأُه ، أو يكثر
ـــــــــــــــــــ

(1) بحوث في علم الأُصـول 4 / 359 .
(2) بحوث في علم الأُصـول 4 / 360 .

(108)

بشـرط أن لا يزيد على صوابه(1) .

ويلاحظ :

إنّ مفهوم « العادل » تطوّر بعد ذلك في اصطلاح عدد من العلماء ، فأصبح شاملا لمَن نقطع بتحرّزه عن الكذب ، وإن كان فاسقاً . .

قال الشيخ الطوسي في
العِـدّة : « فأمّا مَن كان مخطئاً في بعض الأفعال ، أو فاسقاً بأفعال الجوارح ، وكان ثقة في روايته متحرّزاً فيها ، فإنّ ذلك لا يوجب ردّ خبره ، ويجوز العمل به ; لأنّ العدالة المطلوبة في الرواية حاصلة فيه ، وإنّما الفسق بأعمال الجوارح يمنع من قبول شهادته ، وليس بمانع من قبول خـبره »(2) .

فعلى هذا يكون المراد بـ « العدالة » هو : الوثاقة والتحرّز من الكذب .

وقال الشهيد الصدر : « إنّ مدرك حجّية الخبر إن كان مختصّاً بآية النبأ ، فهو لا يثبت سوى حجّية خبر العادل خاصّة ، ولا يشمل خبر الثقة غير العادل ، وأمّا إذا لم يكن المدرك مختصّاً بذلك ، وفرض الاستدلال بالسيرة والروايات أيضاً . . . فلا شكّ في وفاء السيرة والروايات بإثبات الحجّية لخبر الثقة ولو لم يكن عادلا »(3) .

* النقطة الثانية : الاستدلال بالسُـنّة ; وهو نوعان:

* النوع الأوّل : الاستدلال بالسُـنّـة القولية الواردة عن المعصومين (عليهم السلام) الدالّة على حجّية خبر الثقة .
ـــــــــــــــــــ

(1) توجيه النظر إلى أُصـول الأثر : 32 ، أُصول الفقه ـ للخضري ـ : 215 و ص 217 .
(2) العِدّة في أُصـول الفقه 1 / 152 .
(3) دروس في علم الأُصـول ، الحلقة الثالثة 1 / 227 .

(109)

قال الشهيد الصدر (قدس سره) : « وتذكر في هذا المجال طوائف عديدة من الروايات ، والظاهر أنّ كثيراً منها لا يدلّ على الحجّية »(1) .

وأفضل ما في هذه الروايات : الطائفة التي دلّت « على الإرجاع إلى كلّي الثقة ، إمّا ابتداءً ، وإمّا تعليلا للإرجاع إلى أشخاص معيّنين على نحو يفهم منه الضابط الكلّي(2) . . .

وفي روايات هذه الطائفة ما لا يخلو من مناقشة أيضاً ، من قبيل قوله (عليه السلام) : ( فإنّه لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك في ما روى عنّا ثقاتنا ، قد عرفوا بأنّنا نفاوضهم بسـرّنا ، ونحمله إيّاهم إليهم )(3) ; فإنّ عنوان « ثقاتنا » أخصّ من عنوان « الثقات » ، ولعلّه يتناول خصوص الأشخاص المعتمدين شخصيّاً للإمام ، والمؤتمنين من قِبله ، فلا يدلّ على الحجّية في نطاق أوسـع من ذلك .

وفي روايات هذه الطائفة ما لا مناقشة في دلالتها ، من قبيل ما رواه محمّـد بن عيسى ، قال : قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام) : جعلت فداك ! إنّي لا أكاد أصل إليك لأسألك عن كلّ ما أحتاج إليه من معالم ديني ، أفيونس ابن عبـد الرحمن ثقة آخذ عنه ما احتاج إليه من معالم ديني ؟

فقال : ( نعم )(4) .

ولمّا كان المرتكز في ذهن الراوي أنّ مناط التحويل هو : « الوثاقة » ، وأقرّه الإمام على ذلك ، دلّ الحديث على حجّية خبر الثقة .
ـــــــــــــــــــ

(1) دروس في علم الأُصـول ، الحلقة الثالثة 1 / 212 .
(2) أي : حجّية خبر الثقة .
(3) جامع أحاديث الشيعة 1 / 271 باب 5 من أبواب حجّية أخبار الثقات ، ح 3 ; وفيه : « إيّاه » بدل : « إيّاهم » .
(4) جامع أحاديث الشيعة 1 / 276 ح 24 .

(110)

غير أنّ عدد الروايات التامّة دلالة على هذا المنوال لا يبلغ مستوى التواتر ; لأنّه عدد محدود ، نعم قد تبذل عنايات في تجميع ملاحظات توجب الاطمئنان الشخصي بصدور بعض هذه الروايات ; لمزايا في رجال سـندها ، ونحـو ذلك »(1) .

ويلاحظ على ذلك :

1 ـ إنّ إيجاب هذه الروايات للاطمئنان الشخصي ـ لو حصل ـ لا فائدة فيه ; لأنّ ما ينفعنا هو الاطمئنان النوعي والقاعدة العامّة .

2 ـ إنّ هذه الروايات لا تخلو من مناقشة أيضاً ; إذ لعلّ الراوي كان يسأل عن وثاقة يونس لدى الامام (عليه السلام) نفسه ، وأنّ المرتكز في ذهنه هو الأخذ بأخبار المؤتمنين شخصياً للإمام (عليه السلام) ، بل هذا هو المتعيّن بلحاظ ما كان عليه الواقع من إشراف الأئمّة المعصومين (عليهم السلام) على حركة الحديث تلقّياً وروايةً وتدويناً ، وكان من أهمّ جوانب هذا الإشراف : توثيق أشخاص معيّنين من خلّص أصحابهم المؤتمنين ، وجعلهم وسائط لنقل أحاديثهم إلى شيعتهم ، وعليه تنحصر الحجّية في نطاق هؤلاء خاصّـة ، ولا تشمل الموثّقين من قبل علماء الرجال اعتماداً على اجتهاداتهم الخاصّة ; فإنّ رواياتهم لا تؤدّي إلى العلم بصدور ما يروونه عن المعصوم (عليه السلام) .

* النوع الثاني : الاستدلال بسيرة المتشرّعة :

وحاصله : « إنّ المتشرّعة والرواة في عصر الأئمّة (عليهم السلام) كانوا يعملون بأخبار الثقات ولو لم تفدهم الاطمئنان الشخصي ; فإن كانوا عملوا بها بما
ـــــــــــــــــــ

(1) دروس في علم الأُصـول ، الحلقة الثالثة 1 / 217 .

(111)

هم متشرّعة دلّ ذلك على تلقّيهم إيّاها من الشارع . .

وإن عملوا بها جرياً على سجيّتهم العقلائية ، دلّ ذلك على إمضاء الشارع لها ; لأنّه لم يردع عنها ; إذ لو كان ردع عنها لوصل إلينا شيء من نصـوص الردع »(1) .

ولكن هذا الاستدلال مردود صغرىً وكبرى . .

