شبكة الإمامين الحسنين عليهما السلام للتراث و الفکر الإسلامي

 

عـدالة الصـحابة (13)

الشـيخ محمّـد السـند

قريش وسياسـة الاخـتراق
عندما بدأ نجم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في البزوغ في أوائل البعثة ، وبدأت قريش في المواجهة والصدام مع الدعوة الجديدة ، احتملت قريش بل تشاءمت عبر الكهنة أن تكون هي الخاسرة ، وأنّه سيكون للنبيّ الهاشميّ قدرة استيلاء على قبائل العرب والبلدان ، وتدين لقدرته الأقوام ، فبدأت تخطّط للتغلغل والنفوذ في القدرة الجديدة ; كيما تستولي على مقدّرات الأُمور ولا تفقد سيطرتها السابقة .
فاتّخذت أُسلوب حرب جديدة خفيّة اختراقيّة تسلّليّة عبر صفوف المسلمين ، موازية للحرب العلنيّة ، وقد أنبأ تعالى نبيّه بأنّ قريشاً حقّ القول عليها أنّ أكثرهم لن يؤمن بقلبه ; قال تعالى :
إنّك لمن المرسلين ... لتنذر قوماً ما أُنذر آباؤهم فهم غافلون * لقد حقّ القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون (1) ، أي : بقلوبهم وإن أقرّوا بلسانهم .
ــــــــــــــــ

(1) سورة يس 36 : 1 ـ 7 .

(91)

في حين أنّه تعالى كشف عن وجود مخطّطهم الجديد في رابع سورة نزلت على الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وهي سورة المدثّر ـ كما تقدّمت الإشارة إلى ذلك في أوائل حلقات هذا البحث ـ وهو قوله تعالى :
وما جعلنا أصحاب النار إلاّ ملائكة وما جعلنا عدّتهم إلاّ فتنةً للّذين كفروا ليستيقن الّذين أُوتوا الكتاب ويزداد الّذين آمنوا إيماناً ولا يرتاب الّذين أُوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الّذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلاً كذلك يضلّ الله مَن يشاء ويهدي مَن يشاء ... (1) ..
فذكر تعالى أنّ هناك في أوائل البعثة أربعة أصناف وطوائف : الّذين آمنوا ، والّذين أُوتوا الكتاب ، والّذين في قلوبهم مرض ، والكافرون .
وجعل الّذين في قلوبهم مرض في مصاف الكافرين ، وتعبير القرآن بأنّ في قلوبهم مرض أي يبطنون المرض ولا يظهرونه ، ومن ثمّ لم يندرجوا بحسب الظاهر في طائفة الكافرين ، كما لا يندرجون في طائفة الّذين آمنوا بقلوبهم .
وهذا الأُسلوب الجديد الذي اعتمدته قريش في الحرب والمواجهة مع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كان لضمان الوصول إلى مركز القدرة ، ويشير إلى ذلك أمير المؤمنين (عليه السلام) في ما روي بسند متّصل عن ابن عبّـاس ، قال : « كنت أتتبّع غضب أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا ذكر شيئاً أو هاجه خبر ، فلمّا كان ذات يوم كتب إليه بعض شيعته من الشام ، يذكر في كتابه : أنّ معاوية وعمرو بن العاص وعتبة بن أبي سفيان والوليد بن عقبة ومروان ، اجتمعوا عند معاوية ، فذكروا أمير المؤمنين فعابوه ، وألقوا في أفواه الناس أنّه ينتقص أصحاب رسـول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ويذكر كلّ واحد منهم ما هو أهله ...
ــــــــــــــــ

(1) سورة المدثّر 74 : 31 .

(92)

فقلت : ما لك يا أمير المؤمنين الليلة ؟
فقال : ... ها أنا ذا ـ كما ترى ـ مذ أوّل الليل اعتراني الفكر والسهر لما تقدّم من نقض عهد أوّل هذه الأُمّة المقدّر عليها نقض عهدها ، إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر مَن أمر من أصحابه بالسلام علَيّ في حياته بإمرة المؤمنين ، فكنت أُؤكّد أن أكون كذلك بعد وفاته ...
فمضى مَن مضى قال علَيّ بضغن القلوب ، وأورثها الحقد علَيّ ، وما ذاك إلاّ من أجل طاعته في قتل الأقارب مشركين ، فامتلوا غيظاً واعتراضاً ، ولو صبروا في ذات الله لكان خيراً لهم ...
يا ابن عبّـاس ! ويل لمَن ظلمني ودفع حقّي وأذهب عظيم منزلتي ، أين كانوا أولئك وأنا أُصلّي مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) صغيراً لم يكتب علَيّ صلاة ، وهم عبـدة الأوثان ، وعصاة الرحمن ، وبهم توقد النيران .
فلمّا قرب إصعار الخدود ، وإتعاس الجدود ، أسلموا كرهاً ، وأبطنوا غير ما أظهروا ; طمعاً في أن يطفئوا نور الله ، وتربّصوا انقضاء أمر الرسول وفناء مدّته ، لمّا أطمعوا أنفسهم في قتله ، ومشورتهم في دار ندوتهم ..
قال تعالى : (
ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين ) (1) ، وقال تعالى : (
يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلاّ أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون ) (2) .
يا ابن عبّـاس ! ندبهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في حياته بوحي من الله ، يأمرهم بموالاتي ، فحمل القوم ما حملهم ممّا حقد على أبينا آدم من حسد اللعين له ، فخـرج من روح الله ورضـوانه ، وألزم اللعنة لحسده لولي الله ،
ــــــــــــــــ

(1) سورة آل عمران 3 : 54 .
(2) سورة التوبة 9 : 32 .

(93)

وما ذاك بضارّي إن شاء الله شيئاً .
يا ابن عبّـاس ! أراد كلّ امرئ أن يكون رأساً مطاعاً ، يميل إليه الدنيا وإلى أقاربه ، فحمله هواه ولذّة دنياه واتّباع الناس إليه أن يغصب ما جعل لي ، ولولا اتّقائي على الثقل الأصغر أن يُنبذ فينقطع ، شجرة العلم ، وزهرة الدنيا ، وحبل الله المتين ، وحصنه الأمين ، ولد رسول ربّ العالمين ، لكان طلب الموت والخروج إلى الله عزّ وجلّ ألذّ عندي من شربة ظمآن ، ونوم وسـنان » (1) .
فبيّن (عليه السلام) أنّ قريشاً لمّا قرب إصعار الخدود وإتعاس الجدود ، أي علموا بهزيمتهم في حربهم ومواجهتهم لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) طمعوا في الاختراق والنفوذ ; للاستيلاء على مقدّرات الأُمور بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ومن ثمّ حاولوا عدّة مرّات قتل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، كما في رجوعه من تبوك في العقبة وغيرها .
واتّخذت قريش أساليب متعدّدة للحرب الجديدة والأُسلوب المتطوّر مع الزيّ الحديث لبيئة الناس ، وهي المواجهة من خلال أدوات هذا الدين الجديد ; لضرب شخصيّة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وبني هاشم ، وذلك عبر الإزراء بشخصيّة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، والحطّ من قدره ، والتنزيل من عظمته ، وإثارة الشكوك حول عصمته ، والنيل من حكمته ، والطعن في هديه وسيرته ، وفي المقابل أخذوا يصنعون ويبنون لأنفسهم رموزاً ينسجون لها ألبسة يتطاولون فيها على مقام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، لكن عبر أُسلوب ملتو ولحن القول ، ورفع شعار الحمية للدين ، تقديماً على الله ورسوله .
واستمرّت السياسـة الجديدة لقريش بهذا الأُسلوب حتّى كتبت أقلام
ــــــــــــــــ

