شبكة الإمامين الحسنين عليهما السلام للتراث و الفکر الإسلامي

 

مجلة تراثنا العددان 79 و 80


العددان الثالث و الرابع [79 و 80] السنة العشرون / رجب - ذو الحّجّة 1425 هـ

 

 

--------------------------------------------------------------------------------

الفوائـد البديـعة مـن « وسائل الشـيعة » (1)

السـيّد عليّ الحسـيني الميلاني


بسـم الله الرحمن الرحـيم

الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على خير خلقه وأشرف بريّته محمّـد وآله الطاهرين ، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين ، من الأوّلين والآخرين .
وبعـد ..
فإنّه لمّا وصلنا إلى أحكام نافلة الليل في بحوثنا الفقهيّة في كتاب الصلاة ، استوقفني ما جاء في إحدى روايات المسألة ، ونبّهني على أمر كنت في غفلة منه حتّى تلك الساعة ..
وهذا أوّلاً نصّ الرواية :
« عن معاوية بن وهب ، عن أبي عبـد الله عليه السلام أنّه قال : قلت له : إنّ رجلاً من مواليك ، من صلحائهم ، شكا إلَيّ ما يلقى من النوم ، وقال : إنّي أُريد القيام بالليل ...

(8)

قلت : فإنّ من نسائنا أبكار الجارية ، تحبّ الخير وأهله وتحرص على الصلاة ، فيغلبها النوم ، حتّى ربّما قضت وربّما ضعفت عن قضائه ، وهي تقوى عليه أوّل الليل .
فرخّص لهنّ في الصلاة أوّل الليل إذا ضعفن وضيّعن القضاء » (1) .
فقلت في نفسي : سبحان الله ! كنّا ـ ولا نزال ـ نرجع إلى كتاب وسائل الشيعة لننظر في أدلّة الأحكام الشرعيّة ، وأمّا الفوائد الأُخرى المشتملة عليها تلك النصوص ، فلم نلتفت إليها ولم نهتمّ بها .
انظر إلى هذه الرواية .. كيف علّم الأئمّة عليهم السلام الشيعة وأدّبوهم على الأحكام والسُـنن فضلاً عن العمل بالأحكام الإلزامية ، حتّى إنّ الجواري الأبكار في البيوت « تحرص » على صلاة الليل ، بحيث لمّا يغلبها النوم « تقضي » الصلاة بالنهار ، لكنّها لمّا تضعف عن القضاء « تشكو » إلى وليّها ما تلقاه من غلبة النوم ثمّ من الضعف عن القضاء ، فيأتي الرجل إلى الإمام عليه السلام ليسأل لها عن الوظيفة الشرعيّة في هذه الحالة !!
نعم .. هكذا ربّى أهل بيت النبيّ الشيعة ، يلتزمون بالنوافل ، حتّى « أبكار الجارية » منهم ، وإلى هذا الحدّ يحرصون عليها ولا يتركونها ..
وهكذا شأن أهل بيت النبيّ ، الّذين كانوا أوصياءه وخلفاءه في الغرض الذي من أجله بُعث ، كما في قوله تعالى : ( هُوَ الَّذي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كانوا مِنْ قَبْلُ لَفي ضَلال مُبين ) (2) .
وإلاّ لَما أمر بالتمسّك بهم ـ دون غيرهم ـ من بعده ، في قوله صلّى
ـــــــــــــــــ
(1) وسائل الشيعة 4 / 255 ح 5078 و 5079 .
(2) سورة الجمعة 62 : 2 .

(9)

الله عليه وآله وسلّم في حقّهم : « إنّي تارك فيكم الثقلين ما أن تمسّكتم بهما لن تضلّوا : كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي ، وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا علَيّ الحوض » .
ولَما شبّههم في النجاة بسفينة نوح ; إذ قال صلّى الله عليه وآله وسلّم : « أهل بيتي كسفينة نوح ، من ركبها نجا ، ومن تخلّف عنها غرق » (1) .
ولَما حثّ على الكون معهم في جميع الأحوال ، كما في الحديث الوارد عنه ـ في كتب الفريقين ـ بتفسير قوله تعالى : ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) (2) .
ولمّا عزمت ـ على أثر التدبّر في الرواية المذكورة ـ على دراسة شاملة لروايات كتاب الوسائل ـ في مفاهيمها عدا الأحكام التكليفيّة ـ وقفت على مناهج تربويّة راقية ، وتعاليم أخلاقيّة عالية ، وفوائد قيّمة من علوم مختلفة ... ممّا يتجلّى به جانب ممّا أفاضه الله عليهم من العلوم ، وأوقفهم عليه من الحقائق ... ما لا يوجد في غيرهم بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أبداً .
إنّ مَن يدرس الروايات الواردة عن أهل البيت عليهم السلام دراسة واعية ، يطّلع على بعض حالاتهم القدسيّة وملكاتهم المعنويّة ، التي جعلتهم القادة والقدوة في سبيل تحصيل المعارف الحقّة وطريق السير إلى الله ، كما ورد عنهم عليهم السلام في قولهم : « بنا عُرف الله وبنا عُبد الله » (3) .
وإنّ مَن يدرس ما ورد عنهم ـ في الأبواب المختلفة ـ لا يشكّ في
ـــــــــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 27 / 34 ح 33145 .
(2) سورة التوبة 9 : 119 .
(3) كتاب التوحيد ـ للشيخ الصدوق ـ : 152 .

(10)

إحاطتهم بكافّة العلوم ، وأنّهم هم ورثة علم النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وعنهم أُخذ ، وبواسطتهم انتشر في البلاد الإسلاميّة ، من الحجاز والعراق والشام واليمن وغيرها ..
ولذا ورد عنهم عليهم السلام : « إنّه ليس أحد عنده علم إلاّ شيء خرج من عند أمير المؤمنين عليه السلام ، فليذهب الناس حيث شاؤوا فوالله ليس الأمر إلاّ ههنا . وأشار بيده إلى بيته » (1) .
وورد عنهم القول لسلمة بن كهيل والحكم بن عتيبة : « شرّقا وغرّبا ، فلا تجدان علماً صحيحاً إلاّ شيئاً خرج من عندنا أهل البيت » (2) .
وإنّ مَن يدرس كلامهم ـ كما ورد عنهم ـ وينقله بلا دخل أو تصرّف من عنده ... فإنّ الناس سوف يتبعونهم ، كما روي عنهم من « أنّ الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتّبعونا » (3) .
فعلينا أن ندرس كلامهم ، وأن ننقل ما درسنا منه إلى الناس ، وأن يكون نقلنا له بلا تصرّف فيه ، وأمّا المخالفون لهم ، فقد سعوا في إنكاره وكتمه ، ومنعوا من نقله وتعليمه ..
وبعد ، فقد كانت تلك الرواية هي الحافز لدراسة الروايات من تلك الجهات ، وبالتالي تأليف هذا الكتاب ، ثمّ كانت الأُمور المذكورة هي الداعي إلى نشـره ; لعلّي أكون قد أدّيت بعض الواجب ، وقد سمّيته بـ :
« الفوائد البديعة من أخبار وسائل الشيعة »

وبالله التوفيق .
ـــــــــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 27 / 69 ح 33223 .
(2) وسائل الشيعة 27 / 69 ح 33224 . وسنشرح بالتفصيل انتشار العلوم عنهم في موضـعه ; فانتظر .
(3) وسائل الشيعة 27 / 92 ح 33297 .

(11)

(1)
بُني الإسلام على خمس ،
على : الصلاة والزكاة والحجّ والصوم والولاية
عقد الشيخ الحرّ العاملي رحمه الله ـ قبل الورود في أدلّة الأحكام الشرعيّة بحسب الأبواب الفقهيّة ، ابتداءً بكتاب الطهارة وانتهاءً بكتاب الديّات ـ أبواباً بعنوان : « أبواب مقدّمة العبادات » ، فأورد في الباب الأوّل روايات كثيرة بالمضمون المذكور ، يعبّر عنها بـ : « مباني الإسلام » .. والذي نقصده نحن هو : فهم المراد من « الولاية » في هذه الروايات ، فلنذكر بعضها مرقّمةً بأرقامها ، ثمّ نتكلّم عليها :
2 ـ عن أبي جعفر عليه السلام : « بُني الإسلام على خمس : على الصلاة والزكاة والحجّ والصوم والولاية » .
قال زرارة : وأيّ شيء من ذلك أفضل ؟
فقال : الولاية أفضل ; لأنّها مفتاحهنّ ، والوالي هو الدليل عليهنّ .
4 ـ عن عمرو بن حريث أنّه قال لأبي عبـد الله عليه السلام : « ألا أقصّ عليك ديني ؟
قال : بلى .

(12)

قلت : أدين الله بشهادة أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له ، وأنّ محمّـداً رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم شهر رمضان ، وحجّ البيت ، والولاية ... » وذَكَر الأئمّة عليهم السلام .
« فقال : يا عمرو ! هذا دين الله ودين آبائي ، الّذي أدين الله به في السرّ والعلانيّة » .
6 ـ وفي رواية عن أبي عبـد الله عليه السلام ، قال : « وولايتنا » .
قال الشيخ الحرّ : الجهاد من توابع الولاية ولوازمها ; لِما يأتي ، ويدخل فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
7 ـ وفي رواية عنه : « أثافي الإسلام ثلاثة : الصلاة والزكاة والولاية ، لا تصـحّ واحـدة منها إلاّ بصاحبتها » .
9 ـ وفي رواية عجلان بن أبي صالح : « قلت لأبي عبـد الله عليه السلام : أوقفني على حدود الإيمان .
فقال : شهادة أن لا إله إلاّ الله ، وأنّ محمّـداً رسول الله ، والإقرار بما جاء من عند الله ، وصلاة الخمس ، وأداء الزكاة ، وصوم شهر رمضان ، وحجّ البيت ، وولاية وليّنا وعداوة عدوّنا ، والدخول مع الصادقين » .
10 ـ وعن أبي جعفر عليه السلام : « بُني الإسلام على خمس ... والولاية ، ولم يناد بشيء ما نودي بالولاية » .