أمّا الصـغرى :

فإنّ العقلاء في أُمورهم الشخصية المهمّة ، يتطلّبون العلم واليقين ، ولا يركنون إلى الظنّ ، فكيف نفترضهم بما هم متشرّعة يعملون بأخبار الثقات ولو لم تفدهم الاطمئنان الشخصي ! فإنّ هذه الطريقة بما تمثّله من تسامح ، بل تهاون في التعامل مع أدلّة التشريع ممّا لا يمكن استساغته من قبَل المتشرّعة أنفسهم ، فضلا عن أن يسمح بها الشارع المقدّس الذي تعهّد بحفظ الدين .

ونضيف إلى ذلك : أنّ هناك شواهد تدلّ على أنّهم كانوا على منتهى الاحتياط والحذر في التعامل مع الأخبار ، ومن هذه الشواهد :

1 ـ رجوعهم إلى الأئمّة (عليهم السلام) لتعرّف الرواة الموثّقين من قبَلهم شخصياً ; لأخذ الحديث عنهم .

2 ـ عرضهم لكتب الحديث التي صنّفها الرواة الثقات علىالأئمّة(عليهم السلام)للتأكّد من صحّتها وصدورها واقعاً عن المعصومين (عليهم السلام) .

3 ـ رجوعهم للأئمّة (عليهم السلام) يستفسرون منهم عن جواز العمل بكتب الحديث التي كانوا يستندون إليها في العمل ، إذا طرأ انحراف عقائدي على
ـــــــــــــــــــ

(1) دروس في علم الأُصـول ، الحلقة الثانية : 168 ـ 169 .

(112)

رواتها ، كالذي حصل لبني فضّال ، وقد نقل الشيخ الطوسي : « ما قاله أبو محمّـد الحسن بن علي ( صلوات الله عليهما ) وقد سئل عن كتب بني فضّال ، فقالوا : كيف نعمل بكتبهم وبيوتنا منها ملاء ؟ فقال صلوات الله عليه : « خـذوا بما رووا ، وذروا ما رأوا »(1) .

وأمّا الكبرى :

وهي عدم ردع الشارع عنها ، لعدم وصول شيء إلينا من نصوص الردع ، فهي باطلة قطعاً ، والدليل على ذلك :

أوّلا : ما عرضناه من النصوص المتضافرة الواصلة الينا : التي تؤكّد حجّية العلم ، وتردع عن اتّباع الظنّ والعمل به .

ثانياً : ما سيأتي من تأكيد الشارع المقدّس الثابت بالكتاب وبالروايات المتواترة ، ضرورة عرض الروايات المنقولة عن المعصومين (عليهم السلام) على محكم الكتاب والسُـنّة ، من أجل الوصول إلى العلم بصدورها عنهم ، أو العلم بعدم صـدورها ، ومن ثمّ تحديد الموقف تجاهها من حيث العمل بها أو ردّها ، على أساس العلم بواقع الحال ، فهذا يكشف بوضوح عن عدم رضا الشارع بالأخـذ بأخبار الثقات إذا لم تفِد العلم بالصدور .

* التوجيه الخامس :

الاستدلال العقلي على حجّية الظنّ ، الذي يقوم على دعوى انسداد باب العلم بالحكم الشرعي .
ـــــــــــــــــــ

(1) الكافي 1 / 352 .

(113)

وهذا الدليل إذا تمّ يُثبت حجّـية مطلق الظنّ ، ولا يختصّ بالظنّ الناشئ من خبر الثقة ، وهو ـ كما ذكره الشيخ الأنصاري (قدس سره) ـ مؤلّفٌ من أربع مقدّمات ، إلاّ أنّ الشيخ الآخوند أضاف إليها مقدّمة أُخرى جعلها الأُولى في الترتيب ، فأصبحت خمساً كما يلي :

1 ـ العلم إجمالا بثبوت تكاليف فعليّة في الشريعة .

2 ـ انسداد باب العلم والظنّ الخاصّ ( العلمي ) بمعظم تلك التكاليف .

3 ـ إنّ إهمال تلك التكاليف وعدم التعرّض لامتثالها غير جائز .

4 ـ إنّ الاحتياط في جميع أطراف تلك التكاليف المعلومة بالإجمال غير واجب علينا ; لِما يؤدّي إليه من العسـر والحـرج .

5 ـ إنّ ترجيح المرجوح ( الوهم ) على الراجح ( الظنّ ) قبيح ، فيستقلّ العقل حينئذ بلزوم الإطاعة الظنّية ، أي : امتثال خصوص ما حصل الظنّ بثبوته شرعاً من تلك التكاليف المعلومة بالإجمال ، وإلاّ لزم ـ بعد انسداد باب العلم والعلمي ( الظنّ الخاصّ ) ـ إمّا إهمالها ، وإمّا لزوم الاحتياط في جميع أطرافها ، والمفروض بطلان كلّ واحد منهما(1) .

وقال الشيخ الأنصاري : إنّ دليل الانسداد إمّا أن يقرَّر « على وجه يكون كاشفاً عن حكم الشارع بلزوم العمل بالظنّ ، بأن يقال : إنّ بقاء التكاليف ـ مع العلم بأنّ الشارع لم يعذرنا في ترك التعرّض لها وإهمالها ، مع عدم إيجاب الاحتياط علينا ، وعدم بيان طريق مجعول فيها ـ يكشف عن أنّ الظنّ جائز العمل ، وأنّ العمل به جائز عند الشارع . . . فحجّية الظنّ
ـــــــــــــــــــ

(1) كفاية الأُصـول : 311 ـ 312 ، فرائد الأُصـول 1 / 384 ـ 385 .

(114)

على هذا التقرير تعبّد شرعي كشف عنه العقل من جهة دوران الأمر بين أُمور كلّها باطلة سواه . . .

وإمّا أن يقرَّر على وجه يكون العقل منشأً للحكم بوجوب الامتثال الظنّي ، بمعنى حسن المعاقبة على تركه ، وقبح المطالبة بأزيد منه . . . فهذا الحكم العقلي ليس من مجعولات الشارع ; إذ كما أنّ نفس وجوب الطاعة وحرمة المعصية بعد تحقّق الأمر والنهي من الشارع ، ليس من الأحكام المجعولة للشارع ، بل شيء يستقلّ به العقل لا على وجه الكشف ، فكذلك كيفية الإطاعة ، وأنّه يكفي فيها الظنّ بتحصيل مراد الشارع في مقام ، ويعتبر فيها العلم بتحصيل المراد في مقام آخر ، إمّا تفصيلا أو إجمالا »(1) .

وقد عقّب صاحب
الكفاية على المقدّمة الثانية ، القائلة بانسداد باب العلم والعلمي ، بقوله : « أمّا بالنسبة إلى العلم ، فهي بالنسبة إلى أمثال زماننا بيّنة وجدانية . . . وأمّا بالنسبة إلى العلمي ، فالظاهر أنّها غير ثابتة ; لِما عرفت من نهوض الأدلّة على حجّية خبر يوثق بصدقه »(2) .