(1) بحار الأنوار 29 / 552 ـ 554 ; ورواه ابن طاووس في اليقين : 321 ـ 322 .

(94)

بني أُميّة سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، كتابة بأقلام مأجورة ملؤها الإزراء بشخصيّة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، والتسافل بشؤون الوحي الإلهي ، والعبث بشأن الرسالة السماويّة ، وكذلك الحال في ما كتبوا من أسباب نزول الآيات من الوقائع التي صاغوها لموارد النزول للآي ، حسبما هي نظرتهم تجاه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)وأهل بيته ، من الازدراء المبطن ، والتعريض به وبهم (عليهم السلام) .
ولو أراد المتتبّع رصد جميع ذلك لطال به الأمر إلى مجلّدات ، بل موسوعات ، ولما أتى على كلّ ما حاكوه ونسجوه لتشويه الحقيقة وسدل الستار على النور النبويّ والضياء العلويّ .

أزمة كتب السيرة
وأسباب النزول :
والغريب مع كلّ ذلك اعتماد أكثر المفسّرين ـ حتّى الخاصّة ـ على كتب السيرة هذه وأسباب النزول ، التي استقى أصحابها من رواة تربطهم المصلحة النفعيّة بالبلاط الأُموي والسلطة القرشيّة في السقيفة .
واللازم على كلّ باحث ـ يتحرّى الحقيقة في الدين وطريقة المذهب ـ أن يتيقّظ إلى ما رسمه الحزب القرشي من حياكة وضيعة لصورة سيرة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وما صاغوه من موارد أسباب النزول للآيات ، بزعم أنّها حقائق التنزيل للكتاب العزيز ، وما الكتاب الذي أسماه الجاحد المفتري سلمان رشدي بـ : ( آيات شيطانيّة ) ، إلاّ حصيلة ما هو موجود في
صحيح البخاري و
صحيح مسلم وبقيّة صحاح أهل سُـنّة جماعة الخلافة ، عن كيفيّة نزول الوحي وأحوال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقصّة الغرانيق في سورة الحجّ ، كما سلّط الضوء على خطورة صنائع عائشة ، بل إنّ في الصحاح من ذلك ما هو أدهى وأطمّ .

(95)

وفي قبال ذلك ، اصطنعوا صور وأحوال لشخصيّات الصحابة ، تفوق شخصية سـيّد الرسل (صلى الله عليه وآله وسلم) في الصفات والفضائل ، من الغيرة والحميّة على الدين ، في قائمة يطول مسلسل تعداد الموارد فيها ..
بل هم يصيغون المشاققة والمحاددة لله ولرسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) على أنّها غيرة وحميّة على الدين ، والتقديم بين يدي الله ورسوله على أنّه ثائرة لنصـرة الدين ، والتمـرّد والعصيان لرسـول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على أنّه شدّة في ذات الله !!
وعلى هذا المنطق لا بدّ من احتساب إبليس من المتنمّرين في توحيد الله ، والمتصلّبين في دين الله وطاعته !
وعلى هذا المعدّل والمنهج ترى كلّ الكتب أُلّفت وجُمعت ; فاللازم على الباحث مراجعة آثار العترة الطاهرة من أهل بيت النبوّة ; إذ يجد المتتبّع أنّهم (عليهم السلام) يوضّحون الخطوط العامّة والبنى الأساسيّة في سيرة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، كما يطلعون المسترشد بهم على غوامض التنزيل للآيات القرآنيّة ، والأحداث المسطورة في الكتاب العزيز ، وما جرى من تلاعب بيد تيار الحزب القرشي في تزويرها ، وكتمان وتغيير حقائقها .
وفي الحقيقة إنّ هذه المحطّة ـ وهي البحث في السيرة وأسباب النزول ـ وإن لم يوليها كثير من الباحثين في التفسير والفقه والعقيدة عناية التمحيص والفحص والتتبّع ، واستقصاء الشواهد المزيلة لستار الإخفاء الممارس على حقائق مجرياتها ، إلاّ أنّها في غاية الخطورة والأهمّية ، لا سيّما وإنّ السيرة وأسباب النزول هي من العناصر الحسّاسـة في تفسير الآيات ، وبالتالي من مكوّنات دلائل العقيدة وقواعد المعرفة الدينية .
ألا ترى إلى ما سبق ـ في الحلقة السابقة ـ من استعراض جملة من

(96)

كلمات أعلام أهل سُـنّة الجماعة ، كيف التزموا بأنّ أحكام النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) هي اجتهادات تخطئ وتصيب ، وأنّ المخالفة له (صلى الله عليه وآله وسلم) مع التأوّل والاجتهاد المخالف محتمل للصواب ؟!
فتراهم يبنون قاعدة بالغة الخطورة إلى الدرجة القصوى في الدين والعقيدة ، على مكوّنات الكتب المزبورة للسيرة وأسباب النزول ، والتي تتناقض مع محكمات الكتاب ، وتتهافت رواياتها في ما بينها عند المتأمّل البصـير .
وهذه القاعدة تفتح لهم الطريق لتسـويغ وتبرير التمرّد على النصّ في الخلافة والوصـيّة .
ومن تلك الموارد التي خاضوا في مزايداتها بين عصمة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وعدالة الصحابة :

الصلاة على موتى المنافقين
منها : قصّة الصلاة على جنائز المنافقين ، في قوله تعالى : (
ولا تصلِّ على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره إنّهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون ) (1) .
قال السـيوطـي في
الدرّ المنـثـور : « أخرج البخـاري ، ومسلـم ، وابن أبي حاتم ، وابن المنذر ، وأبو الشيخ ، وابن مردويه ، والبيهقي في
الدلائل ، عن ابن عمر ، قال : لمّا توفّي عبـد الله بن أُبي بن سلول ، أتى ابنه
ــــــــــــــــ

(1) سورة التوبة ( براءة ) 9 : 84 .

