شبكة الإمامين الحسنين عليهما السلام للتراث و الفکر الإسلامي

 

نُبـْذَةٌ مِنَ السِّـياسَـةِ الحُسَـيْنيّة

تأليف
العلاّمة الكبير
الشيخ محمّـد حُسـين كاشـف الغطاء
المتوفّى سنة 1373 هـ

تحقيـق
علي جلال باقر

مقـدّمة التحقيـق
الحمد لله الّذي لا إله إلاّ هو الحيّ القيّوم ، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين محمّـد (صلى الله عليه وآله وسلم) خاتم النبيّين ، وعلى أهل بيته الطيّبين الطاهرين ، واللعن الدائم على أعدائهم ومن والاهم أجمعين ، من الآن إلى قيام يوم الدين .
أمّـا بعـد ..
الحديث عن السياسة والسياسيّين بالمفهوم العام والمطلق وعلى مرّ العصور يعني الحديث عن تجاذبات ومشادّات واختلافات في وجهات النظر المتباينة بين هذا وذاك ، سواء بين جماعتين مختلفتين ، أو بين أنصار الجماعة الواحدة ، وذلك بسبب الاختلاف الحاصل في الآراء والأفكار والرؤى التي تتبنّاها كلّ جهة أو كلّ شخص .
ومن أجل أن يمرّر كلّ طرف سياسته الخاصّة ، أو يفرض آراءه ومعتقداته وأفكاره ، عليه أن يعتمد على مبدأ المناورة والتلاعب بالألفاظ ، وقد يصل الأمر أحياناً إلى حدّ التنازل عن القيم والمبادئ التي يؤمن بها ،

(299)

واعتماد مبدأ ( الغاية تبرّر الوسـيلة ) من أجل الوصول إلى ما يصبو إليه .
وقد نقل لنا التاريخ القديم والحديث كيف أنّ الّذين اشتغلوا بالأُمور السياسية والقضايا السلطوية كانت لهم أساليب وطرق نستطيع أن نعدّها غير شرعية ـ والمقصود بغير الشرعية هنا إمّا أن تكون مخالفة للشرائع السماوية ، أو للقوانين الوضعية المانعة لمثل هذه الأساليب ، وهذا ممّا يمكن القول عنه بالمصطلح الرياضي الحديث « الضرب تحت الحزام » ـ للوصول إلى المناصب العليا والتبختر ببهرج السلطة والصول .
وهذه السياسات المتّبعة للوصول إلى السلطة وسدّة الحكم تدفع بالفرد إلى التشـبّث بها والاسـتماتة من أجلهـا ولو كان الثمن هو تحوّله إلى دكتاتور ومجرم وقاتل للنفس المحترمة ومرتكب لكلّ كبيرة ، كما فعل ملوك بني أُميّة وبني العبّاس .
فهذا يزيد بن معاوية ارتكب أبشع الجرائم ، واستباح كلّ محرّم ، من أجل الحفاظ على تركة أبيه وسلطانه ، والجلوس مجلسه ، وهذا هارون الرشيد الخليفة العبّاسي يقول لابنه وفلذة كبده : « والله لو نازعتني الملك لأخذت الذي فيه عيناك ، فإنّ الملك عقيم » (1) .
وعصرنا الحاضر مليء بمثل هذه الأُمور ، فمعظم الثورات والانقلابات ـ إنْ لم نقل كلّها ـ التي تحدث هنا وهناك من أنحاء العالم ، وبالأخصّ عالمنا العربي والإسلامي ، قوامها القتل والتدمير والعنف وسفك الدماء وإزالة الخصوم والمعارضين لهم بشـتّى الوسائل .
فكلّ الأُمور التي ذكرناها هي ضمن سلوك وسياسة أُناس عاديّين
ـــــــــــــــــ

(1) انظر : الاحتجاج 2 / 166 ، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2 / 86 .

(300)

تتحكّم فيهم الأهواء ، انطلاقاً من الأنانية ، تؤثّر فيهم المطامع الدنيوية والمصالح الشخصية ، وهوى النفس .
أمّا عندما يكون الحديث عن سـياسـة وسلوك رجل مثل الإمام الحسـين (عليه السلام) ، الذي عصمه الله تعالى من كلّ خطأ وزلل ، بنصوص قرآنية وأحاديث نبويّة شـريفة لا تكاد تخفى على ذوي العقول النيّرة والضمائر الحيّة البعيدة عن التعصّب الجاهلي ، فالأمر يكون مختلفاً تماماً .
فالإمام الحسـين (عليه السلام) ليسـت السلطة مبتغاه ، ولا الحكم غاية مناه ، فهو كالكعبة يؤتى ولا يأتي ، وأفعاله لا تكون انعكاساً لنزواته وشـهواته الدنيوية وأهوائه ، أو طبقاً لدوافع عاطفية أو عشـائرية ناتجة عن خلاف بينه وبين بني أُميّة ، أو غيرهم ; فإنّ كلّ هـذه الأُمـور لا تعني عند الإمـام الحسـين (عليه السلام) شـيئاً ، وإنّ ما يعنيه هو :
1 ـ موقفه الشـرعي من بني أُميّة الّذين تسـلّقوا إلى قمّة السـلطة ، وتربّعوا على كرسـي الحكم ، واتّخذوا عباد الله خولا ، ومال الله دولا ، دون أن يكونوا أهلا لقيادة هذه الأُمّة .
أضف إلى ذلك علمه سـلام الله عليه بمدى أثر هذا الأمر على جـدّه رسـول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، الذي لم يُـرَ مبتسـماً بعد أن أراه الله عزّ وجلّ نَزوَ بني أُميّة على منبره نَزوَ القردة (1) .
2 ـ خوفه على مستقبل الإسلام وشريعة جدّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، هذه الشريعة التي أصبحت عرضـةً للتحريف والتزييف من قبل حكّـام الجور والظلم ،
ـــــــــــــــــ

(1) انظر تفسير قوله تعالى : ( وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلاّ فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ) ، سورة الإسراء 17 : 60 ، في تفاسـير الفريقين .

(301)

ولا سيّما بني أُميّة ، هذه الشريعة التي ضحّى من أجل تثبيت دعائمها جدّه وأبوه وأخوه ، روحي وأرواح العالمين لهم الفداء ، فقد قال (عليه السلام) في وصيّته لأخيه محمّـد بن الحنفيّـة حين أراد الخروج من المدينة :
« ... وأنّـي لـم أخـرج أشـراً ولا بـطـراً ، ولا مـفـسـداً ولا ظالماً ، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أُمّة جدّي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، أُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر ، وأسـير بسيرة جدّي وأبي عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ، فمَن قبلني بقبول الحقّ فالله أَوْلى بالحقّ ، ومَن ردَّ علَيَّ هذا أصبر حتّى يقضي الله بيني وبين القوم وهو خير الحاكمين » (1) .
ومن هنا ، فإنّ سـياسـة الإمام (عليه السلام) كانت مدروسـة بدقّة ، وخطواته كانت بأوامر إلهيّة ، فهو ممّن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، إذ قال سـلام الله عليه ، عندما حـاول بعضهـم أن يثنيه عن المسـير ـ وذلك لقصـور أفكارهم وعدم إدراكهم مقاصده السـامية ـ أو الخروج والمسـير دون أخذ العيال والنسـاء معه ، قال : « إنّ الله شـاء ذلك ، وجدّي أمرني به » ، وقال (عليه السلام) مبرّراً لأخذه العيال معه : « إنّ الله شـاء أن يراهنّ سـبايا » .
فتشـكيك المشـكّكين بسـياسـة الإمام (عليه السلام) ما هو إلاّ وجهات نظر ضـيّقة لا تتعدّى كونها من أشـخاص ينظرون إلى الإمام (عليه السلام) كنظرتهم لأيّ قائد عسكري فاشل ، لم يحسب لمعركته مع يزيد بن معاوية الحسابات الدقيقة والصحيحة ، دون النظر إلى عصمته ومنزلته ومكانته الإلهيّـة .
أو مـن أشـخاص يحاولـون تبرير ما قـام به حكّـام بني أُميّـة من تدمير للمبادئ وللقيم السـماوية ومكـارم الأخـلاق التي بُعِثَ النبيّ
ـــــــــــــــــ

(1) بحار الأنوار 44 / 329 ـ 330 .

(302)

المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) ليتمّمها ، وضحّى من أجلها ولده وريحانته الحسين (عليه السلام) .
وبسبب هذه الأفكار القاصرة والرؤى الضيّقة ترانا نسمع بين حين وآخر تسـاؤلات لا ترقى إلى مسـتوى تضحية الإمام الحسـين (عليه السلام) ، تسـاؤلات لو فكّر بها أصحابها بعيداً عن التعصّب والهوى لكانوا قد وفّروا على أنفسهم عناء البحث عن أجوبة مقنعة لها ; لأنّ للإمام الحسـين (عليه السلام)سياسة واضحة كوضوح الشمس ، لا تحتاج إلى مزيد من التفكير للوصول إلى مغزاها ..
فهو (عليه السلام) لم يسـتخدم وسـائل غير شـرعية ولا أسـلحة محرّمة دولياً في حربه من أجل الدفاع عن شريعة جدّه ، بل اسـتخدم سـلاح التضحية بالنفس ـ والجود بالنفس أقصى غاية الجود ـ والأولاد والأموال من أجل رفع كلمة الإسـلام وجعلها هي العليا ، ودحض كلمة الباطل المتمثّلة بيزيد وأعوانه وجعلها هي السـفلى .
ومن بين الّذين وقفوا في وجه هؤلاء المشـكّكين ـ بالأدلّة والبراهين القاطعة ـ الشـيخ كاشـف الغطاء (قدس سره) ، الذي عُرف بمواقفه العظيمة في الدفاع عن مذهب ونهج أهل البيت (عليهم السلام) ، من خلال قلمه السـيّال ، الّذي ما انفكّ يردّ المشـكّكين وأصحاب العقول المتحجّرة .
فكانت هذه الرسالة التي بين أيدينا من جملة رسائله التي سارع فيها للدفاع عن حقيقة السياسة الحسينية ، هذه الحقيقة التي حاولت يد الغدر والخيانة ـ من أصحاب الأقلام المأجورة من قبل ملوك بني أُميّة وبني العبّاس ، ومَن لفّ لفّهم ، وإلى يومنا هذا ـ تشويهها وطمس معالمها ، لكي لا يتسنّى للناس معرفة مقدار التضحية العظيمة التي ضحّى بها الإمام الحسين (عليه السلام) من أجل الحفاظ على بيضة الإسلام ، ولكي لا يطّلع الناس

(303)

على سوءات بني أُميّة .
ونتيجةً لهذه المحاولات الدنيئة نرى أنّ بعض ضعاف النفوس أخذوا يتخبّطون في وصفهم لقيام الإمام الحسين (عليه السلام) .. فمنهم من جعلها خروجاً عن طاعة الإمام ، حتّى ولو كان هذا الإمام جائراً وفاسـقاً وفاجراً .
ومنهم من جعلها إلقاءً للنفس بالتهلكة ; لأنّه كيف لمثل الحسـين وأنصاره الّذين لا يتجاوزون السـبعين نفراً أن ينتصروا على يزيد وجيش يزيد البالغ ـ على رأي المقلّين ـ 18 ألف نفر .
ومنهم من جعلها صراعاً على السـلطة بين بني هاشـم وبين بني أُميّة ; لذا لا ينبغي التدخّل في صراع نشـب بين أبناء العمومة .
فجاءت هذه الرسالة لتضع حـدّاً لهذه الشكوك ، ولتزيل الغشاوة عن أعين الناظرين إلى السياسة الحسينية ، هذه السياسة التي أصبحت منهجاً لكلّ ثوار العالم الّذين يرفضون الخضوع للظلم والظالمين على مرّ العصور والقرون .

(304)

ترجمـة المؤلّـف (1)
هو : الشيخ محمّـد حسـين بن الشـيخ علي بن محمّـد رضا بن موسى بن الشيخ جعفر ـ صاحب « كشف الغطاء » ـ ابن الشيخ خضر بن يحيى ، الذي يرجع نسبه إلى مالك الأشـتر ، وهو من خاصّة أمير المؤمنين الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) .
وُلد في النجف الأشرف في العراق سنة 1294 هـ ، الموافق 1877 م .
بدأ دارسـاً المقدّمات ـ من نحو ، صرف ، بلاغة ، ومنطق ـ على أساتذة هذه العلوم يومذاك في المساجد والمدارس الحاشدة بالجموع الغفيرة من روّاد العلم على اختلاف قومياتهم ، فقد كانت النجف الأشرف مصدر إشعاع علمي تشدّ لـه الرحـال من أقطـار نائية ، وبدأ يتقـدّم في هذا الميدان وكأنّه في حلبة سباق يطمح أن يحوز على قصب السبق ، وأنهى هذه العلوم في مدّة زمنية قياسية قلّ نظيرها ، وأصبح مؤهّلا بعد اجتيازه لهذه العلوم ـ المقدّمات ـ أن يرقى إلى علم الأُصول الذي هو ـ في الحقيقة ـ الجهاز الذي من خلاله يستنبط الفقيه فتاواه لتحديد سلوك مقلّديه وفق الشريعة الإسلامية .
درس الفقه على فقيهين كبيرين يشهد لهما القاصي والداني بغزارة علمهما ، وهما : الملاّ رضا الهمداني والسيّد محمّد كاظم اليزدي ، وتتلمذ
ـــــــــــــــــ

(1) انظر ترجمة الشـيخ مفصّلا في : مقدّمة جنّة المأوى ، ومقدّمة المراجعات الريحانية ، والعبقات العنبرية في طبقات الجعفرية ، وشـعراء الغريّ ، ومصادر كـثيرة أُخـرى .

(305)

في الأُصول على الملاّ محمّد كاظم الخراساني ، صاحب « كفاية الأُصول » ، الذي هو بدوره صاحب مدرسة أُصوليّـة .
وافته المنية يوم الاثنين 18 ذي القعدة 1373 هـ ، الموافق 1954 م ، في إيران ، في مدينة ( كرند ) التي سافر إليها وهو يحمل معه آلام المرض ، وحُمل جثمانه من إيران إلى مدينة النجف الأشرف حيث وادي السلام ( مقبرة النجف الأشرف ) ، ودُفن في قبره الذي أعدّه لنفسه عندما شعر بدنوّ أجله وقرب سـاعته .
وأرّخ وفاتـه الشيخ علي البازي قائلا :
مدينةُ العلم بكتْ قطـبَـها الحجّة العظمى ، مثال التقى ( أبا حليم ) كيف يجدي البُـكا الدينُ قد أصبح ينعاك والأيّام قد فقدت خيرة تأريخها ومَن إلى الإسلام إنسان عين فقيه شرع ، شافع النشأتين عليك والنوح وصفق اليدين ؟! التي بها انجلى كلّ رين ( وافتقدت فيك الإمام الحسين )
منهجيّة التحقيق :
اعتمدت في تحقيق هذه الرسالة على النسخة المطبوعة في قم ، الصادرة عن دار الكتاب للطباعة والنشر ، والمطبوعة بالأُوفسـيت على نسخة الكتاب الصادرة عن المطبعة الحيدرية في النجف عام 1368 هـ ،

(306)

واقتصرتُ في ذلك على الخطوات التاليـة :
1 ـ ضبط النصّ ، من حيث التقطيع والتوزيع والتصحيح .
2 ـ تصحيح الأخطاء المطبعيّة والإملائية الواضحة دون الإشارة إليها .
3 ـ اسـتخراج الآيات القرآنية .
4 ـ اسـتخراج النصوص والأقوال الأُخرى الواردة في الرسالة من المصادر المنقولة عنها مباشرة أو بالواسطة ، وقد اقتصرت فيها على ذِكرِ بعضِ أهمّ المصـادر المخـرِّجـة لها ; إذ لو أردنـا التوسّـع في ذِكر المصـادر لخرج بنا المقام عن هدف الرسالة المؤلّفة لأجله ، والتفصيل موكول إلى مظانّـه ممّـا أُلّـفَ في خصـوص منهج وسـياسـة الإمـام أبي عبـد الله الحسـين (عليه السلام) .
4 ـ اسـتخراج الأبيات الشعرية التي وردت في الرسالة ، مع ترجمة مختصرة لقائلها .
5 ـ التعريف ببعض الأعلام والوقائع المذكورة في الرسـالة .
6 ـ توضيح المطالب المهمّـة ، بشـرحها والتعليق عليها ، أو إحالتها على مصادرها الأصلية .
7 ـ شرح معاني الكلمات الغامضة والغريبة .
8 ـ أدرجتُ عدّة عناوين لتوضيح رؤوس المطالب ووضعتها بين العضادتين [ ] .
9 ـ ألحقتُ بأصل رسالتنا هذه رسـالةً صـغيرةً كانت قد وردت إلى الشـيخ محمّـد حسين آل كاشـف الغطاء (قدس سره) من مدينة مشـيغن في أمريكا ،

(307)

بتاريخ شهر ربيع الآخر سـنة 1358 هـ ، من المدعوّ عبـد الله برّي ، وردّ الشيخ (قدس سره) عليها ، الذي كتبه بتاريخ 27 ربيع الآخر سـنة 1358 هـ ; المنشورين في كتابه « جنّة المأوى » ; لصلتهما الوثيقة بموضوع رسالتنا ، إتماماً للفائـدة .
10 ـ أبقيتُ على الهوامش التي أدرجها الشيخ كاشف الغطاء والسـيّد القاضي الطباطبائي (1) ، وألحقت بالأُولى جملة « منـه (قدس سره) » ، وأضفت إليها التخريجات الجديدة وفق المصـادر التي اعتمدتها في التحقيق ، وجعلتهـا بين العضـادتين [ ] .
ـــــــــــــــــ

(1) هو : السـيّد محمّـد علي القاضي الطبـاطبائي التبـريزي ، وُلد في تبريز سـنة 1331 هـ ، عالم فاضل ، درس المقدّمات في تبريز عند والده السـيّد محمّـد القاضي وعمّه السـيّد أسـد الله القاضي وغيرهما من أسـاتذة الحوزة العلمية هناك ، ثمّ سافر إلى مدينة قمّ المقدّسـة سنة 1357 هـ ، فأخـذ عن علمائها حتّى مرحلة البحث الخارج ، وفي سنة 1369 هـ وبعد أن أكمل مرحلة السطوح شـدّ الرحال إلى مدينة جـدّه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ، إلى حيث القبّة التي يرقد تحتها باب مدينة علم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، إلى النجف الأشرف ، للاغتراف من نمير علمائها ، والارتشاف من مناهل فطاحلها ، ثمّ عاد إلى مدينته تبريز سنة 1372 هـ بعد أن حاز على درجة الاجتهاد ، واتّجه نحو التأليف والتحقيق وإقامة صلاة الجماعة مع أداء واجباته الدينية الأُخـرى .
له مؤلّفات عديدة ، منها : كتاب في علم الكلام ، أجوبة الشبهات الواهية ، رسالة في إثبات وجود الإمام (عليه السلام) في كلّ زمان ، عائلة عبـد الوهّاب ، حديقة الصالحين .
ومن أعماله : جمع وترتيب كتاب « جنّة المأوى » لأُستاذه الشيخ محمّـد حسـين آل كاشف الغطاء ، مع إضافة بعض البحوث العلميّة والتاريخية والتعليقات النافعة إليه ، وسـعى في طبعه ونشـره لأوّل مرّة في تبريز .
اسـتـشـهد (قدس سره) في تبريز في 11 ذي الحجّة 1399 هـ .

(308)

وفي الختـام :
أُسدي جزيل شكري إلى كلّ من أسهم وأعان في نشر هذه الرسـالة إلى الملأ العلمي ، ولا سـيّما الأخ الشيخ علاء السعيدي ، الذي لفت نظري إلى هذه الرسالة القيّمة وضرورة تحقيقها ونشرها ، وإلى سماحة العلاّمة السـيّد عليّ الخراساني لِما أتحفني به من ملحوظاته النافعة ، وإلى الأخ المحقّق السـيّد محمّـد علي الحكيم ، الذي أعانني في إبراز الرسالة بما يليق بهـا .
ولا يفوتني أن أشكر هيئة تحرير مجلّة « تراثنـا » لِما بذلوه في هذا المجـال ..
داعياً المولى العليّ القدير أن يوفّـقنا جميعـاً لِما فيه خدمة المذهب الحقّ مذهب أهـل البيت (عليهم السلام) وبثّ علومهم ونشرها ، إنّه نِعم المولى والمجيـب ، وآخـر دعوانا أنِ ..
« اللّهمّ كن لوليّك الحجّة بن الحسن ، صلواتك عليه وعلى آبائه ، في هذه الساعة ، وفي كلّ ساعة ، ولـيّـاً وحافظاً ، وقائداً وناصراً ، ودليلا وعيناً ، حتّى تسكنه أرضك طوعاً ، وتمتّعه فيها طويـلا » .
والحمـد لله أوّلا وآخـراً ، وصلّى الله على سـيّدنا محمّـد وآله الطـيّبين الطاهرين المعصومين المنتجبين ، وسلّم تسليماً كـثيراً .
علي جلال باقر الداقوقي

(309)

[ كـتاب الشـيخ عبـد المهدي مطر (1) ]
دفع إليَّ (2) حضرة الإمام الحجّة ـ والدي ـ دامت بركاته كـتاباً كان قد ورد إليه ، هذا نصّه :
من الناصرية ، 20 شـوّال سـنة 1348 هـ .
سـيّدي حجّة الإسـلام ، ومرجع الأنام ، آية الله الشـيخ محمّـد حسـين كاشـف الغطاء مُـدّ ظلّه .
إنّ بعض المواضيع التي ليسـت بذات أهمّية ربّما تعرض عليها عوارض التشـكيك وطوارئ النقد فتكون أهمّ نقطة يوجه إليها السـؤال ، فالعفو إن كان السـؤال هذا شـيء من الركّة في البصيرة ، أو الضعف في العارضة ، إذا كانت الظروف قد طوّرته إلى هذا الحدّ .
ـــــــــــــــــ

(1) هو الشـيخ عبد المهدي بن عبد الحسـين مطر ، وُلد سـنة 1318 هـ ، شيخ من شيوح الأدب والشعر ، وعالم حاز المرتبة العليا في الفقه ، له مصنّفات كثيرة ، منها : تقريب الوصول ، ذكرى عَلمين من آل مطر ـ وفيه نسبه الكامل ـ ، تقريرات المرجع الأكبر السيّد أبو القاسم الخوئي ، دراسات في قواعد اللغة العربية ، وله كتاب في الدراية والكلام ، وله ديوان مخطوط ومرتّب على حروف الهجاء نشرت الصحف أكـثره .
أقام فترة من الزمن في النجف الأشرف وكان من خيرة أساتذة كلّية الفقه ، توفّي سـنة 1975 م . انظر : أدب الطفّ 10 / 292 .
(2) المتحدّث هو : الشيخ عبـد الحليم ابن الشيخ محمّـد حسين كاشف الغطاء .

(310)

مولاي ! يسـأل المشـكّـك أو الناقـد عمّـا إذا كـان الحسـين (عليه السلام)عالماً بقتله في خروجه إلى ( كربلاء ) وسـبي عياله ، فقد عرَّضَ بعِرْضِهِ إلى الهتك ، وليـس في تعريضه هذا شـيء من الحسـن العقلي المعنوي يوازي قبح الهتك ، وكُـنْتُ قد أجبتُ : أنّ الهتك فيه مزيد شـناعة لأعمال الأُمويّين لم تكن تحصل بقتل الحسين (عليه السلام) فحسـب ، وكانت الغاية للحسين (عليه السلام)في خروجه إطفاء نائرة الأُمويّين ، والبروز في المظلومين بكلّ مظاهرها ، من قتل ، وحرق ، وسـبي .
غير أنّ المشـكّك لم يقنع أن تكون وسـائل الإطفاء قد قلّت على الحسـين (عليه السلام) وهو بذلك المظهر الديني ، حتّى احتاج إلى عرض عائلته على الهتك .
فالأمل أن تفيضوا علينا من فيوضات أنواركم وجليّ بيانكم ; ليقف المشـكّك والناقد على صراط الاعتقاد .
خادمكم
عبـد المهدي

(311)

[ جواب الشـيخ عبـد الحليم كاشف الغطاء ]
وعلمـت أنّ هـذا الكـتاب من الفاضل الأديـب الشـيخ عبـد المهدي مطر دام فضله ، وبعد أن اسـتوفيته بالنظر أمرني الوالد أن أكـتب في هذا الموضوع جواباً على ذلك السـؤال ، وأن أعتمد على نفسـي بدون الاسـتعانة بكاتب أو كـتاب إلاّ ما يقضي به التاريخ ، فكـتبت ما يلي :
الشـكّ علّة البدع ، ومنشـأ الفسـاد ، واختلاف العقائد ، ما من أمر إلاّ معرض له (1) ، كـثيراً ما يطرأ على فكر المرء فيغيّر مجراه ويفسـد عليه معتقده ، حتّى من البعيد أن يخلو منه امرؤٌ في هذه الحياة الدنيا ; لذلك من الصالح للمرء إزالته بأن ينظر فيه من هو أحصف عقلا ، وأثبت رأياً ، وأسـمى فكراً .
ومن تلك التي تلاعبت دول الشـكّ في أسـبابها ، وكـثر اللغط بها : هي الواقعة الشـهيرة ، وحقّـاً إنّها الواقعـة ، جلّـت وعظمت (2) ، وبالحـريّ أن تداولتها الشـكوك ، وتلاعبت بها الأفكار ، وشـخصت إليها الأنظار .
والآن فلنـداول فكـرنا فيـها إجابة للطلب ، وإن كـنّا لسـنا من أصحـاب الأفكار السـامية والآراء الثاقبة ، لكنّ الفكر يظهر من الردّ والبدل على نتيجـة ناجعة .
فنقول : إنّا إذا نظرنا إلى تاريخ الحروب والوقائع نرى :
ـــــــــــــــــ

(1) كذا في الأصـل ، ولعلّ الأقرب إلى الصـواب : ما من امرئ إلاّ معرّضٌ له ، أو ما من أمر إلاّ عرضةً له ، أي : عرضةً للشكّ .
(2) أي واقعة الطفّ الأليمة في كربلاء ، في عاشوراء سـنة 61 هـ .

(312)

منها ما ظهر باسـم الحقّ والواجب الديني ، وهي التي تقع بين منتحلي الأديان والفرق وأصحاب الحقوق والسـيادة ، وهي محلّ البحث ومجال النظر .
ومنها ما ظهر بمظهر حربي سـياسـي صرف ، وهي الحروب السـياسـية التي تقع بين الأُمم .
وبما أنّ واقعة الطفّ واقعة مذهبية داخلية ظهرت باسـم الحقّ والواجب الديني ، لا يمكن الغور في البحث عنها إلاّ بعد أن نبيّن ذاتية الحسـين (عليه السلام) من الجهة الدينية عندنا ، ونجعلها مقياس البحث .
فالمعتقد فيها أنّها ذاتٌ مقدّسـةٌ لا يعتبر بها الخطأ والزلل ، تَعْلَمُ بالمغيّبات قبل وقوعها بإذن الله ، وهذا الاعتقاد هو داعي البحث ومجلس الشـك .
فالحسـين (عليه السلام) كما كان عالماً بقتله في خروجه ، كذلك كان عالماً بقتله في بقائه ; إذ من المعلوم ما للأُمويّين من الضغائن والأحقاد القديمة على بني هاشـم ، فهم يتطلّبون أدنى حجّـة وفرصة للفتك بهم .
فيزيد (1) الجائر لمّا رأى ما للعلويّين من التعصّب والتصلّب عليه ،
ـــــــــــــــــ

(1) هو يزيد بن معاوية بن أبي سفيان ، وُلد سنة 22 وقيل سنة 27 هجرية ، ثاني ملوك الدولة الأُموية ، ترعرع في تدمر فنشأ نشأة بدوية ، وكان دائم الشغل بالصيد والعبث واللهو والشراب ، يدخل المغنّين إلى قصر معاوية « الخضراء » في جوف الليل مع علم معاوية .
أُمّه : ميسون بنت بحدل بن حنيف الكلبية ، و « كلب » قبيلة كانت نصرانية ، أسلمت بعد الفتح الإسلامي للشام .
كان يزيد أوّل من سنّ الملاهي في الإسلام ، وآوى المغنّين ، وأظهر الفسق وشرب الخمر ، وكان ينادم عليها جون ـ مولاه ـ والأخطل الشاعر ، وظهر الغناء

(313)

تأهّب للانتقام ، فأوصى جميع ولاته وعمّاله بالحسـين (عليه السلام) شـرّاً حتّى ولو وجد [ متعلِّقاً ] في أسـتار الكعبة ، لكنّ لين العمّال وتردّدهم في اقتحام مهلكة جهنّمية كهذه ممّا أمهل الحسـين (عليه السلام) أن يصل كربلاء ، ولذلك ترى يزيداً أكْثَرَ من عزل الولاة والعمّال أيّام الحسـين (عليه السلام) ، وأنّ الحسين خاطر الموت قبل أن يصل كربلاء مرّتين ولكنّ قضاء الله حال دون ذلـك :
أوّلا : في المدينة ، وذلك أنّ خـالد بن الحكم أو الوليد بن عتبة (1)
بمكّة والمدينة في أيّامه ، وأظهر الناس شرب الشراب ، وكان يفعل فعل المجوس من نكح الأُمهات والمحارم ، ويتّخذ الغلمان والقيان .
ذكـر المؤرّخون أنّـه أمر مسـلم بن عقبـة باسـتباحة المدينـة ثلاثـة أيّـام في وقعة الحرّة ، وقتل أهلها الأبرياء من أطفال ونسـاء وشـيوخ وحتّى بقيّـة صحابة رسـول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) .
وأمر أيضاً الحصين بن نمير بإحراق الكعبة بالمنجنيق ورميها بالنار والحجارة حتّى هدّمت وأُحرقت البنية .
إضافة إلى كلّ هذه الأفعال الشنيعة ، فإنّه ارتكب جريمة يندى لها جبين البشرية ووجه التاريخ إلى يوم القيامة ، ألا وهي جريمة قتل سبط النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وسيّد شباب أهل الجنّة الإمام الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) وأخذ عياله ونسائه سبايا ، فهذه الجريمة النكراء هي وحدها كافية بأن تخرج يزيد اللعين من الدين والملّة .
انظر : الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ 4 / 212 ، أنساب الأشراف 5 / 299 ـ 376 ، الإمامة والسياسة 1 / 234 ـ 239 و ج 2 / 5 ـ 17 ، تاريخ اليعقوبي 2 / 154 ـ 168 ، تاريخ الطبري 5 / 623 ، الفتوح ـ لابن أعثم ـ 3 / 180 ـ 188 ، البدء والتاريخ 2 / 241 ـ 244 ، العقد الفريد 3 / 362 ، مروج الذهب 3 / 67 ـ 72 ، الأغاني 8 / 336 ، البداية والنهاية 8 / 181 ـ 189 . وللمزيد من التفصيل راجع : كتاب « يزيد في محكمة التاريخ » لجواد القزويني .

