شبكة الإمامين الحسنين عليهما السلام للتراث و الفکر الإسلامي

 

مـصطلحـات نحـويّـة ( 25 )

السـيّد علي حسـن مطر

تسـع وأربعون ـ مصطلح اسم الفعل
تعرّض سـيبويه ( ت 180 هـ ) لاسم الفعل بقوله : « هذا باب من الفعل ، سُمّي الفعل فيه بأسماء لم تؤخذ من أمثلة الفعل الحادث ...
ومنه قوله : تَراكِها من إبل تَراكِها ..
فهذا اسـم لقوله : أُترُكْها .
وقال : مَناعِها مِن إبل مَناعِها ..
وهذا اسم لقوله : امنَعْها .
واعلم أنّ هذه الحروف التي هي أسماء للفعل لا تظهر فيها علامة المضمر ; وذلك أنّها أسماءٌ ، وليست على الأمثلة التي أُخذت من الفعل الحادث في ما مضـى ، وفي ما يُستقبل ، وفي يومك » (1) .
وقال المبرّد ( ت 285 هـ ) : « هذا باب ما جرى مجرى الفعل وليس
ــــــــــــــــ

(1) الكتاب ، سيبويه ، تحقيق عبـد السلام هارون 1 / 241 ـ 242 .

(346)

بفعل ولا مصدر ، ولكنّها أسماء وضعت للفعل تدلّ عليه ، فأجريت مجراه ما كانت في مواضعها ... وذلك قولك : صَهْ ومَهْ ، فهذا إنّما معناه : أُسكتْ واكفُفْ » (1) .
وعبّر عنه ابن السرّاج (ت 416 هـ ) بـ : « اسم الفعل » (2) ، وذكره هو والرمّاني ( ت 384 هـ ) ضمن الأسماء التي تعمل عمل الفعل ، وقالا : « الأسماء التي سمّوا الفعل بها » (3) .
وقد بيّن ابن بابشاذ ( ت 469 هـ ) وجه الإتيان بهذه الأسماء في الكلام بقوله : « فإن قيل لك : فلمَ أُتي بها في الكلام ؟ فقل : للاختصار والإيجاز ; لأنّك تستعملها للواحد والاثنين والجمع ، والمذكّر والمؤنّث ، بلفظ واحد ، فتقول : صَهْ يا زيدُ ، صَهْ يا زيدان ، صَهْ يا زيدون ، صَهْ يا هـندُ ، صَـهْ يا هـندان ، صَـهْ يا هندات ، بخلاف اسكت في جميع ذلك » (4) .
وسوف نجد نحاةً آخرين يذكرون هذا التوجيه ، كـ : ابن الخشّاب وابن يعيش .
وأمّا الزمخشـري ( ت 538 هـ ) فقد قال : إنّ أسماء الأفعال « على ضربين : ضرب لتسمية الأوامر ، وضرب لتسمية الأخبار ، والغلبة للأوّل ،
ــــــــــــــــ

(1) المقتضب ، محمّـد بن يزيد المبرّد ، تحقيق عبـد الخالق عضيمة 3 / 202 .
(2) الموجز في النحو ، أبو بكر محمّـد بن السرّاج ، تحقيق مصطفى الشويمي وبن سالم دامرجي : 74 .
(3) أ ـ الموجز في النحو : 76 .
ب ـ منازل الحروف ، الرمّاني عليّ بن عيسى ، ضمن كتاب « رسائل في اللغة والنحو » ، تحقيق مصطفى جواد ويوسف يعقوب مسكوني : 72 .
(4) شرح المقدّمة المحسبة ، طاهر بن بابشاذ ، تحقيق خالد عبـد الكريم 1 / 185 .

(347)

وهو ينقسم إلى متعدّ للمأمور وغير متعدّ له ، فالمتعدّي نحو قولك : رُوَيدَ زيداً ، أي : أرْوده وأمهِله ... وغير المتعدّي نحو قولك : صَهْ ، أي : اسكت ... وأسماءُ الأخبار نحو : هيهات ذاك ، أي : بَعُد ... وأُفّ ، بمعنى اتضجّـر ، وأُوّه ، بمعنى أتوجّـع » (1) .
والجديد هنا هو : ما ذكره من أنّ اسم الفعل يكون للفعل المضارع ، وليس مقصوراً على فعل الأمر والماضي .
وقال ابن يعيش ( ت 643 هـ ) : « إنّ باب أسماء الأفعال الأغلب فيها الأمر ; لأنّ الغرض منها ـ مع ما فيه من المبالغة ـ الاختصار ، والاختصار يقتضي حذفاً ، والحذف يكون مع قوّة العلم بالمحذوف ، وهذ حكم مختصّ بالأمر ; لِما ذكرنا ... إلاّ أنّه لمّا كان الحذف أيضاً قد يقع في بعض الأخبار ; لدلالة الحال على المراد ، ووضوح الأمر فيه ، وكونه محذوفاً كمنطوق به ، لوجـود الدليل عليه ، استعمل في الخبر بعضُ ذلك ، فجاءت فيه كما جاءت في الأمر ، إلاّ أنّها قليلة بالإضافة إلى ما جاء في الأمر » (2) .
وعبارة ابن يعيش هذه منقولة بالنصّ تقريباً عمّا ذكره ابن الخشاب ( ت 567 هـ ) في كتابه