(97)

عبـد الله رسـول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقام عمر بن الخطّاب فأخذ بثوبه ، فقال : يا رسول الله ! أتصلّي عليه وقد نهاك الله أن تصلّي على المنافقين ؟!
فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّ ربّي خيّرني وقال : (
استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرّة فلن يغفر الله لهم ) (1) ، وسأزيد على السبعين .
فقال : إنّه منافق .
فصلّى عليه ، فأنزل الله تعالى : (
ولا تصلِّ على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره ) فترك الصلاة عليهم » (2) .
وأخرج أيضاً : « عن الطبراني ، وابن مردويه ، والبيهقي في
الدلائل ، عن ابن عبّـاس : أنّ عبـد الله بن عبـد الله بن أُبي قال له أبوه : أي بني ! اطلب لي ثوباً من ثياب النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فكفّنّي فيه ، ومره أن يصلّي علَيّ .
قال : فأتاه ، فقال : يا رسول الله ! قد عرفت شرف عبـد الله ، وهو يطلب إليك ثوباً من ثيابك تكفّنه فيه ، وتصلّي عليه .
فقال عمر : يا رسـول الله ! قد عرفت عبـد الله ونفاقه ، أتصلّي عليه وقد نهاك الله أن تصلّي عليه ؟!
فقال : وأين ؟!
فقال : (
استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرّة فلن يغفر الله لهم ) .
قال : فإنّي سأزيد على سبعين .
فأنزل الله عزّ وجلّ : (
ولا تصلِّ على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره ) .. الآية ; فأرسل إلى عمر فأخبره بذلك ، وأنزل الله : (
سواءٌ
ــــــــــــــــ

(1) سورة التوبة ( براءة ) 9 : 80 .
(2) الدرّ المنثور 3 / 266 .

(98)

عليهم أستغفرتَ لهم أم لم تستغفر لهم ) (1) » (2) .
وأخرج رواية أُخرى : « أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كفّنه في قميصه ; فنزلت الآية ، قال : فذكروا القميص ، قال : وما يغني عنه قميصي ؟ والله إنّي لأرجو أن يسلم به ألف من بني الخزرج ; فأنزل الله : (
ولا تعجبْك أموالُهم وأولادُهم ) (3) .. الآية » (4) .
وأخرج السيوطي في ذيل الآيات السابقة على آية : (
لا تصلِّ على أحد ) في قوله تعالى : (
استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرّة فلن يغفر الله لهم ذلك بأنّهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين ) : « عن أحمد ، والبخاري ، والترمذي ، والنسائي ، وابن أبي حاتم ، والنحّاس ، وابن حبّان ، وابن مردويه ، وأبو نعيم في
الحلية ، عن ابن عبّـاس ، قال : سمعت عمر يقول : لمّا توفّي عبـد الله بن أُبي دُعي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) للصلاة عليه ، فقام عليه ، فلمّا وقف قلت : أعلى عدوّ الله عبـد الله بن أُبي القائل كذا وكذا ، والقائل كذا وكذا ؟! أُعدّد أيّامه ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يبتسم ..
حتّى إذا أكثرت قال : يا عمر ! أخّر عنّي ، إنّي قد خيّرت ; قد قيل لي : (
استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرّة ) ، فلو أعلم أنّي إن زدت على السبعين غفر له لزدت عليها .
ثمّ صلّى عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومشى معه حتّى قام على قبره ، حتّى
ــــــــــــــــ

(1) سورة المنافقون 63 : 6 .
(2) الدرّ المنثور 3 / 266 ، الطبعة القديمة .
(3) سورة التوبة ( براءة ) 9 : 85 .
(4) الدرّ المنثور 3 / 266 ، الطبعة القديمة .

(99)

فرغ منه ، فعجبت لي ولجرأتي على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والله ورسوله أعلم .
فوالله ما كان يسيراً حتّى نزلت هاتان الآيتان : (
ولا تصلِّ على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره ) فما صلّى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على منافق بعده حتّى قبضـه الله عزّ وجلّ » (1) .
وأخرج السيوطي أيضاً : « عن ابن أبي حاتم ، عن الشعبي : أنّ عمر ابن الخطّاب قال : لقد أصبت في الإسلام هفوة ما أصبت مثلها قطّ ، أراد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يصلّي على عبـد الله بن أُبي فأخذت بثوبه فقلت : والله ما أمرك الله بهذا ، لقد قال الله : (
استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرّة فلن يغفر الله لهم ) .
فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : قد خيّرني ربّي .
فقعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على شفير القبر ، فجعل الناس يقولون لابنه : يا حبّاب ! افعل كذا ، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : الحبّاب اسم شيطان ، أنت عبـد الله » (2) .
وحكى السيوطي عن السدي : أنّ الآية نسخت الصلاة على المنافقين والقيام على قبورهم (3) .

تدافع مضامين رواياتهم :
والروايات المزبورة لا تخلو من تقاطعات داخلية في المضمون ، بغضّ النظر عن عرضها على محكمات الكتاب والسُـنّة :
ــــــــــــــــ

(1) الدرّ المنثور ، في ذيل الآيات المذكورة .
(2) الدرّ المنثور 3 / 266 .
(3) الدرّ المنثور ، في ذيل الآيات المذكورة في المتن .

(100)

* الأوّل :
دعوى عمر سبق النهي الإلهي عن الصلاة على المنافقين جهالةٌ ممّن تمسّك بمتشابه ; ليعترض به على ما هو برهان بيّن ومحكم مبين ; لأنّ دلالة التسوية بين الاستغفار وعدمه ـ في الآية ـ على الحرمة ، ثمّ على انطباقها على فعل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، تتوقّف على مقدّمات ، وهذه المقد ّمات كلّها غير تامّة ، بل ظنّية متشابـهة ..
1 ـ استفادة الحرمة من مجرّد التسوية محلّ نظر ومنع ; فإنّه إخبار عن اللَغويّة وعدم الثمرة ، لا ثبوت المفسدة والحزازة .
نعم ، قد جاءت في آيات أُخرى وردت في النهي عن الاستغفار للكافرين المعادين لله تعالى ، نزلت في ما بعد ذلك .
2 ـ إنّما تتحقّق اللَغويّة وعدم الجدوائيّة من الاستغفار فيما إذا كان الاستغفار مراداً بجدّية من الكلام ، وليس إذا كان مجرّد استعمال لفظي لا يراد معناه بالإرادة الجدّية ، بل يراد منه أمراً آخر ، كما في بعض تلك الروايات المتضـمّنة : « وما يُغني عنه قميصي ، والله إنّي لأرجو أن يسلم به أكثر من ألف من بني الخزرج » ; فهو ليس باستغفار حقيقي ، بل صوري يراد به أمراً آخر ..
ومضمون هذه الرواية يناقض ويكذّب دعوى نزول النهي عن الصلاة على موتى المنافقين لنسخ ما كان يفعله (صلى الله عليه وآله وسلم) ; لأنّ الاستغفار الصوري ليس صلاةً عليهم .
3 ـ إنّ إيقاع هيئـة الصلاة على المنافـق لا تستلزم الدعاء لـه والاستغفار ، بل بالإمكان تضمّنها الدعاء على المنافق ولعنه في تلك