ـــــــــــــــــ
(1) الصحيح هو : الوليد بن عتبة بن أبي سفيان ، ولاّه معاوية على المدينة سنة 58 بعد أن عزل عنها مروان .
بعث له يزيد بن معاوية رسالة يطلب فيها منه أن يأخذ البيعة له من الإمام

(314)

والي المدينـة أرسـل إلى الحسـين وابن الزبير رسـولا ، فذهبا معاً إليه ، وكان عنده مروان بن الحكم ، فقالا للحسـين (عليه السلام) : بايـع !
فقال : « لا خير في بيعة سـرّاً ... » إلى آخـره .
فقال مروان : أُشـدد يدك يا رجل فلا يخرج حتّى يبايعك ، فإن أبى فاضرب عنقه .
وقال الزبير : قد علمت أنّا كنّا قد أبينا البيعة إذ دعانا إليها معاوية وفي نفسـه علينا ما لا نجهله ، ومتى ما نبايعك ليلا على هذه الحالة ترى أنّك قد أغصبتنا على أنفسـنا ، دعنا حتّى نصبح وتدعو الناس إلى البيعة فنأتيك ونبايعك بيعة سـليمة ، ولم يزالا به حتّى خلّى عنهما وخرجا .
فقال مروان : تركـتهما ؟! والله لن تظفر بمثلها منهما أبداً !
فقال : ويحك ! أتشـير علَيَّ أن أقتل الحسـين ؟! فوالله ما يسـرّني أنّ لي الدنيا وما فيها ، وما أحسـب أنّ قاتله يلقى الله بدمه إلاّ خفيف الميزان يوم القيامة .
فقال مروان مستهزئاً : إن كنت إنّما تركت ذلك لذلك فقد أصبت (1) .
وعلى أثر ذلك عزل خالد ، أو الوليد (2) .
أبي عبـد الله الحسـين (عليه السلام) بعد هلاك أبيه .
انظر : تاريخ الطبري 3 / 252 ، تاريخ اليعقوبي 2 / 154 ، الكامل في التاريخ 3 / 377 .

ـــــــــــــــــ
(1) انظر : تاريخ خليفة بن خيّاط : 177 ، أنساب الأشراف 5 / 313 ـ 317 ، تاريخ الطبري 3 / 269 ـ 270 ، مقتل الحسين ـ لابن أعثم الكوفي ـ : 15 ـ 20 ، مقتل الحسين ـ للخوارزمي ـ 1 / 268 ، البداية والنهاية 8 / 118 ، تاريخ ابن خلدون 3 / 24 ، الملهوف على قتلى الطفوف : 96 ـ 98 .
(2) الصحيح هو : الوليد ، كما سـبق أن أشرنا ، وقد عزله يزيد عن المدينة وولّى بدلا

(315)

ثانياً : لمّـا صـادف (عليه السلام) الحـرّ الرياحـي وعارضـه ، وقـال لـه الحسـين (عليه السلام) : « ثكلتك أُمّـك ... » إلى آخـره (1) .
ومـا ذكـرنا ذلك إلاّ ليطّـلع الناقـد على تشـدّد يزيـد في طلب الحسـين (عليه السلام) ، وأن لا بُـدّ من قتله ما دام ممتنعاً !
وبما أنّ القتل كان عنـد العـرب أمـراً هيّـناً لا أثـر لـه في نفوسـهم ، آثر الحسـين (عليه السلام) القتل في خروجه مع الهتك ، لِما له من التأثير العظيم على نفوس العرب ، ومن العاقبة الوخيمة على بني أُميّة ، حذراً من أن يقتل في حـرم جدّه ، ويذهب دمـه هـدراً بلا تأثير عظيـم على العالـم الإسـلامي ، ولا الحصـول على شـرف خالد يسـتحقّ تمام الإعظام للعلويّين ، أو الحصـول به على أتباع يتظلّمون لهم ويتطلّبون بحقوقـهم (2) .
عنه عمرو بن سعيد الأشدق .
انظـر : تاريخ الطبـري 3 / 304 حـوادث سـنة 60 هـ ، الكامل في التاريـخ 3 / 380 حوادث سـنة 60 هـ ، تاريخ ابن خلدون 3 / 25 حوادث سـنة 60 هـ .

ـــــــــــــــــ
(1) انظر تفصيل الحوار الذي دار بين الإمـام أبي عبـد الله الحسـين (عليه السلام) وبين الحرّ بن يزيد الرياحي في :
تاريخ الطبـري 3 / 305 ـ 306 حوادث سـنة 61 هـ ، مقـتل الحسـيـن ـ لابن أعثم ـ : 89 ـ 96 ، مقتل الحسـين ـ للخوارزمي ـ 1 / 329 ـ 333 .
(2) لقد أورد ابن عساكر حديثاً أحببت أن أذكره هنا لمناسبته للمقام ، قال :
وأنا موسى بن إسماعيل ، نا جعفر بن سليمان ، عن يزيد الرشك ، قال : حدّثني من شافه الحسين ، قال : رأيت أبنية مضروبة بفلاة من الأرض ، فقلت : لمن هذه ؟ قالوا : هذه لحسين . قال : فأتيته فإذا شيخ يقرأ القرآن ، قال : والدموع تسيل على خدّيه ولحيته ، قال : قلت : بأبي وأُمّي يا بن رسول الله ! ما أنزلك هذه البلاد والفلاة التي ليس بها أحـد ؟!
فقال : هذه كتب أهل الكوفة إليَّ ، ولا أراهم إلاّ قاتلي ، فإذا فعلوا ذلك لم يدعوا لله حرمة إلاّ انتهكوها ، فيسلّط الله عليهم من يذلّهم ، حتّى يكونوا أذلّ من فرم

(316)

وأمّا ما قلت من أنّه ليس هناك حسـن معنوي يوازي قبح الهتك ..
فهل هناك حسـن معنوي أكبر من تلك المحاسـن التي تقدّمت ، من شـرف خالد ، وإظهار مظلوميّته ، والحصول على أتباع ، إلى غير ذلك ؟ ! والهتك ـ وإن كان قبيحاً في حدّ ذاته ـ لم يظهر هنا للعالم بمظهر القبح ، بل ظهر بمظهر المظلومية .
وأمّـا مـا قلـت : إنّ وسـائل الإطـفاء لـم تـك قـد قلّـت على الحسـين (عليه السلام) ..
فذلك صحيح ، لم تك قد قلّت عليه ، لكنّ تلك الوسـائل لا تلبث أن يتلاشـى أثرها بزوال الحسـين كأن لم تك شـيئاً ; فإنّا إذا نظرنا إلى الوسـائل التي يتّخذها الثائر بحدّها تنحصر :
أوّلا : بوسـيلة سـياسـية ; دعايةً تكون في بادئ أمرها سـلمية تجعل الأُمّة تسـتفزّ من تلك الدولة حتّى تثور عليها ، وذلك بأن تنشـر بينها مثالب تاريخ تلك الدولة وفظائع أعمالها ، وهذه لا تكون إلاّ بعد مضيّ مدّة من الزمن على الدولة ، حتّى تتراكم عليها مثالب التاريخ ، وأنّه يحتاج في الأمَـة ; يعني منفعتها .
انظر : تاريخ دمشق 14 / 216 ترجمة الإمام الحسـين بن عليّ (عليه السلام) .
أقـول : فوالله ما التفرّق والذلّ الذي يعيشه المسلمون عامّةً ، والعرب خاصّةً ، من بعد ذاك اليوم إلى يومنا هذا ، وإلى يوم الوقت المعلوم ، إلاّ نتيجة الجريمة الشنعاء التي ارتكبها يزيد وأعوانه ، بقتلهم سيّد شباب أهل الجنّة ابن بنت رسول الله وريحانته الإمام الحسـين (عليه السلام) ، وخذلان غيرهم ، ورضا وسكوت آخرين ، من قبل وقعة الطفّ الفظيعة وحتّى زماننا هذا ، فحقّ عليهم دعاؤه (عليه السلام) : « اللّهمَّ إنْ متّعتَهم إلى حين فَـفَـرِّقْـهم فِـرَقاً ، واجعلْهم طَـرَائـقَ قِـدَداً ، ولا تُـرْضِ الولاةَ عنهم أبداً ; فإنّهم دَعَونا لِـيَـنْـصـرونا ، ثـمَّ عَـدَوْا علينا فـقـتلونـا » .
انظر : الإرشاد 2 / 110 ـ 111 .

(317)

نشـرها وتشـكيل جمعيّتها إلى زمن غير قصير ، وأنّها تحتاج إلى سـياسـة ودهاء وكذب ، وهذه لا يمكن أن يقوم بها رجل كالحسـين (عليه السلام) ظاهر في أوائل الدولة ، مُعَرَّضٌ ـ بامتناعه عن البيعة ـ للقتل ، غير لائق به الكذب .
ثانياً : بوسيلة حربية ; وهي تقوم بإشـهار السـيف ، وهي التي لا مَفَرَّ للحسـين منها ، وهو أن يشـهر السـيف في مكّة والمدينة ، فيذهب مع أصحـابه الثائرين مـن أهـل المدينـة ليس لـه أثـر في التأريخ عظيـم ، فإنّـه لا يلاقي من تلك الفجائع التي تأخذ بالقسـط الأوفر من التأثير على النفوس ، فيذهب الحسـين في المدينـة كما ذهب أصحابه ، من عبـد الله بن الزبير وغيره من أهل المدينة ، لا أثر لهم في صفحات المجد والتأريخ ، فقط أنّه يمتاز عليهم بما له من الحسـب الشـريف ، وهذا لا يزيد كفّة الميزان شـيئاً يذكر ما لم يباشـره شـيء آخر .
فيتّضح من ذلك للناقد أن لا سـبيل له في الانتقاد على الحسـين (عليه السلام)في خروجه ، وهو يرى أنّ الوسـائل التي بيد الحسـين (عليه السلام) لا تضع أثراً خالداً ، ويرى أن لا بُـدّ له من القتل ، وإذا قتل بصورة بسـيطة غير مفجعة لم تؤثّر على النفوس أثراً كبيراً ، فنقول : قُتل كأصحابه ، وأكـثر العرب يموت قتلا .
وهذا آخر ما تفضّل به عَلَيَّ الفكر ; والسـلام .

(318)

[ عرض الجواب على الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء ]
ثمّ إنّي رفعت هذا البيان وعرضته على مطالع والدي ، الحجّة السـامية ، وبعد أن اسـتوفاه بالنظر ، قال : إنّه وإن كان على مقربة من الصواب ، ولكن لا أحسـب أنّ الخصم أو المشـكّك يقنع به ، ولا تزاح عنه به العلّة ، ولا تنقطع به الخصومة ، والمسـألة تحتاج إلى تشـريح من البيان أوسـع من هذا .
ثمّ أوعز بالحضور لديه في أوقات فراغه ، والجلسـات التي ينتهزها من متراكم أشـغاله ، بالبحث والمطالعة والتدريس وفصل الخصومات ، فأملى علَيَّ في عدّة مجالس عدّة وجوه حاسـمة للشـبهة ، وقاطعة للحجاج ، فجاءت رسـالة من أبدع ما يكون في بابها ، بل هي باكورة الإبداع في موضوعها .

(319)

[ جواب الشـيخ كاشـف الغطاء ]
قال دامت بركاته وامتـدّت فيوضاته :
كَـتَبْتَ إليَّ أيّها الفاضل ـ مدّك الله منه بالعون والعناية ـ تذكر سـؤال الناقد المشـكّك عن الحسـين (عليه السلام) إذا كان عالماً بقتله في خروجه إلى كربلاء وسـبي عياله ، فقد عَرَّضَ بِعِرْضِهِ إلى الهتـك .
وأنّك أجبت : بـ « أنّ الهتك فيه مزيد شـناعة لأعمال الأُمويّين لم تكن تحصل بقتله فحسـب » ، وذكرت أنّ المشـكّك لم يقنع بهذا الجواب ، وطلبت منّا جليّ البيان ليقف المشـكّك على صراط الاعتقاد .
فنقـول والله المسـتعان :
أوّلا : إنّ هذا السـؤال وأمثاله من البحث والنظر الذي يتمخّض عن الاعتراض والتحدّي لأعمال الأئمّة ، بل ولأعمال رسـول الله وخلفائه المعصومين سـلام الله عليهم ، لا موقع له على أُصول مذهبنا معشـر الإمامية ، الّذين قادنا الدليل والبرهان إلى القول بعصمة أُولئك النفر المخصوص (1) .
فليس عندنا في مناهجهم الخاصّة ، وأعمالهم التي تصدر عنهم طول حياتهم بين البشـر ، إلاّ كمثل رَجُل عَرَفَ مِنْهُ المَلِكُ تمام الكَفاءَةِ ، وأحْرَزَ مِنْهُ صِدْقَ الطاعةِ ، فأرسـلَه سـفيراً إلى قوم ، يَبُثُّ بينهم الدعاية ، ويقوم فيهم بالإرشـاد والهداية ، وزوّده بمناهج مخصوصة ، وألزمه أن لا ينحرف
ـــــــــــــــــ

(1) راجع مباحث الإمامـة في : دلائل الصدق 4 / 205 وما بعـدها .

(320)

عنه قيد شـعرة .
ولكلّ واحد من الأنبياء والأئمّة سـجلٌّ خاصٌّ به ، من بدء قيامه بالسـفارة والدعوة إلى منتهى أجله ، حسـب المصالح ومناسـبات الظروف الخاصّة ، والحِكَمِ التي اقتضت لذلك المَلِك الحَكيم أن يسـجّلها على ذلك السـفير ، مِن قتل ، أو سـمّ ، أو أسـر ، أو غير ذلك من قضايا التضحية والمفاداة .
وعبء السـؤال وعبء البحث عن تلك الحِكَم والأسـرار مطروحٌ عن الرعية ، وهو تكلّفٌ زائد ، بل ربّما يكون نفس السـفير غير واقف عليها تماماً ، إنّما يجد في سـجلّ أحواله : عليك أن تبذل نفسـك للقتل في الوقت الفلاني ; فيقول : سـمعاً وطاعة ; وليس له حقّ السـؤال والمراجعة عن الحكمة أو المصلحة بعد أن كان من اليقين على مثل ضوء الشـمس أن قضايا ذلك الحَكَم (1) وعزائِمَهُ كُلُّها مُنبَعِثَةٌ عن أقصى ما يمكن من الصلاح ومعالي الحكمة ، ليس في الإمكان أبدع ممّا كان .
وكلّ هذه النظريات سـلسـلة عقائد يبتني بعضها على بعض ، وكلّها مدعومة بالحجّة والبرهان ممّا تمخّضت عن عقول الفلاسـفة وآراء الحكماء من معاهد العلم والتأريخ ، وكلّها فروع أصل واحد ، ينتهي إليه البحث والجدل ، وتنقطع عن الخصومة .
وما هو إلاّ إثبات العناية الأزلية والقوّة القاهرة الشـاعرة ، وأنّها هي المدبّرة لهذه العوامل ، لا الطبيعة العمياء والمادّة الصمّاء الفاقدة للحسّ
ـــــــــــــــــ

(1) كذا في الأصل ، والظاهر أنّه تصحيف : « الحكيم » ، بقرينة : « الملِك الحكيم » التي جاءت قبل عدّة أسـطر .

(321)

والشـعور (1) ، وبعد إثبات تلك العناية ورسـوخ الاعتقاد بها يهون ويسـهل إثبات ما يتفرّع عليها من تلك النظريات .
وأنّ مِنْ لازم تلك العناية ، بعث الهُداة والمُرشـدين البالغين أقصى مراتب الكمال البشـري ; لتكميل الناقصين من بني جنسـهم ، ولا يتسـنّى التكميل والاهتداء إلاّ بالتسـليم والانقياد لهم ، واليقين بعصمتهم عن الخطأ والخطيئة ، وأنّهم مؤيدون بتلك العناية .
وبعد الإلزام بكلّ هاتيك المبادئ عن براهينها ، لا يبقى مجال للشـكّ والارتياب ، والنقد والاعتراض في شـيء من أعمالها مهما كانت في الفظاعة والاسـتنكار في مطارح العقول المحدودة والأفكار المحجوبة .
( فلا وربّـك لا يؤمنون حتّـى يحكّـموك فيمـا شـجر بينهـم ثمّ لا يجدوا في أنفسـهم حرجاً ممّا قضيت ويسـلّموا تسـليماً ) (2) .
ولعلّ إلى ذلك أشـاروا سـلام الله عليهم بقولهم ـ إنْ صحّ الحديث ـ : « نحـن أسـرار الله المودعـة في هيـاكل البشـرية ; يـا سـلمان ! أنزلونا عن الربوبية ثـمّ قولـوا فينـا مـا اسـتطعتم ، فإنّ البحـر لا ينـزف ، وسـرّ الغـيب لا يعرف ، وكلمة الله لا توصف ، ومن قال هناك : لِم ؟ وممَّ ؟ وبمَ ؟ فقد كفر » (3) .
ولعلّ المراد بالكفر معناه الأوّل ، وهو الظلام ..
ـــــــــــــــــ

(1) إشارة إلى المادّيّين الّذين يسلّمون بوجود المادّة وحدها ، وبها يفسّرون الكون والمعرفة والسلوك ، ويقولون بأنّ الطبيعة هي المدبّرة لعوامل الكون .
(2) سورة النساء 4 : 65 .
(3) اللمعة البيضاء ـ للتبريزي ـ : 64 ـ 65 عن معاني الأخبار ، الأنوار اللامعة في شرح الزيارة الجامعة ـ للسيّد عبـد الله شبّر ـ : 201 .

(322)

. . . . . . . . . . . . . . . إنْ صحّ أنّ الليلَ كافِـرْ (1)
يعني : إنْ تعـرّضَ لتلك الاعتراضات فقد ظَـلمَ وأظلمَ كمن خاض في لُـجّ من الظلمات .
وما ذكرتُ هذ النبذة إلاّ للإشـارة إلى جواب ذلك السـؤال من الوجهة الدينية محضاً ، وإن كـنت أعلم أنّ ذلك ممّا لا يُعَوِّل عليه المشـكّك الناقد ، ولا يعتدّ به المُعْتَرِضُ المُتَحَيِّر ، سـيّما لو كان ممّن لا يعرف الحسـين (عليه السلام)كما تعرفه علماء الشـيعة وخواصّها ، إماماً معصوماً لا يتطرّق إليه العبث والعيث (2) ، فضلا عن الغلط والاشـتباه ، بل غاية ما يقول فيه أنّه من عَلِيّةِ الرجال وأفاضلهم ، نسـباً ونفسـاً وشـجاعة وبراعة ، لكن لا يمنع كُلُّ ذلك مِنْ أنْ يجري عليه ما يجري على غيره مِن نوابغ الدهر ، وأفذاذ البشـر ، من الصواب تارة ، والخطأ أُخرى ، والاسـتقامة أحياناً ، والالتواء حيناً ، وكرم سـجاياه وعظم مزاياه لا يقع سـدّاً بين العقول وبين النقد عليه في بعض سـيرته وسـياسـته ، إن لم يكن في كلّها ; والكمال لله .
ـــــــــــــــــ

(1) عجز بيت من قصيدة للشاعر بهاء الدين زهير ، المتوفّى 656 هـ ، وتمامه في الديوان ، ص 156 :
لي فيكَ أجرُ مجاهِد إنْ صحَّ أنّ الليلَ كافِرْ
والكَفر ـ لغةً ـ : ستر النعمة ، وأصله الكَفر ـ بالفتح ـ ; أي : الستر ، ومنه سُمّيَ المزارع كافراً لستره البذر ، وقيل : الليل كافر ; لأنّه يستر بظلمته كلّ شيء ، وكَفَر الليلُ الشيءَ ، وكَفر عليه ; بمعنى غطّاه .
انظر : تفسير الطبري 1 / 143 ، فيض القدير في شرح الجامع الصغير 1 / 22 ، لسان العرب 12 / 120 مادّة « كفر » ، تاج العروس 7 / 452 مادّة « كفر » .
(2) الـعَـيْـثُ : مصدر عاثَ يعيثُ عَيثاً وعُيوثاً وعَيثاناً : أفسد وأخذ بغير رفق ، وقيل : هو الإسراع في الفساد .
انظر : لسان العرب 9 / 491 مادّة « عيث » .

(323)

وحينئذ فلنفرض الحسـين (عليه السلام) ـ كما يفترضه السـائل ـ زعيماً من الزعماء يرى نفسـه بما أُوتي من شـرف الحسـب والنسـب أَوْلى بالخلافة من يزيد ، وأحقّ بالمُلكِ منه ، ولا جرم أنّه يبذل كلّ ما في وسـعه لاسـتعادة ذلك الحقّ المغصوب منه ومن أبيه .
أوّلا : فعلى الأقلّ أنّه لا يبايع يزيد ويصير رعية له ، مع ما هو المعلوم من المجاهرةِ بإحياءِ كُـلِّ رذيلة ، وإماتةِ كُـلِّ فضيلة (1) .
وعليه : فالجواب الذي ذكرته إذا كُسـي حلّة أُخرى من البيان لم يكن للخصم لو أنصف أن لا يقتنع به .
وهل من سـبيل إلى الكشـف عن نفسـية يزيد وخسّـة طبعه وعدم أهليّته ، من حيث لؤم عنصره ، وخبث سـريرته ، وقبح سـيرته ـ مع قطع النظر عن الدين والشـرع ـ أقرب وأصوب وأعمق أثراً في النفوس عامّة والعرب خاصّة والمسـلمين بالأخصّ من هتك حرم النبوّة (صلى الله عليه وآله وسلم) وودائع الرسـالة ، وجلبهم أُسـارى من بلد إلى بلد ، ومن قفر إلى قفر ؟!
وهل أعظم فظاعة وشـناعة من التشـفّي والانتقام بالنسـاء والأطفال بعد قتل الرجال ؟!
وأيُّ ظفر وغلبة على يزيد أعظم من إشـهار هذه الجرائم عنـه ؟!
أمّـا القتـل ; فقـد كان عنـد العـرب أهـون شـيء ، وهـو أمر معتاد متعارف لا شـيء فيه من الفظاعة والغرابة ، فكان الحسـين (عليه السلام) أعرف أنّ يزيد وابن زياد من خبث الذات وسـوء الملَـكة مسـتعدّان لتلك الجرائم ; فأراد أن يبرزها منهم إلى الوجود وتكون الناس منهم على بيّنة محسـوسـة ،
ـــــــــــــــــ

(1) كما مـرّ في ترجمته في الصفحة 317 ; فراجـع !

(324)

ثمّ يكون الغالب بعدها هو المغلوب ، والقاهر هو المقهور .
نعم ، يزيد قتل الحسـين (عليه السلام) وأنصارَه ، ولكنّ الحسـين قتل يزيد وكلَّ بني أُميّة بأعظم من قتلهم له بألف مرّة ; قتلهم يزيد يوماً واحداً ، وقتلوه وقومه إلى آخر الأبد .
فأي الظفرين أعظم ؟! وأيّ القتلين أكبر ؟!
وهذه الفلسـفة قد أدركها حتّى الباحثون من الأجانب عن الإسـلام ، وقد ألمح إليها المسـتشـرق الألماني ( المسـيو ماربين ) ، حيث قال : « لمّا كان الحسـين يعلم عداوة بني أُميّة وبني هاشـم ، ويعرف أنّه بعد قتله يأسِرونَ عياله وأطفاله ، وذلك يؤيّد مقصده ويكون له أثر عظيم في قلوب المسـلمين ، سـيّما العرب ، كما وقع ذلك ، جلبهم معه وجاء بهم من المدينة ...
إلى أن قال : ولمّا كانت أنظار المانعين محدودة ، وأفكارهم قاصرة ، ولا يدركون مقاصد الحسـين العالية ، وآخر ما أجابهم به : إنّ الله شـاء ذلك ، وجدّي أمرني به (1) ، فقالوا : إن كـنت تمضي إلى القتل فما وجه حملك النسـوة والأطفال ؟
فقال : إنّ الله شـاء أن يراهنّ سـبايا » (2) . انتهى (3) .
أقول : وهذا الجواب ليس كما تخيَّـلَـهُ المسـتشـرق جواباً إقناعياً ،
ـــــــــــــــــ

(1) انظر : البداية والنهاية 8 / 131 .
(2) الملهوف على قتلى الطفوف : 128 ، بحار الأنوار 44 / 364 ، ينابيع المودّة 2 / 60 .
وانظر : أُسد الغابة 1 / 498 رقم 1173 ، ترجمة الإمام الحسين ـ لابن سعد ـ : 59 ، تاريخ دمشق 14 / 209 .
(3) السياسة الإسلامية ـ لماربين ـ :

(325)

ودفعـاً وقتيـاً ، بل له مقامـه الراهـن مـن الحقيقـة ، ولعلّ الله سـبحانه ، وجـدّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، إنّما أمراه بذلك كي يُفتضَح يزيد ويظهر حاله للناس ، نحن لا نقول : إنّ الطريق لهتك يزيد انحصرت بهتك العيال ; ولكن نقول : إنّه كان أحد الطرق التي لها التأثيـر الكبير في المقصود .
والقول : إنّه لا يجوز في الدِّين أن يُعَرِّضَ نسـاءه للهتك مهما كان الأمر ; فهو منبعث عن البسـاطة والسـذاجة ، فإنّ الذي لا يسـاعد عليه الدِّين ، بل ولا تسـمح به الغيرة ، هو تعريض الإنسـان عِرْضَهُ للهتك الموجب لِما يمسّ الشـرف ، ويخدش رواق العفّة والصيانة ، وسـرادق النجابة والحصانة .
أمّا الهتك الذي تسـتحكم به عرى القدس والطهارة والعزّة والمنعة ، فذلك ممّا لا يشـين ولا يهين ، وتلك الحرائر صلوات الله عليهنّ مهما سَفِـرْنَ فَـهُـنَّ محجّبات ، ومهما تَـبَـذَّلْـنَ فهنّ مَصونات ، وهنّ بحيث النجم من يد المتناول (1) .
يَشُـعُّ على وجهِ البراقِعِ نورُها فيحسـب راء أنَّهُنَّ سَـوافِرُ (2)
ـــــــــــــــــ

(1) المراد أنّ حرائر الإمام أبي عبـد الله الحسين (عليه السلام) كالنجم في البعد وعلوّ المرتبة ، وفي منزلة يستحيل معها الوصول إليهن أو مسّهنَّ بما يخدش عفّتهنَّ ، روحي وأرواح العالمين لهنّ فداء .
(2) البيت للشاعر جواد بدقت الأسدي ، ضمن قصيدة من 35 بيتاً ، مطلعها :
بواعث أنّي للغرام مؤازرٌ رسوم بأعلى الرقمتين دوائرُ
إلى أن يقول :
يطوف على وجه البراقع نورها فيحسب راء أنّهنَّ سوافِرُ
ويقول في آخر القصيدة :
فيا ليت صدري دون صدرك موطئٌ ويا ليت خدّي دون خدّك عافرُ

(326)

والغرضُ : إنّ هذا الجواب محكم رصين ، وله حظّه من الحقيقـة ، وإذا لم يقنع به الناقد والمشـكّك فهناك :
وجه ثان وجيه أيضاً ، وهو : إنّ الحسـين (عليه السلام) في كلّ أدواره وأطواره ، ومنذ نشـأ وشـبّ إلى آخر نفَس من حياته كانت شـيمته الشـمم والشـهامة ، وعزّة النفس والإباء والكرامة ، تتجلّى وتشـعّ من جميع حركاته وسـكـناته ، وكلّ أحواله وملَـكاته ، ولو ذهبنا إلى سـرد الشـواهد على هذا لجاء كـتاباً مفرداً ، ومجموعاً وافيـاً .
ويخطر لي أنّ الحسـن (عليه السلام) لمّا صالح معاوية على الشـروط التي لم يفِ بشـيء منها ، وكان قد حضر عند معاوية مع خواصّ أصحابه للبيعة ، فبايع الحسـن ومن معه ، وطلب معاوية البيعة من الحسـين (عليه السلام) ، فقال : دعه ! فإنّه لا يبايع ، ولكن لا يأتيك منه سـوء .
فقال : حسـبنا منه ذلك (1) .
وبعد أن تمّ الأمر لمعاوية كان الحسـين (عليه السلام) إذا اجتمع به في حشـد من محافل الشـام أو الحجاز يناضله ويناظره فيرضخه من القول

والشـاعر هـو : جـواد بـن محمّـد حسـين الأسـدي الحـائري ، الشـهيـر بـ ( بدقت ) أو ( بذكت ) ، وُلد في كربلاء عام 1210 هـ .
كان فاضلا أديباً مشـهورَ المحبّـة لأهل البيت (عليهم السلام) ، ومن مشـاهير شـعراء القرن الثالث عشـر ، سـاجل العديد من شـعراء عصره ، أمثال الشـيخ صالح الكـوّاز كما ذكر ذلك الشـيخ اليعقوبي في « البابليّـات » .
نَظمَ في مختلف أبواب الشعر فأجاد وأبدع ، له ملحمة رائعة يمتدح بها أهل البيت (عليهم السلام) ، توفّي سـنة 1281 هـ .
انظر : أدب الطفّ 7 / 144 ـ 151 .

ـــــــــــــــــ

(1) انظر : مناقب آل أبي طالب ـ لابن شهر آشوب ـ 4 / 40 .

(327)

بالصَّلادِم (1) ، ويصكّ جبهته بما هو أمضّ من الصَّوارِم (2) ـ ورُبّ قول أنفذ من صول (3) ـ ، ومعاوية يحتمل كلّ ذلك منه لِما يعلم من عزّة نفسـه وشـدّة شـكيمته .
مرّ على الحسـين عشـرون عاماً ـ مدّة خلافة معاوية ـ ما ذاق فيها طعم الخضوع والاسـتكانة ، حتّى إذا هلك معاوية وامتنع عن البيعة ليزيد ، ورأى من السـداد الهجرة عن المدينة ; ليعرف العالم الإسـلامي امتناعه عن البيعة ، فخرج من المدينة بأهل بيته قاصداً مكّة ، ولزم الطريق الأعظم ( الدرب السـلطاني ) ، فقيل له : « لو تنكّبت الطريق كما فعل ابن الزبير ؟
فقال : لا والله لا أُفارقه أو يقضي الله ما هو قاض » (4) .
فالحسـين ـ وعلى ذِكره السـلام ، هو يحمل بين جنبيه هذه النفس الكبيرة ـ لمّا أراد الخروج من مكّة إلى العراق أبت نفسـه الكريمة ، وأنفت همّته القعسـاء (5) أن يخرج هو وولدانه وغلمانه على ظهور خيولهم خروج
ـــــــــــــــــ

(1) الصِّـلْـدِمُ والصُّـلادِمُ ـ : الشديدُ الحافر ، وقيل : الصِّـلْدِمُ : القويّ الشـديد مـن الحافِـر ، وجـمعـه : صَـلادِم ـ بالفتـح ـ ، وفـرسٌ صِـلْـدِمٌ ـ بالكسر ـ : صُـلْـبٌ شديد ، ورأسٌ صِـلْـدِمٌ وصُـلادِمٌ ـ بالضمّ ـ : صُـلْـب .
وهي هنا كناية عن قوّة حجّة الإمام الحسـين (عليه السلام) وبلاغته .
انظر : لسان العرب 7 / 387 مادّة « صلدم » .
(2) أي : أحـدّ من السـيوف .
(3) من حِكَمِ الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) ، انظر : نهج البلاغة : 545 رقم 394 .
(4) مقتل الإمام الحسين ـ لابن أعثم الكوفي ـ : 30 .
(5) القَعَس : نقيض الحَدَب ، وهو خروج الصدر ودخول الظهر ; قَعِسَ قَعَساً ، فهو أقْـعَس ومُتقاعس ، والمرأة قعساء ، والجمع : قُـعْس .
و « همّته القعساء » هنا كناية عن علوّ همّة الإمام الحسـين (عليه السلام) وارتفاع عزيمته وسموّ شأنه .
انظر : لسان العرب 11 / 243 مادّة « قعس » .