فهو يسلّم بعدم وجود الدليل المؤدّي إلى ( العلم ) بقسم من الأحكام الشرعية ، ولكنه يستظهر وجود الدليل ( العلمي ) ، وليس مرادهم بالدليل العلمي شيئاً سوى الدليل ( الظنّي ) ، لكنّهم نسبوه إلى العلم ، بالذهاب إلى أنّ الشارع المقدّس قد حكم بحجّية بعض الظنون وعدّها علماً ، كالظنّ بصدور الحديث الناتج من خبر الثقة ، والظنّ بمدلول الدليل الحاصل من ظهور الكلام ، ولكنّ النقاش في نهوض الأدلّة على هذا الادّعاء .
ـــــــــــــــــــ

(1) فرائد الأُصـول 1 / 465 ـ 466 .
(2) كفاية الأُصـول : 312 .

(115)

والواقع : أنّ باب العلم بالحكم الشرعي ليس مسدوداً ، بل هو مفتوح على مصراعيه دائماً ، وأنّ دعوى انسداد باب العلم لا يمكن قبولها بحال ; لأنّها منافية لعلم الله تعالى ، ولحكمته ، ولقدرته ، ولكرمه ، ولرحمته ; إذ بعد قيام النصوص الشرعية ـ التي قدّمناها ـ على حجّية العلم مطلقاً ، أي : في أُصول الدين وفروعه ، وعدم حجّية الظنّ مطلقاً ، مضافاً إلى ثبوت إكمال الدين وحـفظه واسـتيعاب الشـريعة لكلّ جوانب الحياة البشرية ، لا يبقى معنىً للقول بانسداد باب العلم إلاّ أنّ الشارع المقدّس قد دفع بنا إلى طريق مسـدود ، وعلّق معرفتنا بالأحكام على أمر مستحيل ، وإنّما يُتصـوّر لجوؤه إلى هذا إمّا لعدم علمه بأنّ باب العلم مسدود ، أو لعدم قدرته على فتحـه ، أو لبخله وعدم شـمول رحمته ! !

وكلّها أُمور منافية لعقيدتنا بالله عزّ وجلّ ، ولصفاته الجمالية .

وأنّ هذه اللوازم الباطلة للقول بانسداد باب العلم ، تؤكّد لنا خطأ هذا القول ، وتحثّنا على البحث عن الطرق التي تحقّق العلم بصدور الدليل ، وبمدلول الدليل ، وتؤدّي إلى إثبات ( انفتاح باب العلم ) بالحكم الشرعي ، في قبال من ذهب إلى انسداده ، فاضطر إلى القول بحجّية الظنون ، واتّخاذها طريقاً لتحديد الأحكام الشرعية ، رغم صراحة النصوص من آيات الكتاب ، والسُـنّة الشريفة في النهي عن اتّباع الظنّ .

إنّ باب العلم بالحكم الشرعي له مصراعان :

أحدهما : العلم بصدور الدليل على الحكم من الشارع المقدّس .

والآخـر : العلم بمدلول الدليل ، الكاشف عن مراد الشارع الواقعي .

والمصـدر الأساسـي لأدلّة الأحكام هو : الوحي الإلهي ، المتمثّل في الكتاب والسُـنّة ; إذ لا فرق بين الكتاب والسُـنّة الشريفة من حيثُ

(116)

وحـدة المصـدر ووحدة المبلِّغ ; فمصدرهما معاً هو الله عزّ وجلّ ; لأنّ رسـول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يشرِّع من عندِه ، ولا يتقوّل على ربّه ، قال تعالى : ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى )(1) ، ومبلِّغهما معاً هو : النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) .

نعم ، يفترقان في أنّ القرآن الكريم موحى به من الله تعالى بلفظه ومعناه ، ومتعبّد بتلاوته ، وأمّا السُـنّة فلا يتعبّد بتلاوتها ، وقد نزل الوحي بمعانيها ، وأوكل التعبير عن تلك المعاني لألفاظ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) .

والمعلوم : أنّ النصّ القرانيّ بأكمله قطعيّ الصدور من الله عزّ وجلّ ، وأمّا السُـنّة فهي على نحوين :

أوّلهما :

ما كان معلوم الصدور ، وهو : ما ثبت نقله بالتواتر ، أو كان مضمونه ثابتاً بالضرورة من الدين ، أو كان مضمونه من السُـنّة الجامعة المتّفق على نقلها وقبولها من قبل جميع المسلمين : أهل السُنّة وشيعة أهل البيت (عليهم السلام) .

والنحو الثاني :

ما ليس كذلك ، فهو ظنّي الصدور ، وهو المنقول بما اصطلح على تسميته بـ« خبر الواحد » وإن تعدّد رواته ، هذا من حيثُ الصدور . .

وأمّا من حيث الدلالة ، فقد قسّموا الآيات والأحاديث معاً إلى قسمين ; لأنّ منها ما هو معلوم الدلالة على المعنى ، ويعبّر عنه بـ : « النّص » ،

ـــــــــــــــــــ

(1) سورة النجم 53 : 3 ـ 4 .

(117)

ومنها ما هو مظنون الدلالة على معناه ، ويعبّر عنه بـ : « الظاهر » .

وعليه : فالدليل الشرعي يؤدّي إلى العلم بالحكم ; إذا كان آية كريمة أو حديثاً معلوم الصدور ، وكان نصّاً وصريحاً في الدلالة على المراد .

وأما إذا لم يكن الدليل نصّاً في معناه ، بل كان ظاهراً فيه ، فإنّه لا يفيد ـ لديهم ـ أكثر من الظنّ بالحكم ، سواء أكان آية أم حديثاً .

وكذلك الأمر إذا كان الدليل حديثاً ثابتاً بخبر الواحد ; فإنّه لا يفيد إلاّ الظنّ بالحكم ، وإن كانت دلالته على معناه بالنّص ، وذلك من جهة عدم العلم بصـدوره .

ومنه يتّضـح : أنّ مشكلة الظنّ بالحكم الشرعي تنشأ من كونه مستفاداً من خبر الواحد ، أو من دليل يدلّ على معناه بالظهور لا بالنصّ .

وسبب المشكلة ما أشرنا إليه من وجود النصوص الشرعية التي تحصـر الحجّية بالعلم ، وتسلب الحجّية عن الظنّ ، وتنهى عن اتّباعه والعمل به .

وقد عُني علماء المسلمين ـ منذُ القديم ـ بمعالجة هذه المشكلة بكلا جانبيها ، ويبدو أنّ فكرة عدم وجود طريق للعلم ببعض الأحكام الشرعية قد استحوذت على أذهان كثير من العلماء ، وجعلتهم على قناعة بأنّه لا مناصّ من العمل بالظنّ ، فسعوا إلى تحصيل أدلّة شرعية وعقلية تمنح الحجّية للظنّ الحاصل من خبر الواحد ، ومن ظهور الكلام ، وتسوِّغ اتّخاذهما طريقين لمعرفة الأحكام الشرعية ، بدلا من البحث عن طرق تؤدّي إلى تحصيل العلم بالحكم الشرعي .

وتحقيق الكلام بهذا الشأن يقع في نقطتين :

(118)

* النقطة الأُولى : في إثبات صدور الحديث .

والملاحظ هنا : أنّ معظم العلماء درجوا على سلوك منهج « نقد السند » في تصحيح الروايات وتضعيفها ، وهو منهج يقوم على أساس من إثبات عدالة الراوي أو وثاقته للحكم بصحّة الرواية والعمل بمضمونها ، أو عدم إثبات عدالة الراوي أو وثاقته للحكم بضعف الرواية وردّها .