(101)

الصلاة ; فتكون متضمّنة لكلّ من : التشهّد ، الصلاة على النبيّ وآله ، الدعاء للمؤمنين ، ثمّ الدعاء على المنافق ولعنه .
أو بالإمكان الاقتصار على التشهّد ، والصلاة على النبيّ وآله ، والدعاء للمؤمنين فقط ، وإنهاء الصلاة بذلك ، والدعاء للمؤمنين لا يشمل المنافق ; لعدم تحقّق الوصف ، فلا ينطبق عليه كي يكون دعاءً له واستغفاراً ..
ففقه صلاة الجنازة لا يستلزم ولا يتضمّن بالضرورة الدعاء والاستغفار للميّت إذا كان منافقاً .
وهذه الهيئة من الصلاة على المنافق لم يتركها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى آخر حياته ، كما جاء في روايات أهل البيت (عليهم السلام) ، وهم أدرى بما في البيت ، ممّا يعطي أنّ مفاد قوله تعالى : (
لا تصلِّ على أحد منهم مات أبـداً ولا تقـم على قـبره ) هـو النهي عن الدعاء للمنافق والاستغفار له ، لا عن إقامة الصلاة عند جنازة المنافق خاليةً من الدعاء والاستغفار له ، متضمّنةً للتشهّد ، والدعاء للنبيّ وآله بالصلاة عليه وعليهم ، والدعاء للمؤمنين ، وهو غير شامل له ، فضلاً عمّا لو ضمّ إلى ذلك : الدعاء عليه ولعنه ..
وسيأتي استعراض روايات أهل بيت الطهارة والعصمة (عليهم السلام) في حقيقة هذه الواقعة .

عضال في مسألة معرفيّة :
فمع هذا الوصف من المقدّمات والجهات اللازم العلم والإحاطة بها ، كيف تسنّى لعمر مواجهة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، لا سيّما بهذا النحو من الرعونة والجلافة ؟!

(102)

والطامّة الكبرى ، تحكيمه فهمه القاصر الظنّي بمتشابهات على هدي نبي الله الوحياني ..
والمصيبة العظمى أنّ هذا ليس موقف عمر وحده ، بل موقف جمهور علماء أهل سُـنّة الجماعة والخلافة ; فإنّهم يقفون تجاه هذه الواقعة موقف المخطّئ لنبيّ الله تعالى ، وأنّ الآية ناسخة لما فعله (صلى الله عليه وآله وسلم) ورادعة ، وأنّ الوحي طابق موقف عمر !
فهم يسوّغون لأنفسهم التمسّك بظواهر الكتاب حسب فهمهم ; للردّ على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، بل والإنكار عليه والجرأة على مقامه ، وهذا يجعل لاجتهاد المجتهد وفقاهة الفقيه حجّية أعظم من حجّية صاحب الرسالة ، وهو سـيّد الرسل ، وهو نظير ما تبنّته اليهود في موقفها مع النبيّ موسى (عليه السلام)من الإنكار عليه .
وعلى هذا الأساس فهم يحكّمون ظواهر الآيات القرآنيّة ـ وإن لم تصل دلالتها إلى درجة القطع واليقين ـ على محكمات وقطعيّات السُـنّة النبويّة ، وهو من تحكيم المتشابه على المحكم .
فالكتاب الكريم قد تضمّن : اقتران طاعة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بطاعة الله تعالى في جميع آياته .
والنهي عن التقدّم بين يدي الله ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) .
والأمر باتّباع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، واتخاذه أُسوة حسنة .
والأمر بالأخذ بما أتانا ، والترك لما نهانا (صلى الله عليه وآله وسلم) .
ونفي الضلال والغواية عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) .
والمدح لخُلُقه (صلى الله عليه وآله وسلم) ; (
وإنّك لعلى خلق عظيم ) (1) .

ــــــــــــــــ

(1) سورة القلم 68 : 4 .

(103)

وأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أُرسل رحمةً للعالمين : (
ما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين ) (1) .
وأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يعمل ولا ينطق إلاّ عن وحي ، إمّا تسديدي ، أو تأييدي ، أو توفيقي ، أو تكليمي ، أو إيحائي ، أو غيرها من طرق وأنواع الوحـي .
وأنّ الأُمّة لا يمكنها أن تستغني عن استغفاره وشفاعته (صلى الله عليه وآله وسلم) ; فالله تعالى لا يغفر لهذه الأُمّة ذنباً إلاّ بالتوسّل بالنبيّ والالتجاء إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وإلاّ بعد شفاعته ; قال تعالى : (
ولو أنّهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توّاباً رحيماً ) (2) ..
فاشترط سبحانه مجيئهم للنبيّ أوّلاً ، وهو توسّلهم به ، ثمّ استغفارهم ، وهو ندمهم ، وليس ذلك بمجرّده توبة ، بل لا بدّ من استغفار الرسول لهم ، وهو شفاعته (صلى الله عليه وآله وسلم) لأُمّته ; كي يتوب الباري تعالى على هذه الأُمّـة .
وقـد تقـدّم دلالة : (
وما ينطق عن الهوى * إن هو إلاّ وحي يوحـى ) (3) على أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) كتلة ملؤها الوحي سيرةً وقولاً وفعلاً وتقريراً ; (
إن هو ) : أي بتمام وجوده ، والضمير عائد إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بمقتضى السياق والجمل .
وأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) سـيّد الأنبياء ; إذ لم يُبعث نبيّاً منهم بالنبوّة إلاّ بعد أخذ الميثاق عليه بالإقرار بنبوّة سـيّد الأنبياء ، والالتزام بنصرته ، وغلّظ على الأنبياء الإصر بالوفاء بهذا الالتزام : (
وإذ أخذ الله ميثاق النبيّين لَما آتيتكم

ــــــــــــــــ

(1) سورة الأنبياء 21 : 107 .
(2) سورة النساء 4 : 64 .
(3) سورة النجم 53 : 3 و 4 .

(104)

من كتاب وحكمة ثمّ جاءكم رسول مصدّق لِما معكم لَتؤمنُنّ به ولَتنصرُنّه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين ) (1) ..
وغيرها من المقامات العظيمة .
فمع كلّ هذا ; كيف تمنّيهم عقولهم وأنفسهم أن يحكّموا أفهامهم الظنّية القاصـرة على حكم الرسـول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟!
وهذا الذي سوّلت لهم أنفسهم به قد جرّأهم ـ في ما بعد ـ على التمرّد على النصّ النبويّ في جملة من المنعطفات الخطيرة في مسيرة إرساء قواعد الدين .