(328)

المتشـرّد الخائف ، والنافر الفزع ، ولم يرض لنفسـه إلاّ أن يظهر بأسـمى مظاهر الأُبَّهَةِ والهَيْبَةِ والجَلالِ والحِشْمَةِ في الموكب الملوكي ، وفخامة الملك والسـلطان .
ومن المعلوم أنّ لحمل الحرم والعائلة من لوازم الفخامة والعظمة ، وشـوكة المناطق والسـرادق ، ما لا يحصل بدونها ، ولو خرج سـلام الله عليه من أوطانه وترك عقائله في عقر دارهم لكان خروجه أشـبه ما يكون بصعاليك العرب وأهل الغزو والغارات والمتلصّصين ، وحاشـا لسـيّد أهل الإباء أن يرضى لنفسـه بتلك المنزلة والخطّة السـافلة ، بل سـار بأهله وذراريه ليكون على مهاد الدعة والسـكينة والهدوء والطمأنينة ، كَسَـيْر أكبـر ملـك من ملوك الدنيا وأوسـعهم في القـدرة والسـلطان .
ولا تخالنّ في كلمتي هذه ضرباً من الخيال ، أو شـيئاً من المبالغة والغلوّ ; كلاّ ، فإنّك لو نظرت إلى بعض الخصوصيات في سـيره لوجدت منها أوثق شـاهد لك على ما ادّعيناه .
أنْعِمِ النظر في قصّـة الحرّ التي اتّـفقت على نقلها أرباب المقاتل وأُمناء التاريخ والسـيَر (1) ، حيث التقى بالحسـين في قفر من الأرض لا ماء فيـه ولا كلاء ، وقد أمضّ به وبأصحـابه العطش ، وَهُمْ زُهاءَ ألف فارس على ألف فرس ، فقال الحسـين (عليه السلام) لفتيانه : « اسـقوا القوم وأوردوهم الماء ، ورشّـفوا الخيل ترشـيفاً » ، ففعلوا وأقبلوا يملأُون القِصاع (2)
ـــــــــــــــــ

(1) تقـدّمت الإشارة إلى ذلك في الصفحة 320 هـ 1 ; فراجـع !
(2) الـقَـصْـعَـةُ : الـصَّـحفة أو الـضَّـخمة منها تشـبع العشرة ، والجمع : قِصاعٌ وقِصَـعٌ وقَـصَعات .
انظر مادّة « قصع » في : لسان العرب 11 / 193 ، تاج العروس 11 / 375 .

(329)

والطِسـاس (1) من الماء ، ثمّ يدنونها من الفرس ، فإذا عبّ فيها ثلاثاً أو أربعاً أو خمسـاً عزلت عنه وسـقي آخر حتّى سـقوها عن آخرها .
فانظر أوّلا واعجب ما شـئت بهذا الحنان والرحمة والعطف والإشـفاق ، فإنّ القوم الّذين سـقاهم الحسـين (عليه السلام) كانـوا أعداءه ، وقـد جاءُوا مِنْ قِبَل ابن زياد للقبض على الحسـين (عليه السلام) ، حتّى إنّ عليّ بن طعّان المحاربي ـ وهو عراقي من أصحاب الحرّ ـ لم يعرف كيف يشـرب من الراوية (2) وكيف يخنث (3) السـقاء كما يفعله الحجازي ، فكان يشـرب والماء يسـيل على أشـداقه وثيابه ، فنزل الحسـين (عليه السلام) بنفسـه وخنث السـقاء حتّى شـرب وارتوى (4) .
واعجب ثانياً لإيثاره بالماء في بادية قحلاء وصحصحان أجرد (5) ، والماء فيه أعزّ من الذهب ، وقد لا يجدونه في يومين أو ثلاثة أو أكـثر ،
ـــــــــــــــــ

(1) الـطَّـسُّ : الـطَّـسْـتُ من آنية الصفر ، أُنثى تُذكَّر ، وهي فارسية ، والجمع : طِسـاس .
انظر : تاج العروس 3 / 90 مادّة « طسـت » و ج 8 / 340 مادّة « طسـس » .
(2) الراوية : هو البعير أو البغل أو الحمار يُستقى عليه الماء ، والراوية هنا هي المِزادة والوعاء الذي يكون فيه الماء ، سمّيت راوية لمكان البعير الذي يحمله .
انظر : لسان العرب 5 / 380 مادّة « روي » .
(3) خَنَثَ : ثَـنَى وكَسَرَ ، خنَثَ فَمَ السِّقاء : ثنى فاهُ وكَسَرَه إلى الخارج ، فشرب منه ، وإن كَسَرَهُ إلى الداخل فقد قَبَعَهُ .
انظر : تاج العروس 3 / 207 مادّة « خنث » .
(4) انظر : تاريخ الطبري 3 / 305 ، مقتل الحسـين ـ للخوارزمي ـ 1 / 329 ـ 330 .
(5) الصَّحْصَحُ والصِّحصحاحُ والصَّحصحان : كلّه ما استوى من الأرض وجَرَد ، والجمع :
الصحاصِحُ ; والصَّحصحُ : الأرض الجرداء المستوية ذات حصىً صغـار ، وأرض صحـاصحُ وصحصحـان : ليس بها شيء ولا شجر ولا قرار للماء .
انظر : لسان العرب 7 / 288 مادّة « صحح » .

(330)

فأيٌّ سـخاء هذا السـخاء ؟! وأيُّ نفس تلك النفس ؟!
واعجب ثالثاً ـ وهو محلّ الغرض ـ كم كانت سـعة ذلك الموكب السـلطاني وإدارة ذلك الركاب الملوكي ؟!
وكم كان يحمل من الماء ؟! حيث سـقى نفسـه وأعداءه ، سـقى ألف فـارس وألـف فـرس ، وعلى أقـلّ تقدير أنّ النفوس التي كانـت مـع الحسـين (عليه السلام) ، من أولاده وأنصاره وعيالاتهم ألف نفس ، وحمولهم (1) ( المِكارَهْ ) التي تحمل خيامهم وأمتعتهم ، وما إليها من قدور وقصاع وطسـاس ، ونحو ألفين من الخيل والبغال غير الإبل ، فتكون النفوس المحتاجة إلى الإرواء بالماء في ذلك الموكب ـ على أقلّ التقادير ـ خمسـة آلاف أو أربعة آلاف نسـمة ، غير الفضلة الاحتياطية التي سـقى منها الحرّ وأصحابه وخيولهم .
فالموكب الذي يحمل من الماء ما يروي سـتّة آلاف أو سـبعة آلاف نسـمة ، كم ترى يكون ضخامة ملكه وفخامة سـلطانه ؟!
وإذا صحّ ما رواه الطريحي في « مجمع البحرين » من أنّ الحسين (عليه السلام)لمّا نزل كربـلاء اشـترى أرض نينوى والغاضـرية من بني أسـد بسـتّين ألف درهم ، واشـترط عليهم أن يدلّـوا زوّاره على قبـره ويضـيّفـوهم ; انـتهى بمعنـاه (2) ; فكـم كان معه من الأموال والنقود التي يكون فضلتها سـتّون ألفـاً ؟!
وأزيدك شـاهداً على ذلك من عظمة الملك والسـلطان قضية محمّـد
ـــــــــــــــــ

(1) الـحُـمُـول : الإبل وما عليها من الهوادج والأثقال .
انظر : لسان العرب 3 / 334 مادّة « حمل » .
(2) انظر : مجمع البحرين 5 / 461 مادّة « كربل » .

(331)

بشـير الحضرمي (1) ـ الذي رواه السـيّد ابن طاووس وغيره حين قيل له ليلة عاشـوراء ليلة القلق والأرق ، الليلة التي كانت المَنايا فيها على الحَوايا (2) ، والحِمام يحوم فيها على الخيام ـ قيل له : « إنّ ابنك أُسـر في ثغرَي الريّ ; فقال : عند الله أحتسـبه ونفسـي ، ما أُحبّ أن يؤسـر وأنا أبقى بعده ; فسـمع الحسـين (عليه السلام) قوله ، فقال له : رحمك الله ، أنت في حلّ من بيعتي ، فاعمل في فكاك ابنك .
فقال : أكلتني السـباع حيّـاً إن فارقتك .
قال : فاعط ابنك هذه الأثواب البرود يسـتعين بها في فداء أخيـه .
فأعطاه خمسـة أثواب قيمتها ألف دينار » (3) .
ـــــــــــــــــ

(1) كذا في الأصل ، والظاهر أنّ كلمة « بن » ساقطة ; لأنّ بعض المصادر التي نقلت القصّة ذكرت أنّه « محمّـد بن بشـير الحضرمي » ; كما في : ترجمة الإمام الحسين ومقتله ـ لابن سعد ـ : 71 ، تاريخ دمشق 14 / 182 ، اللهوف على قتلى الطفوف : 153 ، بغية الطلب في تاريخ حلب 6 / 2592 ، تهذيب الكمال 4 / 483 .
ومصادر أُخرى ذكرت أنّه « بشير بن عمرو الحضرمي » ; كما في : مقتل الحسين ـ لأبي مخنف ـ : 156 ، تاريخ الطبري 3 / 330 .
وترجم له صاحب « تنقيح المقال » قائلا : « بشر بن عمرو بن الأحدوث الحضرمي الكندي ، كان من حضرموت وعداده في كندة ، وكان تابعيّاً ، وله أولاد معروفون بالمغازي ، وكان ممّن جاء إلى الحسـين (عليه السلام) أيّام المهادنة » .
انظر : تنقيح المقال 1 / 173 رقم 1331 .
(2) الحـويَّـة : كساء محشوُّ حول سنام البعير ، وهي السويّة ، والحويّـة لا تكون إلاّ للجمال ، والسويّة قد تكون لغيرها ، لذا تقول العرب : المَنايا على الحَوايا ; أي قد تأتي المنيّة للشجاع وهو على سرجه .
انظر : لسان العرب 3 / 409 مادّة « حوا » .
(3) انظر : ترجمة الإمام الحسين ومقتله ـ لابن سعد ـ : 71 رقم 292 ، تاريخ دمشق 14 / 182 ، الملهوف على قتلى الطفوف : 153 ـ 154 ، بغية الطلب في تاريخ حلب 6 / 2592 ، تهذيب الكمال 4 / 483 ، بحار الأنوار 44 / 394 .

(332)

وعليه : فيكون قيمة كلّ ثوب مئـتي دينار ( مئة ليرة ذهـب ) .
وأنا لا أدري ما كانت تلك الثياب التي قيمة الواحد مئة ليرة ؟! وكم كان معه مثلها ؟! ولماذا يحملها وأمثالها معه في تلك المراحل ؟!
هذه سـؤلة لعلّك في غنىً عن الجواب عنها ، ولكن أيّها الناقد المشـكّك ! أتحسـب أنّ الحسـين (عليه السلام) كان صعلوكاً من صعاليك العرب ، ولئيماً من لئامها ، كابن الزبير ، الذي يقول لجنده : « أكلتم تمري وعصيتم أمري » (1) ؟!
ويقول للوافد عليه ، المسـتجدي منه ، بعد أن قال له : إنّ ناقتي قد نقبت (2) .
فقال : ارقعها بهلب (3) ، واخصفها بسـبت (4) .
فقال الوافد : لعن الله ناقةً حملتني إليك .
فقال : إنّ وراكبها » (5) .
ـــــــــــــــــ

(1) انظر : شرح نهج البلاغة 2 / 123 ، تاريخ اليعقوبي 2 / 266 .
(2) النَّقِبْ : رقّة الأخفاف ، نَقِبَ البعيرُ ينقبُ فهو نَقِبٌ ، بالكسر إذا رقّت أخفافه .
انظر : لسان العرب 14 / 249 مادّة « نقب » .
(3) الهُلْبُ : الشَّعر كلّه ، وقيل : هو في الذَّنَب وحده ; وقيل : هو ما غلظ من الشعر ، والهُـلْبةُ شعر الخنزير الذي يخرز به .
انظر : لسان العرب 15 / 111 مادّة « هلب » .
(4) السِّبْتُ ـ بالكسـر ـ : جلود البقر المدبوغة بالقَرظ ، تحُذى منه النَّعال السـبتية . انظر : لسان العرب 6 / 140 مادّة « سـبت » .
(5) انظر : الأغاني 1 / 18 ـ 19 ، تاريخ دمشق 28 / 261 و ج 48 / 285 ، النهاية في غريب الحديث والأثر 1 / 78 ، شرح نهج البلاغة 20 / 139 .
وذكر القصّة ابن منظور في لسان العرب 1 / 244 مادّة « أنن » وقال : « إنّ وراكبها » ; يعني : نعم مع راكبها .

(333)

لا يا هذا ! الحسـين أكبر ممّا تظنّ ، الحسـين أكبر من أن يتخلّص من طواغيت بني أُميّة الّذين أرادوا سـفك دمه في حرم الله فتنتهك به حرمة الحرم ، كما فعل ابن الزبير وفعلوا به ، هو أكبر من أن يخلص بنفسـه ويترك عياله يشـرئبّون إليه ويتطلّعون إلى أخباره ويناشـدون الركبان عنه .
وأمّا ما تخيَّلْتَهُ من أنّ هتك الحريم لا يقدم الغيور عليه مهما كان الأمر ، فهو وَهمٌ زائف ، وقد عرَّفناك أنّ الهتك المُشـين هو الذي يلمس أذيال العفّة ، ويمسّ ذلاذل (1) الشـرف ، لا الذي تسـتحكم به أسـوار الصون وسـياج العفاف .
وبعد هذا كلّه ، فهل أقنعك هذا الوجه ، وعرفت كيف كانت منزلة الحسـين (عليه السلام) من عظمة الشـأن وسـموّ السـلطان ؟!
وهناك وجه ثالث لحمل العيال ، وهو : كما كانت العرب عليه من أنّهم إذا أرادوا أن يسـتميتوا في الحرب ، ويصبروا للطعن والضرب ، جعلوا الحريم خلفهم ، واسـتقبلوا العدوّ ، فأمّا الحتف أو الفتح ، ويسـتحيل عندهـم النكوص أو الفرار ، وترك الحريم للذلّ والإسـار ، ويشـهد لهذا عدّة وقائع لا تغيب عن الضليع في تاريخ العرب (2) ، عليه حَمَلَ العيال كي يسـتميت أصحابه دونها ، وينالوا درجة السـعادة بالشـهادة كما فعلوا .
وهناك وجه رابع لعلّه أوجه من تلك الوجوه ، وأقربها إلى الحقيقة ، وإنْ كانت للحسـين (عليه السلام) ملحوظة وراء التعبّد والانقياد والرضا والتسـليم
ـــــــــــــــــ

(1) ذلاذل القميص : ما يَلي الأرض من أسافله ، الواحد ذُلذُلٌ .
انظر : لسان العرب 5 / 57 مادّة « ذلل » .
(2) انظر : تاريخ الطبري 1 / 476 ـ 482 أحداث معركة ذي قار ، و ج 2 / 166 أحداث غزوة حنين سـنة 8 هـ .

(334)

للمشـيّة القاهرة ، وكانت سـياسـة عن فلسـفة نظرية ، وتدابير بشـرية ، فهي هذه الملاحظة التي سـوف نبديها ونشـير إليها على الجملة حيث لا سـعة للتفصيل .
تقول أيّها الناقد : « إنّ الحسـين (عليه السلام) كان يعلم أنّه يقتل » ..
نعم ، وأنا أقول كذلك ، بل يعلم أنّ جميع مَنْ معه مِن الرجـال ، بـل وكـثير من الأطفـال يُـقـتلون حـتّى الرضيـع (1) ، ولا يفلت إلاّ وَلَدهُ زين العابدين من أجل العلّـة والمرض .
فلمّا عَلِمَ ذلك كُلّه ، وَعَلِمَ أنّ بني أُميّة وأشـياعهم سـوف يموّهون ، بل كانوا قد موّهوا على المسـلمين أنّ الحسـين (عليه السلام) خارج على إمام زمانه ، وهو يزيد المنصوب بالنصّ عليه بالاسـتخلاف من الخليفة الذي قبله وهو معاوية ، فالحسـين (عليه السلام) بخروجه باغ ، وحكم الباغي القتل ( فقاتلوا التي تبغي حتّى تفيء إلى أمر الله ) (2) ، فتكون هذه الفتوى وهذا التمويه أعظم على الحسـين مِن قتله .
وهذا الطلاء المبهرج ، وإنْ كان لا يخفى على العارفين والنياقدة ، ولكنّهم بالضرورة خاضعون للسـلطة ، قد شـملتهم الذلّة ، وأخملتهم القلّة ، وألجمـهم الخـوف والتقيّة ، سـيّما بعد الفراغ من أمر الحسين (عليه السلام) ، فلا رحمة لأحـد بعده ولا حرمة ، والناس كما قال هو سلام الله عليه يوم الطفّ ، وكما هو حالهم اليوم : « عبيد الدنيا ، والدين لعق على
ـــــــــــــــــ

(1) انظر : مقتل الحسين ـ لابن أعثم الكوفي ـ : 140 ، تاريخ الطبري 3 / 332 ، الملهوف على قتلى الطفوف : 168 ـ 169 .
(2) سورة الحجرات 49 : 9 .

(335)

ألسـنتهم » (1) ، فمن ذا يقدر أن ينبس (2) بالحقيقة ، فضلا عن الإصحار (3)بها ، وسـيوف يزيد وابن زياد فوق أرؤسـهم ، وأموالهم نصب أعينهم ؟!
وتعلم كيف يلعب الرجاء والخوف في النفوس ، فحينئذ فلا يمرّ حول أو حولان إلاّ وقد سـجّل التاريخ أنّ الحسـين (عليه السلام) ـ وأسـتغفر الله ـ باغ عات وقد قُتل بحكم شـريعة جدّه .
وبَعّـدَ الناقـدُ فريتَه بقوله : هلاّ بايع كما بايع أخـوه الحسـن (عليه السلام)ودفع عن نفسـه وأهله القتل ؟!
كيف ؟! وقد قال بعض النواصب في القرون الوسـطى : إنّ الحسـين قتل بسـيف شـريعة جـدّه (4) .
ـــــــــــــــــ

(1) انظر : تحف العقول : 174 ، مقتل الحسين ـ للخوارزمي ـ 1 / 337 ، كشف الغمّة 2 / 32 .
(2) نَبَسَ ينبسُ نبساً : وهو أقلّ الكلام : وما نبس ، أي : ما تحرّكت شـفتاه بشيء ، وما نبس بكلمة ; أي : ما تكلّم .
انظر : لسان العرب 14 / 20 مادّة « نبس » .
(3) الإصـحار : المجاهرة بالشيء ، وأبرز له ما في نفسـه صَحاراً : أي : جاهره به جهاراً . انظر : لسان العرب 17 / 289 مادّة « صحر » .
(4) أقـول : لقد وصـل ببعضهم الكره والبغض ونصب العداوة لأهـل البيت (عليهم السلام) إلى درجة النطق بمثل هذه التفاهات والترّهات ، بل قالوا كلمة الكفر ، ومن أمثال هؤلاء النواصب :
أبو بكر بن العربي محمّد بن عبـد الله ، المتوفّى سـنة 543 هـ ، راجع تفاهاته في كتابه المسمّى « العواصم من القواصم » ص 211 ـ 216 .
وعبد الرحمن بن خلدون ، المتوفّى سنة 808 هـ ، راجع مخاريقه في « مقدّمته » ص 170 ـ 171 .
وقد تصدّى لإمثال هؤلاء النواصب ، وردّ على ترّهاتهم وخرافاتهم المحققُ الكبير

(336)

وهذه عند الحسـين ـ وهو عَلَمُ الحقّ ، ومنارُ الهُدى ، وجسـمُ روحِ الغـيـرة والإبـاء ـ رزيّـة لا رزيّـة فوقهـا ، ومصـيبة لا مصـيبة أعظـم منهـا .
فعلى من يعتمد الحسـين (عليه السلام) في دفع هذه الغائلة (1) ، وتفنيد هذه الضلالة ، وإنقاذ المسـلمين من هذه الورطة المهلكة ؟!
أَعَلى رجال وكلّهم سـوف يقتلون معه بعلم منه ؟!
أم على زين العابدين ، وهو أسـير مشـغول بعلّته ، وقتله أهون عليهم من قتل ذبابة ؟!
فمَن يقوم للحسـين بهذه المهمّة بعد قتله ؟!
ومَن ذا يقرع بالحجّة ، ويوضح المحجّة ، ويكشـف الحقيقة ، ويتعقّب القضية ، ويخطب في النوادي الحاشـدة ، والجوامع الحافلة ، تلك الخطبة البليغة ، والحجج الدامغة ؟!
تصوّر ذلك العصر مليّاً ، واسـتوسـع التأمّل في تلك الأوضاع ، وانظر هل كان من الممكن أن يقوم بشـيء من ذلك أكبر رجل باسـل ؟!
وهب أنّ الممكن أن يفادي رجلٌ بنفسـه للحقّ وإبداء الحقيقة ، ولكن هل يمهلوه إلى أن يسـتوفي الغرض ويبلغ الغاية ؟!
أَوَليس عبـد الله بن عفيف الأزدي ، ذلك البصير الذي ذهبت عيناه ، واحدة يوم الجمل والأُخرى بصفّين ; نعم ، ذهبت عيناه ، ولكن فتح الله له في قلبه عشـرة عيون ، وسـقط الجهاد عنه بيده ، ولكن جاهد في لسـانه
والعلاّمة السيّد علي الحسـيني الميلاني في « نفحات الأزهار » 4 / 236 ـ 242 ، فجزاه الله خير الجزاء .

ـــــــــــــــــ
(1) الغائلة : الحِقد الباطن .
انظر : لسان العرب 10 / 161 مادّة « غيل » .

(337)

بعشـرة أسـياف إلى أن أحرز الشـهادة في هذا السـبيل .
فإنّه لمّا سـمع خطبة ابن زياد على منبر الكوفة بعد قتل الحسـين (عليه السلام)وهو يقول : « الحمد لله الذي نصر أمير المؤمنين يزيد وأشـياعه ، وقتل الكذّاب ابن الكذّاب » ، نهضت به الحمية والحماية للحقّ ، وفادى بنفسـه في ذلك الحشـد الرهيب ، فقام وقطع عليه خطبته قائلا له : « إنّ الكذّاب ابن الكذّاب أنت ومن اسـتعملك يا عدوّ الله ، تقتلون أولاد النبيّين وتتكلّمون بهذا الكلام على منابر المسـلمين .
فغضب ابن زياد وقال : من هذا المتكلّم ؟!
فقال : أنا المتكلّم يا عدوّ الله !
أتقتل الذرّيّة الطاهرة الّذين أذهب الله عنهم الرجس وتزعم أنّك على دين الإسـلام ؟!
وا غوثاه ! أين أولاد المهاجرين والأنصار لينتقموا من طاغيتك اللعين ابن اللعين على لسـان محمّـد (صلى الله عليه وآله وسلم) (1) ؟!
ـــــــــــــــــ

(1) هنا إشارة إلى تفسير الآية الكريمة : ( والشَـجَرةَ الملعونة في القُـرآن ) سورة الإسراء 17 : 60 ، التي نزلت في بني أُميّة الّذين طغوا في البلاد وأكثروا فيها الفساد ، وقد نقلت ذلك كتب التفسير والحديث والتاريخ ، انظر مثلا :
تفسير الثعلبي 6 / 111 ، تفسير ابن جزيّ الكلبي 2 / 174 ، تفسير القرطبي 10 / 183 ـ 184 ، تفسير الفخر الرازي 20 / 239 ، زاد المسير 5 / 40 ـ 42 ، البحر المحيط 6 / 54 ـ 55 ، تفسير ابن كثير 3 / 48 ، تفسير البيضاوي 1 / 575 ، الكشّـاف 2 / 455 ، الدرّ المنثور 5 / 309 ـ 310 ، تفسير غرائب القرآن ـ للنيسابوري ـ 4 / 361 ـ 362 ، فتح القدير 3 / 238 ـ 240 ، فتح الباري 8 / 508 ح 4716 ، عمدة القاري 19 / 30 ، لباب النقول في أسباب النزول ـ بهامش تفسير الجلالين ـ : 235 ، مجمع البيان 6 / 250 ، شرح نهج البلاغة 9 / 220 و ج 12 / 81 ، مسـند أحمد

(338)

فازداد غضب ابن زياد حتّى انتفخت أوداجه ، وقال : عَلَيَّ بـه !
فقام الجلاوزة فأخذوه ، وقامت الأشـراف من الأزد عشـيرته فخلّصوه ، وانطلقوا به إلى منزله » .
ولكن هل خلص ونجا من ذلك الطاغية ؟! وهل كان آخر أمره إلاّ أن أُحضر بين يديه فضرب عنقه صبراً وصلب جثمانه في السـبخة (1) في قصّة طويلة ، وما ظفر ابن زياد به إلاّ بعد حرب سـجال وتحريش منه خبيث بين اليمانية والمضرية على قاعدة التفـرّق (2) .
نعـم ، ما أنكـر على ابن زياد إلاّ عبـد الله بن عفيف رضوان الله عليه ، وإلاّ ذلك الصحابي الضعيف بكلّ مواقع الضعـف ، ألا وهـو زيـد بن أرقم ، فإنّـه حين رأى رأس الحسـين (عليه السلام) بين يـدَي بن زيـاد وهو يضربـه بعـوده ، قـال لـه : « ارفع عودك عن هاتين الشـفتين ! فوالله لطالما رأيت رسـول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقبّلهما .
ثمّ بكى زيد ، فقال له ذلك الخبيث : أتبكي لما فتح الله للأمير ؟! لولا أنّك شـيخ قد خرفت وذهب عقلك لأخذت الذي فيه عيناك !
فخرج زيد وهو يقول : ملَكَ عبدٌ حرّاً ، أنتم يا معشـر العرب عبيد
ـــــــــــــــــ
2 / 522 ، مجمـع الزوائـد 5 / 240 ـ 241 ، تـاريـخ الطـبـري 5 / 621 حـوادث سـنـة 284 هـ ، الخلفـاء الراشـدون ـ للذهبي ـ : 209 و 210 ، البداية والنهاية 6 / 176 ـ 177 و 182 ، تاريخ الخلفاء ـ للسيوطي ـ : 16 .
(1) السـبخة : أرضٌ ذات ملح ونَـزّ ، وجمعها سِـباخ .
انظر : لسان العرب 6 / 148 مادّة « سـبخ » .
(2) انظر : أنساب الأشراف 3 / 413 ـ 415 ، تاريخ الطبري 3 / 337 ، مقـتـل الحسـين ـ لابن أعثم الكوفي ـ : 152 ـ 156 ، مقـتل الحسـين ـ للخوارزمي ـ 2 / 58 ـ 62 ، الردّ على المتعصّب العنيد : 44 ، الكامل في التاريخ 3 / 436 .

(339)

بعد اليوم ، قتلتم ابن بنت رسـول الله وأَمَّرْتُم ابن مرجانة » (1) .
ولا أسـتحضر مُنْكِراً على ابن زياد غير هذين الرجلين ، وكلماتهما وإنْ كانت ذات قيمة ثمينة في مثل تلك الأيّام العصيبة والمواقف الرهيبة ، ولكن أيّ شـيء لها من التأثير ؟!
وما ميلها في تلك التيارات الجارفة والزوابع القاصفة ؟!
وهل هي إلاّ كلمات قيلت وذهبت أدراج الرياح ؟!
وهل كانت تكفي لإيجاد بواعـث الثورة ، وتكوين الانقلاب على بني أُميّة وتحرير النفوس وغليان الأفكار وتأجيج النار لطلب الثـار ؟!
كلاّ ثمّ كلاّ ، فإنّ الأمر يحتاج إلى أكـثر من ذلك ، يحتاج إلى المثابرة والتعقيب في الخطب الرنانة والكلمات المهيّجة ، وتشـهير المثالب والمسـاوئ ، ونقد السـيّئات ونعيها على تلك الدولة الغاشـمة والسـلطة الظالمة والحكومة الجائرة .
فإنّ بهذا ومثله تتكوّن في الأُمّة روح ثورة وانفجار يكـتسـح ظلم الظالمين ، وتقتلع عروق الجور والاسـتبداد .
قل لي برأيك أيّها الناقد ، أيّ رجالات ذلك العصر كان يقدر على القيام بتلك المهمّة ، ويقوى على النهوض بذلك العـبء ؟!
أليس قصارى أمره مهما كان من البسـالة والجرأة أن يقول الكلمتين والثلاث ، فيقال : خذوه فاقتلوه فاصلبوه في السـبخة أو في الكـناسـة ؟!
ـــــــــــــــــ

(1) انظر : أنساب الأشراف 3 / 412 ـ 413 ، تاريخ الطبري 3 / 336 ، مقتل الحسـين ـ للخوارزمي ـ 2 / 58 ـ 62 ، الردّ على المتعصّب العنيد : 44 ، الكامل في التاريخ 3 / 436 ، أُسد الغابة 2 / 21 ترجمة الإمام الحسين ، البداية والنهاية 8 / 152 .

(340)

أليـس زين العابـدين (عليه السلام) مع أنّـه عليل أسـير ـ والأسـير لا يُقتل ـ قد أمر ابن زياد بقتله لجواب خفيف وقول طفيف ، فإنّ ابن زياد بعد أن فرغ من تحدّي زينب وأخرجته بقوّة العارضة والبيان من الميدان مكعوماً (1)بالخزي والخذلان التفت إلى زين العابدين ، فقال : « من هذا ؟!
فقيل له : هو عليّ بن الحسـين (عليه السلام) .
فقال : أليـس قد قتل الله عليّـاً ؟!
فقال سـلام الله عليه : كان لي أخ يقال له عليٌ قتله الناس .
فقال ابن زياد : بل الله قتله !
فقال الإمام : ( الله يتوفّى الأنفس حين موتها ) (2) .
فقال له : أَوَبِكَ جرأةٌ على ردّ جوابي ؟! يا غلمان ! خذوه فاضربوا عنقه !
فتعلّقت به زينب ، وقالت : يا بن زياد ! حسـبك من دمائنا ما سـفكت ، فإن عزمت على قتله فاقتلني معه .
فقال الطاغية : عجبـاً للرحم ! فوالله لَـوَدَّتْ أن تموتَ دونه ، اتركوه لِما به » (3) .
وما تركه رحمةً لها ، ولكن قد رأى أنّ العلّة والإسـار والأغلال
ـــــــــــــــــ

(1) الكعام : شيء يجعل على فم البعير ، كعم يكعمُ كعماً ، فهو مكعوم وكعيم : شدّ فاه ، والجمع : كُعُم .
انظر : لسان العرب 12 / 110 مادّة « كعم » .
(2) سورة الزمر 39 : 42 .
(3) انظر : ترجمة الإمام الحسين ـ لابن سعد ـ : 79 ، تاريخ الطبري 3 / 337 ، مقتل الحسين ـ لابن أعثم الكوفي ـ : 150 ـ 151 ، الكامل في التاريخ 3 / 435 .