(13)

13 ـ وعن أبي عبـد الله عليه السلام : « الإسلام هو الظاهر الذي عليه الناس : شهادة أن لا إله إلاّ الله ، وأنّ محمّـداً رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وحجّ البيت ، وصيام شهر رمضان ; فهذا الإسلام » .
20 ـ وفي خبر عرض عبـد العظيم الحسني دينه على الإمام عليّ بن محمّـد الهادي عليهما السلام : « انّ الفرائض الواجبة بعد الولاية :
الصلاة والزكاة والصوم ... » .
23 ـ وفي رواية عن « عبـد الرزّاق بن همام ، عن معمر (1) بن قتادة ، عن أنس ، قال رسول الله : جاءني جبرئيل فقال لي : يا أحمد ! الإسلام عشـرة أسـهم ... والعاشرة : الطاعة ، وهي : العصمة » .
24 ـ وعن أبي حمزة الثمالي ، عن أبي جعفر عليه السلام : « بُني الإسلام على خمس ... والولاية لنا أهل البيت . فجعل في أربع منها رخصـةً ، ولم يجعل في الولاية رخصـة ... والولاية صحيحاً كان أو مريضاً أو ذا مال أو لا مال له ، فهي لازمة » .
26 ـ وعن أبي عبـد الله عليه السلام : « المحمديّة السهلة ـ السمحة ـ

ـــــــــــــــــ

(1) الظاهر أنّه معمر ـ وهو ابن راشد ـ وأنّه قتادة ـ أي ابن دعامة ـ فالصحيح « عن » بدل « بن » .

(14)

إقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصيام شهر رمضان ، وحجّ البيت الحرام ، والطاعة للإمام ، وأداء حقوق المؤمن » .
29 ـ وفي رواية عنه عليه السلام : « بُني الإسلام على خمس دعائم : على الصلاة والزكاة والصوم والحجّ وولاية أمير المؤمنين والأئمّة من ولده عليهم السلام » .
34 ـ وفي أُخرى (1) عنه عليه السلام : « أيّ الأعمال أفضل بعد المعرفة ؟
فقال : ما من شيء بعد المعرفة يعدل هذه الصلاة ... وفاتحة ذلك كلّه معرفتنا ، وخاتمته معرفتنا ... » .
35 ـ وعن أمير المؤمنين عليه السلام : « ثمّ الولاية ، وهي خاتمتها والحافظة لجميع الفرائض والسُـنن » .
38 ـ وفي رواية ، عن معاذ بن مسلم ، عن أبي عبـد الله عليه السلام : « إنّه سُئل عن الدين الذي لا يقبل الله من العباد غيره ، ولا يعذرهم على جهله ؟ فقال :
شهادة أن لا إله إلاّ الله ، وأنّ محمّـداً رسول الله ، والصلاة الخمس ...
ـــــــــــــــــ

(1) في هذه الرواية : « والذي بعث محمّـداً ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ بالحقّ بشيراً ونذيراً ، لقضاء حاجة امرئ مسلم وتنفيس كربته أفضل من حجّة وطواف ... » .

(15)

والايتمام بأئمّة الحقّ من آل محمّـد » .
39 ـ وعن أبي جعفر : « عشـر من لقي الله بهنّ دخل الجنّة ... والولاية لأولياء الله ، والبراءة من أعداء الله » .
أقـول :
لا ريب في أنّ الصلاة والزكاة والصيام والحجّ من فروع الدين ، ومن الأحكام الشرعيّة الضروريّة ، وأنّ الجاحد لها ـ بعد قيام الحجّة عليها له ـ كافر مرتدّ ، وقد عقد الشيخ الحرّ الباب اللاحق لهذا المعنى ، وعنوانه : « باب ثبوت الكفر والارتداد بجحود بعض الضروريات وغيرها ، ممّا تقوم الحجّة فيه بنقل الثقات » ... وجاء في جملة تلك الأخبار :
« عن عبـد الرحيم القصير ، عن أبي عبـد الله عليه السلام ـ في حديث ـ قال : الإسلام قبل الإيمان ، وهو يشارك الإيمان ; فإذا أتى العبد بكبيرة من كبائر المعاصي أو صغيرة من صغائر المعاصي التي نهى الله عنها ، كان خارجاً من الإيمان وثابتاً عليه اسم الإسلام ، فإن تاب واستغفر عاد إلى الإيمان ولم يخرجه إلى الكفر والجحود والاستحلال ..
وإذا قال للحلال : هذا حرام ، وللحرام : هذا حلال ، ودان بذلك ، فعندها يكون خارجاً من الإيمان والإسلام إلى الكفر » . إلاّ أنّ الكلام في : « الولاية » ; فما المراد منها في مباني الإسلام ؟
قد تُفسّر « الولاية » في هذه الأخبار بـ : « الحكومة » ، بأن يكون المراد : إنّ الله فرض على المؤمنين الصلاة والزكاة ونحوهما ، وفرض عليهم السعي لقيام حكومة أهل البيت عليهم الصلاة والسلام ، وذلك :

(16)

* أوّلاً : لمجيء « الولاية » في سياق الصلاة والزكاة ... ممّا هي من فروع الدين .
* وثانياً : لوجـود قرائن في نفس الأخبار على هذا المعنى ، كقوله عليه الصلاة والسلام في الخبر الأوّل : « الولاية أفضل ; لأنّها مفتاحهنّ ، والوالي هو الدليل عليهنّ » ; فمعنى « مفتاحهنّ » أنّ الولاية ، أي « الحكومة » ، هي الطريق والسبب الموصل إليهنّ ، و « الوالي » ، أي « الحاكم » ، هو المرشد إليهنّ ، والحامـل للناس على العمـل بهـنّ ، ولولا الحكومـة ونفوذ الكلمة لَما حصل ذلك ..
وكقوله عليه السلام : « وولايتنا » في الخبر الثالث ، وهذا هو الذي فهمه الشيخ الحرّ إذ قال : « الجهاد من توابع الولاية ... » ; فلولا « الولاية » بمعـنى « الحكومـة » وبسـط اليد ونفـوذ الكلمة مـن « الحاكـم » الشرعـي ، لَما تحقّق الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين المسلمين .
لكن التحقيق : أنّ المراد من « الولاية » في هذا المقام هو : « الولاية المطلقة » ، وهي : « الإمامة الكبرى » و « الخلافة العظمى » بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، التي من جملة شؤونها وأبعادها : « الحكومة » .
وتوضـيح ذلك :
إنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم له الولاية التشريعيّة ـ أي الأولويّة بالناس من أنفسهم ـ التي دلّ عليها قوله تعالى : ( النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ) (1) ، وغيره من الأدلّة ... وهذه الولاية تعمّ جميع الشؤون ، وتقتضي وجوب الإطاعة والانقياد له في أوامره ونواهيه على الإطلاق ،
ـــــــــــــــــ

(1) سورة الأحزاب 33 : 6 .

(17)

سواء في الأُمور الخاصّة أو العامة ، في الحرب أو السلم ، وفي غير ذلك من المجالات .
ثمّ إنّ هذه الولاية بكلّ أبعادها قد ثبتت من بعده لأمير المؤمنين عليه السلام بالأدلّة القطعيّة من الكتاب والسُـنّة ، ومن ذلك حديث الغدير ، حينما خاطب صلّى الله عليه وآله وسلّم المسلمين مشيراً إلى الآية المذكورة : « ألست أوْلى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قالوا : بلى . قال : فمَن كنت مولاه فهذا عليّ مولاه ... » .
ولذا عرّفوا الإمامة بعد النبيّ بأنّها : « رئاسة عامّة في الدين والدنيا لشخص من الأشخاص نيابة عن النبيّ » . فكانت الرئاسة العامّة والحكومة الدنيويّة من شؤون الإمامة يتولاّها الإمام الحقّ بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وعلى الناس الإطاعة المطلقة له والانصياع التام لأوامره ونواهيه ..
فما قد يترآى من كلمات بعض من الترادف بين « الحكومة » و « الإمامة » فاشتباه فاحش ، بل الترادف هو بين « الخلافة » و « الإمامة » ، والتفريق بينهما اشتباه آخـر .
وعليه ، فإنّ المراد من « الولاية » في أخبار مباني الإسلام هو هذا المعنى ، لا الحكومة ; وذلك لأنّها وإن جاءت مع الصلاة و ... في سياق واحـد مُعنونة بعنوان واحـد ، كـ : « الأثافي » و « الدعائم » و « التكاليف » و « الفرائـض » لكنّ الروايات الأُخـرى في الباب ، توضّح المراد وتفسّر ما يوهم الخلاف ; لأنّ الحديث يفسّـر بعضـه بعضاً (1) ..
ـــــــــــــــــ

(1) قاعدة حديثية مستفادة من النصوص ، يستدلُّ بها في البحوث عند الخاصّة والعامّة .