وهذا المنهج باعتراف أصحابه لا يؤدّي إلى العلم بصدور المروي عن المعصوم (عليه السلام) ، ولا إلى العلم بعدم صـدوره ، وقد صرّحوا بأنّهم لا يريدون بالحديث الصحيح أنّه معلوم الصدور ، وإنّما يريدون به ما كان رواته ثقات أو عدولا . .

قال السيوطي : « وإذا قيل : هذا حديث صحيح ، فهذا معناه . . . لا أنّه مقطوع به في نفس الأمر ; لجواز الخطأ والنسيان على الثقة . . .

وإذا قيل : هذا حديث غير صحيح . . . فمعناه : لم يصحّ إسناده ، لا أنّه كذب في نفس الأمر ; لجواز صدق الكاذب ، وإصابة مَن هو كثير الخطأ »(1) .

وبهذا لا يكون الأخذ بالرواية ولا ردّها على هذا المنهج قائماً على أساس العلم بصدورها أو العلم بعدمه ، وانّما هو قائم على مجرد الظنّ في كلتا الحالتين .

وممّا يؤكّد عدم اعتبار الشارع لمنهج « نقد السند » في إثبات صدور الحديث : أنّ الشارع نفسه ، قد جعل منهجاً آخر لنقد الروايات هو منهج « نقد المتن » أو منهج « النقد الدلالي » القائم على أساس عرض « متن »

ـــــــــــــــــــ

(1) تدريب الراوي : 39 ـ 40 .

(119)

الرواية على محكم الكتاب والسُـنّة ، وهو منهج يؤدّي إمّا إلى العلم بصدور الحديث عن المعصومين (عليهم السلام) ، أو العلم بعدم صـدوره عنهم .

وإنّ تأكيد النصوص الشرعية لهذا المنهج يكشف عن مدى عناية الشارع بمسألة إثبات صـدور الحديث إثباتاً علمياً ، وهذا أمر طبيعيّ ; ذلك أنّ الشارع المقدّس بعد أن أكّد حجية العلم ، وأبطل حجّية الظنّ مطلقاً ، يكون من الضروري أن يضع للمكلّفين ميزاناً ومنهجاً يعرضون عليه ما ينقله الرواة من كلام المعصومين (عليهم السلام) ، ليميّزوا به ما هو صادر عنهم واقعاً ، عمّا ليس بصادر ، وإنّما هو من وضـع الرواة أو أخطائهم .

وبهذا يظهر وجه التأمّل في ما ذكره الشيخ الأنصاري في دليل الانسداد من عدم بيان الشارع لطريق مجعول في معرفة الأحكام(1) .

والأدلّة على مشروعيّة هذا المنهج :

أوّلا :

الروايات الواردة في مصادر الفريقين الحديثية ، البالغة حدّ التواتر المفيد للعلم ، والموافقة لكتاب الله عزّ وجلّ . .

فقد وردت في مؤلّفات أهل السُنّة بعشرة طرق ، وفي مؤلّفات الشيعة بخمسة وعشرين طريقاً(2) ، ومن نماذج هذه الروايات لدى الفريقين :

1 ـ « عن زِر بن حُبيش ، عن عليّ بن أبي طالب ، قال : قال
ـــــــــــــــــــ

(1) فرائد الأُصـول 1 / 465 .

(2) تعرّضـت لذلك مفصّلا في بحث بعنوان : « عرض الأحاديث على كتاب الله » ، وهو منشـور في مجلّة « علوم الحديث » ، التي تصدرها « كلّية علوم الحديث » في طهران ، العدد 17 لسنة 1426 هـ .

(120)

رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّه تكون رواة يروون عنّي الحديث ، فاعرضوا حديثهم على القرآن ، فما وافق القرآن فخـذوا به ، وما لم يوافق القرآن فلا تأخذوا بـه »(1) .

2 ـ « عن ابن أبي كريمة ، عن أبي جعفر . . . صَعد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) المنبر فخطب الناس فقال : إنّ الحديث سيفشو عنّي ، فما أتاكم عنّي يوافق القرآن فهو عنّي ، وما أتاكم عنّي يخالف القرآن ، فليس عنّي »(2) .

3 ـ « عن أبي هريرة ، عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال : سيأتيكم عنّي أحاديث مختلفة ، فما جاءكم موافقاً لكتاب الله ولسُـنّتي فهو منّي ، وما جاءكم مخالفاً لكتاب الله ولسُـنّتي ، فليس منّي »(3) .

4 ـ « عن هشام بن الحكم ، عن أبي عبـد الله (عليه السلام) قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في خطبة بمنى أو بمكّة : يا أيّها الناس ! ما جاءكم عنّي يوافق القرآن فأنا قلته ، وما جاءكم عنّي لا يوافق القرآن ، فلم أقله »(4) .

ثانياً :

قوله تعالى : ( فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْء فَرُدُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُولِ )(5) ، وهذه الآية شاهد لأحاديث العرض على الكتاب والسُـنّة . .

قال الإمام علي (عليه السلام) : « فالرادّ إلى الله : الآخذ بمحكم كتابه ، والرادّ إلى
ـــــــــــــــــــ

(1) سُـنن الدارقطني 4 / 209 ح 20 .

(2) الأُمّ : 1622 ح 2863 .

(3) سُـنن الدارقطني 4 / 208 ح 17 كتاب الأقضية والأحكام .

(4) الكافي 1 / 55 ، تفسير العيّاشي 1 / 9 .

(5) سورة النساء 4 : 59 .

(121)

الرسول : الآخذ بسُـنّته الجامعة غير المتفرّقة »(1) .

وهذا القول يحدّد بدقّة مفهوم روايات العرض ، وإنّ المراد بالكتاب خصوص آياته المحكمة المعلومة الدلالة ، في قبال ما لم يكن نصّاً وصريحاً في مدلوله وهو المتشابه ، فهذا لا بُدّ من تحديد معناه في ضوء دلالة الآيات المحكمة ، وإنّ المراد بالسُـنّة هو خصوص السُـنّة المجمع عليها ; لوضوح معناها ، ولثبوت صدورها بالتواتر أو بالضرورة من الدين ، أو بنقلها وتلقّيها بالقبول من قِبل جميع المسلمين .

فكما أنّ المعلومات النظرية يتقرّر صدقها أو كذبها بالرجوع إلى المعلومات البديهية ، كذلك ما هو مظنون الصدور من الأحاديث ; فإنّه يُعرض على ما هو معلوم الصدور من الكتاب والسُـنّة ، بنحو يؤدّي إلى العلم بصـدوره أو العلم بعـدم صدوره .

وممّا تقدّم يتّضح :

* أوّلا : إنّ قاعدة العرض على محكم الكتاب والسُـنّة ليست من اجتهادات العلماء ، وإنّما هي قاعدة مجعولة من قبل الشارع المقدّس من أجل الحفاظ على أدلّة الأحكام الشرعية ، بتعيين ما هو صادر واقعاً من الأحاديث ، وهو الموافق لمحكم الكتاب والسُنّة المعلومة الصدور ، وتمييزه عمّا ليس صادراً عن المعصوم واقعاً ، وإنّما هو من أخطاء الرواة أو مختلقاتهم ، وهو ما خالف محكم الكتاب والسُـنّة .