(341)

والجامعة (1) سـتقضي عليه وتكفي ابن زياد مؤنة قتله .
فإنّ سـلامة زين العابدين وبقاء حياته كان من خوارق العادة ، وعلى خلاف مجاري الأسـباب ، ولو قُتل أو مات في تلك البرهة لانقَطَعَ نسـل الحسـين ، ولكن مشـيئة الله سـبحانه وقضاءه السـابق بأنّ الأئمّـة من ذرّيّته لا يردّ ولا يُغلب ، وكانت زينب هي السـبب في حفظه على الظاهر .
فليكن هذا وجهاً خامسـاً لحمل العيال ، فلعلّ الحسـين عرف العلّة والمرض لا يكفي في سـلامة ولده ، وأنّهم قد يقتلونه على مرضه ، وأنّ لزينب موقفها الباهر في المفاداة والدفاع عنه .
وكلّ غرضنا من سـحب أذيال هذا المقال ، أن يتجسّم لديك كيف كان الحال في كمّ الأفواه ، وعقل الألسـن ، وإرجاف القلوب ، ومشـق الحسـام لضرب الهام على أقلّ الكلام .
إذاً فمَن يَردّ تلك الأمانة ويؤدّي تلك الوديعة ، وديعة الحقّ ، وأمانة الصدق ، والانتصار للحقيقة ، وإزهاق الباطل ؟!
نعم ، قُمْنَ بكلّ تلك الوظائف على أوفى ما يرام ، وأتمّ ما يحصل به الغرض ، قُمْنَ به ودائع النبوّة وحرائر الوحي والرسـالة ، نهضن بتلك الأعباء الثقيلة التي تعجز عنها الأبطال وأُسـود الرجال .
كأنّ الحسـين (عليه السلام) علم ـ ولا شـكّ أنّه علم ـ أنّه سـيُقتل هو وجميع أهل بيته وأنصاره ، ولا يبقى رجل يتسـنّى له الكشـف لجمهرة ذلك الخلق التعس عن فظاعة تلك الجناية وشـناعة تلك الجرائم السـيّئة ، ولو أهمل
ـــــــــــــــــ

(1) الجامعة : الـغُـلُّ ; لأنّها تجمع اليدين إلى العنق .
انظر : لسان العرب 2 / 359 مادّة « جمع » .

(342)

هذه الناحية المهمّة لذهب قتله سـدىً ، ولفات الغرض والغاية ، فلم يجد بُـدّاً من حمل تلك المصونات معه لتكميل ذلك المشـروع الذي ابتذل نفسـه ونفوس أعزّته في سـبيله .
وعلـم سـلام الله عليـه أنّ بني أُميّـة مهمـا بلغـوا فـي خرق النواميس وهتك الحرمات والتجاوز على الشـناشـن (1) العربية ، والشـرائع الإسـلامية ، ولكنّهم لا يقدرون على قتل النسـاء ; لا يقدرون على قتل امرأة مصابة مفجوعة تكلّمت بشـيء من الكلام تبريداً وتسـكيناً للوعتهـا .
ويوم الطفّ وإنْ قَـتَـلَ حزبُ بني أُميّة عدّةً من النساء الوديعات (2) ،
ـــــــــــــــــ

(1) الشِّـنْـشِـنة : الطبيعة والخليقة والسَّجيّة ، والشـناشن العربية : يعني السجايا والأخلاق والطبائع العربية .
انظر : لسان العرب 7 / 220 مادّة « شـنن » .
(2) استُشهدت مع الإمام الحسين (عليه السلام) يوم الطفّ امرأةٌ واحدة ، هي : أُمّ وهب النمرية القاسطية ، ذكر ذلك الطبري في تاريخه ، بعد أن سرد قصّة التحاقها هي وزوجها عبـد الله بن عمير الكلبي بركب الإمام (عليه السلام) يوم الطفّ ، وخروج زوجها للمبارزة والقتال بين يدي الإمام (عليه السلام) ، وخروجها هي أيضاً للقتال شاحذةً همّة زوجها ، مناصرةً لإمام زمانها ، ولكنّ الإمام (عليه السلام) منعها وردّها إلى الخيام ، قائلا لها : ارجعي رحمك الله إلى النساء ، فإنّه ليـس على النساء قتال .
قال : وخرجت إلى زوجها بعد أن استشهد حتّى جلست عند رأسه تمسح عنه التراب وتقول : هنيئاً لك الجنّة ; فقال شمر بن ذي الجوشن لغلام له يسمّى رستم : اضرب رأسها بالعمود ! فضرب رأسها فشدخه فماتت مكانها .
تاريخ الطبري 3 / 321 ـ 322 و 326 ، وانظر : أنساب الأشراف 3 / 398 ، الكامل في التاريخ 3 / 422 ، البداية والنهاية 8 / 145 .
إلاّ أنّ ابن أعثم الكوفي وابن شهر آشوب والخوارزمي وابن طاووس رووا أنّها كانت مع ولدها وهب وزوجته ، التي حاولت أن تثنيه عن الخروج والقتال مع الإمام أبي عبـد الله الحسين (عليه السلام) في بادئ الأمر ، لكنّ أُمّه كانت تشدّ من أزره وتحثّه على

(343)

كما قتلوا الأطفال (1) ، ولكنّ الحربَ لها أحكام وشـواذّ لا تجري في غيرها .
لا ، وكلاّ ، لا يسـتطيع ابن زياد ـ مهما طغى وتجبّر ـ أن يقتل سـاعة السـلم امرأة عزلاء ، أسـيرة بين يديه ، لا تحمل من السـلاح إلاّ قلبها ولسـانها ، قلبها درعها ، ولسـانها [ سـيفها ] ، لا يسـتطيع أن يقتل امرأة مهما تجـرّأت عليه ، بل ولا يسـتطيع أن يمدّ يده إليها فيضربها (2) .
الاستشهاد بين يدي الإمام (عليه السلام) ليكون شـفيعاً له عند ربّـه يوم القيامة ، إلاّ أنّ زوجته أخذت ـ بعد ذلك ـ عموداً فأقبلت نحوه وهي تقول : فداك أبي وأُمّي ! قاتل دون الطيّبين حرم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ; فأقبل ليردّها إلى النساء ، فأخذت بثوبه وقالت : لن أعود دون أن أموت معك ; وظلّت تقاتل معه إلى أن ردّها الإمام الحسـين (عليه السلام) إلى الخيمـة . انظـر : الفتـوح ـ لابن أعثـم الكوفـي ـ 5 / 116 ـ 117 ، مناقـب آل أبي طـالب ـ لابن شهر آشوب ـ 4 / 109 ـ 110 ، مـقتل الحسـين ـ للخوارزمي ـ 2 / 15 ـ 16 ، الملهوف على قتلى الطفوف : 161 .

ـــــــــــــــــ
(1) واستُشهد مع الإمام أبي عبـد الله الحسين (عليه السلام) يوم الطفّ من الأطفال الّذين لم يبلغوا الحلم خمسة ، وهم : عبـد الله بن الحسين الرضيع ، وعبـد الله بن الحسن ، ومحمّد بن أبي سعيد ، والقاسم بن الحسن ، وعمرو بن جنادة الأنصاري ; وقد ذكر أصحاب السير والتواريخ كيفية اسـتـشهادهم .
انظـر : تاريـخ الطبري 3 / 331 ـ 334 ، الكامل في التاريـخ 3 / 428 ـ 433 ، مقتل الحسين ـ للخوارزمي ـ : 2 / 21 ـ 22 ، مناقب آل أبي طالب 4 / 104 .
(2) أقـول : إنّ ابن مرجانة وأمثاله لا يتوانون ولا يتورّعون عن الاعتداء على حُرَمِ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فهمّه بضرب عقيلة الطالبيّين زينب (عليها السلام) ، التي اعتادت أن ترى مثل هذه الاعتداءات من هؤلاء القوم وأسـيادهم ; فمِن قبلُ رأت كيف عاملوا أُمّها الزهراء (عليها السلام) ولم يرعوا لها حرمة بمجـرّد غياب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وكيف قادوا أباها عليّاً (عليه السلام) ليأخذوا منه البيعة قهراً ، وكيف رموا نعش أخيها الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)بالنبل ، لَدَليل على ذلك ، إلاّ أنّ الله تعالى قيّض وجود بعض الّذين تحرّكهم الشـيم والسجايا والأعراف العربية ، وليس الورع والتقوى والمودّة في القربى التي أمر بها الكـتاب العزيز ، ووصّى بها النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ممّا حال دون ذلك .
فانظـر وتأمّـل !

(344)

إنّ زينب العقيلة لمّا سـوّدت وجه ابن زياد ولطمته تلك اللطمة السـوداء بقولها : « ثكلتك أُمّـك يا بن مرجانة ! » ، اسـودّت الدنيا في عينه ، حيث عرف والحاضرون ما أرادت ، فَهَمَّ أن يضربها ، ولكنّ عمرو بن حريث ، وهو من أكبر القوّاد في جند ابن سـعد ، وكان أميراً على الرجّالة بعد أن كان من خواصّ أمير المؤمنين في صفّين ، أنكر عليه وجاءه بحجّة ، وهي أنّها امرأة ، والمرأة لا تؤاخذ بشـيء من منطقها ، فقال ابن زياد : « أما تراها كيف تجـرّأت علَيَّ ؟! » (1) .
كان الحسـين وأنصاره قد وقفوا يوم الطفّ موقفاً تجسّـمت فيه روح الشـجاعة والبسـالة ، وأصبح المثل الأعلى للعزم والإقدام والاسـتهانة بهذه الحياة في سـبيل العـزّ والإباء ، ودون موارد الذلّ !
وقفوا موقفاً ما حدّثنا التاريخ بمثله ، ولا سـمع الدهر بنظيـره !
وقف سـبعون رجلا في مقابل سـبعين ألفاً ، ومددهم إلى الكوفة ، بل إلى الشـام متواصل ، وهؤلاء لا مدد لهم ، هؤلاء على شـاطئ النهر يكرعون منه ، وينتهلون كلّ حين ، وأُولئك قد حُبسـوا عن الماء يومين أو ثلاث ، والعطش وحرّ الهجير ورمال الصحراء أحرق أجسـادهم ، وفتّت أكبادهم ، وأطفالهم يتصارخون من العطش نصب أعينهم ، وعلى احتفاف أضعاف ذلك الرزايا والمحن بهم . نعـم ، ومـع كلّـه مـا هانـوا ولا اسـتـكانـوا ، ولا فـشـلوا ولا ذلّوا ، بل كانوا يزدادون بشـراً وطلاقة ، وعزماً وصلابة ، وعـزّاً وشـهامة .
حقّـاً إنّه لموقف باهر ، ومقام قاهر ، وحديث مدهش ، ونفوس
ـــــــــــــــــ

(1) انظر : تاريخ الطبري 3 / 337 .

(345)

غريبة ، بل وفوق الغرابة بمكان !
ولكن ألا أدلّك على أدهى من موقف أنصار الحسـين (عليه السلام) وأدهش وأبهى وأبهر ؟! هو موقف عقائل النبـوّة في مجلس يزيد وابن زياد !
أتسـتطيع أن تسـتحضر في نفسـك ، وتتمثّل في أُمّ رأسـك مجلس ابن زياد في قصر الإمارة بالكوفة وقد أَدْخَلوا عليه السـبايا والرؤوس ، وفيهنّ الحرّة الحوراء زينب الكبرى ، وهو سـكران بنشـوة الفتح والظفر ، ورؤسـاء الأرباع والأسـباع (1) ، ورؤوس القبائل مثول بين يديه ، والدنيا مقبلة بكلّ وجهها عليه ؟!
دخلت عليه تلك العقيلة وجلسـت ناحية متنكّرة ، فأبت نفسـه الخبيثة أن يصفح صفح الكرام ، ويغضي إغضاء الأماجد ، أبت نفسـه إلاّ إظهار الشـماتة ، ولؤم الملَـكة ، وخبث الظفر ، وسـوء الاسـتيلاء ، وقبيح الأثرة ، فسـأل ـ ولا شـكّ أنّه ....... . (2) ، ويهتكها ـ وهو المهتوك ـ وقال : « مَن هذه المتنكّرة ؟!
فقيل له : هي زينب بنت عليّ (عليه السلام) .
فقال لها قول الشـامت الشـاتم : أرأيت كيف صنع الله بأخيك الحسـين والعتاة المردة من أهل بيته ؟!
ـــــــــــــــــ

(1) الأرباع : جمع الـرَّبْـع ; أي المنزل والمحلّة والدار .
والأسـباع : جمع الـسُّـبْـع ـ بالضمّ ـ : وهي جزء من سـبعة .
انظر : لسان العرب 5 / 115 مادّة « ربع » ، تاج العروس 11 / 199 مادّة « سـبع » .
ورؤساء الأرباع والأسباع كناية عن رؤساء العشائر والأحياء والمجاميع التي كانت حاضرة مجلس ابن زياد حين دخول حرم رسول الله سـبايا إلى قصره .
(2) كذا في الأصل ، والظاهر أنّ هناك سقطاً في الفقرة .

(346)

فقالت ـ قول الثابت الجَنان ، المتدرّع بدلاص (1) اليقين والإيمان ، المسـتحقر له ولكلّ ما له من قوّة وسـلطان ـ : ما رأيت إلاّ جميلا ، أُولئك قوم كـتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم ، وسـيجمع الله بينك وبينهم ، فتحاجّ وتخاصم فانظر لمن الفلج (2) ؟! ثكلتك أُمّك يا بن مرجانة !
فلمّا لطمته بهذه اللطمة السـوداء لم يجد سـبيلا للتشـفّي منها والانتقام إلاّ بأسـوأ الكلام من السـباب والشـتيمة ، فقال : الحمد لله الذي قتلكم وفضحكم ، وأكذب أُحدوثتكم .
فقالت ـ غير طائشـة ولا مذعورة ـ : إنّما يفتضح الفاسـق ويكـذب الفاجر ، وهو غيرنا .
وقف الحسـين وأنصاره ظهيرة عاشـوراء وهم على خيولهم الجياد ، وفي أيمانهم البيض الحداد (3) ، وعلى متونهم السـمر الصِّعاد (4) ، قد رفلوا بأبراد العزّ ، وتكلّلوا بتيجان الشـرف ، لا يُقتل منهم واحد حتّى يَقتلوا ألفاً من عدوّهم (5) ، وهم ضاحكون مسـتبشـرون ، ثقة بما يصيرون إليه بَعدُ من
ـــــــــــــــــ

(1) الـدِّلاص من الدروع : اللـيّنة ، ودرعٌ دِلاص : برّاقة ملساء ليّنة بيّنة الـدَّلَصِ ، والجمع : دُلُصٌ .
انظر : لسان العرب 4 / 388 مادّة « دلص » .
(2) الـفَـلْـجُ : الـظَّـفَـرُ والفوز ، وقد فَلَجَ الرجلُ على خصمه يفلجُ فلجاً .
انظر : لسان العرب 10 / 314 مادّة « فلج » .
(3) البيض الحِداد : السيوف الحداد القاطعة التي شُحذت ومُسحت بحجر أو مبرد .
انظر : لسان العرب 1 / 555 مادّة « بيض » و ج 3 / 80 مادّة « حدد » .
(4) الصعدَةُ : القناة ، وقيل : القناة المستوية تنبت كذلك لا تحتاج إلى التثقيف ، والجمع : صِعاد ، وقيل : هي نحوٌ من الألّةِ ، والألَّةُ أصغَرُ من الحربـة .
انظر : لسان العرب 7 / 344 مادّة « صعد » .
(5) جهة الالتئام دقيقة مع ما سـبق في صحيفة 349 : « وقف سـبعون رجلا في مقابل سـبعين ألفاً » ، بالمبالغة هنا والحقيقة هناك . منـه (قدس سره) .

(347)

منازل الفردوس الأعلى في دار النعيم .
كان هذا موقف الحسـين وأنصاره يوم الطفّ .
ووقفت زينب بنت عليّ (عليه السلام) والخفيرات من أهل بيتها في مجلس ابن زياد وهم في قيد الإسـار ، وذلّ الصغار ، لا ترى أمام عينها إلاّ عدوّاً شـاتماً ، أو كاشـحاً (1) شـامتاً ، أو قاتلا لحُماتها وسُـراتها ، واليتامى والأيامى حولها ، كلّ هذه الشـؤون والشـجون ممّا تذيب القلب ، وتذهل اللبّ ، وتطيش عندها الأحلام ، وتخرس الألسـنة ، وتموت الفطنة ، ولا يسـتطيع أجلد إنسـان أن ينبس بكلمة في مثل تلك الكوارث .
أفهل تخشـى ـ لو تصوّرت مزايا تلك الرزايا لزينب ـ أن تقول : إنّ موقفها عند ابن زياد كان أعظم من موقف أنصار الحسـين يوم الطفّ عند جند ابن سـعد ؟!
قل ولا تخف ، وعلَيَّ الإثبات .
هل أحسـسـتَ في تلك السـاعة الرهيبة من زينب أمام عدوّها القاسـي الظالم الشـامت الشـاتم أن تلجلج لسـانها ؟! أو اضطرب جَنانها ؟! أو ظهر عليها ذرّة من الذلّ والاسـتكانة ؟! أو خضعت فانقطعت ؟! أو عجزت عن ارتجال الخطب البليغة التي لو جاء بها الوادع السـاكن والمطمئنّ الآمن بعد ليال وأيّام لكانت آية من آيات الإبداع ، ورمزاً من رموز البراعة ؟!
فكيف وقد اندفعت بها في حشـد الرجال على سـبيل الارتجال ،
ـــــــــــــــــ

(1) الكاشح : العدوّ المبغض الذي يضمر لك العداوة ويطوي عليها كـشْـحَـهُ ، أي : باطنه . انظر : لسان العرب 12 / 99 مادّة « كشح » .

(346)

وهي على ما عرفتَ من الوضع ; عنه يقـال في الشـدّة : « بين ذارعي وجبـهـة الأسـد » (1) ، تـتقاذفهـا لهـوات الكُـرب ، وتلوكهـا وتمضـغها أنيـاب النـوب ، حتّـى إنّ ابن زياد أعجَـمَ عُـودَها (2) ، فرآهـا صـلبـاً مـرّاً ، لا يلين لغامز ، ولا يلـذّ لماضِـغ ، وأنّها لا تنقطـع ولا تكـلّ ، ولا تعرف للرهبة وللخوف معنىً ، وخشـي أن لا تُبقي من هتكه وفضيحتـه باقيـة ، وأن تقلـب عليه الرأي العـامّ ، وتُحْـدِث في جماعتـه فتقاً لا يرتق ، غيَّـرَ من خطّـته ، وتنازل عن غُـلوائه (3) وشـدّته ، فكان آخـر كلامـه معهـا بعد أن شـفت غليلها منه : لعمري إنّها لسـجّاعة ، ولقد كان أبوها أسـجع منهـا (4) ؟!
لا يا بن مرجانة ! ما هي بسـجّاعة ، هي أُمثولة الصبر والثبات ، ورمز غلبة الحقّ على الباطل ، واحتقار الحكم الزائف والملك الزائل ، وسـلطنة
ـــــــــــــــــ

(1) عجز بيت للفرزدق ، وتمامه :
يا مَن رأى عارضاً أسرَّ به بين ذراعي وجبهة الأسدِ
انظـر : شـرح ديوان الفـرزدق : 215 ، كـتاب سـيبويه 1 / 180 ، إملاء ما مَنَّ به الرحمن : 480 تفسير سورة الروم ، خزانة الأدب 2 / 281 ـ 282 .
وأورده صاحب مغني اللبيب : 498 رقم 707 وفي ص 809 رقم 1047 دون أن ينسـبه لأحد .
(2) الـعَـجْـمُ : عَضٌّ شديدٌ بالأضراس دون الثنايا ، وعجم الشيء يعجمه عجماً وعجوماً : عضّه ليعلم صلابته مِن خَـورِه ورَخاوَته .
انظر مادّة « عجم » في : لسان العرب 9 / 70 ، تاج العروس 17 / 463 .
وأعجمَ عودَها : يعني اختبر قوّتها وصلابتها سلام الله عليها .
(3) الـغُـلْواء ; سـرعةُ الشـباب وشِـرّته ، وغُـلَـواءُ كلّ شيء أوّلُـه وشِـرَّتـه .
انظر : لسان العرب 10 / 114 مادّة « غـلا » .
(4) انظر : تاريخ الطبري 3 / 337 ، مقتل الحسين ـ لابن أعثم الكوفي ـ : 150 ، الكامل في التاريخ 3 / 435 ، مقتل الحسين ـ للخوارزمي ـ 2 / 47 ـ 48 .

(347)

الخداع والمكر .
لا يا بن مرجانة ! هذه زينب بنت عليّ الذي عَلَّمَ الناس الفصاحة ، والبراعة ، والشـجاعة ، والسـجاعة .
هذه زينب بنت الزهراء البتول ، لا كمرجانة وسـميّة ذوات الأعلام في الجاهلية والإسـلام (1) .
هذه زينب بنت الطاهرة العذراء ، لا كهند الخرقاء (2) ، صـاحبة القارعة (3) والفاكّة (4) ، التي يقول فيها حسّان شاعر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) :
ـــــــــــــــــ

(1) سميّة : هي جارية للحـرث بن كلدة ، الطبيب الثقفي ، كانت من البغايا ذوات الرايات بالطائف ، وتسكن حارة البغايا خارجاً عن الحضر ، وتؤدّي الضريبة للحـرث ، وكان قد زوّجـها من غلام رومي له اسـمه : عبيد ، وفي أحد أسفار أبي سفيان للطائف طلب من أبي مريم الخمّار بغيّاً ، فقدّم له سميّة فعلقت بزياد ووضعته على فراش عبيد سنة إحدى من الهجرة ، وكان يُنسب إليه ، ألحقه معاوية بأبيه أبي سفيان فقيل له : زياد بن أبي سفيان .
ومرجانة : هي زوجة زياد بن أبي سفيان ، وأُمّ عبيـد الله بن زياد .
انظر : الاستيعاب 2 / 523 رقم 825 ، أُسد الغابة 2 / 119 رقم 1800 ، مروج الذهب 3 / 6 .
(2) الخُرق : الجهل والحُمق ; خَرُقَ خُرقاً ، فهو أخرق ، والأُنثى خرقاء ، وامرأة خرقاء : أي غير صَنَاع ولا لها رِفق ، فإذا بنت بيتاً انهدم سريعاً .
انظر : لسان العرب 4 / 74 مادّة « خرق » .
(3) قارعة الدارِ : ساحَتها ، وقارعة الطريق : أعلاه ، وقيل : وسطه ، وقيل : هو نفس الطريق .
وصـاحبة القارعة : كنايـة عـن المـرأة التـي تكثـر الجلوس على قارعـة الطريق ولا يسلم من لسانها المارّة ، ولا تبالي بما يقال فيها .
انظر : لسان العرب 11 / 123 مادّة « قرع » .
(4) الفاكُّ : الـهَرمُ من الإبل والناس ، فَكَّ يَفُكُّ فكّاً وفكوكاً ، وشيخ فاكٌّ إذا انفرج لحياه من الهَرم .
انظر : لسان العرب 10 / 307 ـ 308 مادّة « فكك » .

(348)

لمنِ الصبيُّ بجانبِ البطحاءِ ......................

البيتيـن (1) .
وما كانت تلك الشـجاعة منها سـلام الله عليها في مرّة أو مـرّتيـن ، بل كانت كلّما ضاق الأمر ، واشـتدّت المحنـة ، وتجـمهـر المتفرّجـون عليهم عند دخولهم الكوفة ، وعند خروجهم منها ، وفي قصـر الإمـارة ، وفي مجلـس ابن زياد ; في كلّ ذلك تـتـحـدّى فتُـدْهـش ، وتحـتـجّ فتُفْلـج ، وتخطب فتُعْجب ، تخطب خطبة البليغِ المُدِرِّ (2) ، والمِصْـقَـعِ (3)المُـفَـوَّهِ (4) الذي تهيّـأت له كلّ أسـباب الـدَّعَـة (5) والراحـة والفـراغ والطمـأنينـة .
دخل السـبي إلى الكوفة بحال ( يذوب الصفا منها
ـــــــــــــــــ

(1) قال حسّان بن ثابت لهند ابنة عتبة بن ربيعة :
لِمَنْ الصَّبِيُّ بِجانِبِ البَطْحاءِ نَجَلَتْ بِهِ بيضاءُ آنِسَةٌ ملقىً عليه غَيرَ ذي مَهْدِ مِن عَبْدِ شَمْس صَلْتَةُ الخَدِّ
انظر : ديوان حسّان بن ثابت 1 / 396 .
(2) الـمُدِرُّ : المكـثِـر السَّـيّال ، ودَرَّت السماء بالمطر دَرّاً ، إذا كـثر مطرها ، وسـماء مِدرارٌ أي : تدرّ المطر .
وهي هنا كناية عن غزارة علم عقيلة بني هاشم السـيّدة زينب سلام الله عليها وبلاغتها .
انظر : لسان العرب 4 / 324 ـ 326 مادّة « درر » .
(3) المِصْـقَـعُ : البليغ الماهر في خُطبته ، والجمع : مصاقِـع .
انظر : تاج العروس 11 / 275 مادّة « صقع » .
(4) المُـفَـوَّهُ : الرجل الذي يجيد القول .
انظر : لسان العرب 10 / 356 مادّة « فوه » .
(5) الـدَّعَـةُ : السكينة والوقار والـتَّـرَفُّـه .
انظر : لسان العرب 15 / 250 ـ 251 مادّة « ودع » .

(349)

ويشـجي المحصبُ ) (1) ، فجعل أهل الكوفة ينوحون ويبكون ، فقال عليّ بن الحسـين (عليه السلام) وقد أنهكـته العلّة : « تقتلنا رجالكم وتبكينا نسـاؤكم ، فالحَـكَـمُ بيننا وبينكم الله يوم فصـل القضـاء » (2) .
ثمّ تعاظمت الفجيعة فصار الرجال والنسـاء يبكون معاً ، فقال (عليه السلام) : « أتبكون وتنوحون لنا ؟! فمن قتلنا ؟! » (3) .
قال بشـر بن خزيم الأسـدي (4) : ونظرت إلى زينب بنت عليّ (عليه السلام)يومئـذ فلـم أرَ خفـرة قطّ أنطـق منهـا كأنّـما تنطـق عـن لسـان أمير المؤمنين (عليه السلام) ،
ـــــــــــــــــ

(1) عجز بيت للشيخ هاشم الكعبي ، من قصيدة طويلة يرثي بها الإمام الحسـين (عليه السلام)في 99 بيتاً ، مطلعها :
مُنى القلب أن تدنو منّي بعولة وللركب قصدٌ دون ذاك ومطلبُ
إلى أن يقول :
ورحن كما شاء العدوّ بعولة يذوب الصفا منها ويشجي المحصبُ
ويقول في آخر القصيـدة :
ولي منك موعودٌ أرجى نجاحه وموعدك الحقّ الذي ليس يكذبُ
والناظم هو : الشـيخ هاشـم بن حردان الكعبي الدورقي ، وُلد ونشأ في ( الدورق ) مسكن عشائر كعب في الأهواز ، ثمّ سكن كربلاء والنجف ; وهو من فحول الشعراء وفي طليعتهم ، نظم في رثاء أهل البيت (عليهم السلام) فأكثر وأبدع وأجاد ، له ديوان أكثره في الأئمّة (عليهم السلام) ويضمّ بين دفّـتيه عشرين قصيدة حسـينية أو أكـثر ، توفّي سـنة 1231 هـ .
انظر : الديوان : 1 ـ 6 ، أدب الطفّ 6 / 218 .
(2) الكلام لأُمّ كلثوم بنت الإمام أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) كما في : ينابيع المودّة 3 / 86 ، بحار الأنوار 45 / 115 .
(3) انظر : مقتل الحسـين ـ لابن أعثم الكوفي ـ : 147 ، مقتل الحسـين ـ للخوارزمي ـ 2 / 45 ، الملهوف على قتلى الطفوف : 192 .
(4) كذا في الأصـل ، وقد اختلف أصحاب السـير والتواريخ في ضبط اسـمه ، ففي بلاغـات النسـاء : 74 ـ 77 : حـذام الأسـدي ، ومـرّة أُخـرى حذيـم ، وفي الأمـالي ـ للشـيخ المفيد ـ : 312 : حذلم بن سـتير ، وفي نسـخة بدل : حذلم بن بشـير ،

(350)

وقد أومأت إلى الناس أن اسـكتوا ، فارتدّت الأنفاس ، وسـكنت الأجراس (1) ، ثمّ قالت :
« الحمد لله ، والصلاة على أبي محمّـد وآله .
أمّـا بعـد . .
يا أهل الكوفة ! يا أهل الختل (2) والغدر ! أتبكون ؟ !
فلا رقأت الدمعة ، ولا هدأت الرنّة ، إنّما مثلكم كمثل التي ( نقضت غزلها من بعد قـوّة أنكاثاً ) (3) .
واندفعت كالسـيل المنحدر ، إلى أن قالت :
أتبكـون وتنتحبـون ؟ !
إي والله فابكوا كـثيراً واضحكوا قليلا ، فلقد ذهبتم بعارها
وفـي الاحتجـاج 2 / 29 و 31 : حذيـم بن شـريك الأسـدي ، وفـي مقتـل الحسـين ـ للخوارزمي ـ 2 / 45 : بشـير بن حذيم الأسـدي ، وفي الملهوف على قتلى الطفوف : 192 ـ 194 : بشـير بن خزيـم الأسـدي ، وفـي الرجـال ـ للشـيخ الطوسي ـ : 88 باب الحـاء : حذيم بن شـريك ، وقد عدّه من أصحاب الإمام عليّ ابن الحسـين (عليه السلام) .

ـــــــــــــــــ
(1) الجَـرْسُ والجِـرْسُ والجَـرَسُ : الصوت الخفي ، والحركة والصوت من كلّ ذي صوت ، والجَـرَسُ : الذي يُضرَب به ، والجمع : أجـراس .
انظر : لسان العرب 2 / 248 مادّة « جرس » .
(2) الختل : تخادع عن غفلة ، خَتَله يختُله ويختِله ختلا وختلاناً ، وخاتلهُ : خدعه عن غفلة ، والختل : الخديعة .
انظر : لسان العرب 4 / 24 مادّة « ختل » .
(3) سـورة النحل 16 : 92 .