المرتجل الذي هو شرح لكتاب

الجُمل لعبـد القاهر الجرجاني (3) .
وقال ابن الحاجب ( ت 646 هـ ) : « أسماء الأفعال : ما كان بمعنى الأمر أو الماضي ، مِثلُ : رُويدَ زيداً ، أي : أمهله ، وهيهاتَ ذاكَ ، أي : بَعُدَ » (4) .
ــــــــــــــــ

(1) المفصل في علم العربية ، جارالله الزمخشري ، ص 151 ـ 152 .
(2) شرح المفصّل ، ابن يعيش ، تحقيق إميل بديع يعقوب 3 / 19 .
(3) المرتجل ، ابن الخشّاب ، تحقيق علي حيدر : 250 .
(4) شرح الكافية ، الرضي الاسترابادي ، تحقيق يوسف حسن عمر 3 / 83 .

(348)

وفي كلامه أوّل محاولة لتعريف ( اسم الفعل ) ، بأنّه : اسم بمعنى فعلِ الأمر أو الفعل الماضي .
وقال الرضيّ الاسترابادي في شرحه للكافية : « والذي حملهم على أنّ قالوا : إنّ هذه الكلمات وأمثالها ليست بأفعال ، مع تأديتها معاني الأفعال : أمرٌ لفظيّ ، وهو : أنّ صِيَغَها مخالفة لصيَغ الأفعال ، وأنّها لا تتصرّف تصرّفها ، وتدخل اللام على بعضها ، والتنوين في بعض » (1) .
ويلاحظ على تعريف ابن الحاجب : أنّه لم يذكر فيه ما كان من الأسماء بمعنى الفعل المضارع .
وقد اعتذر عنه الجامي بأنّ الكلام في الأسماء المبنيّة ، فلأجل ذلك اقتصر على ذكر الأسماء التي « بمعنى الأمر والماضي ، اللّذين هما من أقسام المبني الأصل ; فعلّة بنائها كونها مشابهة لمبنيّ الأصل ..
فما قيل : إنّ ( أُفّ ) بمعنى : اتضـجّر و( أُوّه ) بمعنى : أتوجّع ، فالمراد به : تضجّرتُ وتوجّعتُ ، عبّر عنه بالمضارع لأنّ المعنى على الإنشاء » (2) .
وقال الرضيّ : « ويجوز أن يقال : إنّ أسماءَ الأفعال بُنيت لكونها أسماءً لما أصله البناء ، وهو مطلق الفعل ، سواء بقي على ذلك الأصل كالماضي والأمر ، أو أخرج عنه كالمضارع ، فعلى هذا لا يحتاج إلى العذر المذكور » (3) .
ــــــــــــــــ

(1) شرح الكافية 3 / 83 ـ 84 .
(2) الفوائد الضيائية ، عبـد الرحمن الجامي ، تحقيق أُسامة طه الرفاعي 2 / 111 .
(3) شرح الكافية 3 / 83 .

(349)

أقول :
إنّه لا شكّ في أنّ ماكان بمعني المضارع نحو : أُفٍّ و أُوّه من أسماء الأفعال، و لا شكّ في بنائها أيضاً ، فكان من اللازم ذكرها في التعريف حفاظاً علي تماميّته، ولا بأس بعد ذلك بإيراد كلام كلٍّ من الجامي و الرضيّ؛ دفعاً لما قد يرد من إشكال علي ذكرهما فيه.
و عرّفه ابن مالك (ت 672 هـ) بثلاثة تعاريف :

* أوّلها : ما ذكره في

التسهيل بقوله : « أسماء الأفعال : الفاظ تقوم مقامها، غيرَ متصرّفة تصرّفها، ولا تصرّف الأسماء» (1)
و سيأتي الإشكال علي أخذه (اللفظ) في جنس التعريف.
و قال السلسيلي في

شرحه : « (تقوم مقامها)» أي : مقام الأفعال، (غيرَ متصرّفة تصرّفها) بمعني : أنّ أبنيتَها لا تختلف لا ختلاف الزمان، كما تختلف أبنية الأفعال لذلك ... (ولا تصرّف الأسماء)، أي : و لا تتصرّف أيضاً تصرّف الأسماء في كونها تستعمل مبتدأة و فاعلة و غير ذلك» (2).
و تابعه السيوطي (ت 911 هـ) عليه بقوله : « هي أسماء قامت مقامَها ـ أي : مقام الأفعال ـ في العمل غير متصرّفة ، لا تصرّف الأفعال؛ إذ لا تختلف في أبنيتها لا ختلاف الزمان، و لا تصرّف الأسماء؛ إذ لا يسند إليها فتكون مبتذأة أو فاعلة، و لا يخبر عنها فتكون مفعولاً بها أو مجرورة.