* ثانياً : إنّ هذه القاعدة لا تحتمل الخطأ، بل تؤدّي إلى العلم بصدور الحديث أو عدم صدوره ، خلافاً لمنهج « نقد السند » ، القائم على توثيق
ـــــــــــــــــــ

(1) نهج البلاغة ـ تحقيق صبحي الصالح ـ : 53 .

(122)

الرواة أو تضعيفهم ; فإنّه لا يؤدّي إلى أكثر من الظنّ بذلك ; لأنّ وثاقة الراوي لا تدلّ على صدور الحديث واقعاً ، بسبب احتمال الخطأ ، كما أنّ ضعف الراوي لا يؤدّي إلى العلم بعدم صدور الحديث ; إذ أنّ الفاسق قد يصدق ; لأنّه لا يكذب على طولِ الخط ، كما أنّ كثير الخطأ قد يصيب .

* ثالثاً : إنّ هذه القاعدة صالحة للتطبيق على جميع الأحاديث ، أي : أحاديث الثقات وغير الثقات ، بخلاف منهج « نقد السند » ; فإنّه يستبعد أحاديث الضعاف رأساً ، مع أنّ فيها أحاديث يحتمل صدورها واقعاً من المعصومين (عليهم السلام) .

بل قد صرّح في بعض روايات العرض بأنّه لا فرق في تطبيق هذه القاعدة بين روايات الثقات وروايات الضعفاء . .

« عن محمّـد بن مسلم ، قال : قال أبو عبـد الله (عليه السلام) : يا محمّـد ! ما جاءَك من رواية من برّ أو فاجر ، يوافق القرآن ، فخذ به ، وما جاءك من رواية من برّ أو فاجر ، يخالف القرآن ، فلا تأخذ به »(1) .

« الحسين بن العلاء . . . قال : سألت أبا عبـد الله (عليه السلام) عن اختلاف الحديث ، يرويه مَن نثق به ، ومنهم مَن لا نثق به ؟

قال : إذا ورد عليكم الحديث فوجدتم له شاهداً من كتاب الله أو من قول رسـول الله ، وإلاّ فالذي جاءكم به أوْلى به »(2) .

* رابعاً : إن كون هذه القاعدة مجعولة من قبل الشارع ، يفرض قبولها لدى جميع مذاهب المسلمين ، ويجعل من الضروري تطبيقها على جميع الأحاديث الواردة في مصنّفاتهم ، لا فرق في ذلك بين مصنّفات أهل
ـــــــــــــــــــ

(1) تفسير العيّاشي 1 / 8 .

(2) المحاسن 1 / 352 ـ 353 .

(123)

السُـنّة ومصنّفات الشيعة ، بما في ذلك المصنّفات المعنونة بالصحاح ; ذلك أنّ صحّة الحديث لا تساوق العلم بصـدوره ، بل الصحّة مصطلح حديثي يراد به مجرّد ثبوت وثاقة أو عدالة رواة الحديث ، وقد علمنا أنّ مجرد وثاقة الراوي وعدالته لا توجب العلم بصدور ما ينقله عن المعصـوم .

كما أنه لا يبقى لأهل السُـنّة مسوّغ للإعراض عن مصنّفات الشيعة ، وحرمان أنفسهم من الثروة الحديثية التي تضمّنتها ، بدعوى ضعف رواة الشيعة واتّهامهم بعدم التورّع عن الكذب ; ما دام ضعف الراوي لا يساوق العلم بعدم صدور ما يرويه ، ولعلّ ما يرويه صادر عن المعصوم حقّاً ، فلا بُد من التبيّن عنه بعرضـه على محكم الكتاب والسُـنّة ، والأخذ به إذا كان موافقاً لهما .

فالمتعيّن شرعاً هو : رجوع جميع الأطراف إلى قاعدة العرض على محكم الكتاب والسُـنّة ، وتحكيمها في جميع الروايات ، فبها يعلم صدور الحديث أو عدم صدوره ، مع قطع النظر عن حال الراوي من الوثاقة أو الضـعف .

أقول:

من الملفت للنظر : أنّه على الرغم من وجود روايات قاعدة العرض بين أيدي العلماء ، وصراحتها في شمول هذه القاعدة لجميع الروايات ، سواء أكان لها معارض أو لا ، نجد العلماء يعمدون إلى إثبات صحّة الرواية أوّلا على أساس منهج « نقد السند » ووثاقة الراوي ، ثمّ يرجعون إلى قاعدة العرض لعلاج حالات التعارض بين الروايات التي تمّ إثبات حجّيتها مسبقاً استناداً إلى وثاقة رواتها ، أي أنّهم يعمدون في البداية إلى تحديد الموقف

(124)

من الروايات في ضوء النقد السندي ، فالرواية الضعيفة السند تسقط رأساً ، ولا تكون حجّة لتعارض رواية صحيحة السند ; إذ لا معنى ـ على رأيهم ـ للتعارض بين الحجّة وغير الحجّة ، وأمّا الرواية الصحيحة السند ، فإنّها تكون حجّة عندهم ، فإذا عارضت رواية صحيحة أُخرى ، تصل النوبة حينئذ إلى حلّ التعارض بالعرض على الكتاب ، فيؤخذ بما وافقه ويطرح ما خالفه .

ويلاحظ :

إنّ تسلسل البحث بهذه الطريقة ليس صحيحاً ; لأنّ الحجّية إذا كانت أمراً مجعولا من قبل الشارع ، كيف يعقل أن يجعلها لما يعارض الكتاب ، أو يجعلها لكلّ من المتعارضَـين ، مع أنّ ذلك خلاف الحكمة ؟ !

فالصحيح أن يقال :

إنّ التنافي والتعارض في الكلام يستحيل نسبته إلى الله سبحانه ; قال عزّ وجلّ : ( وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً )(1) ، وبما أنّ مصـدر القرآن والسُـنّة معاً هو الله عزّ وجلّ ، فلا يمكن وقوع التنافي بين النصوص الواردة فيهما .

وعليه :

فإذا كانت الرواية منافية للكتاب والسُـنّة المعلومة الصدور ، علمنا بعدم صدورها عن المعصومين (عليهم السلام) ، وإذا حصل التنافي بين الروايتين ،

ـــــــــــــــــــ

(1) سورة النساء 4 : 82 .

(125)

علمنا بعدم صدور إحداهما ، فنقوم بعرضهما على محكم الكتاب والسُـنّة المعلومة الصدور ، فنأخذ بالموافِقة لهما ; للعلم بصدورها حينئذ ، ونردّ المخالِفة لهما ; للعلم بعدم صدورها وأنّها دخيلة على الشارع بسبب الوضع أو أخطاء الرواة . .

فالتعارض إنّما يقع بين الروايتين ، ويكشف عن أنّ إحداهما ليست صادرة من الشارع قطعاً ، أي : إنّ التعارض إنّما يقع بين الحجّة وغير الحجّة ، وهما مختلطتان وغير متميّزتين ، ولا يعقل وقوعه بين الحجّتين ، وهذا ما يكشف عن خطأ الطريقة المعهودة في النقد السندي ، التي قد تثبت بها الحجّية شرعاً لرواية معارِضة للكتاب ، أو لروايتين متعارضتين ، بناءً على دعوى جعل الشارع الحجّية لخبر الثقة ، مع التسليم بعدم إفادته العلم .