(351)

وشـنارها (1) .
ويلكم ! أتدرون أيَّ كبـد لرسـول الله فريتم ؟ ! وأيَّ كريمة له أبرزتم ؟ ! وأيَّ دم له سـفكـتم ؟ !
أفعجبتم أن قطرت السماء دماءً ( ولعذاب الآخرة أخزى ) (2)وأنتم لا تنصـرون ، فلا يسـتخفنّكم الجهل ، فإنّه لا يحفزه البِدار (3) ، ولا يخاف فوت الثار ، وإنّ ربّـكم لبالمرصاد .
قال : فوالله لقد رأيت الناس يومئذ حيارى يبكون ، وقد وضعوا أيديهم في أفواههم ، ورأيت شـيخاً يبكي حتّى اخضلّت لحيته وهو يقول : بأبي أنتم ، كهولكم خير الكهول ، وشـبابكم خير الشـباب ، ونسـاؤكم خيـر النسـاء ، ونسـلكم خيـر نسـل ، لا يذلّ ولا يخـزى » (4) .
ـــــــــــــــــ

(1) الـشِّـنار : أقبح العيب والعار .
انظر : لسان العرب 7 / 211 مادّة « شنر » .
(2) سورة فصّلت 41 : 16 .
(3) بادَرَ الشيء مبادَرَةً وبِداراً وابتَدَرَهُ وبَدَرَ غيره إليه يَـبْـدُرُه : عاجَلهُ ، ولا يحفزه البِدار ; أي لا تدفعه المعاجلة ، والضمير عائد إلى الله سـبحانه وتعالى .
انظر : لسان العرب 1 / 340 مادّة « بدر » .
(4) انظر : الأمالي ـ للشيخ المفيد ـ : 321 ـ 324 ، الأمالي ـ للطوسي ـ : 91 المجلس الثالث رقم 142 ، الاحتجاج 2 / 109 ـ 114 ، مقتل الحسين ـ للخوارزمي ـ 2 / 45 ـ 47 ، الملهوف على قتلى الطفوف : 192 ـ 194 .
وقد أورد ابن طيفور الخطبة كاملة ، إلاّ أنّه نسـبها إلى أُمّ كلثـوم بنـت أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ، فـقـال : « ... ، عن حـذام الأسدي ـ وقال مرّة أُخرى : حذيم ـ ، قال : قَدمْت الكوفـة ... إلى أن قال : ورأيت أُمّ كلثوم ـ رضي الله عنها ـ ولم أرَ خفرة ... إلى أن قال : ورأيت شيخاً كبيراً من بني جعفي ، وقد اخضلّت لحيته من دموع عينه ، وهو يقول :
كهولكم خيرُ الكهول ونَسْلُهُمُ إذا عُدَّ نسلٌ لا يبورُ ولا يُخزى »
انظر : بلاغات النساء : 74 ـ 77 .

(352)

ثمّ خطبت أُمّ كلثوم بخطبة بليغـة (1) .
ثمّ خطبت فاطمة الصغرى بخطبتها التي تقول في أوّلها : « الحمد لله عدد الرمل والحصـى ، وزنة العرش إلى الثرى . . . » (2) إلى آخر ما قالت .
هذا كلّه وهم سـائرون يسـاقون في السـبي على الهوادج والمحامل ، وفي الكوفة ، وعند ابن زياد .
ولكن هلمّ معي ندخل مع هذا السـبي إلى الشـام وننظر كيف دخوله على يزيد ووقوفهم بين يديه ، ولنسـتبق إلى مجلس يزيد نتبـوّأ لنا موقفاً منه قبل ازدحام المتفـرّجين وتزاحم النظّـارة ..
ووقفنا في حاشـية النادي الأُموي نتطلّع ..
هذا يزيد جالس على السـرير فوق المصطبة العالية ، وهو مخمور يرنّح (3) أعطافه (4) من خمرتين : خمرة العُقار (5) ، وخمرة الانتصار ، ومنتش
ـــــــــــــــــ

(1) انظر : بلاغات النساء : 74 ، الملهوف على قتلى الطفوف : 198 .
(2) الاحتجاج 2 / 104 ـ 108 رقم 169 ، الملهوف على قتلى الطفوف : 194 ـ 197 .
(3) الـتَّـرَنُّـحُ : تَـمَـزُّز الشراب ، ورَنَّـحَ الرجلُ وغيره وتَـرَنّـحَ : تمايل من السُـكر وغيـره .
انظر : لسان العرب 5 / 331 مادّة « رنح » .
(4) العِطفُ : المَنكِبُ ، منكِب الرجل عطفه ، وإبطه عِطفُهُ ، والعُطوف : الآباط ، وعِطفا الرجل والدابّة : جانباه عن يمين وشمال ، وشِقّاه من لَدُن رأسه إلى وركه ، والجمع أعطاف وعِطاف وعُطوف : وعِطفا كلّ شيء : جانباه .
انظر : لسان العرب 9 / 269 مادّة « عطف » .
(5) العُقار : الخمر ، سُمّيت بذلك لأنّها عاقرت العقل ، يقال : عاقره إذا لازمه وداوَمَ عليه ، والمعاقرة : إدمان شرب الخمر .
انظر : لسان العرب 9 / 317 مادّة « عقر » .

(353)

بنشوتين : نشـوة الملك ، ونشـوة الفتح والظفر (1) ، ودونه طواغيت بني أُميّة من الأعياص والعنابسـة (2) من بني عبـد شـمس ، وهم على كراسـي الذهب والعاج ، يرفُـلون (3) بحلل الديباج ..
وهذه أقداح الشـراب والخمور ، ونخب الفرح والسـرور تدار عليه وعليهم ، والأعواد والمزامير تضرب لديهم ..
ـــــــــــــــــ

(1) أقـول : نقل لنا أصحاب السير والتواريخ أنّ الله عزّ وجلّ نغّص نشوة يزيد بقتله أبي عبـد الله الحسـين (عليه السلام) في لحظات ، ولم يدعه يهنأ بهذه النشوة ; ذلك حين جبهه يحيى بن الحكم أخو مروان ، قائلا :
لهام بِجَنبِ الطَّفِّ أدنى قرابةً سُميّة أضحى نسلُها عَدَد الحصى مِن ابنِ زياد العبدِ ذي الحسب الوغلِ وبنتُ رسولِ الله أضحتْ بلا نسلِ
وكذلك عندما اعترض عليـه أبو برزة الأسلمي صاحـب رسـول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قائلا : « ويحك يا يزيد ! أتنكث بقضيبك ثغر الحسين ابن فاطمة ؟! أشهد لقـد رأيت النبيّ يرشف ثناياه وثنايا أخيه الحسـن ، ويقول : أنتما سـيّدا شـباب أهل الجنّـة ، فقتل الله قاتِلَـكُما ولعنه ، وأعدّ لهم جهنّم وسـاءت مصيـراً » .
انظر : أنساب الأشراف 3 / 412 ، تاريخ الطبري 3 / 338 ـ 341 ، البدء والتاريخ 2 / 242 .
(2) كان لأُميّة بن عبـد شمس من الوَلَد أحدَ عشرَ ذكراً ، كلُّ واحد منهم يُكنّى باسم صاحبه ، فمنهم :
الأعياص ، وهـم : العاص وأبو العاص ، والعيص وأبو العيص ، والعويص لا كَنِيَّ لـه .
والعنابـس ، وهم : حرب وأبو حرب ، وسفيان وأبو سفيان ، وعمرو وأبو عمرو ; وإنّما سُمّوا العنابس لأنّهم ثبتوا مع أخيهم حَرب بن أُميّة بعكاظ ، وعقلوا أنفسهم وقاتلوا قتالا شديداً فشُـبِّهوا بالأسد ، والأسود يقال لها العنابس ، واحدها عنبـسـة .
انظر : الأغاني 1 / 17 ـ 18 ، لسان العرب 9 / 415 مادّة « عنبس » .
(3) الـرَّفْـلُ : جَـرُّ الذيل ورَكْـضُـه بالـرِّجْل ، ورَفَـلَ الـرَّجُـلُ في ثيابه يَرفُـلُ إذا أطالها وجرّها متبختراً .
انظر : لسان العرب 5 / 275 ـ 276 مادّة « رفل » .

(354)

فبـينما [ هـم ] على هـذا ومثله ، إذ أدخلوا سـبي آل محمّـد (صلى الله عليه وآله وسلم)مربّـقين (1) بالحبال ، بين نسـاء وأطفال .. هنـاك اسـتفزّته نشـوة الأُنـس والطـرب ، وتمنّى حضور أشـياخه قـتلى بـدر ، من عتبـة وشـيبة والوليد (2) ; ليشـاهدوا أخـذه بثـأرهم ، وقيـامه بأوتـارهم ، وأنّه زاد على أخذ الثـار بقتل الرجال وسـبي العيـال ، قائـلا :
ليت أشياخي ببدر شهدوا ...................... (3)
ـــــــــــــــــ

(1) الربقة : الحبل ، أو عروة في الحبل تُجعل في عنق الحيوان ، والربق بالفتح : مصدر قولك : رَبَـقْـتُ الشاة والجدي أرْبُـقُها وأربِقُها ربقاً ، وربَّـقها : شدّها في الربقة .
انظر : لسان العرب 5 / 123 مادّة « ربق » .
(2) لقد برز عتبة بن ربيعة وأخوه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد يوم بدر إلى القتال ، فبرز لهم الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) وحمزة عمّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وعبـيدة بن الحارث ; فقتل أميرُ المؤمنين الوليدَ بن عتبة ، وقتل حمزةُ شيبةَ بن ربيعة ، واختلف عبيـدة وعتبة بينهما بضربتين كلاهمـا أثبت صاحبه ، وكرَّ الإمام عليّ (عليه السلام) على عتبة فقتله .
وعتبة بن ربيعة ، هو والد هند زوجة أبي سفيان ، أُمّ معاوية وجدّة يزيد ; لذا هو يستذكر هنا أجداده من مشركي قريش الّذين هلكوا في معركة بدر الكبرى على يد أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) ، ويعدّ انتصاره على الإمام الحسـين (عليه السلام) هو أخذٌ بثارات بدر .
انظر: تاريخ الطبري 2 / 32 .
(3) صدر بيت للشاعر عبـد الله بن الـزِّبعْرى من قصيدة قالها يوم أُحد ، جاءت في 16 بيتاً ، مطلعها :
يا غرابَ البينِ ما شئت فقلْ إنّما تندبُ أمراً قد فُعِلْ
ثمّ يقول : ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسلْ

(355)

إلى أن يقول :
بسيوف الهند تعلو هامهم عَلَلا تعلوهُمُ بَعدَ نَهَلْ
هكذا أوردها ابن هشام في السيرة النبويّة 4 / 92 ـ 93 ، وانظر نسبة القصيدة وبعض أبياتها في : طبقات فحول الشعراء 1 / 237 ـ 239 ، الحيوان ـ للجاحظ ـ ج 5 م 2 / 344 ، مقاتل الطالبيّين : 119 ، المؤتلف والمختلف ـ للآمدي ـ : 194 ـ 195 .
أمّا بالنسـبة للأبيات التي كان يتغنّى بها يزيد ـ ورأس الإمام الحسـين (عليه السلام) بين يديه مرّة ، وأُخرى عندما أرسل مسلم بن عقبة رؤوس أهل المدينة له بعد وقعة الحرّة المشهورة ـ فقد ذكرها الخوارزمي في مقتل الحسـين 2 / 65 ـ 66 ، قال : فكشـف عن ثنايا الحسـين بقضيـبه ـ أي : يزيد ـ فقـال له بعض جلسائه : ارفع قضيبك ! فوالله ما أُحصي ما رأيت شفتَي محمّـد (صلى الله عليه وآله وسلم) في مكان قضيبك يقبّـله ، فأنشـد يقول :
1 ـ يا غراب البين ما شئت فقلْ 2 ـ كلّ مُلك ونعيم زائل 3 ـ ليت أشياخي ببدر شهدوا 4 ـ لأهلّوا واستهلّوا فرحاً 5 ـ لست من خِندفَ إن لم أنتقم 6 ـ لعبت هاشم بالملك فلا 7 ـ قد أخذنا من عليّ ثارنا 8 ـ وقتلنا القرم من ساداتهم إنّما تندبُ أمراً قد فُعِلْ وبنات الدهر يلعبن بكلْ جزع الخزرج من وقع الأسلْ ثمّ قالوا : يا يزيد لا تشلْ من بني أحمد ما كان فعلْ خبر جاء ولا وحيٌ نزلْ وقتلنا الفارسَ الليثَ البطلْ وعدلـنـاه ببـدر فاعـتــدلْ
إنّ الأبيات من 4 ـ 7 المذكورة أعلاه لم ترد في السـيرة النبويّة ـ لابن هشام ـ ; لذا ذهب بعض أصحاب السير والتواريخ إلى أنّها من إنشاء يزيد وزياداته على القصيـدة :
يقول ابن أعثم في مقتل الحسين ، ص 160 : ثمّ زاد فيها ـ أي في القصيدة ـ هذا البيت :
لسـتُ من عتبة إن لم أنتقم من بني أحمد ما كان فْعل
ويقول سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواصّ ، ص 235 : قال الشعبي : وزاد

(356)

هنـالك قامت العقيلـة زينب فقـالت ، واسـمع ما قالـت ، وانظـر كيف خطبت ، وهل راعها أو هالها شـيء من تلك المظاهر الهائلة ، وتأمّل في فقرات خطبتها التي قصمت بها الفَقار (1) من ظهر يزيد ، وكانت أشـدّ عليه من ضرب الحسام في يد الضرغام ، وانظر كيف صيّرته ـ وهو بتلك فيها يزيد ، فقال :
لعبتْ هاشم بالملك فلا لستُ من خندف إن لم أنتقم خبر جاء ولا وحيٌ نزلْ من بني أحمد ما كان فعلْ
ويقول ابن كثير في البداية والنهاية 8 / 180 : وقد زاد بعض الروافض فيها ، فقال :
لعبتْ هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحيٌ نزلْ
وأورد صاحب العقد الفريد 3 / 374 البيتين 3 و 4 المذكورين أعلاه ، وعلّق عليهما المحقّـق قائلا : بأنّ البيت الثاني من إضافات يزيـد .
ويقول الطبري في تاريخه 5 / 623 : فقال ـ أي يزيد ـ مجاهراً بكفره ، ومظهراً لشـركه ; وذكر الأبيات 8 ، 3 ، 4 ، 5 ، 6 ، المذكورة أعـلاه .
أقـول : إنّ قصيدة ابن الزِّبَعْرى هذه كانت من الشهرة بمكان حتّى كان يتناقلها الرواة من قبل أن يتغنّى ويتمثّل بأبياتها يزيد ، وبعد أن تمثّل بها يزيد وأضاف فيها ما أضاف من الأبيات ـ في مجالس الشرب والغناء التي كان يقيمها وهو واضع رأس الإمام الحسـين (عليه السلام) أمامه ـ ، تناقلها الرواة كلٌّ حسب هواه ، فمنهم من لم يشأ إظهار كفر يزيد بحذفه بعض ما أضافه يزيد من الأبيات ، ومنهم من اتّهم بعضَ الشـيعة بوضعها ، ومنهم من نقلها كما هي أمانةً للتاريخ ، مضيفين إليها ما في ذاكرتهم من الأبيات ; ولذا كان هذا الاختلاف في بعض ألفاظ الأبيات التي رويت على لسانه .
والحاصـل : إنّ النتيجة واحـدة ، سواء كانت الأبيات ليزيد أو لابن الزِّبعرى ، فترديد يزيد وتغنّيه بها على إثر ما يعدّه انتصاراً في واقعتين كبيرتين ـ بل في جريمتين كبريتين ـ سوّدتا وجـه التاريخ ، دليل على كفره وشركه وانحرافه عن الدين والملّـة .
(1) الفِقرة والفَقَرَة والفَقار ـ بالفتح ـ : واحدة فَقار الظهر ، وهو ما تنضّد من عظام الصلب من لَدُن الكاهل إلى العَجب ، والجمع : فِقَر وفَقار ، وقيل : فِقْرات وفِقَرات .

ـــــــــــــــــ
(1) انظر : لسان العرب 10 / 300 مادّة « فقر » .

(357)

الأُبّهة ـ أحقر من قلامة (1) ، وأقذر من قمامة ، قامت صلوات الله عليها فقالـت :
« صَدَقَ اللهُ كَذلِكَ حينَ يَقول : ( ثمّ كان عاقبة الّذين أسـاؤا السـوأى أن كذّبوا بآيات الله وكانوا بها يسـتهزئون ) (2) .
أَظَنَنْتَ يا يَزيد حَيْث أَخَذْتَ عَلَيْنا أَقطارَ الأَرْضِ وَآفاقَ السَـماءِ ، فَأصْبَحْنا نُسـاقُ بَيْنَ يَدَيْكَ كَما تُسـاقُ الأُسـارى ، أنّ بِنـا عَلى اللهِ هَوانـاً وَبِـكَ عَلَيهِ كَرامَة ، وَأنّ ذلِكَ لِعِظَمِ خَطَرِكَ عِنْدَه ؟ ! فَشَمَخْتَ بِأنْفِكَ ، وَنَظَرْتَ في عطْفِكَ ، جَذلان مَسْـروراً ، حَيْث رَأيْتَ الدُنْيا لَكَ مُسـْتَوْسِـقة (3) ، وَالأُمور مُتّسـِقَة ، وَحِينَ صَفا لَكَ مُلْـكُـنا وَسـُلطانُنا .
فَمَهْلا مَهْلا ! أَنَسـيتَ قَولَ اللهِ عَزّ وَجَلّ : ( ولا يحسـبنّ الّذين كفروا أنّما نملي لهم خيرٌ لأنفسـهم إنّما نملي لهم ليزدادوا إثماً ولهم عذاب مهين ) (4) ؟!
أمن العدل يا بن الطلقاء تخديرك حرائرك وإمـاءك ، وسـوقك بنات رسـول الله سـبايا ؟! قد هتكت سـتورهنّ ، وأبديت . . .
ـــــــــــــــــ

(1) القُلامة : اسم ما قطع من طرف الظفر .
انظر : لسان العرب 11 / 291 مادّة « قلم » .
(2) سـورة الروم 30 : 10 .
(3) وسقَ : وسقه يَسِقُه وسقاً ووسوقاً ; أي : ضَمَّهُ وجمعه وحمله ، واسـتوسقت الإبل ; أي : اجتمعت ، اسـتوسقَ لك الأمر : أمكنَك ، ومسـتوسقة : مجتمعة .
انظر : تاج العروس 13 / 481 مادّة « وسق » .
(4) سورة آل عمران 3 : 178 .

(358)

وكيف يُرتجى مراقبة مَن لفظ فوه أكبادَ الأزكياء ، ونبت لحمه بدماء الشـهداء ؟!
ثمّ تقول غير مسـتعظم ولا متأثّم :
لأهلّوا واسـتهلّوا فرحاً ...................... (1)
تهتف بأشـياخك ، زعمت أنّك تناديهم ، فلَتَرِدَنَّ وشـيكاً مَورِدَهُمْ ، وتودّنّ أنّـك شـللت وبكمت ، ولم تكن قلت ما قلت ، وفعلت ما فعلت ، حسـبك بالله حاكماً ، وبمحمّـد (صلى الله عليه وآله وسلم) خصيماً ، وبجبرئيل ظهيراً ، وسـيعلم مَن سـوّل لك ومكّـنك من رقاب المسـلمين ( بئس للظالمين بدلا ) (2) وأيُّـكُم ( شـرٌّ مكاناً وأضعف جنـداً ) (3) .
أقـول : ألا بحرمة الإنصاف والحقيقة قل لي : أتسـتطيع ريشـة أعظم مصوّر وأبدع ممثّل أن يمثّل لك حال يزيد وشـموخه بأنفه ، وزهوّه بعطْفه ، وسـروره وجذله باتّسـاق الأُمور وانتظام الملك ، ولذّة الفتح والظفر ، والتشـفّي والانتقام ، بأحسـن من ذلك التصوير والتمثيل ؟!
وهل في القدرة والإمكان لأحد أن يدمغ خصمه بتلك الكلمات وهي على الحال الذي عرفت ؟!
ثمّ لم تقنع منه بذلك حتّى أرادت أن تمثّل له وللحاضرين عنده ذلّة الباطل وعزّة الحقّ ، وعدم الاكـتراث والمبالاة بالقوّة والسـلطة ، والهيبة والرهبة .
ـــــــــــــــــ

(1) راجع ما تقدّم في الصفحة 361 هـ 3 .
(2) سـورة الكهف 18 : 50 .
(3) سـورة مريم 19 : 75 .

(359)

أرادت أن تُعَرِّفَهُ خِسَّةَ قدره ، وضعة مقداره ، وشـناعة فعله ، ولؤم فرعه وأصله ، وتعاليها عن حواره ، وترفّعها عن مخاطبته ، فقالت وتعاظمت بحقّ واسـتطالت :
ولئن جرّت علَيَّ الدواهي مخاطبتك أنّي أسـتصغر قدرك وأسـتعظم تقريعك ، وأسـتكبر توبيخك ، لكنّ العيون عبرى ، والصدور حرّى ، ألا فالعجب كلّ العجب لقتل حزب الله النجباء بحزب الشـيطان الطلقاء .
ثمّ أرادت أن تجسّم له عياناً مقام العزّة ، وموضع الصبر والجلد والثبات والسـكينة ..
أرادت أن تعرِّفَهُ والناسَ جميل النظر في العاقبة ، وأنّ الأُمور بعواقبها ، والأعمال بخواتمها ، وأنّ شـرف الغاية ـ كما يقال ـ يبرّر الواسـطة (1) ..
أرادت أن تعرّفه شـرف آبائها وأبنائها ، وأنّ القتل والشـهادة ما زادهم إلاّ فخاراً ، وما جلب لعدوّهم إلاّ عاراً وناراً ، فقالت وما أبلغ ما قالت :
ـــــــــــــــــ

(1) أقـول : نعم ، إنّ شـرف الغاية يبرّر الواسـطة ، ولكن لا يكون ذلك إلاّ لمَن عصمه الباري عزّ وجلّ عن كلّ خطأ وزلل ، فتقييم المعصوم لشـرف الغاية ونوع الوسـيلة يكون تقييماً إلهيّـاً لا يسـتند إلى الهوى والرغبات الشـخصية ، فكلّ الوسـائل التي يتّبعها للوصـول إلى الغايـة لا تخرج عن كونها وسـائل شـرعية .
ولعِلم المصنّف (قدس سره) بأنّ مقولة : « شـرف الغاية يبرّر الواسـطة » على إطلاقها غير صحيحة ; لتعذُّر تشـخيص الغاية الشـريفة من غيرها ممّن هم دون مرتبة العصمة ، الّذين تتعدّد اجتهاداتهم وآراؤهم تبعاً لأهوائهم وتصوّراتهم في تقييم الغايات وتشـخيص الوسـائل الصحيحة للوصول إليها ; لذا اعترضها بقوله : « كما يقال » ; فلاحـظ !

(360)

فكِد كيدك ، واسـعَ سـعيك ، وناصب جهدك ، فوالله
لا تمحو ذِكرنا ، ولا تميت وحينا ، ولا تدرك أمدنا ، ولا تَرْخُصُ عنك عارها ، وهـل رأيـك إلاّ فـند ، وأيّامـك إلاّ عـدد ، وجمـعك إلاّ بدد ، يوم ينادي المنادي : ألا لعنة الله على الظالمين .
فالحمد لله الذي ختم لأوّلنا بالسعادة ، ولآخرنا بالشـهادة والرحمة ، وهو حسـبنا ونعم الوكيـل (1) .
هذا قليل من كـثيرِ تلك الخطبة ، التي هي آية في البلاغة والفصاحة ، ومعجزة من معجزات البيان !
وهل يختلجك الشـكّ والريب بأنّ كلّ فقرة منها كانت على يزيد أشـدّ من ألف ضربـة ؟!
وهل تشـكّ أنّ هذه الخطبة وأمثالها كانت هي الضربة القاضية على مُلك يزيد ومعاوية ؟!
وهل أبقت لهم من باقية ؟!
وهل يبقى لك شـكٌّ بعدُ أنّ مواقف زينب وأُمّ كلثوم وفاطمة الصغرى ورباب وسـكينة ، في الكوفـة والشـام ، بل في كلّ موقف ومقام ، كان لا يقصـر ـ إنْ لم يتفـوّق ـ على موقف حُماتهنّ وسُـراتهنّ يوم الطـفّ ؟!
وهل تشـكّ وترتاب في أنّ الحسـين سـلام الله عليه لو قُتل هو
ـــــــــــــــــ

(1) انظر : بلاغات النساء : 70 ـ 73 ، مقتل الحسين ـ للخوارزمي ـ 2 / 74 ، الاحتجاج 2 / 122 ـ 130 رقم 173 ، الملهوف على قتلى الطفوف : 215 ـ 218 ، بحار الأنوار 45 / 134 .

(361)

ووُلْدُهُ ولم يتعقّبه قيام تلك الحرائر في تلك المقامات بتلك التحدّيات لذهب قتله جُباراً (1) ، ولم يطلب به أحد ثاراً ، ولضاع دمه هـدراً ، ولم يكن قتله إلاّ قتل عبـد الله بن الزبير وأخيه مصعب وأمثالهما ممّن خَمَدَ ذِكرهم وضاع وترهم ؟!
نعم ، لا يرتاب لبيب عارف بأسـباب الثورات ، وتكوين انقلابات الأُمم ، وتهييج الرأي العامّ ، أنّ أقوى سـبب لذلك هو الخطابة والسـحر البياني الذي يؤثّـر في العقول وينيـر العـواطف !
وإذا اسـتحضرت واقعة الطفّ المفجعـة وتوالبهـا (2) ، تعلم حقّـاً أنّه ما قلب الفكرة على بني سـفيان ، وانقرضت دولة يزيد بأسـرع زمان ، إلاّ من جرّاء تلك الخطب والمقـالات التي لم يقـدر أيّ رجـل في تلك الأوقات الحرجـة والأوضاع الشـاذّة على القيام بأدنى شـيء منها ، فقد تسـلسـلت الثورات والفتن على يزيد من بعـد فاجعـة الطـفّ إلى أن هلـك .
بل ما نهضت جمعية التوّابين ، وتلاهم قيام المختار لأخذ الثار (3) ،
ـــــــــــــــــ

(1) الجُبار : الـهَدَرُ ، ذهب دمه جُباراً ; أي هدراً .
انظر : لسان العرب 2 / 168 مادّة « جبر » .
(2) التولب : ولَد الأتان من الوحش إذا اسـتكمل الحول .
وهنا كناية عمّا أولدته واقعة الطفّ من الحروب والثورات التي اندلعت على بني أُميّة بعد استشهاد الإمام الحسـين (عليه السلام) .
انظر : لسان العرب 2 / 41 مادّة « تلب » .
(3) راجع رسالة « أصدق الأخبار في قصّة الأخذ بالثار » للسيّد محسن الأمين العاملي ، تحقيق فارس حسون كريم ، المنشورة على صفحات مجلّة « تراثنا » ، العدد المزدوج 66 ـ 67 ، السنة السابعة عشرة / ربيع الآخر ـ رمضان 1422 هـ .

(362)

وتعقّبتها واقعة الحـرّة (1) ، التي هلك بعدها يزيد بأيّام قليلة ; ما كان كلّ ذلك إلاّ من أثر تلك المواقف المشـهودة لزينب وأخواتها .
فكان الحسـين (عليه السلام) يعلم أنّ هذا عمـل لا بُـدّ منه ، وأنّـه لا يقوم به إلاّ تلك العقائل ، فوجب عليه ـ حتماً ـ أن يحملهنّ معه ، لا لأجل المظلومية بسـبيهنّ فقط ، كما شـرحناه في الجواب الأوّل (2) ، بل لنظر سـياسـيّ وفكر عميق ، وهو تكميل الغرض وبلوغ الغاية من قلب الدولة على يزيد ، والمبادرة إلى القضاء عليها قبل أن تقضي على الإسـلام وتعود الناس إلى جاهليّتها الأُولى !
فقد أصبح الدين على عهد يزيد هو دين القرود والفهود ، دين
ـــــــــــــــــ

(1) هذه الواقعة هي عارٌ في جبين يزيد بن معاوية ، وجريمة أُخرى تضاف إلى جريمته الكبرى التي ارتكبها بقتله الإمام الحسـين (عليه السلام) .
في هذه الواقعة من المآسي والويلات تكاد السماوات يتفطّرن من هولها ، فقد استباح مسلم بن عقبة وجنوده وبأمر من يزيد مدينة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ثلاثة أيّام ، واعتدوا على العذارى من بنات المهاجرين والأنصار ، وقتلوا الآلاف من الشيوخ والنساء والأطفال اللائذين بقبر سيّد المرسلين (صلى الله عليه وآله وسلم) ، حتّى إنّه لم يبق بعدها بدريّ ، وأمر بعد ذلك بالبيعة ليزيد وعلى أنّهم خَوَلٌ وعبيد له ، إنْ شاء استرقّ وإنْ شاء أعتق ، فبايعوه على ذلك ، وفيهم جابر بن عبـد الله الأنصاري وأبو سعيد الخدري وغيرهم من بقيّـة الصحابة .
ثمّ بعث مسلم بن عقبة برؤوس أهل المدينة إلى يزيد ، فلمّا أُلقيت بين يديه جعل يتمثّل بقول ابن الـزِّبعْرى يوم أُحد :
ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسلْ
انظر : أنسـاب الأشراف 5 / 337 ـ 355 ، الإمامة والسياسة 1 / 234 ـ 239 ، البـدء والتاريخ 2 / 243 ـ 244 ، العقد الفريد 3 / 372 ـ 374 ، تاريخ الطبري 5 / 623 ، البداية والنهاية 8 / 177 ـ 180 ، وفيات الأعيان 6 / 276 ، الفخري ـ لابن الطقطقي ـ : 119 ، الإتحاف بحبّ الأشراف : 66 .
(2) انظر : الجواب الأوّل في الصفحة 324 وما بعـدها .

(363)

الخمور والفجور ، والضرب بالعود والطنبور ، وأوشـك أن يذهب دين محمّـد (صلى الله عليه وآله وسلم) أدراج الرياح ، وتكون نبوّته كـنبوّة مسـيلمة (1) وسـجاح (2) ، ونظرائهـم (3) .
ـــــــــــــــــ

(1) هو : مُسيلمة بن حبيب من بني تميم ، متنبّئ ، كان يسجع لقومه السجعات مضاهاةً للقرآن ، وضع عنهم الصلاة ، وأحلّ لهم الخمر والزنـا !
وُلد باليمامة قبل ولادة والد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، كان من المعمّرين ، تلقّب بالجاهلية بـ « الرحمن » ، وعرف بـ « رحمن اليمامة » ، قالوا في وصفه : كان رُوَيْجِلا ، أُصيغر ، أُخينس ، كان اسمه مَسْلَمة ، وسمّاه المسلمون مُسـيلمة تصغيراً له ، قُتل في غزوة اليمامة عام 12 هـ ، وكان عمره آنذاك 150 سـنة .
انظر : تاريخ الطبري 2 / 199 ـ 200 ، تاريخ الخلفاء ـ للسيوطي ـ : 89 ، شذرات الذهب 1 / 23 .
(2) هي : سجاح بنت الحارث بن سويد ، وقيل : بنت غطفان التغلبية التميمية ، تكنّى أُمّ صادر ، كانت رفيعة الشأن في قومها ، شاعرة ، أديبة ، عارفة بالأخبار ، لها علم بالكـتاب أخذته عن نصارى تغلب ، وكانت متكهّنة قبل ادّعائها النبوّة ، وهي مع ادّعائها النبوّة فقد كذّبت بنبوّة مسيلمة الكذّاب ، ثمّ آمنت به ، فتزوّجها من غير صداق ! ثمّ أصدقها بأن وضع عن قومها صلاتَي الفجر والعشاء الآخرة ! !
وقيل : إنّها عادت إلى الإسلام بعد مقتل مسيلمة ، فأسلمت وهاجرت إلى البصرة ، وتوفّيت بها في زمان معاوية نحو سـنة 55 هـ .
انظر : مروج الذهب 2 / 303 ، الإصابة 7 / 723 رقم 11361 ، البداية والنهاية 6 / 239 ـ 241 حوادث سنة 11 هـ ، تاريخ الخميس 2 / 159 ، لسان العرب 6 / 174 مادّة « سجح » ، الأعلام 3 / 78 .
(3) من أمثال : طُليحة بن خويلد بن نوفل بن نضلة بن الأشتر الأسدي ، شهد معركة الخندق مع الأحزاب ، وأسلم سنة 9 هـ ، ثمّ ارتدّ وادّعى النبوّة في عهد أبي بكر ، ثمّ كانت له وقائع كثيرة مع المسلمين ، ثمّ خذله الله وهرب حتّى لحق بأعمال دمشق ، ونزل على آل جَفْنَة ، ثمّ أسلم وقدم مكّة معتمراً ، ثمّ خرج إلى الشام مجاهداً ، وشهد اليرموك ، وشهد بعض حروب الفرس ، وقُتل بنهاوند سـنة 21 هـ .
انظر : الاستيعاب 2 / 773 رقم 773 ، أُسد الغابة 2 / 477 رقم 2639 ، تاريخ دمشق 25 / 149 ـ 172 رقم 2992 ، الإصابة 3 / 542 .

