شبكة الإمامين الحسنين عليهما السلام للتراث و الفکر الإسلامي

 

مجلة تراثنا العددان 81 و 82

العددان الأول و الثاني [81 و 82] السنة الحادية و العشرون / محّرم - جمادي الأولي 1426 هـ

--------------------------------------------------------------------------------

كلمة العـدد :

زمن الانحطاط الفكري

بسم الله الرحمن الرحيم

حينما يكون الدافع الأكبر لإبقاء الحياة رفيعة ، شريفة ، مهيبة ; هو الفكر ،الذي لولاه ما استحقّ الوجود عناية ، ولا سمت فحاويه باهماً فوق التراب ، ولكانت حياتنا كالخابية الفارغة ، ترنّ بدون تجاوب من خلف . .
حينما يُتغنّى بجـدّ في واقع الفكر ويُنعت هكذا ، بل ويوصف أنّه الوعي الأضخم والأغور ، الوعي الأبحّ في الطول والعرض والعمق ، ذلك الرفّاش الهائل الذي يجرف دفعةً كل هذا . .
فالمراد والمقصـود به الفكر الذي يتناول ما فات وما حضر وما هو آت من حياة الإنسان فرداً ومجتمعاً ، الفكر الذي يستقطب كل نواحي اللطيفة البشرية ، على أنّها وحـدة لا تتكسّر ، لا تتفرفط أقساماً ، لا تتجزّأ . ولمّا لم يزل يعني بمفهومه ومحتواه إلاّ النظرة الشاملة في الوجودين الأصغر والأكبر ، فهو الفكر العقائدي الذي بفضله تشرف الحياة ويتمندل برفعة وسـموّ ، من فوق . .

(8)

ولِمَ لا يكون إذاً ـ كما قيل ـ أقوى وأمضى سلاح على الإطلاق يملكه الإنسان في حربه مع المجهول ؟ ! فلولا أن يعمل الفكر ويتأمّل في السكينة لكنّا لا زلنا قابعين في غياهب المغاور . وهذا السلاح يصدأبالإهمال وقلّة الاستعمال ، أو بالاستعمال في الأغراض التي ليس لأجلها وُجد . ونحن عندما نكثر الكلام في توافه الاُمور إنّما نسدّ على الفكر المنافذ إلى جليلها ، فنعطلّه عن العمل المثمر بدلاً من أنّ نشحذه وندفعه ، ونحن إذنلهي الفكر بالقيل والقال فكأنّنا نسخّر العاصفة لنقل قشّة من هنا إلى هناك ، الصاعقة لقتل ذبابة أو بعوضة . ومثلما لا يتمّ الحمل ولا ينمو الجنين إلاّ في سكينة الأرحام وظلماتها ، كذلك لا يحبل الفكر بعظائم الاُمور إلاّ في سكينة الخلوات والتأمّلات .

وعليه ، فقد أصّلوا للفكر :

أنّه إذا جرى مجراه الطبيعي المستقيم أن يكون حواراً بين «لا» و«نعم»وما يتوسطهما من ظلال وأطياف ، فلا الرفض المطلق الأعمى يعدّ فكراً ولا القبول المطلق الأعمى يعدّ فكراً ، ففي الأوّل عناد الأطفال ، وفي الثاني طاعة العبيد . .

وأنّه ليس ترفاً يلهو به أصحابه ، بل مرتبطٌ بالمشكلات التي يحياها الناس حياةً يكتنفها العناء ، فيريدون لها حلاًّ .

وفكرنا الإسلامي يقال فيه :

إنّه يوجب على معتنقيه النظر والتبصّر والاعتبار بتقلّبات الزمن والبحث المستمرّ عن اتجاهات الحياة ، ومحاولة التحكّم فى سير الأشياء وفقاًلما تستدعيه مصلحة الإنسان الذي اُنزل لهذه الأرض كي يخلف الإله فيها بالعمارة والإصلاح . .

(9)

وهو الانتباه والحذر والحركة الدائبة والتجديد المستمرّ في الاُسلوب ، خصوصاً في الآلة النفسية التي تبعث على انتحاله ، وفي الحركة ولا سيّما في فهم العوامل الداخلية والخارجية التي تدعو إليها ، وهو أكثر من ذلك وازع الثورة على الخمود والاستنكار للجمود والامتلاء بروحانية العمل والكفاح للتمتّع بالحقّ والشعور بالعدل وتذوّق معاني الحرّية .

وتأسيساً على ذلك ، فكون الفكرة أصيلة حسنة جميلة موافقة للأنظمة الطبيعيّة ، تقود صاحبها إلى ذروة الفضائل ، ليست باطلة تافهة ولا مغايرٌمبدؤها لنواميس الوجود ; فكذا فكرة لا بدّ أن نلتمسها في القرآن وسنّة النبيّ والأئمّة الطاهرين(عليهم السلام) ، اُصول تعاليمنا وقيمنا ومفاهيمنا وتشريعاتنا ومعاملاتنا وأخلاقياتنا ، التي من خلالها نفهم العلاقة القائمة بين الخالق والخلق ، الكون والحياة والإنسان ، الإنسان ونفسه ، الفرد والجماعة ، الفرد والدولة ، الجماعات الإنسانية كافة ، الجيل والأجيال .

وحصيلة الأمر : أنّ الفكر التربوي والتربية الفكرية ، هما توأمان ينهلان من ثدي الايديولوجيا ذاتها .

فالفكر التربوي والتربية الفكرية عموماً يولدان من رحم العقيدة التي ينضويان تحت لوائها وينموان في أحضانها ويتأثّران بكلّ خصائصهاومقوماتها ، فهما مصداق من مصاديق هويتها وعنوانها .