* النقطة الثانية : في إثبات مدلول الدليل .

إنّ مراجعة الآيات القرآنية تظهرنا على أنّ الشارع المقدّس قد حرص على أن تكون تعاليمه لعباده واضحة جليّة ، لا لبس فيها ولا غموض يعتريها ، وأكّد في أكثر من آية ما يمكن تسميته بقاعدة « البلاغ المبين » في خطاباته للمكلّفين ، ومن ذلك ـ على سبيل المثال ـ قوله تعالى :

1 ـ ( وَمَا عَلَيْنَا إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ )(1) .

2 ـ ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُول إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ )(2) .

3 ـ ( قَدْ جَاءَكُم مِنَ الله نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ )(3) .

ـــــــــــــــــــ

(1) سورة يس 36 : 17 .
(2) سورة إبراهيم 14 : 4 .
(3) سورة المائدة 5 : 15 .

(126)

4 ـ ( فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ )(1) .

وإنّ تأكيد الشارع المقدّس لقاعدة « البلاغ المبين » أمر ينسجم مع تأكيد النصوص الشرعية من الآيات والأحاديث لحجّية العلم وعدم حجّية الظنّ ; إذ معه لا يعقل أن يخاطب الشارع الحكيم عباده بما لا يفيدهم علماً بمراداته ، ولا يورثهم إلاّ الظنّ الذي لا يُغني من الحقّ شيئاً .

إلاّ أنّ علماء الأُصـول قسّموا الألفاظ إلى قسمين :

أحدهما : ما كان نصّاً في معناه ، وعرّفوه بأنّه : الموضوع لمعنىً معيّن ، ولا يحتمل إفادة غيره .

والآخر : ما كان ظاهراً في معناه ، وهو : الموضوع لمعنىً معيّن ، ولكنّه يحتمل إفادة غيره .

وقالوا : إنّ ما كان نصّاً يفيد العلم بمراد المتكلّم ، وما كان ظاهراً لا يفيد إلاّ الظنّ بالمراد .

قال الشهيد الصدر : « قد يدلّ الدليل الشرعي على أحدِ أمرين ، مع أولوية دلالته على أحدهما بنحو يسبق إلى الذهن تصوّراً على مستوى المدلول التصوّري ، وتصديقاً على مستوى المدلول التصديقي ، وإن كانت إفادة المعنى الآخر تصوّراً وتصديقاً بالدليل المذكور ممكنة ومحتملة أيضاً بحسب نظام اللغة وأساليب التعبير العامّ ، وهذا هو الدليل الظاهر في معنىً ، وفي مثلِ ذلك يحمل على المعنى الظاهر ; لأنّ الظهور حجّة في تعيين مراد المتكلّم ، وهذه الحجّية لا تقوم على أساس اعتبار العلم ; لأنّ الظهور لا يوجب العلم دائماً ، بل على أساس حكم الشارع بذلك »(2) .

ـــــــــــــــــــ

(1) سورة المائدة 5 : 92 .
(2) دروس في علم الأُصـول ، الحلقة الثانية : 180 .

(127)

وقال الشيخ المظفّر (رحمه الله) : « إنّ الأصل حرمة العمل بالظنّ ، ما لم يدلّ دليل قطعي على حجّـيّته ، والظواهر من جملة الظنون ، فلا بُدّ من التماس دليل قطعيّ على حجّـيّتها ، ليصحّ التمسّك بظواهر الآيات والأخبار »(1) .

وقد انتهوا إلى أنّ الدليل القطعي على حجّية الظهور هو السيرة العقلائية الممضاة من قبل الشارع ; فقد « تبانى العقلاء في الخطابات الجارية بينهم على الأخذ بظهور الكلام وعدم الاعتناء بإرادة خلاف الظاهر . . . ولا بُدّ أنّ الشارع قد أمضى هذا البناء ، وجرى في خطاباته على طريقتهم هذه ، وإلاّ لزجرنا ونهانا عن هذا البناء في خصوص خطاباته . . . فيعلم أنّ الظاهر حجّة عنده ، كما هو عند العقلاء بلا فرق »(2) .

ويلاحظ :

إنّ هذه الطريقة في التفريق بين النصّ والظاهر ليست صحيحة ; إذ ليس هناك لفظ يحتمل معنيين مع أولوية دلالته على أحدهما دون الآخر ; لأنّ كلّ لفظ لا يدلّ بذاته إلاّ على معناه الحقيقي الذي يتبادر منه عند الإطلاق .

وعليه فينبغي أن يقال :

إنّ الألفاظ كلّها إنّما وضعت للدلالة على معانيها الحقيقية التي اقترنت بها بسبب التعيين أو التعيّن ، والتي تتبادر منها عند الاستعمال ، فلا تدلّ إلاّ عليها إذا بقينا نحن وذات اللفظ ، غاية الأمر أنّ الألفاظ على نحوين :
ـــــــــــــــــــ

(1) أُصـول الفقه ـ للشيخ المظفّر ـ 3 / 137 .

(2) أُصـول الفقه ـ للشيخ المظفّر ـ 1 / 31 .

(128)

* الأوّل : ما وضع لمعنىً معيّن ، ولا يحتمل بحسب نظام اللغة إفادة غير ذلك المعنى حتّى بمعونة القرائن ، وهذا هو « النصّ » ، كما لو قال المولى : ( يحرم عليك الخمر ) ; فإنّه نصّ في الحرمة ، ولا يمكن صرف دلالته من الحرمة إلى الكراهة ، بقرينة كلام آخر يرخّص في تناول الخمر ، بل الكلام الآخر سيكون في نظر العرف معارضاً للحكم بالحرمة .

* والنحو الثاني : ما وضع ليدلّ بذاته وبمجرّده على معنىً معيّن ، ولكنّه قابل للدلالة على معنىً آخر ، وهذه القابلية لا تصل إلى مرحلة الفعلية إلاّ بمعونة كلام آخر يكون قرينة تصرف دلالة اللفظ إلى ذلك المعنى الآخـر .

ففي هذا النحو الثاني ، إذا بقينا نحن وذات اللفظ ، تبادر منه معناه الحقيقي ، وعلمنا أنّه هو المراد الواقعي للمتكلّم ، ولم نحتمل دلالته على معنىً آخـر ، وإلاّ لَما تمّ التفاهم بين أهل اللغة . .

وأمّا إذا قرن المتكلّم بذلك اللفظ ما يصرف ظهوره ودلالته إلى معنىً آخـر ، علمنا أنّ مراده هو المعنى الآخـر .

من نماذج هذا النحو الثاني :

أوّلا :

ما تؤدّي القريـنة فيه إلى تغـيّر نوع الحكم ، ويدخل ضمن هذا القسم :

1 ـ مادّة الأمر وصيغته .