(364)

إذاً ، فجزى الله تلك الحرائر بحسـن صنيعهنّ عن الإسـلام أحسـن الجزاء ، وكلّ مسـلم مدين بالشـكر لهنّ وللحسـين (عليه السلام) إذا كان مسـلماً حقّـاً ويرى للإسـلام حقّـاً عليه .
وعلى هذا ، فيحقّ للجنس اللطيف ـ كما يسـمّونه اليوم ـ أن يفخر على الجنس الآخر بوجود مثل تلك العليّات العلويّات فيه ، وقد تجلّى واتّضح أنّ هذا الجنس الشـريف قد يقوم بأعمال كبيرة يعجز عنها الجنس الآخر ولو بذل كلّ ما في وسـعه ، وأنّ له التأثير الكبير في قلب الدول والممالك ، وتحوير الأفكار ، وإثارة الرأي العامّ .
وهذه نكـتة واحدة من نكات السـياسـة الحسـينية ، وغور نظره في الشـؤون الدولية لو قطعنا النظر عن الوحي والإمامة ، وجعلناه كواحد من الناس قد ثار على عدوّ له متغلّب عليه ، يريد الانتقام منه ، يريد أن ينقله من عرشـه إلى نعشـه ، ومن قصـره إلى قبـره ، ومـن ملكـه إلى هلكـه ، ويريـد أن يقضي على دولة أبيه ودولته ، ولا يدع حظّـاً في الملك لولده وذرّيّـته .
ومن تصفّح سـيرة معاوية ، وجهوده العظيمة ، وتدابيره العميقة مدّة عشـرين سـنة ، يعرف عظيم مسـاعيه ، وكم كان حريصاً على توطيد دعائم الملك ليزيد ، وحبسـه أبـداً عليـه وعلى ولده ، حتّـى دسّ السـمّ إلى

والأسود العنسي ، عيهلة بن كعب بن عوف العنسي المذحجي ، قيل : إنّه
كان أسود الوجه فسمّي الأسود للونه ، متنبّـئ مشعوذ ، من أهل اليمن ، أسلم لمّا أسلمت اليمن ، وارتدّ في أيّام النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فكان أوّل مرتدّ في الإسلام ، وادّعى النبوّة ، قُتل قبل وفاة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بخمسة أيّام ، وكان ظهوره في سـنة 10 هـ .
انظر : الكامل في التاريخ 2 / 201 ، البداية والنهاية 6 / 228 .

(365)

الحسـن (عليه السلام) وقتله مقدّمة لاسـتخلاف يزيد ، وكم اسـتعمل العامِلَين القويَّين السـيف والدينار ، والرغبة والرهبة ، في تمهيد عرش يزيد وإعطائه صولجان الملك وتاج الخلافة الذي انتزعه من بني هاشـم ، وأعمل التدابير المبرمة في أن لا يعود إليهم أبداً .
ولكنّ الحسـين وعلى ذِكره آلاف التحيّة والسـلام بتفاديه وتضحيته ، وتدابيره الفلسـفية ، وإحاطته بدقائق السـياسـة ، ثَـلَّ (1) ذلـك العـرش ، وهـدم ذلـك البنيـان الذي بنـاه معاويـة في عشـرين سـنة ، هدمـه في بضعـة أيّـام ، وما أثمـر ذلك الغرس الذي غرسـه معاويـة ليزيد إلاّ العـار والشـنار ، والخزي المؤبّـد ، واللعنـة الدائمـة ، وصـار معـاويـة المثـل الأعلى للخداع والمكر ، والظلم والجـور ، والرمز لكلّ رذيلة ، ومعاداة كلّ فضيلة .
كلّ ذلك بفضل السـياسـة الحسـينية وعظيم تضحيته ، وصار هو وأهل بيته ـ إلى الأبد ـ المثل الأعلى لكلّ رحمة ونعمة ، وبركة وسـلام ، فما أكبره وما أجلّه !
وقد بقيت هناك دقائق وأسـرار لم يتّسـع الوقت لنظمها في هذا السـلك ، ولقد كـنت أتمنّى منذ عشـرين سـنة أن أنتهز من عمري فرصة ، وآخذ من مزعجات أيّامي مهلة ، لأكـتب كـتاباً في دقائق السـياسـة الحسـينية ، وأسـرار الشـهادة ، بما لم يكـتبه كاتب ، ولا حامَ حول شـيء منه مؤلّف ، ولا تفوّه وألَمّ خطيبٌ ببعضه ، ولكنّ حوادث الأيّام وتقلّبات الصروف لا تزال تدفعني من محنة إلى محنة ، ومن كارثة إلى أُخرى .
ـــــــــــــــــ

(1) ثُـلَّ عَـرْشُ فلان ثَـلاًّ : هُدِم وزالَ أمرُ قومه .
انظر : لسان العرب 2 / 123 مادّة « ثلل » .

(366)

كأُرجوحة بين الخَصاصة والغنى ومنزلة بين الشقاوة والعمى (1)
حتّى أصبحت كالآيـس من الحصول على تلك الأمنيّـة ، ولا يأس من روح الله .
وهذا الذي ذكرنا هنا طرف من سـياسـة الحسـين (عليه السلام) ، وناحية من نواحيها ، ذكرنا منه ما يتعلّق به الغرض في الجواب ، ودفع الشـكّ والارتياب .
وفي الختام ، أرجع فأقول : ما أدري ، هل اندفع بهذه الوجوه الأربعة أو الخمسـة اعتراض الناقد أو المشـكّك على الحسـين (عليه السلام) في حمل العيال ؟!
وهل انكشـف السـتار عن تلك الأسـرار (2) ؟!
فإنْ كان كلّ ذلك البيان لم يقنعه ، ولم يدفع شـكّه وريبه ، فأمره إلى الله ، ولا أحسـبه إلاّ ممّن قال فيه سـبحانه : ( وجعلنا على قلوبهم أكـنّة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً وإنْ يروا كلّ آية لا يؤمنوا بها ) (3) .
والله وليّ التوفيـق لنا ولهم ،
وبه المسـتعان .
ـــــــــــــــــ

(1) البيت للشريف الرضي ، وروايته في الديوان :
بأُرجوحة بين الخصاصة والغنى ومنزلة بين الشقاوة والنُّعمى
انظر : الديوان 2 / 352 .
(2) ويحتمل البعض أنّ وجه حمل الحسـين (عليه السلام) للعيال معه أنّه كان يخشـى عليهنّ الأسـر والسـبي لو تركهنّ في بيوتهنّ بالمدينة ; لأنّ بني أُميّة كانوا يتوسّـلون إلى أخذ البيعة منه بكلّ وسـيلة ، وحينئذ فإمّا أن يبايع أو يتركهنّ في الأسـر ; فإن صحّ ، فهو وجه خامس أو سـادس . منـه (قدس سره) .
(3) سورة الأنعام 6 : 25 .

(367)

ربيع 2 سـنة 1358 هـ
سـؤال من أمريكا ـ مشـيغن
سـيّدي الحجّة آل كاشـف الغطاء ..
أُتيح لي أن أطّلع على كـتاب « السـياسـة الحسـينية » ، لجامعه : ولدكم المحروس عبـد الحليم ، وما دار به من بحوث حول الحسـين وسـياسـة الحسـين (عليه السلام) ، فخرجت من هذه المطالعـة على وشـك الاعتـقاد الراسـخ من أنّ الحسـين لم يُـقتل إلاّ لأجل شـيء معنويّ ، وهـذا الشـيء المعنوي لا يزال مجهولا عند الباحثين عن تأريخ الحرب الأُموية ، وعند أتباع الحسـين (عليه السلام) الّذين يتحرّون جميع الأسـاليب المؤثّرة ، ويزيدونها على النواجيـد (1) الحسـينية إثـارة للذكريات الدفينة (2) التي تمجّـد موقف
ـــــــــــــــــ

(1) النَّجدة : الثِّقلُ والشِّدّة ، والفزع والهول ، والمنجود : المكروب .
انظر : لسان العرب 14 / 49 مادّة « نجد » .
(2) أقـول : إنّ حادثة الطفّ الفجيعة ، وجريمة القتل الشـنيعة ، التي راح ضحيّتها حجّة الله على خلقه الإمام أبو عبـد الله الحسـين (عليه السلام) وأهل بيته والخيرة من أصحابه ، ليسـت كالحوادث التاريخية الأُخرى التي كلّما مرّ عليها الزمان يعتريها النسـيان وتصبح في خبر كان . فتضحية الإمام الحسـين (عليه السلام) هذه أحيت ديناً من الفناء ، وأنقذت أُمّةً من الضياع والضلال ، فلولا هذه التضحية لَما بقي من الإسـلام إلاّ اسـمه ومن القرآن إلاّ رسـمه ; لذا اقترن اسمه (عليه السلام) مع الدين اقتراناً ، فصارت أسرار ومزايا شهادته (عليه السلام)تتجدّد بتجدّد الزمان ، وتطلع كلّ يوم على البشر طلوع الشمس والقمر ، لا ينتهي

(368)

الحسـين (عليه السلام) ، وتخذل موقف يزيد والأُمويّين الّذين عاصروه ومشـوا على مبادئه وسـننه الظالمة .
إنّ الحسـين لم يُقتل لأجل الدين الإسـلامي كما تقول الشـيعة بذلك ، ولم يُسـتـشـهَد طلبـاً للمُـلك والسـلطان ، بل قُـتل (عليه السلام) محافظاً على معنويّاته الهاشـميّة التي هي علّة وجود الأُمّة العربيّة وبعثها من جديد ، متمتّعة بجميع أسـاليب الثقافة ووسـائل النجاح الاقتصادي المادّي .
وهذه الـقَـتْـلَـةُ التي يقولون عنها : إنّها كانت في سـبيل الله ، وسـبيل المحافظة على معنويّة آل محمّـد في سـبيل الله أيضاً ، هي الشـيء المعنوي الذي لا يزال مخبّـأً عن أعين الباحثين .
ونحن إذا قلنا : إنّ الحسـين (عليه السلام) مات دفاعاً عن شـرف الدين ; نكون قـد أسـأنا إلى الدين الإسـلامي نفسـه ، الـذي ليس يقـوم على قَتْلة الحسـين (عليه السلام) أو اسـتشـهاد أيّ نبيّ من الأنبياء ، وليس هو صورة مادّية يملكها فرد من البشـر لتموت بموته وتحيا بحياته .
والأفضل لكلّ مقتصد ، أن يجعل هذه القضيّة قضية عائليّة تتفاوت

أمدها ، ولا ينطفئ نورها ، ولا تبرد حرارتها .
قال الإمـام أبو عبـد الله جعفر بن محمّـد الصادق (عليهما السلام) : « نظر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الحسـين بن عليّ (عليهما السلام) وهو مقبل ، فأجلسه في حجره وقال : إنّ لقتل الحسـين (عليه السلام)حرارة في قلـوب المؤمنيـن لا تبرد أبداً .
ثمّ قال (عليه السلام) : بأبي قتيل كلّ عبرة .
قيل : وما قتيل كلّ عبرة يا بن رسـول الله ؟
قال : لا يذكره مؤمنٌ إلاّ بكى » .
انظر : مسـتدرك الوسـائل 10 / 318 كـتاب الحجّ ح 14 .
وقال الشاعر :
كذب الموتُ فالحسينُ مخلّدُ كلّما مرّ الزمانُ ذِكرُه يتجدّدُ

(369)

عن حدّ وقوعها بين سـموّ مبادئ الحسـين وبين انحطاط مبادئ يزيد .
وقد أدرك ولـدكم ـ حـرسـه الله ـ في جـوابـه على كـتاب الشـيخ عبـد المهدي شـيئاً من هذا ; إذ قال : إنّ الذي عرّض الحسـين للقتل هو تمنّعه عن المبايعة ليزيد ، وفي عدم القيام بهذه المبايعة يتعرّض الحسـين لأن يقتل بسـيوف الأُمويّين ، حتّى ولو كان في عقـر داره دون أن يضطـرّ إلى الخروج لمحاربة يزيد وأتباعه ، وأن يعرّض نسـاءه وأطفاله للهتك الذي هو صورة القبح عند طبقـات الأشـراف الّذين منهم الحسـين ، كما زعم غير واحد في افترائه على الحسـين وعائلة الحسـين .
إنّ هذا الافتراض ممكن الوقوع أكـثر من غيره ، ومبايعة الحسـن لمعاوية التي ظلّت أسـبابها مغمضـة في بحثكم (1) ، هي التي أجّلت وقوع الحرب الأُموية إلى ما بعد وفاة معاوية ، ويظهر أنّ الحسـن بتعهّده لمعاوية أنّه لا يرى من الحسـين شـيئاً ـ كما جاء برسـالة سـماحتكم ـ وقف وقفة المشـفق الذي لا يريد أن يُفجَع بأخيه وهو حيّ ، أراد بمبايعته أن يحجب دماء الأبرياء التي أباحها يزيد في تعنّته وطغيه وفسـاده واعتدائه على أخيه الحسـين .
ولكنّ السـياسـة لعبت دورها يومذاك ; إذ مات معاوية الذي كان عنده مخافة من الله أكـثر من ولده يزيد (2) ، وإذا توفّي الحسـن ـ الذي يعدّ بحقّ
ـــــــــــــــــ

(1) للاطّلاع على تفاصيل صلح الإمام الحسن (عليه السلام) مع معاوية ، والظروف التي أحاطت بالإمام (عليه السلام) واضطرته إلى هذا الصلح ، راجع كتاب « صلح الحسن » للشيخ راضي آل ياسـين (قدس سره) ، ففيه بيان ما كان بين الإمام وابن أبي سفيان .
(2) ليس عنده ولا عند ولده يزيد شـيء من مخافة الله ، ولكنّ معاوية عنده سـياسـة وتدبّر دنيوي ويزيد ليس عنده دين ولا سـياسـة . كاشف الغطاء .

(370)

نبراس السـياسـة الهاشـمية المؤدّية إلى إعمال السـلام القومي ـ الذي وقف حائلا في حياته دون وقوع حرب طاحنة كالحرب الأُموي ، فيما لو ضمّ صوته إلى صوت أخيه الحسـين في زمن معاوية ، الذي تعود مبايعته لهذا السـبب الوفاقي ـ على ما أظنّ ـ لا لأسـباب الخوف والوجل الذي عزاه كـثير من ضعفاء العقول والنوايا (1) السـيّئة للحسـن .
أمّا قضيّة العادة العربيّـة التي قلتم ـ سـماحتكم ـ : إنّها دفعت بالحسـين أن يصحب أولاده ونسـاءه معه مسـتميتاً في سـبيل الكرامة والشـرف ; فهذه تخضع ـ على خروجها عن قلم سـماحتكم ـ لضروب النقد والاعتراض ; إذ كان الدين الإسـلامي ، أو التعاليم الإسـلامية ـ بتعبير أصحّ ـ حرمت المرأة من مخالطة الرجال وسـماع أحاديثهم إلاّ من وراء الحجاب ، وأرجعتها إلى بيتها حيث تقوم بتربية وتهذيب أولادها وتدبير شـؤون منزلها ، الذي يعدّ نصف الحياة الزوجية ـ إذا لم تكن كلّها ـ في نظر قانون الزواج المدني والديني ، فكيف بالحسـين خرق حجاب هذا النظام وأصحب عائلته وتابعيه معه جرياً على العادة العربية المعروفة قبل ظهور الإسـلام وبعده ؟!
وتعلمون أنّ العادة التقليدية غير حكم الدين التشـريعي ، فحكم الدين أسـمى مكانة في نفس الحسـين من عاطفة العادة ، فهل هناك ضرورة حيويّة دفعت بالحسـين أن لا يكـترث بتعاليم الدين ، ويتّبع ما أوحته عاطفة العادة التي تعدّ ملغاة بحكم هذه التعاليـم ؟!
ـــــــــــــــــ

(1) النيّة : عمل القلب ، وهي مؤنّثة لا غير ، وتُجمع جمع مؤنّث سالم ; لذا يكون جمعها بـ « النيّات » لا « النوايا » التي هي خطأ شائع .
انظر : لسان العرب 14 / 342 مادّة « نوي » .

(371)

هذا ما نريد الإجابة عليه مفصّـلا .
وهناك شـيء آخر يخضع للنقد الشـخصي ، وهو : إنّ الخمسـة أثواب التي أعطاها الحسـين إلى محمّـد بن بشـير الحضرمي ـ ( 23 ـ 24 ) (1)السـياسـة الحسـينية ـ كان يزيد ثمـن الواحد منهـا على المئـة ليرة عثمانية ، لا يتوافق اقتناؤها بهذا الثمن الباهظ من قبل الحسـين مع دواعي الزهد التي كانت متجسّمة في أبيه وجدّه سـيّد الرسـل ; إذ عرفنا عن طرق الأحاديث المرويّة أنّ عليّـاً والد الحسـين كان يرتدي الصوف على بدنه داخلا ويلبس الأطمار الرخيصة خارجاً ، دلالةً على زهده وورعه وتقواه ، أو تقليداً للنبيّ الذي هو المثل الأعلى للأُمّة الإسـلامية ، والذي جعل بهذه الارتداء أُمثولة عزاء للفقير الذي لا يسـتطيع أن يلبس ثوباً يسـاوي ثمنه مئة ليرة عثمانية ونحوها ، كما اسـتطاع الحسـين أن يلبس (2) مثل هذا الثوب ويهب خمسـة على غراره إلى أحد أتباعه من الفقراء ؟!
إنّ هذه الرواية ـ على ما فيها من اسـتقراء في النقل ـ تصوّر لنا الحسـين مسـرفاً ، طامعاً في خير الدنيا أكـثر من خير الآخرة ، بينما لو رجعنا إلى اسـتقصاء ورع الحسـين وزهده وتقواه لوجدنا ذلك أنّه لا يتوافق ورغبة الحسـين في تضميد عواطف الفقراء المجروحة ، والترفيه على كلّ بائـس محتاج !
ولو أنّ راوياً عزا ذلك إلى الحسـن ، الذي كان له مَيلٌ خاصٌّ وصِفةٌ خاصّة بهذا الثراء الدنيوي لأمكـننا أن نصدّق ذلك ; بدليل أنّ الحسـن نشـأ على الأُبّـهة والمجـد في زمـن جـدّه وأبيـه .
ـــــــــــــــــ

(1) انظر ما تقـدّم في الصفحة 336 .
(2) لم يلبس الحسـين تلك الثياب ، وإنّما كان يقتنيها ليعطيها . كاشف الغطاء .

(372)

وأمّا الحسـين فمن المعروف عنه أنّه كان لا يعرف قيمة للدنيا ، ولو عرف لها قيمة لبايع يزيد ، وبذلك كان أضاف إلى ثرائه ثراءً آخرَ يدفعه له يزيد بدلا عن تلك المبايعة ، التي كانت منعت هذه الحرب وذلك الهتك ، وحوّلت معنويّة الحسـين من رجل شـريف نزيه حافظ على مبدأ أجداده ومعنويّة هذا المبدأ إلى رجل مادّي عبث بكلّ شـيء ، وخضع لكلّ شـيء بتأثير المادّة (1) .
ورواية أُخرى لا تتوافق وصحّة النقل ـ وهي واردة بجواب
ـــــــــــــــــ

(1) أقـول : إنّ هـذه الفقرة تتضـمّن من التناقضات الشيء الكثير الذي يسـتوقف أي قارئ ، منها :
قوله : « إنّ الحسـن نشـأ على الأُبّهة والمجد في زمن جدّه وأبيه » .
وهذا خلاف العقل والمنطق ; إذ كيف عاش الحسـن بهذا الوصف والحسـين على العكس منه وقد ترعرعا سـويةً في كنف أبيهما وجدّهما وتعلّما منهما الزهد والإيثار ؟!
فهل كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أو أمير المؤمنين (عليه السلام) يميّزان بين الحسـن والحسـين ؟! ألم تنزل آية الإطعام فيهم جميعاً ؟! أم هل كان الحسـن ابن حرّة والحسـين ابن أَمة فقيرة ؟!
كلّ هذه الاسـتفهامات تلجئـنا إلى اليقيـن القطعي أنّ مثـل هذه المقـولات وغيرها هي محض افتـراءات وأكاذيب وضعهـا رواة بني أُميّـة للنيـل من منـزلة الإمام الحسـن (عليه السلام) ، وهيهـات !
وقوله : « وأمّا الحسـين فمن المعروف عنه أنّه كان لا يعرف قيمة للدنيا » .
وهذا ـ أيضاً ـ خلاف منهج الإمام الحسـين (عليه السلام) ; لأنّ قيمة الدنيا عنـده (عليه السلام)معنوية أكثر ممّا هي مادّية ، فهو لا ينظر إلى الدنيا على أنّها دار بقاء ومتاع ونزوات وشهوات وملذّات ، وإنّما ينظر إليها من منطلق قوله تعالى : ( وما خلقت الجنّ والإنس إلاّ ليعبدون ) ; ولذا فالدنيا عند الحسـين (عليه السلام) دار عبادة وطاعة للباري عزّ وجلّ ، والدين هو الوسيلة التي يحافظ بها الإنسان على الدنيا ، فإذا ذهب الدين ذهبت الدنيا ، وخوفاً على الدين من الاندراس وعلى الدنيا من الخراب وانتشار الفسـاد ـ بسـبب ما يفعله بنو أُميّة ـ ضحّى الإمام (عليه السلام) بنفسـه وأهل بيته .

(373)

سـماحـتكم ـ من أنّ زيد بن أرقم قال ليزيد يوم كان يضرب رأس الحسـين بعوده : ارفع عودك عن هاتين الشـفتين ! فوالله طالما رأيت رسـول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقبّلهما ; إذ إنّه من المعروف أنّ رسـول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقبّل الحسـين في نحره على اعتبار أنّه سـيموت مقتولا ، ويقبّل الحسـن في فمه على اعتبار أنّه سـيموت مسـموماً ، فكيف تناقض المعنى الذي وقع فعلا كما أشـار النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟!
وكيف انتقل تقبيل فم الحسـن إلى فم الحسـين الذي مات منحوراً على قفاه ، ولم ينتقل تقبيل نحر الحسـين إلى نحر الحسـن الذي مات مسـموماً في فمـه (1) ؟!
ـــــــــــــــــ

(1) أقـول : لو تجشّـم الكاتب قليلا من عناء البحث في بطون الكتب التي روت فضائل الأئمّة (عليهم السلام) ، لَما حارَ في أمر تقبيل الرسـول (صلى الله عليه وآله وسلم) للحسـن والحسـين (عليهما السلام) .
فقد روى أحمد بن حنبل في مسـنده ، عن يعلى العامري ، أنّـه خـرج مـع رسـول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى طـعام دُعوا له ، قال : فاسـتمثل رسـول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أمـام القـوم وحسـين مـع غلمـان يلعـب ، فأراد رسـول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يأخذه ، قال : فطفق الصبي ها هنا مرّة وها هنا مرّة ، فجعل رسـول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يضاحكه حتّى أخذه ، قال : فوضع إحدى يديه تحت قفاه والأُخرى تحت ذقنه فوضع فاه على فيه فقبّله ، وقال : حسـين منّي وأنا من حسـين ، أحبّ الله من أحبّ حسـيناً ، حسـين سـبط من الأسـباط . مسـند أحمد 4 / 172 .
وهذا الحديث وما سـبقه ممّا تقدّم ـ عن زيد بن أرقم ، في الصفحة 344 ، من تقبيل رسـول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) شفتَي الإمام الحسـين (عليه السلام) ، وما تقدّم في الصفحة 360 الهامش رقم 1 ، عن أبي برزة الأسـلمي ـ من ترشـيف رسـول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) شـفتَي الحسـن والحسـين ، كُلّـها تفيد أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقبّل الحسـنين من شـفتيهما .
نعـم ، اشـتهر عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّـه كان يكثر من تقبيل الحسـن (عليه السلام) من فمـه والحسـين (عليه السلام) من نحره ; لعلمه صلوات الله وسلامه عليه بكيفية استشهادهما (عليهما السلام) ،

(374)

وفي الاسـتعراض الديني لأهل البيت نجد اعتراضاً على الحديث الذي ورد بلسـان النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال مخاطباً سـلمان الفارسـي : « نحن أســرار الله المودعة في هياكل البشــرية .
يا ســلمان ! أنزلونا عن الربوبية ثمّ قولوا فينا ما اســتطعتم ، فإنّ البحر لا ينزف ، وسـرّ الغيب لا يعرف ، وكلمة الله لا توصف ، ومن قال هناك : لِمَ ؟! وممَّ ؟! وبمَ ؟! فقد كفر » .
إذ إنّ من يتأمّل المعاني الاسـتهلاليّة من الحديث ، يجد أنّ منها ما يعدّ اسـتكباراً في الأرض ، وهو يخالف بمنطوقه إرادة الله التي جاءت في القرآن ، فمحت آية الاسـتكبار الخليقة بالمسـتضعفين من الناس .
ويجد أنّ كلمة « أسـرار الله المودعة » التي عمّت جميع « هياكل البشـريّة » تتعرّض للشـرّ حيناً ، وللخير حيناً آخر ، وتنقل من الزهد والتقوى دوراً ، وإلى الفسـاد والإثم والفوضى دوراً آخـر ، حيث كانت هياكل البشـر الطاهرة فيها .
فهل كان الرسـول يعني أنّه هو وذرّيّته سـرّ الله المودع في هياكل البشـرية الطاهرة فقط ؟! أو في جميع الهياكل ؟! سـواء كانت طاهرة أو خبيثة ، مجرمة أو مصلحة ، مدنّسـة أو غير مدنّسـة ؟!
هذا سـؤال نطرحه أمام سـماحتكم من الشـطر الأوّل من الحـديث .
وأمّا الشـطر الآخر ، فيه : « ومن قال : لِمَ ؟! وممّ ؟! وبِمَ ؟! فقد
ولكن هذا لا يدلّ على التخصيص .
انظر : فضائل الصحابة ـ لأحمد بن حنبل ـ 2 / 968 رقم 1361 ، تاريخ بغداد 2 / 204 ، المستدرك على الصحيحين 3 / 177 ـ 178 ، شـرح الأخبار 3 / 112 ح 1049 .

(375)

كفر » ، فيكفينا أن نقول : إنّ فيه حَجْراً لعقل الإسـلام الذي خُلق حرّاً طليقاً بحكم التشـريع الإسـلامي ، ونتسـاءل كيف أباح النبيّ محمّـد (صلى الله عليه وآله وسلم) لنا إدراك الله عن طريق العقل بعد التفكير والتكييف والمقارنة والمشـابهة والظنّ والشـكّ والريبة وما أشـبه ذلك ، ثمّ تكون هذه الأشـياء كلّها شـرعية بنظر القانون الإسـلامي ، ولم يبح لنا إدراك كـنه « أسـرار الله المودعة ، وسـرّ الله الذي لا يعرف ، وكلمة الله التي لا توصف » المتجسّمة في شـخصه وشـخص ذرّيّته من بعده ؟!
إنّ هذا المنع المجرّد عن العقل والرويّة يعرّض الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ إذا كان صادراً عنه ـ إلى عدّة انتقادات عقليّة ، أهمّها : إنّه أباح للعقل أن يدرك الله تعالى عن طريق الظنّ والتفكير الذي حرّمه لإدراك شـخصه ، وبذلك جعل نفسـه فوق الله تعالى ، وإنْ كانت هـذه النفس هي خليقة الله والخاضعـة لأمر الله !
هذا ، فضلا عن أنّ هذا الادّعاء المتجسّم في كلمة « سـرّ الغيب الذي لا يعرف ، وكلمة الله التي لا توصف » يجعل للشـكوك والأوهام سـبيلا للوقـوف حائـلا بيـن حكم العقـل وعاطفة الاعتقاد ، ولماذا لا يُعرف رسـول الله الذي هو كلمـة الله ، وله أعمال وأقوال تدلّ على شـخصه وتنمّ عن سـجاياه وأخلاقـه ؟!
ومتى كانت أعمـال الرجل وأقواله وتصـرّفاته الدينيّـة والاجتماعية بين أيدينا ، يمكـننا أن نحكم على شـخصيّته من أنّها شـخصية صالحة إذا كانت أعماله وأقواله توافق الصلاح ، وأن نحكم على هذه الشـخصية من أنّها شـخصية مجرمة فاسـدة فيما إذا كانت أعماله وأقواله تأتي الفسـاد ، وترتكب الإجرام والفوضى الاجتماعية !

(376)

لا أعتقد أنّ هذا القول يصدر عن نبيّ ـ كمحمّـد (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ كان متواضعاً جدّاً ، وهو كإنسـان بسـيط يمشـي في الأسـواق ، ويأكل ويشـرب ، فكيف به كـنبيّ يقول مثل هذا القول الذي هو من صفات الإلهيّـة ؟!
بل أعتقـد أنّ هذا الحديث من جملة الأحاديث التي دسّتها اليهود دسّـاً في كـتب الإسـلام ; انتقاصـاً من قيمة الدعوة المحمّـدية ، التي هي أسـمى من كلّ شـيء ظهر على وجه الأرض .
أمّا إذا كان هناك ما يدعو إلى الاعتقاد بصحّتها ، فأرجو من سـماحتـكم أن تتفضّلوا ببيان ذلك ولو مفصّـلا .