ولو قلّبنا صفحات الفكر والتربية والتأريخ لوجدنا ـ مثلاً ـ في اليونان القديم وفي اسبارطة بالذات أنّه جرى التركيز على إعداد الإنسان القوي القادرعلى الدفاع عن الدين والدولة ، ممّا مثّل انعكاساً للايديولوجيا والعقيدة القائمة آنذلك .

وكذا أرسطو لمّا دعى إلى التدرّج في الإنشاء والإعداد ، حيث يبدأ

(10)

جسمياًثم خلقياً ثم فكرياً . .

أو المسيحية من خلال استخدامها مناهج عبر الكنيسة ، حيث اتجهت في القرن الرابع إلى انقاذ المجتمع الروماني من الأزمة المادّية الحادّة ، فكان التوجّه إلى الرهبنة والاعتكاف في صوامع فردية هي الصورة البارزة لوضع المجتمع آنذاك . .

بينما نرى الحركة المدرسية في القرن الحادي عشر بزعامة «توماآلاكويني» قد دعت إلى بناء الحياة العقلية ودراسة الفلسفة والمنطق وتعبئة الذهن البشري بأكبر ما يمكن من هذه المعارف ، مضافاً إلى غرس الرؤى الدينية في نفوس التلامذة . .

حتى قيل : وهذا التناقض والاضطراب والتأرجح في مناهج المسيحية يعني أنّها ـ كديانة ـ جاءت لمعالجة مشكلات محدودة زمنياً ، فهي غير قادرة إذن على استيعاب كلّ المستجدّات عبر تطوراتها الزمنية .

وجاء «جان جاك روسو» ليقول : لنترك الطبيعة تعمل عملها في خلق الشخصية ، بعد أن قسّم مراحل التنشئة إلى أربع مراحل .

ونرى المنهج الكلاسيكي يؤكّد على ضرورة تنمية العقل ونقل التراث ودراسة العلوم بوصفها علوماً ورعاية اُسس ثابتة وعامّة في التعليم .

ونلحظ في أحد الاتجاهات المعاصرة أنّه يصرّ على تجنّب العقاب كأداة في توجيه الإنسان وترشيده ; إذ إنّ هناك قوى أساسية تتحرّك ـ كالإرادةوالطاقة الشهوية ـ كي تستخدم العقل أساساً لتبرير معطياتها ، وبما أنّ حوافز الإرادة الأساسية لا يمكن تغييرها ، خاصّة في حالة انغمازها تحت الشعور في منطقة «اللاشعور» فإنّنا لا نستطيع حينئذ أن نحاسب الإنسان على أعماله وسلوكه ، وهذا يعني : أنّنا لا نعاقبه .

(11)

إنّ كلّ هذه المدارس والمناهج الفكرية والتربوية المشار إليها ـ وكذا غيرها ـ تمثّل في الواقع إفرازات وترشّحات عقائدية أثمرت وتجلّت بصور وأشكال وقوالب متفاوتة طبقاً لتفاوت الأنتماء الايديولوجي وتباينه مع الانتماءات الاُخرى .

ولا يشذّ الفكر التربوي والتربية الفكرية الإسلامية عن القاعدة العامّة المشار إليها . وإن تغايرت وتعارضت الرؤى والمناهج داخل البيت الكبيرفالأمر الأكثر أهمّيةً يكمن في تحليل الدراسات المختصّة الباحثة في الإسلام ـ فكراً وتربيةً ـ والتي نجدها ما بين دراسات مخلصة جادّة واُخرى تحريفية وثالثة مجحفة ورابعة ناقصة وهكذا ; ثم كيفية تناولها وفهمهالمصدريه الرئيسين في الفكر والتربية ـ القرآن والسنّة المباركة ـ اللذين يطرحان الإطار الفكري والتربوي الشامل المكّون للخلفية الايديولوجية لهما ، فالكتاب المجيد وقول المعصوم وفعله وتقريره هما منبعومصدر كل الرؤى والمناهج الإسلامية السليمة ، سواء على مستوى الفكروالتربية أو على مستوى الجوانب الاُخرى .

إنّ القرآن الكريم والسنّة الشريفة هما الضابط والميزان الذي به تأخذالفكرة الخاطئة المنحطّة طريقها إلى الهاوية ، فلا يجني المحتطبـحينئذـ في ظلام الأفكار بغياب سراج البصيرة سوى الخيبةوالفشل ; بينما تشقّ الفكرة الصحيحة طريقها متلألئةً شامخةً إلى سلالم المجد والفخر .

وفكرتنا التي تعني الإسلام الأصيل ـ فكراً وتربيةً ـ لا تخشى مساعي الحذف والتغييب والتشويه ، ولاتعدو لاهثةً خلف شعارات الحداثة والحرية و . . . الفارغة ، وذلك بوحي من الأصالة التي تعني التعامل

(12)

الواعي مع المحاولات والإثارات المذكورة ، آخذةً بعين الاعتبار منجزات الإنسانية الحديثة بلا سحق للقيم والمفاهيم الراسخة ولاتمرّغ على رمال الترف الفكري والميل الذاتي .

فنحن اُمّة لها كيانها الفكري والتربوي المتكامل المستوعب لعاملي الزمان والمكان كلّ الاستيعاب ، فلنا الاستحقاق الأوفر والأهلية الأتمّ كي ننقل الإنسان إلى مرافئ الأمان وقلل العزّ والكمال .

(كنتم خير اُمّة اُخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر) .

والحمد لله ربِّ العالمين وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين .

هيئة التحرير