نحو : « آمرُك بالقراءة ـ اقرأْ » ; فإنّ معناهما الحقيقي الموضوع له هو

(129)

« الوجوب » ، وهو الظاهر منهما مع عدم القرينة ، ولكنّهما قد يستعملان لإفادة « الاستحباب » مع القرينة ، التي تتمثّل في وجود دليل آخر صادر من الشارع يرخص في ترك القراءة ، فيكشف عن استعمال الصيغة في الدليل الأوّل في الطلب الاستحبابي لا الوجوبي .

2 ـ مادّة النهي وصيغته .

نحو : « أنهاك عن التدخين ـ لا تدخّن » ; فإنّ معناهما الحقيقي هو الحرمة ، وهو الظاهر المتبادر منهما مع عدم القرينة ، ولكنّهما قد يستعملان لإفادة « الكراهة » بمعونة القرينة التي تتمثّل بورود دليل شرعي آخر يرخّص في التدخين ، ويصرف ظهور الدليل الأوّل من النهي التحريمي إلى النهي الكراهتي .

ثانياً :

ما تؤدّي القرينة فيه إلى تضييق دائرة موضوع الحكم أو توسيعها ، كأن يكون اللفظ دالاّ بذاته على الشمول والاستيعاب لجميع أفراد الموضوع أو حالاته ، ما لم يمنع من ذلك وجود دليل آخر يستثني بعض الأفراد أو الحالات ، أو يوسّع دائرة الموضوع بإضافة بعض الأفراد إليه ، كدليل « الطواف بالبيت صلاة » ، الموسّع لموضوع شرطية الطهارة في العبادات ، وممّا يدخل في هذا القسم :

1 ـ ألفاظ العموم .

نحو : « كل » ، « جميع » ، فلو قال الآمر : « أكرم جميع العلماء » ، كان

(130)

كلامه ظاهراً في دخول جميع أفراد العلماء في موضوع الحكم بوجوب الإكرام ، إلاّ إذا صدر من الآمر نفسه كلام آخر يقول فيه مثلا : « لا تكرم العالم الفاسـق » ; فإنّه يكون قرينة تضيّق دائرة شمول الكلام الأوّل ، بإخراج فسّاق العلماء من موضوع الحكم بوجوب الإكرام .

2 ـ الألفاظ المطلقة .

نحو : « رقبة » في قول المولى : « أعتق رقبةً » ; فإنّه ظاهر بذاته في الشمول للرقبة مطلقة من قيد الإيمان والكفر ، إلاّ إذا ورد دليل آخر من قِبَل المولى ينهى عن عتق الكافر ; فإنّه يقيّد إطلاق الرقبة في الدليل الأوّل ، ويحصـر موضوع تشريع العتق بالرقبة المقيّدة بالإيمان .

وعليه :

فليس من الصحيح التفريق بين النّص والظاهر ، بإفادة الأوّل للعلم بمراد المتكلّم ، وإفادة الثاني للظنّ بمراده .

بل الصحيح :

أن نفرّق بينهما بالقول : إنّ النص هو : ما وضع لمعنىً معيّن ولا يمكن استعماله في غيره حتّى مع القرائن ، ولأجل ذلك يحصل العلم بإرادة المتكلّم لذلك المعنى من ذات اللفظ .

وأمّا الظاهر ، فهو : اللفظ الموضوع لمعنىً معيّن ، ولا تحتمل دلالته على غيره ، ولكن يمكن استعماله في غيره ، بشرط وجود قرينة تصرف دلالته من المعنى الموضوع له ، إلى ما قامت عليه القرينة ، والقرينة تارة

(131)

تنظر إلى موضوع الحكم ، فتقوم بتوسعة دائرته أو تضييقها ، وأُخرى تنظر إلى الحكم نفسـه ، كأن تقوم بتغييره من الوجوب إلى الاستحباب ، أو من الحرمة إلى الكراهة .

وفي هذه الحال ، إذا بقينا نحن وذات اللفظ ، ولم نجد في الكلام قرينة تصرفه عن معناه الموضوع له ، لم نحتمل دلالته على معنىً آخر ، بل نعلم بأنّ مراد المتكلّم واقعاً هو المعنى الظاهر من ذات اللفظ ، أي : المعنى الحقيقي المتبادر منه ، وإن وجدنا قرينة صارفة له عن معناه الحقيقي ، علمنا أنّ مراد المتكلّم هو المعنى الذي قامت عليه القرينة .

وعليه :

فليس في الظهور ظنّ بمراد المتكلّم لكي نبحث عن دليل يثبت حجّية هذا الظنّ شرعاً .

واحتمال ضياع بعض النصوص التي تشكّل قرائن على إرادة خلاف ظواهر الأدلّة الموجودة بين أيدينا ، يردّه أنّ الشارع المقدّس قد أكمل الدين وتعهّد بحفظه ; قال تعالى : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي )(1) ، وقال سبحانه : ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ )(2) ، ولا معنى لحفظ الدين إلاّ الحفاظ على نصوصـه من الضياع ، ولمّا كانت القرائن أدلّة شرعية ، فهي محفوظة حتماً بحفظ الله لها ، وحاضرة بين أيدينا ، ولا معنى لاحتمال فقدها وضياعها .

ـــــــــــــــــــ

(1) سورة المائدة 5 : 3 .
(2) سورة الحجر 15 : 9 .

(132)

وعليه :

فإذا كان الشارع قد أكمل الدين ، ولم يترك واقعة حدثت أو ستحدث ، إلاّ وبيّن حكمها ، إمّا بدليل يختصّ بها ، وإمّا بحكم كليّ مجعول على عنوان يشملها بعمومه أو إطلاقه ، وإذا كانت جميع الأدلّة محفوظة وحاضرة بين أيدينا ، ونحن على علم بما هو صادر منها واقعاً ، إمّا لكونه آية من كتاب الله عزّ وجل ، وإمّا لكونه حديثاً ثابتاً بالتواتر ، أو بالضرورة من الدين ، أو بالاتّفاق على نقله في المصادر الحديثية لكلّ المسلمين ، أو بموافقته لمحكم الكتاب والسُـنّة المعلومة الصدور ، مع علمنا باستمرار الدين إلى يوم القيامة ، فإنّ النتيجة الطبيعية لكلّ ذلك هي : انفتاح المصراع الأوّل من مصراعي باب العلم بالحكم الشرعي ، وهو : العلم بصدور الدليل على الحكم من الشارع المقدّس .

وأمّا العلم بمدلول ما علمنا بصدوره من الأدلّة ، فهو ميسور لنا أيضاً ; لأنّه إذا كان نصّاً في معناه ، تعيّن إرادة الشارع لذلك المعنى ، وإن كان ظاهراً في معناه ، بأن أمكن استعماله في غيره بقرينة ، فما علينا إلاّ أن نتفحّص بقية الأدلّة ، وكلّها حاضـرة بين أيدينا ومرتّبة على الكتب والأبواب ، فإن لم نجـد فيها ما يصلح قرينة تصرف اللفظ عن ظاهر معناه ، علمنا بأنّ مراد الشارع هو المعنى الظاهر المتبادر من ذات اللفظ ، ولم نحتمل دلالته على غيره .