(18)

ففي الرواية ( رقم 4 ) : ذَكَر الأئمّة عليهم السلام ; وكان معرفتهم والقول بإمامتهم « ديـن الله ... » ، إلى جنب : « شهادة أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له ، وأنّ محمّـداً رسول الله ... » .
وكذلك في الرواية ( رقم 12 ) ; إذ جاء فيها : « عن دين الله الذي افترض الله عزّ وجلّ على العباد ، ما لا يسعهم جهله ، ولا يقبل منهم غيره ؟
فقال ـ عليه السلام ـ : شهادة أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّـداً رسول الله ، وإقام الصلاة ... والولاية » .
وفي الرواية ( رقم 20 ) : « هذا ـ والله ـ دين الله الذي ارتضاه لعباده ... » .
وفي الرواية ( رقم 9 ) : ذكر الشهادتين ثمّ الأربعة ، ثمّ قال : « وولاية وليّنا وعداوة عدوّنا والدخول مع الصادقين » ، وكذلك في الرواية ( رقم 39 ) ، ولعلّ في قوله « والدخول مع الصادقين » إشارة إلى قوله تعالى : ( وَكونوا مَعَ الصَّادِقينَ ) المتقدّم سابقاً .
ويلاحظ أنّه في الرواية ( رقم 39 ) ذكر الشهادتين و « الولاية لأولياء الله والبراءة من أعداء الله » ضمن أُمور « عشر من لقي الله بهنّ دخل الجنّة » ، كما ذكر الولاية كذلك في الرواية ( رقم 28 ) ، وقال : « أُولئك أهل الإيمان » .
لكنّه في الرواية ( رقم 13 ) لمّا بيّن الإسلام قال : « الإسلام هو الظاهر الذي عليه الناس » ، فذكر الشهادتين والأربعة ، ولم يذكر « الولاية » .
وبذلك يظهر :
أوّلاً : الفرق بين « الإسلام » و « الإيمان » .
وثانياً : إنّ « الإيمان » شرط الدخول في الجنّة ; وهذا مفاد الرواية

(19)

( رقم 25 ) : عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم : « أطيعوا ولاة أمركم تدخلوا جـنّة ربّكم » ; لأنّ المراد من « ولاة الأمر » هم : « الأئمّة المعصومون » ; إذ الأمر بإطاعة وليّ الأمر إطاعة مطلقة ، دليل على عصمة « وليّ الأمر » ، وإلاّ لم يؤمر بإطاعته كذلك ، ولا أحد من الحكّام في تاريخ الإسلام بمعصوم .
وثالثاً : إنّه لا يتحقّق « الإيمان » إلاّ بالولاية لأهل البيت عليهم السلام والبراءة من أعدائهم ، ولا تكفي الولاية بدون البراءة . ثمّ إنّ الرواية ( رقم 21 ) تفيد أنّ الله فرض « الولاية » على الأُمّة « ليميّز الخبيث من الطيّب » .
وفي الرواية ( رقم 28 ) مدح عظيم للشيعة ; ففيها : « من عادى شيعتنا فقد عادانا » ، و « من ردّ عليهم فقد ردّ على الله » ، ولا بدّ أن يكون ذلك من أجل تشيّعهم لأهل البيت عليهم السلام بالمعنى الصحيح ، واتّباعهم لهم حـقّ المتابعة والإطاعة ، كما هو ظاهر الرواية . هذا ، وفي الرواية ( رقم 20 ) دلالة واضحة على اختلاف المرتبة بين « الولاية » و « الأربعة » .
وجاء في الرواية ( رقم 34 ) : « وفاتحة ذلك كلّه معرفتنا ، وخاتمته معرفتنا » ، وفي الرواية ( رقم 33 ) : « وختم ذلك بالولاية » ، وفي الروايتين نقاط :
1 ـ إنّه يعتبر في « الولاية » : « المعرفة » .
2 ـ إنّ الأربعة ـ وكذا غيرها ـ مشروطة بمعرفة الأئمّة من أهل البيت عليهم السلام ; فلولاها لم يترتّب أثر على شيء من تلك الأُمور .
3 ـ الموافاة أيضاً شرط .. بأن يقدم المؤمن على الله مع « المعرفة » ; فلو مات ـ حتّى مع قيامه بتلك الأعمال ، وحتّى مع المعرفة ـ منكراً لولاية

(20)

أهل البيت عليهم السلام ما تُقبّل منه شيء !
وأفادت الرواية ( رقم 36 ) ترتّب أثر دنيوي كبير على « الولاية » ; إذ قال عليه السلام : « انّ الله يدفع بمَن يصلّي من شيعتنا عمَّن لا يصلّي من شيعتنا ... » ، مضافاً إلى أنّ « الولاية » بالمعنى الصحيح لا تتحقّق إلاّ بالإطاعة في الواجبات والمحرّمات وغيرها .
هذا ، وقد عقد الشيخ الحرّ العاملي ( الباب 29 ) من أبواب مقدّمة العبادات للروايات الدالّة على النقاط الثلاث المذكورة ، وقد جعل عنوانه : « باب بطلان العبادة بدون ولاية الأئمّة عليهم السلام واعتقاد إمامتهم » ، وكان من جملة أخباره :
رقم 2 : « عن أبي جعفر عليه السلام ـ في حديث ـ قال : ذروة الأمر وسنامه ومفتاحه وباب الأشياء ورضا الرحمن : الطاعة للإمام بعد معرفته ; أمَا لو أنّ رجلاً قام ليله وصام نهاره وتصدّق بجميع ماله وحجّ جميع دهره ، ولم يعرف ولاية وليّ الله فيواليه وتكون جميع أعماله بدلالته إليه ، ما كان له على الله حقّ في ثوابه ، ولا كان من أهل الإيمان » .
وفي عدّة روايات بأسانيد مختلفة : والله لو عبـد عمره ما بين الركن والمقام ، صائماً نهاره وقائماً ليله ، ثمّ لقي الله بغير ولايتنا ، لم ينفعه ذلك شيئاً (1) .
رقم 19 : عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى : ( وإنّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى ) (2) ، قال : « ألا ترى كيف اشترط ؟ ولن تنفعه التوبة والإيمان والعمل الصالح حتّى اهتدى ؟ والله ،
ـــــــــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 1 / 122 ح 308 ـ 312 .
(2) سورة طه 20 : 82 .

(21)

لو جهد أن يعمل ما قُبل منه حتّى يهتدي . قلت : إلى من جعلني الله فداك ؟ قال : إلينا » .
وقد ورد من طرق العامّة روايات تفسّـر الآية المباركة كذلك ; كما في ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق و تهذيب الكمال ، وفي التفاسير ، مثل الدرّ المنثور للسيوطي 3 / 390 ، و روح المعاني للآلوسي 11 / 45 ، و فتح القدير للشوكاني 2 / 414 ، وغيرها ..
وروى الحاكم الحسكاني (1) ، قال : « أخبرنا أحمد بن محمّـد بن أحـمد الفقيه (2) ، قال : أخبرنا عبـد الله بن محمّـد بن جعفر (3) ، قال : حدّثنا موسـى بن هارون (4) ، قال : حدّثنا إسماعيل بن موسى الفزاري (5) ، قال : حدّثـنا عمر بن شاكر البصـري (6) ، عن ثابت البناني (7) في قوله : ( وإنّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى ) ، قال : إلى ولاية أهل بيـته » (8) .
وكذلك ما دلّت عليه الروايات السابقة ; فإنّ ذلك مروي في كتب
ـــــــــــــــــ

(1) توجد ترجمته في تذكرة الحفّاظ 3 / 1200 ، سير أعلام النبلاء 18 / 268 ، الجواهر المضـيّة في طبقات الحنفية 2 / 496 ، منتخب السياق في تاريخ نيسابور : 463 ، وغيرها .
(2) المتوفّى سنة 430 ; المنتخب من السياق : 107 ، العِبَر 2 / 262 ، شذرات الذهب 3 / 245 .
(3) المتوفّى سنة 369 ; سير أعلام النبلاء 16 / 287 .
(4) المتوفّى سنة 294 ; تاريخ بغداد 13 / 50 ، سير أعلام النبلاء 12 / 116 .
(5) المتوفّى سنة 245 ; الجرح والتعديل 1 / 196 ، الثقات 8 / 104 ، الكاشف 1 / 129 ، تهذيب الكمال 3 / 210 .
(6) صحيح الترمذي 4 / 256 ، الثقات 5 / 151 .
(7) تهذيب الكمال 4 / 346 ، سير أعلام النبلاء 5 / 220 ، تقريب التهذيب 1 / 115 .
(8) شواهد التنزيل 1 / 492 .

(22)

العامّة وبأسانيدهم المختلفة أيضاً ، وإنْ أبدلوا لفظ « الولاية » بـ : « المحبّة » ..
قال ابن عساكر :
« أنبأنا ابن السمسار ، أنبأنا علي بن الحسن الصوري ، أنبأنا سليمان ابن أحمد بن أيوب الطبراني اللخمي بأصبهان ، أنبأنا الحسين بن إدريس الحريري التستري ، حدّثنا أبو عثمان طالوت بن عباد البصري الصيرفي ، أنبأنا فضال بن جبير ، أنبأنا أبو أُمامة الباهلي ، قال : قال رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم : خلق الله الأنبياء من أشجار شتّى ، وخلقني وعليّاً من شجرة واحدة ، فأنا أصلها وعليّ فرعها وفاطمة لقاحها والحسن والحسين ثمرها ، فمَن تعلّق بغصن من أغصانها نجا ، ومن زاغ هوى .
ولو أنّ عبـداً عبـد الله بين الصفا والمروة ألف عام ، ثمّ ألف عام ، ثمّ ألف عام ، ثمّ لم يدرك محبّتنا ، لأكبّه الله على منخريه في النار ، ثمّ تلا : ( قُل لا أسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أجْراً إلاَّ الْمَوَدَّةَ في الْقُرْبَى ) (1) » (2) .
وروى ابن عساكر أيضاً بإسناد له قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم :
« ولو أنّ أُمّتي صاموا حتّى يكونوا كالحنايا ، وصلّوا حتّى يكونوا كالأوتار ، ثمّ أبغضـوك ، لأكبّهم الله في النار » (3) .
ـــــــــــــــــ

(1) سورة الشورى 42 : 23 .
(2) تاريخ دمشـق 42 / 65 .
(3) تاريخ دمشق 42 / 66 .