(377)

من مدرسـة كاشـف الغطاء الكبرى
في النجف الأشـرف
27 ربيع 2 سـنة 1358 هـ
بسـم الله الرحمن الرحيـم
وله الحمـد والمجـد
إلى الحبر الفاضل ، بل الإنسـان الكامل ، وما أعـزّ الكمال في الإنسـان !
كان قد وردني منك كـتاب فيه شـيء من الإطناب ، ذكرت فيه بعض الملاحظات على بعض مندرجات « السـياسـة الحسـينية » ، ووعدتك أن أُجيبك ، إن لم يكن عن كلّها فعن بعضها على الأقلّ ، في كـتاب أرجو أن يكون قد وصلك في البريد مع كـتاب « أصـل الشـيعة » ، هديّة للسـيّد فائز حسـين ، أمين النهضة العربية الهاشـميّة ، حرسـه الله وإيّاك .
تقول ـ أيّدك الله ـ في كـتابك : « ونحن إذا قلنا : إنّ الحسـين (عليه السلام)مات دفاعـاً عن شـرف الدين ، نكون قد أسـأنا إلى الدين الإسـلامي ... » إلى آخر ما أبديت في هذا الموضوع ، وكأنّه غاب عنك أنّنا حيث نقول : مات أو قتل دفاعاً عن الدين ; لا نريد أنّ الدين الإسـلامي يموت بموته ويحيا بحياته ، بل نريد العكس ، يعني أنّ الدين يحيا بموته ويموت باسـتبقاء حياته !

(378)

وهذه حال جميع من قتل في سـبيل الله ، الّذين يقول الله جلّ شـأنه عنهم : ( ولا تحسـبنّ الّذين قتلوا في سـبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربّهم ) (1) ، مثل : حمزة ، وجعفر ، وعبيدة بن الحارث ، وسـعد بن الربيع (2) ، وأمثالهم ، ممّن بذلوا حياتهم في الدنيا لحياة الدين ، فوجدوا خيراً من تلك الحياة عند الله تعالى ; فهم عند الله أحيـاء غير أمـوات وإن كانـوا بالنظر إلى الدنيـا أمواتـاً غير أحياء .
ولا يلزم من هذا أن يكون الدين الإسـلامي صـورة مادّية يملكها فرد من البشر كما تخيّلت .
ضرورة أنّ الدين هو عبارة عن تلك الأحكام والقوانين التي جاء بها الرسـول الأمين من ربّ العالمين ، وحياتها وموتها بالعمل بها وعدم العمل بها .
ولمّا سـلك يزيد في خلافته مسـلكاً يوجب إبطال العمل بشـرائع الإسـلام ، حيث صار يجاهر بشـرب الخمور وارتكاب الفجور وترك الصوم والصلاة ، والناس يتّبعونه طبعاً ; لأنّ « الناس على دين ملوكهم » كما قيل (3) ، وكأنّه بهذا يريد القضاء على الإسـلام وموته ; لذلك ضَحّى الحسـين (عليه السلام) بحياته وحياة خيرة أهل بيته وأصحابه ، إنكاراً على يزيد ، وإبطالا لمسـاعيه ، وإحياءً للدين ، ولحمل الناس على العمل بشـرائعه ، كما
ـــــــــــــــــ

(1) سـورة آل عمران 3 : 169 .
(2) سـعد بن الربيع الخزرجي ، أحد نقباء الأنصار من شـهداء أُحد ; انظر ترجمته في تنقيح المقال ج 2 ص 13 ط النجف . القاضي الطباطبائي .
(3) انظر : فتح الباري 7 / 114 ، تذكرة الموضوعات ـ للفتني ـ : 183 ، وصول الأخيار إلى أُصول الأخبار : 30 ، كشف الغمّة 2 / 230 ، سـير أعلام النبلاء 17 / 507 رقم 328 .

(379)

قال سـلام الله عليه ، أو قيل عنه :
إن كان دينُ محمّـد لم يسـتقم إلاّ بقتلي يا سيوف خذيني ! (1)
فحقّـاً أنّ الحسـين ـ سـلام الله عليه ـ ما بذل نفسـه إلاّ دفاعاً عن شـرف الدين وتفادياً للمبدأ المقدّس ، ولا نكون بهذا قد أسـأنا إلى الدين ، بل أحسـنّا إليه حيث جعلناه فوق نفس الإمام المعصوم ، وأنّه يفدى بأعزّ النفوس .
ومن الغريب قولك ـ حرسـك الله ـ على قولنا : « أنّ العادة العربية دفعت بالحسـين (عليه السلام) أن يصحب أولاده ونسـاءه معه مسـتميتاً في سـبيل الكرامة والشـرف » ، فقلتم : إنّ التعاليم الإسـلامية حرمت المرأة [ من ]مخالطة الرجال وسـماع أحاديثهم إلاّ من وراء حجاب !
أليس من الغريب أن تقول ـ وأنت بهذه الثقافة ـ : إنّ الدين الإسـلامي حرم المرأة من مخالطة الرجال ، فتجعل ذلك وصمة شـنعاء ولطخة سـوداء في جبين الدين الإسـلامي ؟!
كيف يقال هذا وهذه الصدّيقة فاطمة الزهراء (عليها السلام) بنت مشـرّع الدين الإسـلامي ، خطبت في المسـجد النبويّ في حشـد المهاجرين والأنصار تلك الخطبة البليغة الغرّاء التي تسـتغرق ما يقرب من سـاعة ، وكلّهم
ـــــــــــــــــ

(1) البيت للشـيخ محسـن أبو الحَبّ ، كما جاء في تراث كربلاء : 86 .
والشـيخ أبو الحَبّ خطيب بارع ، وشـاعر واسـع الآفاق خصب الخيال ، وُلد سـنة 1235 هـ ، ونشـأ بعناية أبيه وتربيته وتحدّر من أُسـرة عربية تعرف بـ ( آل أبي الحَبّ ) ، توفّي ليلة الاثنين 20 ذي القعدة عام 1305 هـ ، ودُفن في الروضة الحسـينية المقدّسـة إلى جوار مرقد السـيّد إبراهيم المجاب .
انظر : أدب الطفّ 8 / 54 ـ 57 .

(380)

يسـمعون ويشـهدون ؟! (1) .
وهذه عائشـة ما زالت مدّة عمرها تخطب (2) ، وتحدّث الرجال بالأحاديث النبويّة ، وإذا نظرت إلى كـتب صحاح إخواننا السُـنّـيّـين تجد الربع أو الثلث تقريباً ينتهي سـنده إلى عائشة ، حتّى نسـبوا إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال : « خذوا ثلث دينكم من الحميـراء » (3) .
وهل أوّل جواز الاختلاط من أنّها قادت جيشـاً جرّاراً وجنداً قهّاراً إلى حرب البصرة ، وحاربت أمير المؤمنين (عليه السلام) ومعه أعاظـم أصـحاب النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) من الأنصار والمهاجرين (4) .
دع عنك هذا ! وراجع كـتاب « بلاغات النسـاء » وأمثاله ، وانظر إلى النسـاء اللاتي كنّ يخطبن في الجيوش في صفّين ويحرّضن أهل العراق
ـــــــــــــــــ

(1) انظر : بلاغات النساء : 54 ـ 69 ، شرح الأخبار 3 / 40 ، معاني الأخبار : 355 ، دلائل النبوّة ـ لابن جرير الطبري ـ : 30 ـ 41 ، الاحتجاج 1 / 253 ـ 292 ، شرح نهج البلاغة 16 / 232 ـ 234 ، كشف الغمّة 2 / 480 ـ 494 ، جواهر المطالب في مناقب عليّ بن أبي طالب 1 / 155 ـ 169 .
(2) انظر : بلاغات النساء : 35 .
(3) انظر : النهاية في غريب الحديث 1 / 438 مادّة « حمر » ، الإحكام في أُصول الأحكام 1 / 211 مسألة 11 ، لسان العرب 3 / 317 مادّة « حمر » ، البداية والنهاية 3 / 103 ، السيرة النبويّة ـ لابن كثير ـ 2 / 137 .
(4) إشارة إلى حرب الجمل ، التي قادتها عائشة لمحاربة إمام زمانها أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ، وكان معه الأجلاّء من أصحاب رسـول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، أمثال : عبـد الله بن عبّـاس ، وعمّـار بن ياسر ، ومحمّـد بن أبي بكر ، ومالك الأشـتر ، وحُجـر بن عَـديّ ، وأمثالهم .
انظر : تاريخ خليفة بن خيّاط : 135 حوادث سنة 36 ، تاريخ اليعقوبي 2 / 78 ـ 82 ، تاريخ الطبري 3 / 11 ـ 66 ، مروج الذهب 2 / 355 ـ 374 ، الكامل في التاريخ 3 / 99 ـ 149 .

(381)

على حرب أهل الشـام (1) !
وانظر إلى كلام الوافدات (2) على معاوية بعد أن تمّ الأمر له ، وكيف كانت تلك النسـوة أجرأ من اللبوة ، وأقوى قلباً من الصخـور .
أُنظر إلى الخنسـاء (3) يوم حرّضت أولادها الأربعة في بعض حروب المسـلمين حتّى قُتلوا جميعاً (4) .
وبعد هذا ، فهل تجد من الصحيح قولك : « إنّ الإسـلام حرم المرأة من مخالطة الرجال » ؟!
ألم تكن النسـاء تضمّد الجرحى وتسـقي العطاشـى ، وتزغرد وتهلهـل وتحرّض المقاتلين على الهجـوم في حرب النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وحرب الوصيّ (عليه السلام) ؟!
دع وانظر إلى صفايا النبوّة وحرائر الرسـالة وبنات سـيّد الموحّدين
ـــــــــــــــــ

(1) مثل كلام الزرقاء بنت عديّ بن غالب ، وبكارة الهلالية ، وأُمّ سنان بنت خيثمة بن خرشة .
انظر : بلاغات النساء : 90 ـ 93 ، جواهر المطالب في مناقب الإمام عليّ بن أبي طالب 2 / 235 ـ 237 .
(2) مثل كلام سـودة بنت عمارة بن الأشـتر الهمدانية ، وآمنة بنت الشريد زوجة عمرو ابن الحمق الخزاعي (رضي الله عنه) ، التي حبسـها معاوية سـنتين .
انظر إلى : « بلاغات النسـاء » لابن طيفور ، و « أعلام النسـاء » لعمر رضا كحّالة ، وأمثالهما من الكتب . القاضي الطباطبائي .
(3) هي : الخنسـاء بنت عمرو بن الشـريد ، اتّفق أهل العلم بالشـعر أنّه لم تكن امرأة قبلها ولا بعدها أشـعر منها ، ووفدت الخنسـاء على رسـول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مع قومها من بني سـليم فأسـلمت معهم ، وتوفّيت سـنة 646 ميلادية . القاضي الطباطبائي .
(4) انظر ترجمة الخنساء في : الاستيعاب 4 / 1827 ـ 1829 رقم 3317 ، أُسد الغابة 6 / 88 ـ 90 رقم 6876 ، الإصابة 7 / 613 ـ 616 رقم 11106 .

(382)

ويعسـوب الدين (عليه السلام) ، من زينب وأُمّ كلثوم وسـكينة وخطبهنَّ في كربلاء والكوفة والشـام ، وفي مجلس يزيد وابن زياد ، في النوادي والمجتمعات ، فهل مع هذا كلّه تقول : إنّ التعاليم حرمت المرأة من مخالطة الرجال وسـماع أحاديثهم وأرجعتها إلى بيتها ؟!
أمّـا آيـة الحـجـاب ، فهـي واردة فـي خصـوص نسـاء النبيّ (عليه السلام) ، وكان الأعراب الّذين أخبر الله جلّ شـأنه عنهم بقوله تعالى : ( إنّ الّـذين ينادونـك من وراء الحـجـرات أكـثرهم لا يعقلون ) (1) يؤذون نسـاء النبيّ بالهجوم عليهنّ في منازلهنّ ، فنهاهم الله عن ذلك ، راجع سـورة الأحزاب (2) .
نعم ، إنّ التعاليم الإسـلامية حرّمت على النسـاء مطلقاً التبرّج وإظهار الزينة للرجال : ( ولا تبرّجن تبرّج الجاهلية الأُولى ) (3) ، وأين هذا من
ـــــــــــــــــ

(1) سـورة [ الحجرات ] 49 آية : 4 . القاضي الطباطبائي .
وانظر تفسير الآية الكريمة ـ مثلا ـ في : تفسير الطبري 11 / 381 ـ 382 ، تفسير الفخر الرازي 28 / 117 ، مجمع البيان 9 / 195 ، الدرّ المنثور 7 / 552 ـ 554 .
(2) انظر مثلا : تفسير الفخر الرازي 25 / 224 ـ 226 ، مجمع البيان 8 / 152 ، الدرّ المنثور 6 / 639 ـ 643 .
(3) سـورة [ الأحزاب ] 33 آية 33 .
قال الجصّاص ـ المتوفّى 370 هـ ـ : ( ولا تبـرّجن تبرج الجاهلية الأُولى )يعني إذا خرجتنّ من بيوتكنّ ، قال : كانت لهنّ مشـية وتكسّـر وتغـنّج فنهاهنّ الله عن ذلك ، وقيل : هو إظهار المحاسـن للرجل ، وقيل : الجاهلية الأُولى ما قبل الإسـلام ، والجاهلية الثانية حال من عمل في الإسـلام بعمل أُولئك ، فهذه الأُمور كلّها ممّا أدّب الله تعالى به نسـاء النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) صيانة لهنّ ، وسـائر نسـاء المؤمنين مرادات بها . ( ا . هـ ) .
انظر : أحكام القرآن ج 3 ص 443 ط مصر [ 3 / 529 ] . القاضي الطباطبائي .

(383)

حرمة المخالطة ؟!
ولو سـلّمنا تنازلا بحرمة المخالطة ، فأيّ منافاة بهذا لِما أبديناه وأريناه من أنّ حمله لنسـائه وأولاده اسـتماتة في سـبيل الكرامة والشـرف ؟! فإنّ حمله لهنّ لا يسـتلزم المخالطة بوجه ، وإلاّ لَما جاز لامرأة أن تسـافر من محلّ إلى آخر أبداً !
وأغرب من ذلك ، بل وأعجب جدّاً قولك ـ أيّدك الله وسـدّدك ـ : « وهناك شـيء آخر يخضع للنقد الشـخصي ، وهو أنّ الخمسـة أثواب يزيد ثمن الواحد منها على مئة ليرة عثمانية لا يتوافق اقتناؤها مع دواعي الزهد التي كانت متجسّمة في أبيه وجدّه سـيّد الرسـل ... » إلى آخر ما أفضت به وأفدت في هذه الناحية .
وكأنّك ـ عافاك الله ـ تحسـب أنّ الزهد هو الفقر والفَلاكة (1) وعدم الوجدان ، وأنّ الغناء والثروة تنافي الزهد ؟!
لا يا عزيزي ، أعزّك الله ! حقيقة الزهد هو عدم الحرص على المال ، وعدم المبالاة في الدنيا ، وأن يكون وجود المال وعدمه عنده سـواء ; وقد جمع الله الزهد في كلمتين : ( لكيلا تأسـوا على ما فاتكم ولا تفرحوا
ـــــــــــــــــ

(1) الفَـلاَكَـةُ : الفقر ، والـمَـفْـلُوكُ : الفقير ، وجمعه : مَـفَـاليك ، وهي كلمة فارسـية الأصل .
هذا ، وقد ألّف الدلجي ، أحمد بن عليّ بن عبـد الله الشافعي ، المتوفّى سنة 838 هـ ، كتاباً حول الفقر والفقراء بحث فيه عن أسبابه وعلله وذويه وحالتهم ، وأورد فيه أشهر من عضّهم الفقر بنابه وأناخ عليهم الدهر ، سمّاه « الـفَـلاَكَـةُ والـمَـفْـلُوكون » .
انظر : هديّة العارفين 1 / 124 ، إيضاح المكنون 2 / 320 ، معجم المطبوعات العربية والمعرّبة 1 / 877 ، المعجم المجمعي 6 / 112 مادّة « فلك » .

(384)

بما آتاكم ) (1) ، وحقيقة الزهد لا تظهر ولا تتجلّى إلاّ مع توفّر النعم وغزارة المال وبذله ، وعدم الحرص ، والتعفّف عن رذيلة الشـحّ والبخل ( ومن يوق شـحّ نفسـه فأُولئك هم المفلحون ) (2) .
أمّا الفقير المعدم ، الذي لا يجد ولا يملك شـيئاً ، فأيّ زهد له ؟! وأيّ فضيلة له بذلك الزهد القهري ؟! وقد سـئل الحسـن البصري : « أنت أزهـد أم عمر بن عبـد العزيز ـ وهو خليفة المسـلمين ـ ؟ فقال : عمر بن عبـد العزيز أزهد منّي ; لأنّه وجد فعفّ ، وتمكّن فكفّ ; ولعلّ الحسـن لو وجد وتمكّن لاسـتخفّ ، وأكل فأسـرف » (3) .
وأمّا رسول الله وأمير المؤمنين ـ صلوات الله عليهما وآلهما ـ حيث كانوا يأكلون الشـعير ويلبسـون الصوف ، فليس لأنّـهم كانوا لا يتمكّنون من المآكل الطيّبة والملابس الليّنة ، ولكنّهم كانوا يحتقرون الدنيا ونعيمها الفاني ، ويقولون عن أهل الدنيا : « أُولئك قومٌ عجّلت لهم طيّباتهم ، ونحن أُخّرت طـيّباتنا » (4) .
ولأمير المؤمنين (عليه السلام) في « نهج البلاغة » كلام مع العلاء بن عاصم ، الذي ترك الدنيا ولبس الصوف ، فقال له : « يا عُدَيَّ (5) نفسـه ! لقد اسـتهام
ـــــــــــــــــ

(1) سـورة [ الحديد ] 57 آية 23 . القاضي الطباطبائي .
(2) سـورة [ الحشر ] 59 آية 9 ، سـورة [ التغابن ] 64 آية 16 . القاضي الطباطبائي .
(3) انظر : ربيع الأبرار 1 / 811 نحوه .
(4) المستدرك على الصحيحين 4 / 117 ح 7072 ، زاد المسير 7 / 177 ، مجمع البيان 9 / 131 ، الترغيب والترهيب 4 / 62 ح 120 .
(5) عُدَيّ تصغير عدوّ . القاضي الطباطبائي .
أقـول : وقد ذكر ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 11 / 33 رقم 202 إضافة

(385)

بك الخبيث ( يعني : الشـيطان ) .
فقال : يا أمير المؤمنين ! هذا أنت في خشـونة ملبسـك وجشـوبة مأكلك ؟!
قال : ويحك ! إنّي لسـتُ كأنت ، إنّ الله تعالى فرض على أئمّة العدل أن يقدّروا أنفسـهم بضعفة الناس ; كي لا يتبيّغ (1) بالفقير فقره » (2) .
وللباقر والصادق (عليهما السلام) مع سـفيان الثوري وأصحابه من متقشّفة ذلك العصر ومتصوّفة تلك الأيّام ، حيث كانوا يعترضون على الأئمّة (عليهم السلام) إذا وجدوا عليهم بعض الملابس الفاخرة قائلين : « إنّ جدّكم رسـول الله وأمير المؤمنين صلوات الله عليهما ما كانوا يلبسـون هذه الملابس ؟!
فيقول لهم الإمام : ذاك حيث إنّ الزمان قلّ ، أمّا إذا درّت الدنيا أخلافها فأَوْلى الناس بها أولياء الله » ; أو ما هو بهذا المضمـون (3) . وللرضـا (عليه السلام) كلامٌ عال شـريفٌ في هذا الموضـوع (4) .
إلى هذا المعنى ، أنّه يمكن أن يراد به التحقير المحض ، ويمكن أن يراد به الاسـتعظام لعداوته لنفسه .

ـــــــــــــــــ
(1) تبيّغ : هاج ، تبيّغ به الدم ; أي هاج به ، وتبيّغ بالفقير فقره ; أي : هاج عليه وحمله على المنكر من الأعمال .
انظر : لسان العرب 1 / 558 مادّة « بيغ » .
(2) نهـج البلاغـة ج 1 ص 423 ط مصر [ ص 324 ـ 325 رقم 209 ] ، شرح ابن أبي الحديد ج 3 ص 111 ط مصر [ 11 / 32 ـ 33 رقم 202 ] . القاضي الطباطبائي .
(3) انظر : كشف الغمّة 2 / 157 ، تهذيب الكمال في أسماء الرجال 3 / 425 رقم 933 ، سير أعلام النبلاء 6 / 261 ـ 262 رقم 117 ، بحار الأنوار 47 / 221 ح 7 .
(4) نقل الشيخ الصدوق في عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 1 / 279 رقم 81 حديثاً عن الإمام الرضا (عليه السلام) ، عن أبيه موسى بن جعفر (عليه السلام) ، قال : سئل الصادق (عليه السلام) عن الزاهد في

(386)

ولقـد كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) في المدينة من الضياع والبسـاتين والمزارع ، كعين أبي نيزز والبغيبغة وغيرها (1) ، ما يدرّ كلّ سـنة بأُلوف الدنانيـر ، وقـد أوقفهـا جميعـاً في سـبيل الله ، وكان يضـرب بالمسـحاة بيده في عقار الله ، لا حرصـاً على الدنيا والأموال ، ولكن حرصاً على الإنفاق في سـبيل الله والإحسـان على الضعفاء من عباد الله (2) .
ـــــــــــــــــ

الدنيا ، قال : الذي يترك حلالها مخافة حسابه ، ويترك حرامها مخافة عقابه ; ونحـوه في معاني الأخبار : 287 .
(1) انظر في ما يخصّ أملاك أمير المؤمنين (عليه السلام) التي تصدّق بها : تاريخ المدينة 1 / 219 ـ 228 ، الكامل في اللغة والأدب 2 / 153 ـ 155 ، مناقب الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ـ لسليمان الكوفي ـ 2 / 81 ـ 83 ، معجم ما استعجم 1 / 262 ، الإصابة 7 / 343 رقم 10660 ، معجم البلدان 4 / 198 رقم 8699 .
وأبو نيزر ـ الذي تنسـب إليه العين ـ هو مولىً للإمام عليّ (عليه السلام) ، كان ابناً للنجاشي ملك الحبشة ـ الذي هاجر إليه المسلمون ـ لصُلبه ، وجده الإمام عليّ (عليه السلام)عند تاجر بمكّة فاشتراه منه وأعتقه مكافأةً بما صنع أبوه مع المسلمين حين هاجروا إليه ، وذكروا أنّ الحبشة مَرِجَ عليها أمرُها بعد موت النجاشي ، وأنّهم أرسلوا وفداً منهم إلى أبي نيزر وهو مع الإمام ليُمَلّـكوه عليهم ويتوّجوه ولا يختلفوا عليه ، فأبى ، وقال : ما كنت لأطلب الملك بعد أن مَـنَّ الله علَيَّ بالإسلام .
انظر ترجمته في المصادر المذكورة آنفـاً .
(2) قال السـيّد رضي الدين بن طاووس الحسـني (قدس سره) في كـتابه القيّم « كشـف المحجّة » ما هذا لفظه :
واعلـم يا ولـدي محمّـد ... أنّ جماعـة ممّـن أدركـتهم كانـوا يعتقـدون أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) جدّك محمّـداً وأباك عليّـاً صلوات الله عليهما كانا فقيرين لأجل ما يبلغهم إيثارهم بالقوت واحتمال الطوى والجوع والزهد في الدنيا ، فاعتقد السـامعون لذلك الآن أنّ الزهد لا يكون إلاّ مع الفقر ، وتعذّر مع الإمكان .
وليس الأمر كما اعتقده أهل الضعف ، المهملين للكشـف ; لأنّ الأنبياء (عليهم السلام)أغنى أهل الدنيا ; بتمكين الله جلّ جلاله لهم ممّا يريدون منه جلّ جلاله من الإحسـان إليهم ، ومن طريق نبوّتهم كانوا أغنى أُممهم وأهل ملّتهم ، ولولا اللطف

(387)

برسـالتهم مـا كان لأهل وقتهم مال ولا حال ، وإنّـما كانوا (عليهم السلام) يؤثرون بالموجود ولا يسـبقون الله جلّ جلاله بطلب مال يريد أن يطلبوه من المفقود .
وقد وهب جـدّك محمّـدٌ (صلى الله عليه وآله وسلم) أُمَّك فاطمة صلوات الله عليها فدكاً والعوالي من جملة مواهبه ، وكان دخلها ، في رواية الشـيخ عبـد الله بن حمّاد الأنصاري : أربعة وعشرون ألف دينار كلّ سـنة ، وفي رواية غيره : سـبعون ألف دينار ، وهي وزوجها المعظّم والواهب الأعظم من أعظم الزهّاد والأبرار ، وكان يكفيهم منها أيسـر اليسـير ، ولكنّ العارفين ما ينازعون الله جلّ جلاله في تملّك قليل ولا كـثير ، ولكنّهم كالوكلاء والأُمناء والعبيـد الضعفاء ، فيصرفون في الدنيا وفي ما يعطيهم منها كما يصرّفهم هو جلّ جلاله ، وهم في الحقيقة زاهدون فيها وخارجون عنهـا .
ووجدت في أصل ، تاريخ كـتابته سـبع وثلاثين ومئتين .. عن مولانا عليّ أبيك أمير المؤمنين (عليه السلام) : تزوّجت فاطمة (عليها السلام) وما كان لي فراش ، وصدقتي اليوم لو قُسّـمت على بني هاشـم لوسـعتهم .
وقال في الكـتاب : إنّه (عليه السلام) وقف أمواله وكانت غلّته أربعين ألف دينار ، وباع سـيفه وقال : من يشـتري سـيفي ؟! ولو كان عندي عشـاء ما بعتـه .
وروى فيه أنّـه قال مرّةً (عليه السلام) : من يشـتري سـيفي الفلاني ؟ ولو كان عندي ثمن إزار ما بعته ; قال وكان يفعل هذا وغلّته أربعون ألف دينار من صدقته ...
ورأيت في كتاب إبراهيم بن محمّـد الأشعري ، الثقة ، بإسناده عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال : قُبض عليٌّ (عليه السلام) وعليه دين ثمانمئة ألف درهم ، فباع الحسـن (عليه السلام) ضيعة له بخمسـمئة ألف درهم فقضاها عنه ، وباع ضيعة أُخرى له بثلاثمئة ألف درهم فقضاها عنه ; وذلك أنّه لم يكن يذر من الخمس شـيئاً وكان تنوبه نوائب .
ورأيت في كتاب عبـد الله بن بكير ، بإسناده عن أبي جعفر (عليه السلام) ، أنّ الحسـين (عليه السلام)قُـتل وعليه دين ، وأنّ عليّ بن الحسـين زين العابـدين (عليه السلام) باع ضيعة له بثلاثمئة ألف ليقضي دين الحسـين (عليه السلام) ...
وكان وقف جـدّك أمير المؤمنيـن (عليه السلام) على أولاده خاصّـة من فاطمـة (عليها السلام) لها عامل من ذرّيّته ، فكيف وقع الضعفاء أنّه كان فقيراً وأنّ الغنى لا يكون لمن جعله الله جلّ جلاله من خاصّته ؟! وهل خلق الله جلّ جلاله الدنيا والآخرة إلاّ لأهل عنايته ؟! ( ا . هـ ) . [ انظر : كشـف المحجّة : 123 ـ 126 ] .

(388)

وغيـر خفيّ على القارئ الكـريم أنّ عليّـاً أمير المؤمنيـن (عليه السلام) اسـتخرج عيونـاً بكدّ يده بالمدينـة وينبـع وسـويعة ، وأحيى بها مواتاً كـثيراً ، ثمّ أخرجهـا عن مُـلكـه وتصدّق بها على المسـلمين ، ولم يمت وشيء منها في مُلكه ، وجملة من وصاياه (عليه السلام) في صدقاته وموقوفاته مروية في الجامع الكبير « الكافي » للكليني (رحمه الله)[ 7 / 47 ـ 55 ] ; فراجـع . ولم يورّث أمير المؤمين (عليه السلام) بنيـه قليـلا من المال ولا كـثيراً إلاّ عبيـده وإماءه وسـبعمئة درهم من عطائه تركها ليشـتري بها خادماً لأهله قيمتها ثمانية وعشـرون ديناراً ، على حسـب المئة أربعة دنانير ، هكذا كانت المعاملة بالدراهم إذ ذاك .
وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) يعمل بيده يحرث الأرض ويسـتقي الماء ويغرس النخل ، كلّ ذلك يباشـر بنفسـه الشـريفة ولم يسـتبْقِ منـه لوقتـه ولا لعقبـه قليلا ولا كثيراً ، وإنّما كان صدقة ، وقصّة عين أبي نيزر معروفة ، نقلها أبو العبّاس المبرّد في « الكامل » ; انظر : ج 3 ص 937 ط مصر [ 2 / 153 ـ 155 ] .
وقـد مات رسـول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وله ضيـاع كثـيرة جليلة جدّاً بخـيبر وفدك وبني النضير ، والحوائـط السـبعة مشـهورة وقد أوصـى بها رسـول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى ابنته الصـدّيقة الطاهـرة (عليها السلام) .
وروي أنّ هذه الحوائط كانت وقفاً ، وكان رسـول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يأخذ منها ما ينفقه على أضيافه ومن يمرّ به ، فلمّا قبض جاء العبّاس يخاصم فاطمة (عليها السلام) فيها ، فشـهد عليّ (عليه السلام) وغيره أنّها وقف .
وكان لرسـول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وادي نخلة وضياع أُخرى كـثيرة بالطائف .
عن أبي بصير ، قال : لمّا بلغ أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّ طلحة والزبير يقولان : ليس لعليّ مال ; فشـقّ ذلك عليه ، وأمر وكلاءه أن يجمعوا غلّته ، حتّى إذا حال الحول أتوه وقد جمعوا من ثمن الغلّة مئة ألف درهم فنثرت بين يديه ، فأرسـل إلى طلحة والزبير ، فأتياه ، فقال لهما : هذا المال والله لي ، ليس لأحد فيه شـيء ; وكان عندهما مصدّقاً ، فخرجا من عنده وهما يقولان : إنّ له لمالا .
انظـر : الجامـع الكبيـر « الكافي » [ 6 / 440 ] ، والبحـار [ 41 / 125 ـ 126 ] ، وشـرح نهـج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ ج 3 ص 433 ط مصر [ 15 / 146 وما بعدها ] ، وسـيرة ابن هشـام ج 2 ص 40 ط مصر [ 4 / 321 ـ 327 ] . القاضي الطباطبائي .