وإن وجدنا دليلا يصلح قرينة تصرف اللفظ عن معناه الظاهر منه إلى غيره ، بأن تقوم بتوسعة أو تضييق دائرة موضوع الحكم ، أو تقوم بتغيير نوع الحكم من الوجوب إلى الاستحباب أو الإباحة ، ومن الحرمة إلى الكراهة ،

(133)

علمنا بأنّ مراد الشارع هو ما قامت عليه القرينة .

وبهذه الطريقة يتاح لنا العلم بمراد الشارع الواقعي ، وبها ينفتح المصراع الثاني لباب العلم بالحكم الشرعي ، وهو العلم بمدلول الدليل الكاشف عن المراد الواقعي للشارع المقدّس .

وبذلك نخرج من عتمة الظنّ الذي لا يغني من الحقّ شيئاً ، إلى نور العلم واليقين . .

والحمد لله ربّ العالمين .

(134)

مصادر البحث

1 ـ القرآن الكريم
.

2 ـ الإحكام في أُصول الأحكام
، لعلي بن محمّـد الآمدي ، تحقيق سيد الجميلي ، دار الكتاب العربي / بيروت ، 1418 هـ / 1998 م .

3 ـ الأمّ
، لمحمّـد بن إدريس الشافعي ، باعتناء حسّان عبـد المنّان ، بيت الأفكار الدولية .

4 ـ أُصول الفقه
، لمحمّـد الخضري ، دار الفكر / بيروت ، 1421 هـ / 2001 م .

5 ـ أُصول الفقه
، للشيخ محمّـد رضا المظفر ، مطبعة النعمان / النجف الأشرف ، 1386 هـ / 1966 م .

6 ـ بحار الأنوار
، لمحمّـد باقر المجلسي ، المطبعة الإسلامية / طهران ، 1385 هـ .

7 ـ بحوث في علم الأُصول
( تقريراً لبحث السـيّد الشهيد الصدر ) ، للسيّد محمود الهاشمي ، المجمع العلمي للشهيد الصدر / قم ، 1405 هـ .

8 ـ تدريب الراوي في شرح تقريب النووي
، لجلال الدين السيوطي ، تحقيق عرفات العشّا حسونة ، دار الفكر / بيروت ، 1420 هـ / 2000 م .

9 ـ تفسير العيّاشي
، تحقيق وتعليق السـيّد هاشم الرسولي المحلاّتي ، المكتبة العلمية الإسلامية / طهران ، 1380 هـ .

10 ـ توجيه النظر إلى أُصـول الأثر
، لطاهر بن صالح الدمشقي الجزائري ، المكتبة العلمية / المدينة المنوّرة .

11 ـ جامع أحاديث الشيعة ، للسـيّد حسين الطباطبائي البروجردي ، المطعبة العلمية / قم ، 1399 هـ .

12 ـ دروس في علم الأُصول ، للسـيّد الشهيد محمّـد باقر الصدر ، الحلقة الثالثة ، القسم الأوّل ، تحقيق وتعليق علي حسن مطر ، قم ، 1421 هـ / 2000 م .

(135)

13 ـ دروس في علم الأُصول
، للسـيّد محمّـد باقر الصدر ، الحلقة الثانية ، تحقيق مجمع الفكر الإسلامي / قم ، 1412 هـ / 1991 م .

14 ـ الذريعة إلى أُصول الشريعة
، للشريف المرتضى ، تحقيق أبو القاسم گرجي ، منشورات جامعة طهران ، 1363 هـ . ش .

15 ـ سُـنن أبي داود
، سليمان بن الأشـعث ، ضبط وتعليق محمّـد محيي الدين عبـد الحميد ، دار الفكر / بيروت .

16 ـ سُـنن الدارقطني
، علي بن عمر ، عالم الكتب / بيروت ، 1406 هـ / 1986 م .

17 ـ السُـنّة ومكانتها في التشريع الإسلامي
، لمصطفى السباعي ، المكتب الإسلامي ودار الورّاق / بيروت ، 1419 هـ / 1998 م .

18 ـ صحيح البخاري
، تخريج وضبط صدقي جميل العطّار ، دار الفكر / بيروت ، 1425 هـ / 2005 م .

19 ـ صحيح مسلم بشرح النووي
، تحقيق خليل مأمون شيجا ، دار المعرفة / بيروت ، 1422 هـ / 2001 م .

20 ـ العدّة في أُصـول الفقه
، لشيخ الطائفة محمّـد بن الحسن الطوسي ، تحقيق محمّـد رضا الأنصاري ، قم ، 1417 هـ .

21 ـ فرائد الأُصول
، للشيخ مرتضى الأنصاري ، تحقيق مجمع الفكر الإسلامي / قم ، 1419 هـ .

22 ـ فصل الخطاب في تفسير خبر العرض على الكتاب
، لمجد الدين المؤيّدي ، مجلّة علوم الحديث / طهران ، العدد 18 .

23 ـ الفوائد الحائرية
، للوحيد البهبهاني ، تحقيق ونشر مجمع الفكر الإسلامي / قم ، 1419 هـ .

24 ـ الكافي
، لثقة الإسلام الشيخ محمّـد بن يعقوب الكليني ، تحقيق علي أكبر الغفّاري ، دار الكتب الإسلامية / طهران ، 1388 هـ .

25 ـ كفاية الأُصول
، للآخوند الخراساني الشيخ محمّـد كاظم ، تحقيق مؤسّـسة آل البيت (عليهم السلام)
لإحياء التراث / قم ، 1409 هـ .

(136)

26 ـ لسان العرب
، لابن منظور محمّـد بن مكرّم ، مطبعة الجوائب / مصر 1300 هـ .

27 ـ المحاسـن
، للشيخ البرقي محمّـد بن خالد ، تحقيق السـيّد مهدي الرجائي ، المجمع العالمي لأهل البيت (عليهم السلام)
/ قم ، 1416 هـ .

28 ـ مختار الصحاح
، لمحمّـد بن أبي بكر بن عبـد القادر الرازي ، تحقيق أحمد شمس الدين ، دار الكتب العلمية / بيروت ، 1415 هـ / 1994 م ، ط 1 .

29 ـ مصباح الأُصـول
، ( تقريراً لبحث السـيّد الخوئي ) ، محمّـد سَرْوَر البهسودي ، مطبعة النجف ، 1386 هـ .

30 ـ معالم الدين وملاذ المجتهدين
، للحسن بن زين الدين العاملي ، تصحيح الشيخ علي محمّـدي ، دار الفكر / قم ، 1374 هـ .

31 ـ المقدّمة في علم الأُصـول
، لابن القصّار المالكي ، تحقيق محمّـد بن الحسين السليماني ، دار الغرب الإسلامي / بيروت ، 1996 م .

32 ـ نهج البلاغة
، جمع الشريف الرضي ، تحقيق صبحي الصالح ، دار الكتاب الإسلامي / بيروت ، 1980 م .

33 ـ وسائل الشيعة
، للحرّ العاملي ، محمّـد بن الحسن ، تحقيق ونشر مؤسّـسة آل البيت (عليهم السلام)
لإحياء التراث / قم ، 1416 هـ .

34 ـ وصول الأخيار إلى أُصول الأخبار
، للحسين بن عبـد الصمد العاملي ، تحقيق عبـد اللطيف الكوهكمري ، مجمع الذخائر الإسلامية / قم ، 1401 هـ .