ــــــــــــــــ

(1) تسهيل الفوائد و تكميل المقاصد، ابن مالك، تحقيق محمّد كامل بركات : 210.
(2) شفاء العليل في إيضاح التسهيل، محمّد بن عيسي السلسيلي، تحقيق عبداللّه البركاتي 2/ 869.

(350)

و بهذا القيد خرجت الصفات و المصادر؛ فإنّها و إن قامت مُقام الأفعال في العمل ، إلّا أنّها لا تتصرّف تصرُّف الأسماء، فتقع مبتدأة و فاعلاً و مفعولاً...
و قولي في صدر الحدّ : (هي أسماءٌ) أحسن من قول

التسهيل :
(هي الفاظ) إلي آخره؛ لأنّه يدخل فيها إنّ و أخواتها؛ فإنّها ألفاظ قامت مقام الأفعالن فعملت غير متصرّفة تصرّفها و لا تصرّف الأسماء، و هي حروف لا أسماء أفعالن و لذا احتاج إلي أخراجها، فزاد في

الكافية قوله :
(و لا فضلة) ، وقال في شرحها : إنّه أخرج الحروف؛ لأنّ الحرف أبداً فضلة في الكلام» (1).

أقول :
و مثل هذه الملاحظة ترد أيضاً علي مَن أخذ (ما) في جنس التعريف ـ كما سيأتي ـ و إن كان من الواضح أنّ المراد بها و باللفظ خصوص الاسم.

* و ثانيها : أنّ اسم الفعل : « كلّ اسم لازم النيابة عن فعل، دون تعلّق بعامل » (2).
و قال في

شرحه : « تصدير الحدّ بذكر الاسم مخرج الحروف؛ فإنّها تشارك أسماءَ الأفعال في لزوم النيابة عن الأفعال دون تعلّق بعامل.
ــــــــــــــــ

(1) همع الهوامع شرح جمع الجوامع ، جلال الدين السيوطي، تحقيق عبد العال سالم مكرم 5/ 119 ـ 120
(2) شرح عمدة الحافظ و عدّة اللافظ، ابن مالك ، تحقيق عدنان عبدالرحمن الدوري : 736.

(351)

و قولي : (دون تعلّق بعامل) مخرج لـ (رُوَيْدَ) المضاف، و نحوه من المصادر التي لا تنصرف، قال الأخفش في مسائله الصغري : و من العرب مَن يجعل (رُوَيدَ) مصدراً، فيقول : رُوَيدَ زيدٍ عمراً، كقولك : ضَرْبُ زيدٍ عمراً، و رُوَيدَكَ عمراً، مثلُ : ضربكَ عمراً» (1).

* و ثالثها : ما ذكره في

أُرجوزته الألفية بقوله :
مانابَ عن فعلٍ كشتّانَ وصَهْ هو اسمُ فعلٍ، و كذا أوّه و مَهْ
و قال المكودي في

شرحه : « شملَ قوله : (ما ناب عن فعلٍ) اسم الفعل و أسم الفعال و المصدر النائب عن الفعل ، و خرج بالمثال : اسم الفاعل، و المصدر؛ لأنّ معناه : كشتّان في كونه غير معمول ولا فضلة، فهو تتميم للحدّ» (2).
و عرّفه ابن الناظم (ت 686 هـ) بقوله : « أسماء الأفعال : ألفاظ نابت عن الأفعال معنيً و آستعمالاً» (3).
و تابعه علي هذا الحدّ كلّ من ابن هشام، وابن عقيل، والأزهري، والسيوطي..
قال ابن هشام (ت 761 هـ) في شرح التعريف : « و المراد بالاستعمال كونه عاملاً غير معمول، فخرجت الصمادر و الصفات ، في نحو : ضرباً زيداً، و أقائم الزيدان؟ فإنّ العوامل تدخل عليها» (4).

ــــــــــــــــ

(1) شرح عمدة الحافظ : 736ـ 737.
(2) شرح ألفية ابن مالك، علي بن صالح المكودي، ضبط و تخريج إبراهيم شمس الدين : 232.
(3) شرح ألفية ابن مالك، بدر الدين ابن الناظم : 236.
(4) أوضح السمالك إلي ألفية ابن مالك، ابن هشام الأنصاري، تحقيق محمّد محيي الدين عبد الحميد 3 / 116.