(23)

(2)
لو أنّ العباد إذا جهلوا
وقفوا ولم يجحدوا لم يكفروا
عن أبي عبـد الله عليه السلام (1) ..
وهذه الكلمة من أحسن الكلام ، وفيها قاعدة عامّة وفائدة مهمّة في الحثّ على التعقّل والتعلّم ، والاحتياط في الأُمور ، والمحافظة على العقائد وضـروريات الدين ..
إنّه قد يطلق « الجهل » ويراد منه ما يقابل : « العقل » ، وقد يطلق ويراد منه ما يقابل : « العلم » ، وكلاهما محتمل هنا ; فإن كان المراد هو الأوّل ، ففيه الحثّ على التعقّل والتفهّم للأُمور ، وإن كان المراد هو الثاني ، ففيه الحثّ على التعلّم .. وإلاّ فالاحتياط .
وعلى كلّ حال ، فإنّ مقتضى الحكمة في حال الجهل بالشيء هو « التوقّف » والسكوت حتّى يرتفع الجهل ويتّضـح الحال ، هذا في مطلق الأُمـور ; لأنّ الموافقة على الشيء والقبول له ، أو الإنكار للشيء والردّ له ، مع الجهل بالحقيقة ، قد يؤدّي إلى الباطل ، وترتيب الأثر عليه عملاً قد يوقـع في الضلالة .
وأمّا في خصـوص القضايا الراجعة إلى العقيدة الثابتة بدليل قطعي ، فعن أبي جعفر عليه السلام : « كلّ شيء يجرّه الإقرار والتسليم فهو الإيمان ،
ـــــــــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 1 / 32 ح 47 .

(24)

وكلّ شيء يجرّه الإنكار والجحود فهو الكفر » (1) ; وذلك لأنّ كثيراً من المسائل العقائديّة يعسر بل يتعذّر دركها أو فهم تفاصيلها على العقول ، حتّى كبار العقلاء والعلماء ، لكن لمّا كانت من الضروريات فلا بُدّ من التسليم ، ولو على الإجمال ، ولا أقلّ من عدم الجحد والإنكار ; وإلاّ كان من الكافرين .
ـــــــــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 1 / 30 ح 40 .

(25)

(3)
كان أبي يبعث أُمّي وأُمّ فروة
تقضيان حقوق أهل المدينة
عن الإمام الكاظم عليه السلام في جواب عبـد الله الكاهلي ، في رواية ، قال :
« قلت لأبي الحسن عليه السلام : إنّ امرأتي وامرأة ابن مارد تخرجان في المآتم فأنهاهما ، فتقول لي امرأتي : إنْ كان حراماً فانهنا عنه حتّى نتركه ، وإن لم يكن حراماً فلأيّ شيء تمنعناه ؟ فإذا مات لنا ميّت لم يجئنا أحد !
قال : فقال أبو الحسن عليه السلام عن الحقوق تسألني ، كان أبي يبعث أُمّي وأُمّ فروة تقضيان حقوق أهل المدينة » (1) .
وفي بيان هذه الرواية نقول :
1 ـ إنّ عقد المأتم على الميّت كان في عصر النبيّ والأئمّة عليهم السلام من الآداب والسُـنن في مجتمع المسلمين ..
ومن الواضح أنّ أقلّ ما يجري ـ في مجلس من هذا القبيل ـ هو ذكر محاسن الميّت ورثاؤه والبكاء عليه .
ومن أخبار الباب ما عن أبي جعفر عليه السلام ، قال : « مات الوليد ابن المغيرة ، فقالت أُمّ سلمة للنبيّ صلّى الله عليه وآله : إنّ آل المغيرة قد
ـــــــــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 3 / 239 ح 3510 .

(26)

أقاموا مناحةً فأذهب إليهم ؟ فأذِن لها ، فلبست ثيابها وتهيّأت ، ... فندبت ابن عمّها بين يدي رسول الله فقالت : ... فما عاب رسول الله ذلك ولا قال شيئاً » (1) .
2 ـ إنّ المأتم لا يختصّ بالرجل ، بل كان للنساء مأتم كذلك ، فإنهنّ ـ وخاصّة نساء البيوتات ـ كنّ يحضـرن المأتم المقام على الميّت .
3 ـ وإنّ الرجال كانوا لا يمانعون نساءهم من النوح وحضور المآتم ، بل بالعكس ; فإنّهم كانوا يحبّذون ذلك ويبعثون نساءهم للمشاركة مع ذوي الميّت في حزنهم وعزائهم ، ما لم يستلزم ذلك ما لا يجوز أو لا ينبغي ، فلا منع إلاّ بعنوان ثانوي ..
كما في الخبر عن الإمام الباقر عليه السلام : « إنّما تحتاج المرأة إلى النوح لتسيل دمعتها ، ولا ينبغي لها أن تقول هجراً ، فإذا جاء الليل فلا تؤذي الملائكة بالنوح» (2) .
4 ـ إنّ الإمام أبا عبـد الله الصادق عليه السلام كان يرسل أُمّه وزوجته ـ أُمّ الإمام الكاظم عليه السلام ـ لمآتم أهل المدينة ، ولا يكتفي بإرسال بعض الأخوات أو البنات أو القريبات ، ممّا يدلّ على اهتمامه بالأمر .
5 ـ إنّ جملة : « كان أبي يبعث » ظاهرة في الاستمرار .
6 ـ إنّ قول المرأة لزوجها الكاهلي : « فإذا مات لنا ميّت لم يجئنا أحد » ، يفيد : إنّ الحضور في مآتم الناس من الحقوق المتبادلة ، فإنّك إن حضرت مجلس أخيك يرى نفسه ملزماً بالحضور في مجلسك إذا مات لك ميّت ; لأنّه يعتبر ذلك دَيْناً عليه أن يقضـيه ; وإلاّ فلا يلتزم .
ـــــــــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 17 / 125 ح 22157 .
(2) وسائل الشيعة 17 / 127 ح 22161 .

(27)

7 ـ ولذا قال الإمام عليه السلام : « تقضيان حقوق أهل المدينة » .
والمستفاد من هذه الرواية أمران : أحدهما عام ، والآخر خاصّ ..
* أمّا الأوّل :
فإنّ كلّ ما كان من الآداب والعادات والتقاليـد الاجتماعيّة موجباً لتقوية روابـط المحبّة وأواصـر الأُخوّة بين الناس من غير أن يستلزم مفسـدة ، فإنّه محبّذ عند الشارع أيضاً ، مندوب إليه ومحبوب لديـه .
* وأمّا الثاني :
فإنّ السُـنن الجارية في المجتمع في خصوص تكريم الميّت بإقامة المأتم عليه ، والبكاء والرثاء له ، وحضور الآخرين ، والمواساة لذوي الميّت وأصحاب العزاء .. كلّ ذلك قد أمضاه الشارع المقدّس قولاً وفعلاً وتقريراً ..
وممّا ورد في ذلك من رواياتنا :
* عن أبي عبـد الله عليه السلام ـ في حديث ـ : « لمّا مات إبراهيم ابن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ هملت عين رسول الله بالدموع ، ثمّ قال رسول الله : تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الربّ ، وإنّا بك يا إبراهيم لمحزونون » (1) .
* وعن أحدهما ـ عليهما السلام ـ : لمّا ماتت رقيّة ... كانت « فاطمة عليها السلام على شفير القبر ، تنحدر دموعها في القبر » (2) .
ـــــــــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 3 / 280 ح 3651 .
(2) وسائل الشيعة 3 / 279 ح 3649 .

(28)

* و « إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم حين جاءته وفاة جعفر ابن أبي طالب وزيد بن حارثة ، كان إذا دخل بيته كثر بكاؤه عليهما جدّاً ويقول : كانا يحدّثاني ويؤنساني فذهبا جميعاً » (1) .
* و « أوصى أبو جعفر عليه السلام بثمانمائة درهم لمأتمه ، وكان يرى ذلك من السُـنّة ; لأنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال : اتّخذوا لآل جعفر طعاماً ، فقد شغلوا » (2) .
* و « أوصى أبو جعفر عليه السلام أن يُندب في المواسم عشر سـنين » (3) .
* و « ماتت ابنة لأبي عبـد الله عليه السلام ، فناح عليها سنةً ، ثمّ مات له ولد آخر فناح عليه سنةً ، ثمّ مات إسماعيل فجزع عليه جزعاً شديداً فقطع النوح فقيل له : أيُناح في دارك ؟
فقال : إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال ـ لمّا مات حمزة ـ : لكن حمزة لا بواكي له » (4) .
* وعن أبي عبـد الله عليه السلام : « لمّا قُتل جعفر بن أبي طالب ، أمر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فاطمة ـ عليها السلام ـ أن تتّخذ طعاماً لأسماء بنت عميس ثلاثة أيّام ، وتأتيها ونساؤها وتقيم عندها ثلاثة أيّام ، فجَرَت بذلك السُـنّة أن يُصنع لأهل المصيبة طعاماً ثلاثاً » (5) .
* وعنه : « ينبغي لجيران صاحب المصيبة أن يطعموا الطعام عنه ثلاثة
ـــــــــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 3 / 280 ح 3654 .
(2) وسائل الشيعة 3 / 238 ح 3509 .
(3) وسائل الشيعة 3 / 239 ح 3511 .
(4) وسائل الشيعة 3 / 241 ح 3516 .
(5) وسائل الشيعة 3 / 235 ح 3499 .

(29)

أيّام » (1) .
* وعن عمر بن عليّ بن الحسين : « لمّا قُتل الحسين بن عليّ عليه السلام ، لبس نساء بني هاشـم السـواد والمسـوح ، وكنّ لا يشتكين من حرّ ولا برد ، وكان عليّ بن الحسين يعمل لهنّ الطعام للمأتم » (2) .
* وقد سبق أن فعلنَ ذلك لمّا قُتل الحسن بن عليّ عليه السلام بالسمّ ، وقد ذُكر ذلك في مصادر الجمهور أيضاً بترجمته ; قال ابن سعد : « فلمّا مات أقام نساء بني هاشم عليه النوح شهراً » (3) .
* بل رووا أنّه : « حدّت نساء بني هاشم عليه سنةً » (4) .
* بل لقد عُطّلت الأسواق سبعاً ; قالوا : « ومكث الناس يبكون على الحسـن بن عليّ سبعاً ، ما تقوم الأسواق » (5) .
وغير ذلك كثير ، ممّا فيه الأمر بمثل تلك الأُمور والتقرير لها .
* بل الفعل أيضاً ; فقد روي في كتب الفريقين أنّ الإمام الحسن عليه السلام قد خرج إلى الناس بعد استشهاد أمير المؤمنين وعليه ثياب سود (6) .
فمَن كان متّبعاً للسُـنّة النبويّة ، ومقتدياً بالأئمّة الطاهرين من أهل بيته عليهم السلام ، لا ينكر فوائد هذه المراسم ، ولا يوسوس في شرعيّتها ..
وأمّا أتباع بعض النواصـب والمبتدعة ، فلا كلام لنا معهم .
ـــــــــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 3 / 237 ح 3503 .
(2) وسائل الشيعة 3 / 238 ح 3508 .
(3) ترجمة الإمام الحسن من طبقات ابن سعد : 90 ، تهذيب الكمال 6 / 252 وغيرهما .
(4) تاريخ دمشق 13 / 295 ، البداية والنهاية 8 / 44 .
(5) منتخب مذيّل تاريخ الطبري : 19 .
(6) شرح نهج البلاغة 16 / 22 .