(389)

وكانت قِنيـة (1) تلك الأثواب الثمينة تمسّ ورع الحسـين (عليه السلام) وزهده لو كان يشـحّ بها ويحرص عليها ، أمَا وقد بذلها في فكّ الأسـير المجاهد في سـبيل الله فتلك فضيلة للحسـين (عليه السلام) ، وكرامة تزيد في علـوّ ورعه وزهده ، ورغبته في تضميد عواطف الفقراء المجروحة ، والترفيه عن كلّ بائـس محتـاج .
ولعلّك ـ عافاك الله ـ حسـبت أنّ الحسـين (عليه السلام) يلبس تلك الثياب ويتظاهر فيها بالبذخ والخيلاء ، أو نحو ذلك ممّا ينافي تلك القدسـيّة السـامية ؟!
كلاّ يا عزيزي ! فإنّ الحسـين سـلام الله عليه لو ملَـكَ الدنيا كلّها لوهبها لحظة واحدة في سـبيل الله ، وفي سـبيل البرّ والمعروف ، وما كان يضع شـيئاً من تلك الثياب على بشـرة بدنـه الشـريف ، وإنّما يقتنيها ليجود بها ويعطيها ويضعها في مواضعها اللائقة بها .
وقد ورد في بعض الأخبار أنّه سـلام الله عليه لمّا اسـتُشـهد كان عليه من الدين سـبعة آلاف دينار ذهباً ، أو سـبعون ألفاً ، وأنّ عليّ بن الحسـين لمّا رجع إلى المدينة امتنع عن الطعام والمنام إلى أن قضاها عن أبيه (2) .
والخلاصة : إنّ الزهد هو قطع العلاقة عن الدنيا ، وعن حبّ المال ، لا عدم وجود المال ، وليس الزهد هو لبس الثياب الممزّقة والأطمار
ـــــــــــــــــ

(1) قَـنا يَـقْـنُو قَـنْواً وقُـنْواناً ، والمصدر القِـنيان والقُـنيان ، وتقول : اقتنى يقتني اقتناءً ، وهو أن يتّـخذه لنفسـه لا للبيع ، ويقـال : هـذه قِنـيَـةٌ واتّخذهـا قِنيـةً للنسـل لا للتجـارة .
انظر : لسان العرب 11 / 329 مادّة « قنا » .
(2) كشف المحجّة : 125 .

(390)

المرقّـعة والمآكل الخشـنة !
واسـمح لي ـ يا نور عيني ـ أن أقول لك : إنّ أكـثر الناس لا يعرفون من حقيقة الزهد شـيئاً ، والموكب العظيم الذي سـار فيه الحسـين (عليه السلام) من الحجاز إلى العراق ، وسـقى في قفر الأرض بِحَرّ الهجير ألف فارس وألف فرس (1) أعظم من قضية الثياب الخمسـة .
أمّا زيد بن أرقم وقوله : « إرفع عودك عن هاتين ... » إلى آخـره ..
فلعلّ تقبيل رسـول الله شـفتَي الحسـين (عليه السلام) من جهة أنّه تعالى أعلمه أنّهما موضع ضرب يزيد وابن زياد الّذين قرعوا ثغر الحسـين (عليه السلام)بالخيزرانة (2) .
وأمّا حديث : « نحن أسـرار الله المودعة ... » إلى آخره ..
فحيث إنّه من الأسـرار التي لا يليق إفشـاؤها (3) ، مضافاً إلى ضيق
ـــــــــــــــــ

(1) إشـارة إلى قضية الحـرّ (رحمه الله) ولقائه مع سـيّد الشـهداء (عليه السلام) ، ومنعه الإمام (عليه السلام) من الدخول إلى الكوفة ، مذكورة في كـتب التاريخ والمقاتل ، لا حاجة إلى ذكرهـا ، ومن شـاء أن يطّلع فعليه بالمراجعة إلى مظانّها . القاضي الطباطبائي .
(2) نقل العلاّمة الزمخشـري قضية زيد بن أرقم مع ابن زياد بهذه الصورة ، قال في « الفائق » ما هذا لفظه : ابن زياد لعنه الله ـ دخل عليه زيد بن أرقم وبين يديه رأس الحسـين ـ عليه وعلى أبيه وجدّه وأُمّه وجدّته من الصلوات أذكاها ، ومن التحيّات أنماها ـ وهو ينكـته بقضـيب معه ، فغشـي عليه ، فلمّا أفاق قال له : ما لك يا شـيخ ؟! قال : رأيتك تضرب شـفتين طالما رأيت رسـول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقبّلهما ; فقال ابن زياد لعنه الله : أخرجوه ! فلمّا قام ليخرج قال : إنّ محمّـديكم هذا لدحداح .
انظـر : الفائـق ج 3 ص 329 ط مصر 1364 هـ [ 1 / 419 مادّة « دحح » ] . القاضي الطباطبائي . وراجـع أيضاً : ما تقدّم من المصادر في ص 344 هـ 1 .
(3) أقـول : لقد ورد عن الأئمّـة (عليهم السلام) ما يؤكّـد على كتمان أسـرارهم وعدم إذاعـة

(391)

المجال وطول المقال ، فالأجدر عدم الخوض فيه . ونسـأله تعالى أن يعصم أفهامنا وأقلامنا من الهفوات .
وما توفيقي إلاّ بالله ، عليه توكّلت وإليه أُنيب .
محمّـد الحسـين آل كاشـف الغطاء

أمرهم في المجالس العامّة ، وفي المحافل التي يغلب عليها الجهل ونصب العداوة لهم (عليهم السلام) ، وذلك حذراً من عدم استطاعة العقول الضيّـقة من تحمّـل تلك الأسـرار ، ومن ثُمَّ تأويلها حسـب الأهواء ممّا يدفع ببعضهم إلى الغلوّ لدرجة العبودية ، وبعضهم الآخر إلى التكذيب بها فالبغض إلى درجة نصب العداء لهم وتكفير شـيعتهم والموالين لهم .
يقول أمير المؤمنين الإمام عليٌّ (عليه السلام) : إنّ أمرنا صعب مسـتصعب ، لا يحمله إلاّ عبدٌ مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان ، ولا يعي حديثنا إلاّ صدور أمينة وأحلام رزينة .
انظر : نهج البلاغة : 280 من كلامه في صعوبة الإيمان .
وعن أبي بصير ، عن أبي جعفـر (عليه السلام) : إنّ حديثـنا صعب مسـتصعب ، لا يؤمن به إلاّ ملَكٌ مقرّب ، أو نبيٌّ مرسل ، أو عبدٌ امتحن الله قلبه للإيمان ، فما عرفت قلوبكم فخذوه ، وما أنكرت فرُدّوه إلينا .
انظر : بصائر الدرجات : 41 ح 4 .
وإلى ذلك يشير الإمام أبو عبـد الله جعفر بن محمّـد الصادق (عليه السلام) حين قال : إنّه ليس من احتمال أمرنا التصديق له والقبول فقط ، من احتمال أمرنا سـتره وصيانته من غير أهله .
انظر : أُصول الكافي 2 / 251 باب الكتمان ح 5 .

(392)

ثبت مصادر ومراجع التحقيق
1 ـ في البـدء : كلام الله المجيـد .
2 ـ الإتحاف بحبّ الأشراف ، لعبـد الله بن محمّد بن عامر الشبراوي ، نشر المطبعة الأدبية ، مصر .
3 ـ الاحتجاج ، للطبرسي أحمد بن علي بن أبي طالب ( ت 520 ) ، تحقيق إبراهيم البهادري وآخرين ، نشر دار الأُسوة ، قم 1416 .
4 ـ أحكام القرآن ، للجصّاص أبي بكر أحمد بن علي الرازي ( ت 503 ) ، تحقيق صدقي محمّد جميل ، نشر دار الفكر ، بيروت 1414 .
5 ـ الإحكام في أُصول الأحكام ، للآمدي علي بن أبي علي ( ت 631 ) ، تحقيـق إبراهيم العجوز ، نشر دار الكتب العلمية ، بيروت .
6 ـ أدب الطفّ ، للسيّد جواد شُبّر ، نشر مؤسّـسة التاريخ العربي ، بيروت 1422 .
7 ـ الإرشاد ، للشيخ المفيد محمّد بن محمّد بن النعمان ( ت 413 ) ، تحقيق مؤسّـسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث ، نشر دار المفيد ، بيروت .
8 ـ الاستيعاب في معرفة الأصحاب ، لأبي عمر يوسف بن عبـد الله بن محمّـد بن عبـد البَـرّ ( ت 463 ) ، تحقيق علي محمّـد البجاوي ، نشر دار الجيل ، بيروت 1412 .
9 ـ أُسد الغابة ، لعزّ الدين ابن الأثير أبي الحسن علي بن محمّـد الجزري ( ت 630 ) ، تحقيق ونشر دار الفكر ، بيروت 1409 .
10 ـ الإصابة ، لابن حجر العسقلاني أحمـد بن علي ( ت 852 ) ، تحقيق علي محمّـد البجاوي ، نشر دار الجيل ، بيروت 1412 .
11 ـ الأعلام ، لخير الدين الزركلي ، نشر دار العلم للملايين ، بيروت 1997 .

(393)

12 ـ الأغاني ، لأبي الفرج الأصفهاني علي بن الحسن ( ت 356 ) ، شرح عبـد علي مهنّا وسمير جابر ، نشر دار الكتب العلمية ، بيروت 1412 .
13 ـ الأمالي ، للشيخ الصدوق أبي جعفر محمّـد بن علي ( ت 381 ) ، تحقيق ونشر مؤسّـسة البعثة ، طهران 1417 .
14 ـ الأمالي ، للشيخ المفيد محمّـد بن محمّد بن النعمان ( ت 413 ) ، نشر دار المفيد ، بيروت 1414 .
15 ـ الإمامة والسياسة ، لابن قتيبة الدينوري عبـد الله بن مسلم ( ت 276 ) ، تحقيق علي شيري ، نشر دار الأضواء ، بيروت 1410 .
16 ـ إملاء ما منّ به الرحمن ، للعكبري عبـد الله بن الحسين ( ت 616 ) ، نشر دار الفكر ، بيروت 1414 .
17 ـ أنساب الأشراف ، للبـلاذري أحمد بن يحيى ( ت 279 ) ، تحقيـق سهيل زكّار وآخرين ، نشر دار الفكر ، بيروت 1417 .
18 ـ الأنوار اللامعة في شرح الزيارة الجامعة ، للسيّد عبـد الله شُبّر ، نشر مؤسّـسة الوفاء ، بيروت 1403 .
19 ـ إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون ، لإسماعيل باشا البغـدادي ، نشر دار الكتب العلمية ، بيروت 1413 .
20 ـ بحار الأنوار ، للمجلسي محمّـد باقر بن محمّـد تقي ( ت 1110 ) ، نشر دار إحياء التراث العربي ، بيروت 1403 .
21 ـ البدء والتاريخ ، لأحمد بن زيد البلخي (ت 322 ) ، تحقيق خليل عمران المنصور ، نشر دار الكتب العلمية ، بيروت 1417 .
22 ـ البداية والنهاية ، لابن كثير إسماعيل بن عمر القرشي البصري ( ت 771 ) ، تحقيق مجموعة من الأساتذة ، نشر دار الكتب العلمية ، بيروت 1415 .
23 ـ بغية الطلب في تاريخ حلب ، لابن العديم عمر بن أحمد ( ت 660 ) ، تحقيق سهيل زكّار ، نشر دار الفكر ، بيروت .
24 ـ بلاغات النساء ، لابن طيفور أحمد بن طاهـر ( ت 280 ) ، تحقيـق

(394)

عبـد الحميد الهنداوي ، نشر دار الفضيلة ، القاهرة .
25 ـ تاج العـروس ، لمحمّـد بن محمّـد مرتضى الحسيني الزبيدي ( ت 1205 ) ، تحقيق علي شيري ، نشر دار الفكر ، بيروت 1414 .
26 ـ تاريخ ابن خلدون ، لابن خلدون عبد الرحمن بن محمّد الحضرمي ( ت 808 ) ، نشر دار الكتب العلمية ، بيروت 1413 .
27 ـ تاريخ الأُمم والملوك ( تاريخ الطبري ) ، لمحمّـد بن جرير الطبري ( ت 310 ) ، نشر دار الكتب العلمية ، بيروت .
28 ـ تاريخ الخلفاء ، لجلال الدين السيوطي عبـد الرحمن بن أبي بكر ( ت 911 ) ، نشر دار الجيل ، بيروت 1415 .
29 ـ تاريخ بغداد ، للخطيب البغدادي أحمد بن علي ( ت 463 ) ، نشر دار الكتب العلمية ، بيروت .
30 ـ تاريخ خليفة بن خيّاط ، لخليفة بن خيّاط العصفري البصري ( ت 240 ) ، تحقيق سهيل زكّار ، نشر دار الفكر ، بيروت 1414 .
31 ـ تاريخ الخميس ، لحسين بن محمّد بن الحسن الدياربكري ( ت 966 ) ، نشر مؤسّـسة شعبان ، بيروت .
32 ـ تاريخ دمشق ، لابن عساكر أبي قاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عبـد الله الشافعي ( ت 571 ) ، تحقيق أبي سعيد عمر بن غرامة العَمري ، نشر دار الفكر ، بيروت 1415 .
33 ـ تاريخ المدينة المنوّرة ، لعمر بن شبّة النميري البصري ( ت 262 ) ، تحقيق فهيم محمّـد شلتوت .
34 ـ تاريخ اليعقوبي ، لأحمد بن أبي يعقوب الكاتب ( ت 292 ) ، تحقيق عبـد الأمير مهنّا ، نشر مؤسّـسة الأعلمي ، بيروت 1413 .
35 ـ تحف العقول عن آل الرسول ، للحسن بن علي بن شعبة الحـرّاني ( ت 381 ) ، تحقيق حسين الأعلمي ، نشر مؤسّـسة الأعلمي ، بيروت 1423 .
36 ـ تذكرة الخواصّ ، لسبط ابن الجوزي يوسف بن فرغلي البغدادي ( ت 654 ) ، نشر مكتبة الشريف الرضي ، قم 1418 .
37 ـ تذكرة الموضوعات ، لمحمّد طاهر بن علي الهندي الفتني ( ت

(395)

986 ) ، نشر أمين دمج ، بيروت .
38 ـ ترجمة الإمام الحسـين (عليه السلام) ، لابن سعد محمّد بن سعد الهاشمي ( ت 230 ) ، تحقيق السيّد عبـد العزيز الطباطبائي ، نشر مؤسّـسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث ، بيروت 1416 .
39 ـ الترغيب والترهيب ، للمنذري عبد العظيم بن عبد القوي ( ت 656 ) ، نشر دار مكتبة الحياة ، بيروت 1411 .
40 ـ تفسير ابن كثير ، لعماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن كثير ( ت 774 ) ، نشر دار الجيل ، بيروت .
41 ـ تفسير البحر المحيط ، لأبي حيّان الأندلسي محمّد بن يوسف ( ت 754 ) ، نشر دار الفكر ، بيروت 1403 .
42 ـ تفسير البيضاوي ، للبيضاوي عبـد الله بن عمر ( ت 791 ) ، نشر دار الكتب العلمية ، بيروت 1408 .
43 ـ تفسير التسهيل لعلوم التنزيل ، للكلبي محمّد بن أحمد بن جزيّ ( ت 292 ) ، نشر دار الفكر .
44 ـ تفسير الثعلبي ، لإبي اسحاق أحمد الثعلبي ( ت 427 ) ، تحقيق علي عاشور ونظير الساعدي ، نشر دار إحياء التراث العربي ، بيروت 1422 .
45 ـ تفسـير الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور ، لجلال الدين السيوطي عبـد الرحمن بن أبي بكر ( ت 911 ) ، نشر دار الفكر ، بيروت 1414 .
46 ـ تفسير الطبري ، لمحمّـد بن جرير الطبري ( ت 310 ) ، نشر دار الكتب العلمية ، بيروت 1412 .
47 ـ تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان ، للحسن بن محمّد القمّي النيسابوري ( ت 728 ) ، تحقيق زكريّا عميرات ، نشر دار الكتب العلمية ، بيروت 1416 .

(396)

48 ـ تفسير الفخر الرازي ، لمحمّـد بن عمر فخر الدين الرازي ( ت 606 ) ، تحقيق خليل محيي الدين ، نشر دار الفكر ، بيروت 1414 .
49 ـ تفسير القرطبي ، للقرطبي محمّـد بن أحمد الخزرجي ( ت 671 ) ، نشر دار الكتب العلمية ، بيروت 1417 .
50 ـ تفسير الكشّاف ، للزمخشري جار الله محمود بن عمر الخوارزمي ( ت 538 ) ، نشر دار الفكر .
51 ـ تنقيح المقال في علم الرجال ، لعبد الله المامقاني ( ت 1351 ) ، تحقيق محيي الدين المامقاني ، نشر مؤسّـسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث ، قم 1423 .
52 ـ تهذيب الكمال ، ليوسف بن عبد الرحمن المزّي ( ت 742 ) ، تحقيق أحمد علي عبيد وغيره ، نشر دار الفكر ، بيروت 1414 .
53 ـ جنّة المأوى ، للشيخ محمّد الحسين آل كاشف الغطاء ( ت 1373 ) ، نشر دار الأضواء ، بيروت 1408 .
54 ـ جواهر المطالب في مناقب الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ، لمحمّد ابن أحمد الدمشقي الباعوني ( ت 871 ) ، تحقيق محمّد باقر المحمودي ، نشر دار إحياء الثقافة الاسلامية ، قم 1415 .
55 ـ الحيوان ، لعمرو بن بحر الجاحظ ( ت 255 ) ، تحقيق يحيى الشامي ، نشر دار ومكتبة الهلال ، بيروت 1997 .
56 ـ الخلفاء الراشدون ، للذهبي محمّد بن أحمد بن عثمان ( ت 748 ) ، تحقيق حسام الدين القدسي ، نشر دار الجيل ، بيروت 1412 .
57 ـ دلائل الإمامة ، لمحمّد بن جرير الطبري الإمامي ، نشر المطبعة الحيدرية ، النجف الأشرف 1383 .
58 ـ دلائـل الصدق ، لمحمّد حسن المظفّر ( ت 1375 ) ، تحقيـق ونشر مؤسّـسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث ، قم 1422 .
59 ـ ديوان بهاء الدين زهير ، ( ت 656 ) ، نشر دار صادر ، بيروت 1400 .

(397)

60 ـ ديوان حسّان بن ثابت ، تحقيق وليد عرفات ، نشر دار صادر ، بيروت .
61 ـ ديوان الشريف الرضي ، ( ت 406 ) ، تحقيق إحسان عبّاس ، نشر دار صادر ، بيروت 1994 .
62 ـ ديوان الفرزدق ، ( ت 114 ) ، نشر دار صادر ، بيروت .
63 ـ ديوان هاشم الكعبي ، ( ت 1231 ) ، نشر منشورات الرضي ، قم 1364 هـ ش .
64 ـ ربيع الأبرار ، للزمخشري محمود بن عمر ( ت 538 ) ، تحقيق سليم النعيمي ، نشر دار الذخائر ، قم 1410 .
65 ـ رجال الطوسي ، للشيخ الطوسي أبي جعفر محمّد بن الحسن ( ت 460 ) ، تحقيق السيّد محمّد صادق آل بحر العلوم ، نشر المطبعة الحيدرية ، النجف الأشرف 1381 .
66 ـ الردّ على المتعصّب العنيد ، لأبي الفرج عبـد الرحمن ابن الجـوزي ( ت 597 ) ، تحقيق محمّد كاظم المحمودي ، 1403 .
67 ـ زاد المسير ، لأبي الفرج عبـد الرحمن ابن الجوزي ( ت 597 ) ، تحقيق أحمد شمس الدين ، نشر دار الكتب العلمية ، بيروت 1414 .
68 ـ سير أعلام النبلاء ، للذهبي محمّـد بن أحمد بن عثمان ( ت 748 ) ، تحقيق شعيب الأرنؤوط وآخرين ، نشر مؤسّـسة الرسالة ، بيروت 1414 .
69 ـ السيرة النبوية ، لعبـد الملك بن هشام الحميري البصري ( ت 213 ) ، تحقيق طه عبـد الرؤوف سعد ، نشر دار الجيل ، بيروت .
70 ـ السيرة النبوية ، لابن كثير إسماعيل بن عمر القرشي البصري ( ت 771 ) ، تحقيق مصطفى عبـد الواحد ، نشر دار الفكر ، بيروت .
71 ـ شذرات الذهب ، لأبي الفلاح عبـد الحيّ الحنبلي ( ت 1089 ) ، نشر دار الفكر ، بيروت 1414 .
72 ـ شرح الأخبار في فضائل الأئمّة الأطهار ، لأبي حنيفة النعمان بن

(398)

محمّد التميمي ( ت 363 ) ، تحقيق السيّد محمّد الحسيني الجلالي ، نشر مؤسّـسة النشر الإسلامي ، قم 1414 .
73 ـ شرح نهج البلاغة ، لابن أبي الحديد المعتزلي عزّ الدين عبـد الحميد ابن هبة الله المدائني ( ت 656 ) ، نشر دار الجيل ، بيروت 1416 .
74 ـ شعراء الغريّ ، لعلي الخاقاني ، نشر مكتبة المرعشي ، قم 1408 .
75 ـ طبقات فحول الشعراء ، لمحمّد بن سلاّم الجمحي ( ت 231 ) ، تحقيق محمود محمّد شاكر ، نشر دار المدني ، جدّة .
76 ـ الطبـقـات الكبـرى ، لمحمد بن سـعد الهاشمي ( ت 230 ) ، تحقيـق محمّـد عبـد القادر عطا ، نشر دار الكتب العلميّة ، بيروت 1410 .
77 ـ العبقات العنبرية في الطبقات الجعفرية ، للشيخ محمّد الحسين آل كاشف الغطاء ( ت 1373 ) ، تحقيق السـيّد جودت القزويني ، نشر بيسان للنشر والتوزيع ، بيروت 1418 .
78 ـ العقد الفريد ، لأحمد بن محمّـد بن عبـد ربّه الأندلسي ( ت 327 ) ، نشر دار الأندلس ، بيروت 1416 .
79 ـ عُمدة القاري بشرح صحيح البخاري ، لبدر الدين بن أحمد العيني ( ت 855 ) ، نشر دار الفكر ، بيروت .
80 ـ العواصم من القواصم ، لمحمّد بن عبـد الله بن العربي المعافري المالكي ( ت 543 ) ، تحقيق محبّ الدين الخطيب ، نشر دار البشائر ، دمشق .
81 ـ عيون أخبار الرضـا (عليه السلام) ، للشيخ الصدوق أبي جعفر محمّـد بن علي ابن الحسين بن بابويه القمّي ( ت 381 ) ، تصحيح وتعليق حسين الأعلمي ، نشر مؤسّـسة الأعلمي ، بيروت 1404 .
82 ـ الفائق في غريب الحديث ، لأبي القاسم جار الله محمود بن عمر الزمخشري ( ت 538 ) ، تحقيق علي محمّد وغيره ، نشر دار الفكر ، بيروت 1399 .
83 ـ فتح الباري شرح صحيح البخاري ، لابن حجر العسقلاني أحمد بن

(399)

علي ( ت 852 ) ، تحقيق عبـد العزيز بن باز ومحمّـد فؤاد عبـد الباقي ، نشر دار الكتب العلمية ، بيروت 1410 .
84 ـ فتح القدير ، للشوكاني محمّد بن علي الصنعاني ( ت 1250 ) ، نشر دار الفكر ، بيروت 1403 .
85 ـ الفتوح ، لأحمد بن أعثم الكوفي ( ت 314 ) ، نشر دار الكتب العلمية ، بيروت 1406 .
86 ـ الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية ، لابن الطقطقي محمّد بن علي بن طباطبا ، تحقيق عبد القادر محمّد مايو ، نشر دار القلم العربي ، حلب 1418 .
87 ـ فضائل الصحابة ، لأحمد بن حنبل ( ت 241 ) ، تحقيق وصي الله بن محمّد عبّاس ، نشر دار ابن الجوزي ، الرياض 1420 .
88 ـ فيض القدير شرح الجامع الصغير ، للمناوي محمّـد بن عبـد الرؤوف ( ت 1031 ) ، تحقيق أحمد عبـد السلام ، نشر دار الكتب العلمية ، بيروت 1415 .
89 ـ الكافي ( الأُصول ) ، للكليني محمّـد بن يعقوب الرازي ( ت 329 ) ، تحقيق ونشر دار الأُسوة للطباعة والنشر ، طهران 1418 .
90 ـ الكافي ( الفروع ) ، للكليني محمّـد بن يعقوب الرازي ( ت 329 ) ، تحقيق علي أكبر الغفّاري ، نشر دار الكتب الإسلامية ، طهران 1367 .
91 ـ الكامل في التاريخ ، لابن الأثير علي بن محمّـد الجزري ( ت 630 ) ، تحقيق عبـد الله القاضي ، نشر دار الكتب العلمية ، بيروت 1415 .
92 ـ الكامل في اللغة والأدب ، لمحمّد بن يزيد أبي العبّاس المبرّد النحوي ( ت 285 ) ، نشر مؤسّـسة المعارف ، بيروت .
93 ـ كـتاب سـيبويـه ، لعمرو بن عثمـان بن قـنبـر ( ت 180 ) ، تحقيـق عبـد السلام محمّـد هارون ، نشر دار الجيل ، بيروت .
94 ـ كشف الغمّـة ، لأبي الحسن علي بن عيسى بن أبي الفتح الأربلّي ( ت 693 ) ، تحقيق هاشم الرسولي المحلاّتي ، نشر مكتبة بني هاشم ، قم 1381 .

(400)

95 ـ كشف المحجّة ، للسـيّد ابن طاووس علي بن موسى بن جعفر ( ت 664 ) ، نشر المطبعة الحيدرية ، النجف الأشرف 1370 .
96 ـ لبـاب النقـول فـي أسـبـاب النـزول ، لجـلال الـدين السـيـوطي ، عبـد الرحمن بن أبي بكر ( ت 911 ) ، تحقيق حسن تميم ، نشر دار إحياء العلوم ، بيروت 1414 .
97 ـ لسان العرب ، لابن منظور محمّـد بن مكرم ( ت 711 ) ، تحقيق علي شـيري ، نشر دار إحياء التراث العربي ، بيروت 1408 .
98 ـ اللمعة البيضاء في شرح خطبة الزهراء (عليها السلام) ، لمحمّد بن علي بن أحمد التبريزي ( ت 1310 ) ، تحقيق السـيّد هاشـم الميلاني ، نشر دفتر نشر الهادي ، قم 1418 .
99 ـ مجمع البحرين ، لفخر الدين بن محمّد علي الطريحي ( ت 1058 ) ، تحقيق السـيّد أحمد الحسـيني ، نشر مؤسّـسة الوفاء ، بيروت 1403 .
100 ـ مجمع البيان في تفسير القرآن ، للطبرسي أبي علي الفضل بن الحسـن ( ت 548 ) ، نشر دار الفكر ، بيروت 1414 .
101 ـ مجمع الزوائد ، لعلي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي ( ت 807 ) ، نشر دار الكتب العليمة ، بيروت 1408 .
102 ـ المراجعات الريحانية ، للشيخ محمّد الحسين كاشف الغطاء ( ت 1373 ) ، تحقيق السـيّد محمّـد عبـد الحكيم الصافي ، نشر دار الهادي ، بيروت 1424 .
103 ـ مروج الذهب ، لعلي بن الحسين المسعودي ( ت 346 ) ، تحقيق يوسف أسعد داغر ، نشر دار الأندلس ، 1416 .
104 ـ مستدرك الوسائل ، لحسين النوري الطبرسي ( ت 1320 ) ، تحقيق ونشر مؤسّـسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث ، قم 1411 .
105 ـ المسند ، لأحمد بن حنبل ( ت 241 ) ، نشر دار صادر ، بيروت .
106 ـ معاني الأخبار ، للشيخ الصدوق أبي جعفر محمّـد بن علي ( ت

(401)

381 ) ، تحقيق علي أكبر الغفّاري ، نشر مؤسّـسة النشر الإسلامي ، قم 1361 .
107 ـ معجم البلدان ، لياقوت بن عبـد الله الحموي الرومي البغدادي ( ت 626 ) ، تحقيق فريد عبـد العزيز الجندي ، نشر دار الكتب العلمية ، بيروت .
108 ـ معجم ما استعجم من أسماء البلاد ، لعبد الله بن عبـد العزيز البكري الأندلسي ( ت 487 ) ، تحقيق مصطفى السقّا ، نشر عالم الكتب ، بيروت 1403 .
109 ـ المعجم المجمعي ، لعبـد الحسين محمّد علي بقّال ، نشـر مؤسّـسة الطباعة والنشر ، طهران 1416 .
110 ـ معجم المطبوعات العربية والمعرّبة ، ليوسف إليان سركيس ، نشر عالم الكتب .
111 ـ مغني اللبيب ، لجمال الدين بن هشام الأنصاري ( ت 761 ) ، تحقيق مازن المبارك وغيره ، نشر دار الفكر ، بيروت 1412 .
112 ـ مقاتل الطالبيّين ، لأبي الفرج الأصفهاني ( ت 354 ) ، تحقيق أحمد صقر ، نشر مؤسّـسة الأعلمي ، بيروت 1408 .
113 ـ مقدّمة ابن خلدون ، لعبـد الرحمن بن محمّد بن خلدون الحضرمي ( ت 808 ) ، نشر دار الكتب العلمية ، بيروت 1413 .
114 ـ مقتل الحسـين (عليه السلام) ، لأبي المؤيّد الموفّق بن أحمد المكّي أخطب خوارزم ( ت 568 ) ، تحقيق محمّد السماوي ، نشر أنوار الهدى ، قم 1418 .
115 ـ مقتل الحسـين (عليه السلام) ، لأبي مخنف لوط بن يحيى بن سعيد بن مخنف الأزدي ( ت 157 ) ، تحقيق حسن الغفاري ، نشر مكتبة المرعشي ، قم 1398 .
116 ـ مقتل الحسـين (عليه السلام) وقيام المختار ، لابن أعثم الكوفي ( ت 314 ) ، نشر أنوار الهدى ، قم 1421 .
117 ـ الملهوف على قتلى الطفوف ، للسـيّد ابن طاووس علي بن موسى بن جعفر ( ت 664 ) ، تحقيق فارس الحسّون ، نشر دار الأُسوة ، قم 1414 .
118 ـ مناقب آل أبي طالب ، لمحمّـد بن علي بن شهر آشوب المازندراني ( ت 588 ) ، تحقيق يوسف البقاعي ، نشر دار الأضواء ، بيروت 1412 .

(402)

119 ـ مناقب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) ، لمحمّد بن سليمان الكوفي القاضي ( ت ق 3 ) ، تحقيق محمّد باقر المحمودي ، نشر إحياء الثقافة الإسلامية ، قم .
120 ـ المؤتلف والمختلف ، لأبي القاسم الحسن بن بشر الآمدي ( ت 370 ) ، تحقيق عبد الستّار أحمد فرّاج ، نشر دار إحياء الكتب العربية ، القاهرة 1381 .
121 ـ نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار ، للسـيّد علي الحسيني الميلاني ، نشر دار المؤرّخ العربي ورابطة أهل البيت (عليهم السلام) الإسلامية العالمية ، بيروت 1418 .
122 ـ النهاية في غريب الحديث والأثر ، لأبي السعادات المبارك بن محمّـد ابن الأثير الجزري ( ت 606 ) ، تحقيق طاهر أحمد الزاوي ، نشر المكتبة العلمية ، بيروت .
123 ـ نهج البلاغة ، جمع الشريف الرضي ( ت 406 ) ، تحقيق صبحي الصالح ، نشر دار الكتاب المصري ، بيروت 1411 .
124 ـ هديّة العارفين ، لإسماعيل باشا البغدادي ( ت 1339 ) ، نشر دار الكتب العلميّة ، بيروت 1413 .
125 ـ يزيد في محكمة التاريخ ، للسـيّد جواد القزويني ، 1420 .
126 ـ ينابيع المودّة ، لسليمان بن إبراهيم القندوزي ( ت 1294 ) ، تحقيق السـيّد علي جمال أشرف ، نشر دار الأُسوة ، قم 1416 .