* الثاني :
إذا كان الوحي الإلهي في قوله تعالى : (
ولا تصلِّ على أحد منهم )مخطّئاً لفعل النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، والعياذ بالله تعالى ، ومقرّراً للتمرّد والعصيان عليه ومخالفته (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فكيف يقول عمر : ( لقد أصبت في الإسلام هفوة ما أصبت مثلها قطّ ; أراد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يصلّي ... ) ؟!
فإذا كان هو الراوي للواقعة والحادثة ، ويزعم نزول الآية في تقريره على ما فعله مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فكيف تكون هذه هفوة ما أصاب مثلها قطّ في الإسلام ؟!
وكيف يجعلونها منقبة له ، وهم يروون أنّه أخذ بثوب النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وتكلّم بتلك الكلمات التي نصبت منه شخصاً يدين مقام الوحي النبويّ ويحاكمه والعياذ بالله ؟!

ــــــــــــــــ

(1) سورة آل عمران 3 : 81 .

(105)

لكنّ هذا الحدث هل كان هو الوحيد الذي وقفه عمر مع النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أم هناك مواقف أُخرى ؟!
بل له مواقف أُخرى عديدة ..

* منها : ما ورد في أسباب نزول أوّل سورة الحجرات :
وهو ما رووه في نزول قوله تعالى : (
يا أيّها الّذين آمنوا لا تقدّموا بين يدي الله ورسوله واتّقوا الله إنّ الله سميع عليم * يا أيّها الّذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبيّ ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبَط أعمالُكم وأنتم لا تشعرون * إنّ الّذين يغضّون أصواتهم عند رسول الله أُولئك الّذين امتحن الله قلوبَهم للتقوى لهم مغفرةٌ وأجرٌ عظيم ) (1) .
فقد جعلوا التقديم بين يدي الله ورسوله في مواطن كثيرة لعمر منقبةً وحميّة للدين ، كما جعلوا التكلّم مع النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بخشونة وجفاء تقوىً عالية ..
ذكر السـيوطي في
الدرّ المنـثور ـ في ذيل الآية ـ : « أخرج البخاري ، وابن المنـذر ، وابن مردويـه ، عن عبـد الله بن الزبير ، قال : قدم ركب من بني تميم على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقال أبو بكر : أمّر القعقاع بن معبد . وقال عمر : أمّر الأقرع بن حابس . فقال أبو بكر : ما أردت إلاّ خلافي . فقال عمر : ما أردت خلافك . فتماريا حتّى ارتفعت أصواتهما ، فأنزل الله تعالى : (
يا أيّها الّذين آمنوا لا تقدّموا بين يدي الله ورسوله ) ، حتّى انقضت الآيـة » .

ــــــــــــــــ

(1) سورة الحجرات 49 : 1 ـ 3 .

(106)

وهذا يعكس جانباً من المستوى الخلقي والدوافع والنوايا التي كانا يتمتّعان بها .
وقال : « أخرج البخاري ، وابن المنذر ، والطبراني ، عن ابن أبي مليكة ، قال : كاد الخيّران أن يهلكا ، أبو بكر وعمر ، رفعا أصواتهما عند النبيّ صلّى الله عليه وآله [ وسلّم حين قدم عليه ركب بني تميم ، فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس ، وأشار الآخر برجل آخر ، فقال أبو بكر لعمر : ما أردت إلاّ خلافي . قال : ما أردت خلافك . فارتفـعت أصواتهما في ذلك ، فأنزل الله تعالى : (
يا أيّـها الّذيـن آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبيّ ... ) .. الآيـة .
قال ابن الزبير : فما كان عمر يُسْـمِع رسـول الله صلّى الله عليه وآله [وسلّم بعد هذه الآية حتّى يسـتفهمه » (1) .

أقـول :
أخطأ ابن الزبير في قوله هذا ; فإنّه في صلح الحديبية قد قام بأعنف من ذلك جفاءً ورعونةً مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وتشدّد في المخالفة بالكلمات الغليظة ، كما سيأتي استعراضها ..
بل في آخر أيّام الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) المباركة ، عندما أراد أن يكتب للأُمّة كتاباً لا تضلّ بعده ، قال مقولته المرويّة عندهم : ( إنّ الرجل ليهجر ) ، وأثار اللغط في محضـر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) .
وقال السيوطي : « وأخرجه الترمذي من طريق ابن أبي مليكة ; قال : حدّثني عبـد الله بن الزبير به .

ــــــــــــــــ

(1) الدرّ المنـثور 6 / 84 .

(107)

وأخرج ابن جرير والطبراني من طريق ابن مليكة ، عن عبـد الله بن الزبير : أنّ الأقرع بن حابس ... وذكر قريباً من ألفاظ الرواية السابقة .
وحكى عن مجاهد في قوله : (
لا تقدّموا بين يدي الله ورسوله ) ; قال : لا تفتاتوا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بشيء حتّى يقضي الله على لسانه .
وحكى عنه في قوله : (
ولا تجهروا له بالقول ) .. الآية ، قال : لا تنادوه نداءً ، ولكن قولوا قولاً ليّناً : يا رسـول الله ! » (1) .

أقـول :
فإذا كان رفع الصوت يحبط الله تعالى به جميع أعمال الإنسان ، حتّى إيمانه الذي هو أُمّ أعماله ; لِما في رفع الصوت من غلظة وجفاء وخشونة وجلافة ، فكيف بالاعتراض والإدانة والاستنكار والعياذ بالله تعالى ؟!
بل والتطاول باليد بجرّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من ثوبه ؟!
ويجعلون ذلك منقبة تنزل الآية بتصديقها !!

* ومنها : ما ورد في أحداث صلح الحديبية :
فقد روى السيوطي في
الدرّ المنثور ، قال : « وأخرج عبـد الرزّاق ، وأحمد ، وعبـد بن حميد ، والبخاري ، وأبو داود ، والنسائي ، وابن جرير ، وابن المنذر ، عن المسـوّر بن مخرمة ومروان بن الحكم ، قالا : خرج رسـول الله صلّى الله عليه وآله [ وسلّم زمن الحديبية ...» .
ثمّ ذكر الأحداث التي جرت في الحديبية ، وصلح الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) مع قريش ..

ــــــــــــــــ

(1) الدرّ المنـثور 6 / 84 .