(30)

(4)
كونوا دعاةً للناس بغير ألسنتكم
عـن أبـي عبـد الله عليه السلام ، قال : « كونـوا دعاةً للناس بغير ألسـنتكـم ; ليـروا منكم الـورع والاجـتهاد والصلاة والخير ، فإنّ ذلك داعـية » (1) .
وفي هذه الرواية فائدة جليلة ..
إنّ الإنسان قد يكون واسطةً في التبليغ ، بأن يؤمر بتبليغ مطلب إلى فرد أو أُمّة ، فإذا قام بواجب التبليغ ، بأن أدّى الرسالة كما أُمر بها ، كان ممتثلاً للأمر ومؤدّياً للتكليف ، سواء علم بمضمون الرسالة أم لم يعلم ، وسواء عمل به أم لا .
وقد يتصـدّى الإنسان لتعليم علم من العلوم أو تدريس كتاب من الكتب ، فإنّه ـ إذا أحسن التعليم والتدريس ـ يكون قد قام بالواجب عليه ومؤدّياً للوظـيفة المطلوبة مـنه ، وإن لم يطـبّق على نفسه ما علّمه للغير ، وقـد رأينا في المدرّسين لعلوم اللغة العربيّة ـ من النحو والصرف ونحوهما ـ من يتقن العلم ويحسن تدريسـه ، بل يُعدّ من أفضل الأساتذة فيه ، لكنّه لمّا يتكلّم أو يقرأ يلحن .
وقد يريد الإنسان أن يكون داعياً ، وهذا يختلف عن « المبلّغ » و « المعلّم » تماماً ; لأنّ المقصود من « الداعوية » هو أن يدعو الناس إلى
ـــــــــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 1 / 76 ح 171 .

(31)

نفسه ويقول لهم : كونوا مثلي ، ولذا جاء في رواية أُخرى في الباب : « كونوا دعاةً إلى أنفسكم بغير ألسنتكم » (1) ، فكأنّه يطرح نفسه في المجتمع بعنوان أنّه من خرّيجي مدرسـة أهل البيت عليهم السلام ، ومن المؤدّبين بآدابهم والحاملين لعلومهم ... فيدعو الآخرين لأن يكونوا مثله ، ويدخلوا مدخله ..
يكونون مثله ؟ ! في أيّ شيء ؟
1 ـ في الفكر والعقيدة ; بأن يمثّل أهل البيت عليهم السلام في فكرهم : في المبدأ والمعاد ، وفي النبوّة والإمامة ، وفي سائر المعارف الدينيّة .
2 ـ في العبادة والعمل ; بأن يكون تابعاً لأهل البيت عليهم السلام في أداء الفرائض والالتزام بالنوافل والسُـنن .
3 ـ في الأخلاق والصفات ; بأن يكون مبتعداً عن الصفات السيّئة ، ومتخلّقاً بالأخلاق الفاضلة الكريمة .
فمَن توفّرت فيه تعاليم أهل البيت عليهم السلام في الأبعاد الثلاثة المتعلّقة بالفكر والجوارح والنفس ، جاز له أن ينتسب حقيقةً إلى مدرسة العترة الطاهرة ، ويدّعي الانتماء الواقعي إلى مذهبهم ، وصلح لأن يكون داعيةً إليهم ، وكان أهلاً لأن يدعو « الناس » قاطبةً ، وحينئذ لا حاجة إلى القـول باللسان ، ولذا جاء في الرواية : « وكونوا زيْناً ولا تكونوا شيْناً » (2) ; لأنّ هكذا إنسان يعرّف مذهبه وانتمائه إليه بسلوكه بين الناس ; قال عليه السلام : « ليروا منكم ... » ولم يقل : « ليسمعوا منكم » ، بل « ليروا » بالفعل « الورع والاجتهاد ... » .
ـــــــــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 1 / 76 ح 170 .
(2) وسائل الشيعة 1 / 76 ح 170 .

(32)

والروايات في الوصـيّة بالورع والاجتهاد كثيرة ، بل إنّ بعض الأصحاب لمّا طلب من الإمام أن يوصيه بشيء ، لم يوصه إلاّ بذلك ; قال : « قلت لأبي عبـد الله عليه السلام : أوصني . قال : أُوصيك بتقوى الله والورع والاجتهاد » (1) .
ومعلومٌ أنّ « الورع » فوق « التقوى » .
فمَن كان ذا ورع عند الشبهات ، وذا اجتهاد في العبادات ، خاصّةً في الصلاة ، وفاعلاً للخيرات ، بجميع معاني الكلمة ، كان « زَيْناً » لأهل البيت عليهم السلام ، وقدوةً صالحةً في المجتمع ; لأنّ تلك الحالات والملكات الموجودة فيه « داعية » للآخرين « بغير لسان » .
فالمستفاد من النصوص في المقام ـ بإيجاز ـ هو :
إنّه لا مانـع من أن يقوم الشـخص بتبليغ تعاليم أهل البيت أو يتصـدّى لتدريس بعض علومهم عليهم السلام .. إن كان أهلاً لذلك ..
وأمّا كونه داعياً إلى مذهبهم ، بأن ينصب نفسه كمعرّف لفكرهم وتعاليمهم ، فقد وضعوا له شروطاً وصفات يجب أن تتجسّد فيه ، فإذا توفّرت فيه ووصلت إلى تلك المرحلة ، فلا حاجة إلى « الألسنة » .
ـــــــــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 1 / 86 ح 202 .

(33)

(5)
صلاة الأئمّة ألف ركعة
في كلّ يوم وليلة
عقد صاحب الوسائل ـ رحمه الله ـ باباً بعنوان : « باب استحباب صلاة ألف ركعة في كلّ يوم وليلة بل كلّ يوم وكلّ ليلة إن أمكن » ، فروى فيه :
أمير المؤمنين عليه السلام :
عن أبي عبـد الله عليه السلام ، قال : « إن استطعت أن تصلّي في كلّ يوم ألف ركعة فصلّ ، إنّ عليّاً عليه السلام كان في آخر عمره يصلّي في كلّ يوم وليلة ألف ركعة .
وعنه عليه السلام : « إن استطعت أن تصلّي في شهر رمضان وغيره في اليوم والليلة ألف ركعة فافعل ، فإنّ عليّاً عليه السلام كان يصلّي في اليوم والليلة ألف ركعة » .
الإمام الحسين عليه السلام :
وقيل لعلي بن الحسين عليه السلام : ما أقلّ ولد أبيك ؟
قال : « العجب كيف ولدت له ! كان يصلّي في اليوم والليلة ألف ركعة ، فمتى كان يتفرّغ للنساء ؟ » .
الإمام السجّاد عليه السلام :
وعن أبي جعفر عليه السلام : « كان علي بن الحسين يصلّي في اليوم

(34)

والليلة ألف ركعة كما كان يفعل أمير المؤمنين ... » .
وعنه عليه السلام : « كان علي بن الحسين عليه السلام يصلّي في اليوم والليلة ألف ركعة ، وكانت الريح تميله بمنزلة السنبلة » .
وعن عبـد العزيز بن أبي حازم ، قال : « سمعت أبا حازم يقول : ما رأيت هاشمياً أفضل من علي بن الحسين ، وكان يصلّي في اليوم والليلة ألف ركعة حتّى خـرج بجبهته آثار سجـوده مثل كركرة البعير » .
الإمام الرضا عليه السلام :
عن إسماعيل بن علي ، عن أبيه أخي دعبل بن علي ، عن الرضا عليه السلام ، أنّه خلع على دعبل قميصاً من خزّ وقال له : « احتفظ بهذا القميص ; فقد صلّيت فيه ألف ليلة ، كلّ ليلة ألف ركعة ، وختمت فيه القرآن ألف ختمة » .
وعن عبـد السلام بن صالح الهروي ، قال : جئت إلى باب الدار التي حبس فيها الرضا عليه السلام بسرخس وقد قيّد ، واستأذنت عليه السجّان فقال : لا سبيل لك عليه . قلت : ولم ؟ قال : لأنّه ربما صلّى في يومه وليلته ألف ركعة » .
أقـول :
روي عن الإمام أبي عبـد الله الحسين عليه السلام أنّه قال : « أيّها الناس ! إنّ الله جلّ ذكره ما خلق العباد إلاّ ليعرفوه ، فإذا عرفوه عبـدوه ، وإذا عبـدوه استغنوا بعبادته عن عبادة ما سـواه » (1) ; فكانت المعرفة شرطاً
ـــــــــــــــــ

(1) سفينة البحار 6 / 218 باب العين « عرف » .