(352)

و قال ابن عقيل (ت 672 هـ) في

شرحه علي الألفيّة : « أسماء الأفعال : ألفاظٌ تقوم مقام الأفعال في الدلالة علي معناها و في علمها، و تكون بمعني الأمر ـ و هو الكثير فيهاـ كـَ : مَهْ ، بمعني : اكفُفْ... و تكون بمعني الماضي، كـ : شتّانَ، بمعني : افترق... و بمعني المضارع كـ : أوّه، بمعني : أتوجّع» (1).
و قال الأزهير (ت 905 هـ) : « اسم الفعل ماناب عن الفعل معنيً و آستعمالاً ... و المراد بـ (المعني) : كونه يفيده الفعل الذي هو نائب عنه من الحدث و الزمان، و المراد بـ (الاستعمال) : كونه أبداً عاملاً غير معمول لعامل يقتضي الفاعلية أو المفعولية، فخرجت الحروف نحو : إنّ و أخواتها؛ فإنّها و إن نابت عن الفعل في المعني و الاستعمال ، لكنها قد تهمل إذا اتّصلت بها (ما) الكافّة، فليست أبداً عاملة، و خرجت المصادر و الصفات النائبة عن أفعالها في نحو : ضرباً زيداً؛ فإنّه العوامل اللفظية و المعنوية تدخل عليها فتعمل فيها، ألا تري أنّ (ضرباً) منصوب بما ناب عنه و هو (إضرِبْ) ، و (أقائِم) مرفوع بالابتداء؟» (2).

أقول :
لو أنّ الأزهري أخذ (الاسم) في جنس التعريف، لخرجت الحروف منذ البداية، و آنحصرت فائدة قيد (الاستعمال) بالاحتراز عن دخول
ــــــــــــــــ

(1) شرح ابن عقيل علي الألفيّة، تحقيق محمّد محيي الدين عبدالحميد 2 / 302 ـ 303.
(2) شرح التصريح علي التوضيح، خالد الأزهري 2 / 196.

(353)

المصادر و الصفات النائبة عن أفعالها، و إن كان هذا القيد صالحاً لإخراج الحروف أيضاً.
و لا بن هشام تعريف آخر قال فيه : « اسم الفعل هو : ما نابَ عن فعل، و لم يكن كالجزء، و لم يتأثّر بعامل..
فـ (ما ناب عن فعل) جنس يشمل المصدر كـ (ضرباً زيداً) ،و آسم الفعلِ كـ (ضرابِ زيداً) بمعني : اضربه، و الحرف، نحو : هل قام زيدُ، بمعني : استفهم عن قيامه.
فخرج الحرف بقولنا : (و لم يكن كالجزء) ، و المصدرُ بقولنا : (و لم يتأثّر بعاملٍ) ؛ لأنّ المصدر يتأثّر بعامل المنوب عنه » (1).
و عرّفه الأشموني (ت 900 هـ) بأنّه : « ما نابَ عن فعلٍ في العملن و لم يتأثّر بالعوامل، و لم يكن فضلةً» (2) ..
و تابعه الفاكهي (ت 972 هـ) علي هذا التعريف (3).
قال الأشموني : « فـ (ما ناب عن فعلٍ) جنس يشمل اسم الفعل و غيره ممّا ينوب عن الفعل.
و القيد الأوّل و هو (و لم يتأثّر بالعوامل) فصل يخرج المصدر الواقع بدلاً من اللفظ بالفعل و آسم الفاعل و نحوهما.
و القيد الثاني، و هو : (و لم يكن فضلة) لإخراج الحروف؛ فقد بان لك أنّ قوله : (كـ : شتّان) تتميم للحدّ، فشتّان ينوب عن (افترقَ) ،

ــــــــــــــــ

(1) شرح اللمحة البدرية، ابن هشام، تحقيق هادي نهر 2/ 79.
(2) شرح الأشموني علي الألفية، تحقيق حسن حمد 3 / 91.
(3) شرح الحدود النحوية، علي بن محمّد الفاكهي، تحقيق محمّد الطيب الإبراهيم : 138.

(354)

وصه ينوب عن (اسكت) ، وكلّها لا تتأثّر بالعوامل، وليست فضلات؛ لاستقلالها» (1).

و يلاحظ علي ابن هشام في تعريفه الأخير : أنّه لو أخذ (الاسم) في جنس التعريف لم يكن بحاجة إلي أخراج الحرف بإضافة قيد (ولم يكن كالجزء) .
و ترد الملاحظة نفسها علي تعريف الأشموني أيضاً؛ فإنّه لو أخذ (الاسم) جنساً للتعريف، لم يكن بحاجة إلي إضافة قيد (و لم يكن فضلة) لإخراج الحروف.

ــــــــــــــــ

(1) شرح الأشموني علي الألفية 3 / 91.