(108)

ثمّ قال : « فقال عمر بن الخطّاب : والله ما شككت منذ أسلمت ، إلاّ يومئذ ; فأتيت النبيّ صلّى الله عليه وآله [ وسلّم فقلت : ألست نبيّ الله ؟!
قال : بلى .
فقلت : ألسنا على الحقّ وعدوّنا على الباطل ؟!
قال : بلى .
قلت : فلِمَ نعطي الدنية في ديننا إذن ؟!
قال : إنّي رسول الله ولست أعصيه ، وهو ناصري .
قلت : أوَ ليس كنت تحدّثنا أنّا سنأتي البيت ونطّوف به ؟!
قال : بلى ; أفأخبرتك أنّك تأتيه العام ؟!
قلت : لا .
قال : فإنّك آتيه ومطّوف به .
فأتيت أبا بكر ، فقلت : يا أبا بكر ! أليس هذا نبيّ الله حقّاً ؟!
قال : بلى .
قلت : ألسنا على الحقّ وعدوّنا على الباطل ؟!
قال : بلى .
قلت : فلِمَ نعطي الدنية في ديننا إذن ؟!
قال : أيّها الرجل ! إنّه رسول الله وليس يعصي ربّه ، وهو ناصره ، فاستمسكْ بغرزه تفزْ حتّى تموت ، فوالله إنّه لعلى الحقّ .
قلت : أوَ ليس كان يحدّثنا أنّا سنأتي البيت ونطّوف به ؟!
قال : بلى ; أفأخبَرك أنّك تأتيه العام ؟!
قلت : لا .
قال : فإنّك آتيه ومطّوف به .

(109)

قال عمر : فعملت لذلك أعمالاً !!
فلمّا فرغ من قضيّة الكتاب قال رسـول الله صلّى الله عليه وآله [وسلّم لأصحابه : قوموا فانحروا ثمّ احلقوا . فوالله ما قام رجل منهم حتّى قال ذلك ثلاث مرّات ، فلمّا لم يقم منهم أحد قام فدخل على أُمّ سلمة ، فذكر لها ما لقي من الناس » (1) .
أقـول :
هذه المخالفة أُخت مثيلاتها ، وإنّ ما يدركه ويفهمه من قواعد الدين حجّيته فوق حجّية نبيّ الله تعالى ، وإنّه متردّد في أنّ النبيّ على الحقّ أو لا ، وليس هذا موقـفه فقط ، بل هذا ما يرسـمه أهل سُنّة جماعة الخلافة والسلطان لأنفسهم ، ولا يزالون يصحّحون تلك المواقف ، بل جعلوه منهجاً وقاعدة تحت ذريعة أنّ أحكام النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) اجتهادات قد لا تصيب الواقع والحقيقة .
ولم يكتف عمر بذلك ، بل عبّأ عصياناً عامّاً لدى المسلمين على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، تحت شعار : ( لا نقبل الدنية في ديننا ) ، وإنّ هذا الشعار هو من المحكمات التي يحكمها على نبيّ الله تعالى .
روى السيوطي ـ أيضاً ـ في سورة الفتح ، قال : « وأخرج ابن أبي شيبة ، وأحمد ، والبخاري في
تاريخه ، وأبو داود ، وابن جرير ، والطبراني ، وابن مردويه ، والبيهقي في
الدلائل ، عن ابن مسعود ، قال : أقبلنا من الحديبيّة مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فبينا نحن نسير إذ أتاه الوحي ، وكان إذا أتاه اشتدّ عليه ، فسرى عنه وبه من السرور ما شاء الله ، فأخبرنا أنّه أنزل عليه :

ــــــــــــــــ

(1) الدرّ االمنـثور 6 / 76 ـ 77 .

(110)

(إنّا فتحنا لك فتحاً مبيناً ) (1) ، قال : الحديبيّة » .
وقال : « وأخرج البيهقي عن عروة ، قال : أقبل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من الحديبيّة راجعاً ، فقال رجل من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : والله ما هذا بفتح ! لقد صُددنا عن البيت ، وصُدّ هدْينا .
وعكف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالحديبيّة ، وردّ رجلين من المسلمين خرجا ، فبلغ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قول رجال من أصحابه : ( إنّ هذا ليس بفتح ) ، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : بئس الكلام ، هذا أعظم الفتح ; لقد رضي المشركون أن يدفعوكم بالراح عن بلادهم ، ويسألوكم القضيّة ويرغبون إليكم في الإياب ، وقد كرهوا منكم ما كرهوا ، وقد أظفركم الله عليهم وردّكم سالمين غانمين مأجورين ، فهذا أعظم الفتح ..
أنسيتم يوم أُحد ، إذ تُصعدون ولا تلوون على أحد ، وأنا أدعوكم في أُخراكم ؟!
أنسيتم يوم الأحزاب ، إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم ، وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر ، وتظنّون بالله الظنونا ؟!
قال المسلمون : صدق الله ورسوله ، هو أعظم الفتوح ، والله يا نبيّ الله ، ما فكّرنا في ما فكّرت فيه ، ولأنت أعلم بالله وبالأُمور منّا .
فأنزل الله سورة الفتح » (2) .

أقـول :
تذكير النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) للصحابة المتمرّدين عليه بـ : فرارهم في يوم

ــــــــــــــــ

(1) سورة الفتح 48 : 1 .
(2) الدرّ المنـثور 6 / 68 .

(111)

أُحد ، وجُبْنهم في الأحزاب ، وظنّهم بالله الظنون السيّئة ، وطعنهم عليه وعلى حقانيّة فعله في الحديبيّة ، وجرأتهم بألْسِـنتهم وأفعالهم ; يشير إلى قوله تعالى : (
قد يعلم الله المعوّقين منكم والقائلين لإخوانهم هلمّ إلينا ولا يأتون البأس إلاّ قليلاً * أشحّةً عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يُغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألْسِنة حِداد أشحّةً على الخير أُولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيراً ) (1) .
وذكر أيضاً رواية أُخرى ، فيها : أنّ دخول الناس في الإسلام عقب صلح الحديبيّة كان أكثر ممّا دخل فيه من قبل .
فيلاحظ أنّ عمر استمرّ في إنكاره لفعل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، الذي هو بوحي منه تعالى ، وأنكر أن يكون هذا فتحاً ، واستدلّ على ذلك بما توصّل إليه اجتهاده الظنّي ، الذي جزم به في قبال الوحي النبويّ ، بل وتسبّب في جرأة بقيّة الصحابة على إنكار كون الصلح فتحاً ، وكلّ تبريرهم وعذرهم أنّهم : « ما توصّل فكرهم إلى ما فكّر فيه رسـول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) » !!
فهم ينظرون إلى الأمر بأنّهم يفكّرون ورسـول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يفكّر أيضاً ، لا أنّه تجسيد للوحي الإلهي ، فيجتهدون ويجتهد ، ولهم أن يأخذوا برأيهم ويردّون على نبيّ الله تعالى ; وفتح هذا الباب يسوّغ ويبرّر لهم المخالفة لأوامر وأفعال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) .