(35)

للعبادة ..
كما في خبر آخـر عن أمير المؤمنين عليه السلام ; قال : « المتعبّد على غير فقه كحمار الطاحونة يدور ولا يبرح » ; ولذا فقد فُضّلت عبادة العالم على عبادة غيره بمراتب كثيرة جـدّاً ، كما في الخبر : « ركعتان من عالم خير من سبعين ركعة من جاهل » (1) .
هذا ، وكلّما ازدادت المعرفة بالله ازدادت العبودية له ، فأمير المؤمنين عليه السلام الذي قال : « لو كُشف لي الغطاء ما ازددت يقيناً » (2) ، قال الإمام الرضا عليه السلام عنه : « كان عليّ ـ والله ـ عبداً صالحاً أخو رسول الله صلّى الله عليه وآله ، ما نال الكرامة من الله إلاّ بطاعته لله ولرسوله » (3) .
وقد بيّن الإمام الرضا عليه السلام تلك « الكرامة » في كلام له وصف أمير المؤمنين عليه السلام فيه ; إذ قال : « عبدٌ اختصّه الله بقدرته ليبيّن بها فضله عنده ، وآثره بكرامته ليوجب بها حجّته على خلقه ، وليجعل ما آتاه الله من ذلك ثـواباً على طاعته ، وباعـثاً على اتّباع أمره ، ومؤمّناً عباده المكلّفين من غلط مَن نصبه عليهم حجّةً ولهم قدوةً » (4) .
فهي « كرامة » من الله جُعلت له « ثواباً على طاعته » ; ليكون « باعثاً » للمكلّفين على « اتّباع أمره » ، ولتتمّ به « حجّته » عليهم .
وهكذا كان أئمّتنا عليهم الصلاة والسلام ، فالعبادة لله عن معرفة منهم حصّلت لهم تلك المنزلة ، وكلّما ازدادوا كرامةً عند الله وقرباً منه ازدادوا
ـــــــــــــــــ

(1) سفينة البحار 6 / 16 باب العين « عبـد » .
(2) غُرر الحِكم ـ للآمـدي ـ 2 / 142 .
(3) بحار الأنوار 25 / 287 .
(4) بحار الأنوار 25 / 277 .

(36)

خشيةً وخضوعاً له ، كما نقول في زيارتنا لهم :
« وأشـهد أنّـكم الأئمّـة الراشـدون ، المهديـون ، المعصـومـون ، المكرّمون ، المقرّبون ، المتّقون ، الصادقون ، المطيعون لله ، القوّامون بأمره ، العاملون بإرادته ، الفائزون بكرامته ..
اصطفاكم بعلمه ، واختاركم لسـرّه ، واجتباكم بقدرته ، وأعزّكم بهداه ، وخصّكم ببرهانه ، وانتجبكم لنوره ، وأيّدكم بروحه ، ورضيكم خلفاء في أرضـه ، وحججاً على بريّته ..
عصمكم الله من الزلل ، وآمنكم من الفتن ، وطهّركم من الدنس ، وأذهب عنكم الرجس ، وطهّركم تطهيراً .
فعظّمتم جلاله ، وأكبرتم شأنه ، ومجّدتم كرمه ، وأدمتم ذكره ، ووكّدتم ميثاقه ، وأحكمتم عقد طاعته ... » .
نعم ، هكذا كان أئمّة أهل البيت عليهم السلام ، والشواهد على ذلك لا تحصى ولا تحصر ، بل إنّه ممّا يعترف به خصومهم وأعداؤهم ، والفضل ما شهدت به الأعداء !
هذا ، وإنّ صلاة أمير المؤمنين والأئمّة الطاهرين عليهم السلام ألف ركعة في اليوم والليلة ـ بما لذلك من دلالات وآثار ، كما أشرنا إلى بعضها في ضوء الأخبار ـ من جملة الأُمور المقتضية للأفضلية ، لأنّ هذه الأعمال والحالات غير مذكورة بتراجم أحد من مشاهير الصحابة سوى أمير المؤمنين عليه السلام ; فيكون الأفضل فيما بينهم على الإطلاق ، وقد تقرّر في محلّه عند جمهور العلماء من الفريقين تعيّن الأفضل للإمامة والخلافة بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم .
ومن هنا ذكر ذلك العلاّمة الحلّي ـ رحمه الله ـ في مناقب

(37)

أمير المؤمنين ، وأضاف قائلاً : وكذلك كان عليّ بن الحسين عليه السلام .
ولمّا كان ابن تيمية من القائلين بتعيّن الأفضل للإمامة ، لكنّه من النواصـب المعاندين لأمير المؤمنين ، فقد اضطرّ لأن يقول في الجواب : « هذا لا يمكن إلاّ على وجه يكره في الشريعة أو لا يمكن بحال ، فلا يصلح ذكر مثل هذا في المناقب » (1) .
فإن كان الإشكال عدم رجحان هذا العمل ، فاندفاعه واضح جدّاً ; لاتّفاق الكلّ على أنّ الصلاة خير موضوع ، والإكثار منها سُـنّة بلا خلاف .
وإن كان الإشكال عدم إمكانه ، فإنّ أدلّ دليل على إمكان الشيء وقوعه ; فأخبار صلاة أئمّتنا عليهم السلام ثابتة عند أصحابنا ، وقد أقرّ علماء العامّة بصلاة الإمام أبي عبـد الله سيّد الشهداء عليه السلام (2) ..
وبصلاة الإمام السجّاد عليه السلام كذلك ; فقد روى الذهبي والمزّي وابن عساكر وابن حجر عن مالك بن أنس ، قال : « بلغني أنّه كان يصلّي في اليوم والليلة ألف ركعة إلى أن مات . قال : وكان يسمّى زين العابدين لعبادته » (3) .
وروى ابن عساكر بعدّة أسانيد عن الإمام أبي جعفر الباقر عليه السلام ، قال : « كان أبي عليّ بن الحسين يصلّي في اليوم والليلة ألف ركعة ، فلمّا حضرته الوفاة بكى . قال : فقلت : يا أبة ! ما يبكيك ؟ فوالله ما رأيت أحداً طلب الله طلبك ، ما أقول هذا إنّك أبي .
ـــــــــــــــــ

(54) منهاج السُـنّة 2 / 176 .
(55) العقد الفريد 4 / 384 ، المختصر في أخبار البشر 1 / 191 ، وغيرهما .
(56) تذكرة الحفّاظ 1 / 75 ، تهذيب التهذيب 7 / 269 ، تهذيب الكمال 13 / 241 ، تاريخ دمشـق 41 / 378 .

(38)

فقال : يا بني ! إنّه إذا كان يوم القيامة لم يبق ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل إلاّ كان لله عزّ وجلّ فيه المشيئة ، إن شاء غفر له وإن شاء عذّبه » (1) .
وممّا يجوز لنا الاحتجاج به في الردّ على كلام ابن تيمية ما ذكره الحفّاظ منهم بتراجم غير واحد من الأعلام بأنّه كان يصلّي في اليوم والليلة ألف ركعة ، نذكر منهم :
1 ـ علي بن عبـد الله بن العبّـاس (2) .
2 ـ ميمون بن مهران الرقّي (3) .
3 ـ بلال بن سعد الأشـعري (4) .
4 ـ عامر بن عبـد الله الأسـدي المدني (5) .
5 ـ مصعب بن ثابت بن عبـد الله بن الزبير (6) .
6 ـ كهمس بن الحسن (7) .
7 ـ أبو عبـد الله محمّـد بن خفيف الشـيرازي (8) .
ـــــــــــــــــ

(1) تاريخ دمشـق 41 / 379 .
(2) الطبقات الكبرى 5 / 313 ، الثقات 5 / 160 ، تهذيب الكمال 20 / 390 ، البداية والنهاية 8 / 306 ، سير أعلام النبلاء 5 / 253 .
(3) تاريخ دمشق 61 / 367 ، تهذيب الكمال 29 / 226 ، تذكرة الحفاظ 1 / 99 ، سير أعلام النبلاء 5 / 77 .
(4) تاريخ دمشق 10 / 484 ، تهذيب الكمال 2 / 292 ، سير أعلام النبلاء 5 / 90 ، البداية والنهاية 9 / 380 .
(5) تاريخ دمشق 26 / 17 ، صفة الصفوة 3 / 202 .
(6) سير أعلام النبلاء 7 / 29 ، الإصابة 2 / 276 ، صفة الصفوة 2 / 176 ، ميزان الاعتدال 4 / 118 ـ 119 .
(7) سير أعلام النبلاء 6 / 316 ـ 317 ، حلية الأولياء 6 / 211 ، صفة الصفوة 3 / 314 .
(8) تاريخ دمشق 52 / 414 .

(39)

هـذا ، وقد تقدّم عن غير واحـد من أعلام العامّـة القول بأنّ الإمام أبا عبـد الله الحسين الشهيد عليه السلام والإمام السجّاد عليّ بن الحسين عليه السلام ، كانا يصلّيان كلّ يوم وليلة ألف ركعة ، وقد روى الشيخ الحرّ قول أبي حازم بذلك في الإمام السجّاد عن ولده عبـد العزيز ..
* أمّا « أبو حازم » فهو : سلمة بن دينار ، من رجال الصحاح السـتّة عند أهل السُـنّة ، وصـفه الذهبي بـ : « الإمام القدوة الواعظ ، شيخ المدينة المنوّرة » ، مات سنة 133 ، 135 ، 140 هـ (1) .
* وأمّا ابنه « عبـد العزيز » : فمن رجالها كذلك ; قال ابن حجر : « صـدوق فقـيه » (2) .
وروى الشيخ الحـرّ ـ رحمه الله ـ خبر صلاة الإمام الرضا عليه السلام ألف ركعة في كلّ يوم وليلة عن الإمام نفسه في قصّة القميص الذي أعطاه دعبل الخزاعي ـ رحمه الله ـ وقد جاء الخبر في ذلك في غير واحد من مصادرنا ، ولعلّ من أقدمها رواية الشيخ الصـدوق ـ رحمه الله ـ ومجمل ذلك هـو (3) :
قصّـة القميص :
دخل دعبل على الإمام الرضا عليه السلام فقال له : يا بن رسول الله ! إنّي قد قلت فيكم قصيدةً وآليت على نفسي أن لا أنشدها أحداً قبلك .
فقال له الإمام عليه السلام : هاتها يا دعبل .
ـــــــــــــــــ

(1) سير أعلام النبلاء 6 / 96 .
(2) تقريب التهذيب 1 / 508 .
(3) انظر تفصيل القصّـة في : عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2 / 263 ، إكمال الدين وتمام النعمة : 373 .

(40)

فأنشـده ... إلى أن قال :
أرى فيئـهـم في غيرهـم متقسّمـاً وأيديـهـم من فيئـهـم صفـراتِ
فجعل الإمام يردّد هذا البيت ويبكي ويقول : صدقت يا دعبل .
فقال :
إذا وتـروا مـدّوا إلـى واتريـهـم أكفّـاً عن الأوتار منقبـضـاتِ
فجعل الإمام يقلّب كفّيه ويقول : أجل إنّها ـ والله ـ منقبضات .
فقال :
قبور بـكوفـان وأُخـرى بطـيـبـة وقبر ببـغـداد لنفـس زكيّـة وأُخرى بفـخّ نالـها صلواتـي تضـمّنـها الرحمـن في الغرفـاتِ
فقال له الإمام عليه السلام : أفلا أُلحـق لك بهذا الموضـع بيتين بهما تمام قصـيدتك ؟ » .
قال دعبل : بلى يا بن رسول الله .
فقال الإمام :
وقبر بطوس يا لها من مصـيبة إلى الحشر حتّى يبعث الله قائـماً ألحّـت على الأحشاء بالزفـراتِ يفـرّج عنّـا الغـمّ والكربـاتِ
فقال دعبل : لا أعلم قبراً بطوس ، لمَن هذا القبر ؟

(41)

قال عليه السـلام : ذاك قـبري ، ولا تمضـي الأيّام والليالي حتّى يصـير مختلف شـيعتي ، فمَن زارني في غربتي كان معي في درجتي يوم القيامة .
ولمّا فـرغ دعبل من إنشاد قصـيدته أعطاه الإمام عليه السلام صرّةً وجـبّة خـزّ ، وانصـرف دعبل .
فلمّا كان في الطريق اعترض اللصوص القافلة وأخـذوا كلّ ما كان معهم ، وجلسوا ناحـيةً يقتسمون ما سلبوه ، فتمثّل أحـدهم بقول دعبل : أرى فيئهم ... فقال له دعبل : لمَن هذا البيت ؟ قال : لرجل من خزاعة يدعى : دعبل بن علي . فقال : أنا دعبل . فردّوا على القافلة جميع ما أخـذوه .
ثمّ إنّ دعبل وصـل إلى قـم ، فأنشـد أهاليها القصـيدة وأخبرهم بما أعطاه الإمام عليه السلام ، فسألوه أن يبيعهم الجـبّة فأبى ، فلحقه جماعة منهم وأخـذوا منه الجـبّة ودفعوا إليه ألف دينار بدلاً عنها ، فطلب منهم قطعةً منها ليضـعها في كفنه فأعطوه .
وفي هذه القصّـة فوائد :
أوّلاً : ذكر طرف من عبادات الإمام الرضا عليه السلام .
وثانياً : علم الإمام بالمغيّبات ; ففي القصّـة على ذلك دلالات .
وثالثاً : مسألة التبرّك بالنبيّ صلّى الله عليه وآله والأئمّة عليهم السلام وعقيدة المسلمين بمختلف الفرق منذ صـدر الإسلام ، ولعلّنا نشرح هذا الموضوع في الموضـع المناسب إن شاء الله تعالى .

(42)

ورابعاً : التأمّل والتدقيق في ألفاظ ومضامين النصوص الواردة قد يوصل إلى معان أكثر عمقاً ; فالنصّ المذكور يصف الّذين استولوا على القافلة بـ : « اللصوص » ، ويذكر أنّ : رئيسهم كان يصلّي ، وقد حلّ كتاف دعبل وجميع أهل القافلة ، وردّ ما أُخذ منهم إليهم ; لكرامة دعبل ، وهذه قرائن يمكن أن نستظهر منها أنّ هؤلاء لم يكونوا لصوصاً همّهم السلب والنهب فقط ، بل هم من المضطهدين الثائرين على ظلم الخليفة ، وأنّ استيلاءهم على القافلة هو بعض أعمالهم في محاربة الخليفة وتضعيف سلطانه في البلاد .
وجاء خبر صلاة الإمام الرضا عليه السلام عن أبي الصلت الهروي أيضاً في رواية أُخـرى ..
* أمّا أبو الصلت الهروي ـ وهو عبـد السلام بن صالح ـ : فمن علماء الحديث والكلام ، خَدَمَ الإمام الرضا وروى عن كبار العلماء ورووا عنه .
وقد ذُكر في كتب الحديث والرجال ، لا سـيّما بمناسبة روايته حديث « مدينة العلم » ، وهو : عن أبي معاوية الضـرير ، عن الأعمش ، عن مجاهـد ، عن ابن عبّـاس ، قال : قال رسـول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : « أنا مدينة العلم وعليّ بابها » .
هذا الحديث الصحيح الدالّ على أفضلية أمير المؤمنين عليه السلام من سائر الصحابة أجمعين ، فحاول بعض النواصب الطعن فيه بالقدح في أبي الصلت ، لكنّ جماعةً من أعاظم أهل السُـنّة انبروا لإثبات صحّة الحديث وللدفاع عن وثاقة أبي الصلت . وإنْ شئت التفصيل فارجع إلى الجزء الحادي عشر من كتابنا الكبير نفحات الأزهار .
* وتبقى قضـيّة سجـن الإمام الرضا عليه السلام في سرخس ، وهي

(43)

مدينة بين « نيسابور » و« مرو » ; يقول الراوي : « لمّا قدم عليّ بن موسى الرضا عليه السلام نيسابور أيّام المأمون ، قمت في حوائجه والتصرّف في أمره ما دام بها ، فلمّا خرج إلى مرو شيّعته إلى سرخس ، فلمّا خرج من سرخس أردت أن أشيّعه إلى مرو ، فلمّا سار مرحلةً أخرج رأسه من العماريّة وقال لي : يا عبـد الله ! انصرف راشـداً فقد قمت بالواجب وليس للتشـييع غاية ... » (1) .
ومن هذا الخبر يظهر أنّ الإمام عليه السلام لم يتوقّف في « سرخس » ، بل توجّه إلى مرو مباشرةً ; قال المسعودي : « وصل إلى المأمون أبو الحسن علي بن موسى الرضا وهو بمدينة مرو ، فأنزله المأمون أحسن إنزال » (2) .
ثمّ إنّه في سنة 201 جعل المأمون الإمام عليه السلام وليّ عهده ، بإشارة من الفضل بن سهل الذي كان وزيره ومدبّر أُموره ، فلمّا بلغ خبره العبّاسيّين ببغداد ساءهم ذلك ، فأخرجوا إبراهيم بن المهدي وبايعوه بالخلافة ، والفضل يخفي الأخبار عن المأمون ، حتّى بلغه الخبر ، فغضب على الفضل وندم من ولاية عهد الإمام عليه السلام ، فعزم على المسير إلى بغداد ومعه الإمام الرضا والفضل بن سهل .
روي عن الحسن بن عباد ـ وكان كاتب الرضا عليه السلام ـ قال : دخلت عليه وقد عزم المأمون بالمسير إلى بغداد ، فقال الرضا : يا بن عباد ! ما ندخل العراق ولا نراها . قال : فبكيت وقلت : آيستني أن آتي أهلي وولدي . فقال : أمّا أنت فستدخلها ، وإنّما عنيت نفسـي (3) .
ـــــــــــــــــ

(1) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 1 / 147 ـ 148 ، وكذلك في معجم البلدان 3 / 208 .
(2) مروج الذهب 4 / 28 حوادث السنة 200 ; وانظر : بحار الأنوار 49 / 142 ـ 143 .
(3) الأنوار البهيّة ـ للشيخ عبّـاس القمّي ـ : 233 ـ 234 .

(44)

أمّا الفضل ، فقد احتال المأمون عليه حتّى قتله في حمّام بسرخس ، وهناك سجن الإمام عليه السلام في دار كما في الرواية عن أبي الصلت .
وأمّا الإمام عليه السلام ، فقد احتال عليه حتّى سـمّه ; قال ياسر الخادم : لمّا كان بيننا وبين طوس سبعة منازل اعتلّ أبو الحسن عليه السلام ، فدخلنا طوس واشـتدّت به العلّة ، فبقينا بطوس أيّاماً (1) ، فلمّا قضـى نحبه أمـر المأمون بدفـنه بسناباد من طوس بجنب قبر هارون ، وذلك في سـنة 203 (2) .
وينبغي الإشارة هنا إلى نقاط :
1 ـ ذكر الخطيب البغدادي ، وعنه ابن عساكر : أنّ الإمام عليه السلام مات بسرخس (3) ، وهو غلط فاحش ، إلاّ أنّ صـدوره من مثلهما ليس بغريـب .
2 ـ قد ذكرت المصادر أنّ المباشر لقتل الفضل غيلةً في الحمام بسرخس هو خال المأمون واسمه : غالب ، وأضافت عدّة منها أنّه قد تعاون معه في ذلك أربعة من مماليك المأمون ـ وفي بعضها : من خواصّـه ـ لكنّه جعل لمن جاء بهم عشرة آلاف دينار ، فقالوا له : أنت أمرتنا بقتله . فأنكر وضـرب أعناقهم (4) !
3 ـ قد تكلّم بعض العلماء في أخبار أنّ المأمون قد سمّ الإمام عليه
ـــــــــــــــــ

(1) الأنوار البهيّة : 233 ـ 234 .
(2) بحار الأنوار 49 / 142 ـ 143 .
(3) تاريخ بغداد 10 / 182 ، تاريخ دمشـق 33 / 281 ـ 282 .
(4) سير أعلام النبلاء 10 / 284 وانظر الهامش ، المنتظم في تاريخ الملوك والأُمم 10 / 112 .