* ومنها : التخلّف عن جيش أُسامة :
فقد ورد تخلّفه وآخرين عن هذا الجيش ، الذي أمر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)

ــــــــــــــــ

(1) سورة الأحزاب 33 : 18 ـ 19 .

(112)

في آخر أيّام حياته المباركة بتجهيزه ، ولعَن مَن تخلّف عنه (1) .

* ومنها : موقفه في أيام الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)
الأخيرة :
وهو : منعه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في مرضـه الذي توفّي فيه ـ في حديث الكتف والدواة ـ من كتابة الكتاب ، وقوله : ( إنّ الرجل ليهجر ) ، وهذه الفظاظة والشقاق والجسارة والجرأة هي هي التي شوهدت منه وسُجّلت له في مواقف عديدة مع النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ..
فقد أخرج البخاري في
صحـيحه ، بسنده إلى ابن عبّـاس ، قال : « لمّا حضر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطّاب ، قال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) : هلمّ أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده .
فقال عمر : إنّ النبيّ قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن ، حسبنا كتاب الله . فاختلف أهل البيت (2) فاختصموا ، منهم مَن يقول ما قال عمر ، فلمّا أكثروا اللغو والاختلاف عند النبيّ ، قال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : قوموا عنّي .
قال عبيد الله بن عبـد الله بن مسعود : فكان ابن عبّـاس يقول : إنّ الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب ، من اختلافهم ولغطهم (3) .

ــــــــــــــــ

(1) المواقف 3 / 650 ، السيرة الحلبيّة 3 / 207 ، الكامل في التاريخ 2 / 215 ، الملل والنحل ـ للشهرستاني ـ 1 / 23 ، شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ 1 / 53 .
(2) أي : الرجال الّذين كانوا حاضرين في البيت .
(3) صحيح البخاري 7 / 9 كتاب المرضى ـ باب : قول المريض : قوموا عنّي ، وأخرجه أيضاً في 8 / 161 كتاب الاعتصام بالكتاب والسُـنّة ـ باب : كراهية الخلاف .

(113)

وأخرجـه مسـلم (1) ، وأحـمد بن حنبل في
مسـنده (2) ، وغيرهم .
واللفظة كما رواها البخاري نفسه في موضع آخر من
صحيحه ، بسنده إلى ابن عبّـاس ، أنّه قال : « يوم الخميس وما يوم الخميس . ثمّ بكى حتّى خضّب دمعه الحصباء ، فقال : اشتدّ برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وجعه يوم الخميس ، فقال : ائتوني بكتاب ، أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً .
فتنازعوا ، ولا ينبغي عند نبيّ تنازع ، فقالوا : هجر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) .
قال (صلى الله عليه وآله وسلم) : دعوني ، فالذي أنا فيه خير ممّا تدعوني إليه » (3) .
وأخرجه مسلم أيضاً بلفظ : « فقالوا : إنّ رسول الله يهجر » (4) ، وأحمد أيضاً في
مسـنده (5) ، وغيرها من مصادر وكتب السير والحديث .
فما أشبه موقف عمر وموقف جماعة من الصحابة بمواقفهم في الحديبيّة ، وغيرها من المواطن ؟!
ولم يفتأ هذا موقفهم مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ; فإذا كان رفع الصوت عند النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) يحبط الأعمال كلّها ، فكيف بالتطاول بهذا الطعن الهتيك لحرمة النبوّة ؟!
إنّ هذا ليدلّ على استخفاف عظيم بمقام الرسالة ; وقد قال تعالى : (
فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يُغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألْسِنة حِداد أشحّةً على الخير أُولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم ) .

ــــــــــــــــ

(1) صحيح مسلم 5 / 75 كتاب الوصايا .
(2) مسند أحمد بن حنبل 4 / 356 ح 2992 .
(3) صحيح البخاري : كتاب الجهاد ـ باب : جوائز الوفد .
(4) صحيح مسلم 2 / 16 كتاب الوصيّة ـ باب : ترك الوصيّة .
(5) مسند أحمد 1 / 222 ، و 3 / 286 ح 1935 ، و 5 / 45 ح 3111 و ح 3336 .

(114)

هذه صفة التسليم والطاعة لديهم ، ونعت المخبتين ، ويفسّرون ذلك بأنّه اجتهاد في مقابل اجتهاد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) والعياذ بالله تعالى .

* الثالث :
إسنادهم وتوصيفهم للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ الذي نصّبه الله تعالى معلِّماً للأنبياء والرسل والأُمم ، وشاهداً عليهم ، ويعلّم الكتاب والحكمة ـ إنّه يزيد على السبعين ليغفر الله للمنافقين ; لعدم وضوح معنى الآية : ( استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرّة فلن يغفر الله لهم ) ، بينما المعنى واضح لدى عمر ، الذي قال عن نفسه ما قال من أفقهيّة المرأة منه في القصّة المعروفة (1) .
فلماذا هذا التطاول على مقام النبوّة والرسالة ، وهي أصل من أُصول الدين الحنيف ، والغلوّ في بعض الصحابة إلى ما فوق النبوّة ، تحت قناع عدالة الصحابة ؟!
وما هذه النظرة والرؤية الساقطة المنحدرة في معرفة النبوّة ، والباري تعالى يقول : (
واعلموا أنّ فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتّم ولكنّ الله حبّب إليكم الإيمان وزيّنه في قلوبكم وكرّه إليكم الكفر والفسـوق ) (2) ; فإنّ الأُمّة لو تركها النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بلا تدبير فسبيلها الشقاء والعنت .
مع أنّ الذي افتروه على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) من إرادته الزيادة على السبعين في الاستغفار ، يناقضه ما رووه : « فلو أعلم أنّي إن زدت على السبعين » ;

ــــــــــــــــ

(1) لاحظ مصادرها في : الغدير ـ للأميني ـ 6 / 95 ـ 98 ، ط دار الكتب الإسلاميّة .
(2) سورة الحجرات 49 : 7 .

(115)

فهو يفيد العلم بعدم مغفرته تعالى للمنافقين مطلقاً ، فالراوي لهذه الصورة من الحدث وقع في تهافت ، وهذا سبيل المجانب للحقيقة ، المتّخذ للزيف نهجاً !
ثمّ إنّهم زعموا ـ في هذه الروايات ـ أنّ الآية في سورة المنافقين نزلت بعد قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : « لأزيدنّ على السبعين » ، فنزلت : (
سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم ) ، وأيّ فرق في المعنى بين الآيتين عند مَن له أدنى فهم بالكلام والمحاورة واللغة العربيّة ؟!
فيا لله ولهذا الإسفاف والجرأة على النبوّة والرسالة !
كلّ ذلك إنّما لجؤوا إليه وإن لزم الدواهي العظام ; لتبييض الهفوة الطامّة التي طالما مارسها الثاني تجاه مقام النبوّة .