(45)

السلام ، مستدلّين بأنّه قد توجّع له وأظهر الحزن عليه ، لكنّه استدلالٌ عجيبٌ ; فقد رأينا المأمون يجعل عشـرة آلاف دينار لمن جاء بقتلة الفضل ثمّ يضـرب أعناقهم وقد أمر هو بقتله ! !
وأيضاً ، فقد أظهر حزناً شديداً لمصـرع الفضل وعزّى والدته وقال : إنّ الله أخلفني عليك بدل ابنك .
فبكت وقالت : كيف لا أحزن على ولد أكسبني ولداً مثلك (1) ؟
وبعـد ..
فإنّ خبر سجن الإمام عليه السلام في سرخس يحتاج إلى دراسة أكثر !
ـــــــــــــــــ

(1) سير أعلام النبلاء 10 / 99 ـ 100 .

(46)

( 6 )
امتحنوا شيعتنا بثلاث
عن أبي عبـد الله الصادق عليه السلام ، قال :
« امتحنوا شيعتنا عند ثلاث : عند مواقيت الصلاة ; كيف محافظتهم عليها ؟ وعند أسرارهم ; كيف حفظهم لها عند عدوّنا ؟ وعند أموالهم ; كيف مواساتهم لإخوانهم فيها ؟ » (1) .
بيـان :
إنّه ليس كلّ مَن يدّعي شيئاً تُسمع دعواه ، ويُقبل منه ما يقول ..
ومَن ادّعى التشـيّع لأهل البيت عليهم السلام تُقبل منه الدعوى كيفما كان ؟ !
من الناس مَن يدّعي « الحـبّ » لأهل البيت ، ومنهم مَن يدّعي « التشـيّع » لهم ، لكنّ الحـبّ صفة نفسانية وحالة باطنية تبرزها الإطاعة للمحـبوب « فإنّ المحـبّ لمَن يحـبّ مطيع » ، أمّا « التشـيّع » فمفهومٌ لا يتحقّق إلاّ بالطاعة .
والحبّ من المفاهيم المشكّكة ، فهو يقبل القلّة والكثرة ، والشدّة والضعف ، لكنّ « التشيّع » لا يصـدق إلاّ بالاتّباع المطلق ; فمَن تابع أهل البيت عليهم السلام في بعض الأُمور ولم يتابعهم في البعض الآخر ـ فضلاً
ـــــــــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 4 / 112 ح 4650 .

(47)

عن أنْ يخالفهم ـ فليس بشيعة لهم ..
ولذا جاء عن الإمام عليه السلام : « والله ما أنا بإمام إلاّ لمَن أطاعني ، فأمّا مَن عصاني فلست له بإمام .
لِمَ يتعلّقون باسـمي ؟ !
ألا يكفّون اسـمي من أفواههم ؟ ! » .
أي : فالّذين يدّعون التشـيّع ويقولون نحن جعفريّة ولا يطيعون عليهم أنْ يكفّوا اسم الإمام من أفواههم ، إنّه يقول : « فوالله لا يجمعني الله وإيّاهم في دار » (1) .
وقد أمر الإمام عليه السلام بامتحان من يدّعي التشيّع لهم بثلاثة أُمور كلّ منها يشير إلى بعد من الأبعاد الأساسيّة في الحياة الفردية والاجتماعية :
1 ـ البعـد العبادي :
فالصلاة ـ في البعد العبادي في مدرسـة أهل البيت عليهم السلام ـ : « عمود الدين ، مثلها كمثل عمود الفسطاط ، إذا ثبت العمود ثبتت الأوتاد والأطناب ، وإذا مال العمود وانكسر لم يثبت وتـد ولا طنب » (2) .
ويقول عليه السلام : « أحبّ الأعمال إلى الله عزّ وجلّ : الصلاة » (3) .
ويقول : « أوّل ما يحاسـب به العـبد : الصلاة ، فإنْ قُبلت قُبل سائر أعماله ، وإذا رُدّت رُدّ عليه سائر عمله » (4) .
ـــــــــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 16 / 238 ح 21453 .
(2) وسائل الشيعة 4 / 27 ح 4424 .
(3) وسائل الشيعة 4 / 38 ح 4454 .
(4) وسائل الشيعة 4 / 34 ح 4442 .

(48)

وقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : « لا يزال الشيطان ذعراً من المؤمن ما حافظ على الصلوات الخمس لوقتهنّ ، فإذا ضيّعهنّ تجرّأ عليه فأدخله العظائم » (1) .
بل قال صلّى الله عليه وآله : « ما بين الكفر والإيمان إلاّ ترك الصلاة » (2) .
ولعلّه لهذا السبب قدّم الإمام عليه السلام الصلاة في الذكر على غيرها في روايـتنا .
2 ـ البعـد الاجتماعي :
الظاهر ـ بقرينة قوله عليه السلام : « عند عدوّنا » ـ أنّ المراد هو : الأسـرار المتعلّقة بالمذهب لا الأسرار الشخصـيّة في الشؤون الفردية ، وإنْ لم يبعد إرادتها كذلك ..
لقد لاقى أهل البيت عليهم السلام منذ اليوم الأوّل أنواع الظلم والأذى من الحكّام الظالمين ، فإنّهم لم يألوا جهداً مدّة ملكهم في القضاء على الأئمّة وذرّية رسـول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، فكانوا بين قتيل وأسير وهارب وخائف ، فلا تجد في بلاد الإسلام بلدةً إلاّ وفيها قبرٌ لأحدهم تشارك في قتله الأُمويّون والعبّاسـيّون ، أو مات شريداً بعيداً عن أهله ووطنه ..
ثمّ بذل أعوان الظلمة غاية جهدهم معهم في إخمال ذكر أهل البيت وإطفاء نورهم ، وحملوا الناس على شتمهم وسـبّهم ولعنهم على المنابر ،
ـــــــــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 4 / 112 ح 4648 .
(2) وسائل الشيعة 4 / 42 ح 4468 .

(49)

وإخفاء فضائلهم وسـتر مناقبهم .
وما لاقى أهل البيت من الأعداء لوناً من الشدائد والمحـن إلاّ لاقاه أتباعهم ، وما قاسـوا نوعاً من الظلم إلاّ قاساه أشياعـهم ; فلماذا داسـوا بطن عمّار ، ونفوا أبا ذرّ ، وقتلوا حِجراً وعمرو بن الحمق .. وجرى ما جرى على الكميل ورشـيد الهجري وميثم التمّار .. واتّصل البلاء ولا يزال إلى يومنا هذا ؟ !
أمّا محو أسماء الشيعة من الديوان ، وحرمانهم من العطاء ، وردّ شهاداتهم في المحاكم ... فهذا أقلّ ما وقع عليهم ، حتّى إذا احتاج إلى أكلة أو شربة باع ثوبه ، وإلاّ عاش بحسـرة أو مات فقراً ..
ثمّ ما اكتفوا بذلك ، فأحدثوا المذاهب والأقوال في مقابل الدين ومذهب أهل بيت سـيّد المرسلين ، ووضـعوا المدارس ونصـبوا فيها المدرّسـين وحملوا الناس على الانتماء إليها ، حتّى نشأ أبناؤهم عليها وكادوا لا يعرفون غيرها ..
في مثل هذه الظروف ، التي لا يجرأ أحد على ذكر حديث عن أمير المؤمنين وأبنائه الطاهرين ، بل لا يمكنه أن يتفوّه باسـمه ، حتّى جاء في رواية عن أبي عبـد الله عليه السلام : « إيّاكم وذكر عليّ وفاطمة ; فإنّ الناس ليس شيء أبغض إليهم من ذكر عليّ وفاطمة » (1) ، كان من الطبيعي أن يأمر الأئمّة عليهم السلام بـ « الكتمان » و « التقيّة » ، وينهوا عن « الإذاعة » .
ولعلّ الفرصـة تسنح لنا أن نتكلّم عن ذلك ببعض التفصيل في موضع آخـر إن شاء الله تعالى .
ـــــــــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 16 / 238 ح 21454 .

(50)

3 ـ البعـد الاقتصادي :
يقـول عليه السلام : « وعند أموالهم ; كيف مواساتهم لإخوانهم فيها ؟ » .
وفي رواية أُخـرى : « اخـتبروا إخوانكم بخصـلتين ، فإن كانت فيهم وإلاّ فاعزب ثمّ اعزب ثمّ اعزب : المحافظة على الصلوات في مواقيتها ، والبرّ بالإخوان في العسـر واليسـر » (1) .
و« البرّ » في « العسر واليسر » هو : « المواساة » .
وقد ورد عن أبي جعفر عليه السلام وقد قيل له : إنّ الشيعة عندنا كثير . فقال : « فهل يعطف الغني على الفقير ؟ وهل يتجاوز المحسن عن المسيء ؟ ويتواسـون ؟ فقلت : لا . فقال : ليس هؤلاء شيعة ، الشيعة مَن يفعل هذا » (2) .
فهو في هذا الخبر ينفي أن يكون غير المواسي لأخيه الشيعي شيعيّاً .
وفي الخبر السابق يقول في مَن ليست فيه هذه الخصلة : « فاعزب ثمّ اعزب ثمّ اعزب » ، أي : ابتعد عنه ، قالها ثلاث مرّات لا مرّة واحدة ، وهي عبارة أُخـرى عن أنّه ليس من الشـيعة ; لأنّ الأئمّة طالما يأمرون شيعتهم بالتواصـل والتقارب فيما بينهم ...
للموضـوع صلة ...
ورابعاً : التأمّل والتدقيق في ألفاظ ومضامين النصوص الواردة قد يوصل إلى معان أكثر عمقاً ; فالنصّ المذكور يصف الّذين استولوا على القافلة بـ : « اللصوص » ، ويذكر أنّ : رئيسهم كان يصلّي ، وأنّه من الشيعة ، وقد حلّ كتاف دعبل وجميع أهل القافلة ، وردّ ما أُخذ منهم إليهم ; لكرامة دعبل ، وهذه قرائن يمكن أن تدلّ على أنّ هؤلاء لم يكونوا لصوصاً همّهم السلب والنهب فقط ، بل هم من الشيعة المضطهدين الثائرين على ظلم الخليفة ، وأنّ استيلاءهم على القافلة هو بعض أعمالهم في محاربة الخليفة وتضعيف سلطانه في البلاد .
ـــــــــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 12 / 148 ح 15903 .
(2) الكافي 2 / 173 .