* الرابع :
ما أشار إليه غير واحد من أهل التدبّر والنظر : أنّ آية (
ولا تصلِّ على أحد منهم ) كانت في الآيات النازلة في سفر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في غزوة تبوك ، وهذه الغزوة كانت في رجب سنة تسع للهجرة (1) ، وكان موت عبـد الله بن أُبي في ذي القعدة من سنة تسع للهجرة (2) ; فكيف ورد العكس في رواياتهم المزعومة ، من تقدّم صلاته (صلى الله عليه وآله وسلم) على ابن أُبي على نزول الآية ؟!!
والذي يفضح ويكشف الزيف على حقيقة الأمر في ذلك أنّ جلّ

ــــــــــــــــ

(1) تاريخ الطبري 2 / 366 ، السيرة النبويّة ـ لابن كثير ـ 4 / 3 .
(2) المنتظم 3 / 377 ; وانظر : البداية والنهاية ـ لابن كثير ـ 5 / 47 ، الكامل في التاريخ 2 / 291 .

(116)

تلك الروايات المحكية قد تضمّنت قول عمر : « ألم ينهك الله أن تصلّي على المنافقين .. » ، ممّا يدلّل على تقدّم نزول : (
ولا تُصَلِّ عَلى أحَد مِنْهُم ماتَ أبَداً ) على شطّة عمر على المقام النبويّ ، إلاّ أنّه لتغطية ذلك أخذ يدّعي استظهار النهي من لغويّة الاستغفار ..
فإذا كان المنهي عنه خصوص الاستغفار ، فما بال كلّ الصلاة يُنهى عنها في زعم عمر ، وهلاّ كان المراد من النهي هو خصوص الدعاء والاستغفار للميّت دون بقيّة فقرات الصلاة ؟!
وأمّا الذي في روايات أهل البيت (عليهم السلام) ، وحقيقة ما كان من سـيرته (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وفقه الآية عندهم (عليهم السلام) ، فهو :
إنّ المراد بقوله تعالى : (
ولا تُصَلِّ عَلى أحَد مِنْهُم ماتَ أبَداً ولا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ ) ، هو : عدم الدعاء للمنافق ، وعدم الاستغفار له ، وعدم التشفّع له ، فالنهي هو عن ذلك خاصّـة ; لأنّ حقيقة الصلاة على الميّت هي : الدعاء له ، والاستغفار ، والتشفّع له ، إذ ليست هي صلاة ذات ركوع وسجـود .
وعلى ذلك ، فليس المنهيّ عنه هو صورة إقامة صلاة الميّت عند جنازة المنافق في فقرات الصلاة الأُولى ، ممّا يشتمل على التكبيرات الأُولى ، والإقرار بالشهادتين ، والصلاة على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وآله ، والدعاء للمؤمنين ; لأنّ هذه الفقرات لا صلة لها بالميّت والجنازة ، وهي فقط ذكر لله تعالى وإقرار له بالربوبيّة ، وللرسول بالرسالة ، ودعاء للنبيّ وآله ، ثمّ للمؤمنين ..
بل الذي نُهي (صلى الله عليه وآله وسلم) عنه هو : الفقرة الأخيرة من الصلاة ، التي ترتبط بالميّت نفسه ، وتتضمّن الشهادة له بالصلاح والخير ، والدعاء والاستغفار

(117)

له ; ولهذا صار (صلى الله عليه وآله وسلم) يكبّر على جنازة المؤمن خمس تكبيرات ، وعلى جنازة المنافق أربع تكبيرات ، إلى آخر حياته الشريفة (صلى الله عليه وآله وسلم) .
ولم يقطع (صلى الله عليه وآله وسلم) إقامة الصلاة عند جنائز المنافقين ; بل ترك التكبيرة الخامسة فقط ; لأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يدعو للميّت في ما بين التكبيرة الرابعة والخامسة ويستغفر ويتشفّع له ، وهذا ما تركه (صلى الله عليه وآله وسلم) من صلاته على جنائز المنافقين ، مكتفياً بما بين التكبيرات الأربع ممّا لا صلة له بالميّت .
وإلى هذا المعنى تشير جملة من الروايات الواردة عن أهل بيت النبوّة (عليهم السلام) :
ففي موثّق يونس : قال : « سألت أبا عبـد الله (عليه السلام) عن الجنازة ، أُصلّي عليها على غير وضـوء ؟
فقال : نعم ، إنمّا هو تكبير وتسبيح وتحميد وتهليل » (1) .
وفي صحيح محمّـد بن مسلم : عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال : « تصلّي على الجنازة في كلّ ساعة ، إنّها ليست بصلاة ركوع وسجـود » (2) .
وفي معتبرة الفضل بن شاذان : عن الرضا (عليه السلام) ، قال : « إنّما جوّزنا الصلاة على الميّت بغير وضوء ; لأنّه ليس فيها ركوع ولا سجود ، وإنّما هي دعاء ومسألة ، وقد يجوز أن تدعو الله وتسأله على أيّ حال كنت » (3) .
وغيرها من الروايات التي تبيّن أنّ حقيقة صلاة الجنازة هي : الدعاء والاستغفار للميّت .
وبالتالي ، فالذي نُهي عنه في الآية هو تلك الفقرة من الصلاة عند

ــــــــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 3 / 89 ـ أبواب صلاة الجنازة ب 7 ح 2 .
(2) وسائل الشيعة 3 / 90 ـ أبواب صلاة الجنازة ب 8 ح 1 .
(3) وسائل الشيعة 3 / 111 ـ أبواب صلاة الجنازة ب 21 ح 7 .

(118)

الجنازة ، لا كلّ الفقرات .
وفي صحيح هشام بن سالم : عن أبي عبـد الله (عليه السلام) ، قال : « كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يكبّر على قوم خمساً ، وعلى قوم آخرين أربعاً ، فإذا كبّر على رجل أربعاً اتُّهم ـ يعني بالنفاق ـ » (1) .
وتركه (صلى الله عليه وآله وسلم) للتكبيرة الخامسة على المنافق هو لتركه (صلى الله عليه وآله وسلم) الدعاء والاستغفار للمنافق ، بخلاف المؤمن .
وفي رواية إبراهيم بن محمّـد بن حمران ، عن أبي عبـد الله (عليه السلام) ـ في حديث ـ قال : « كان يُعرف المؤمن والمنافق بتكبير رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، يكبّر على المؤمن خمساً وعلى المنافق أربعاً » (2) .
وغيرها من الروايات الدالّة على أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يترك إقامة الصلاة عند جنائز المنافقين ، وإنّما ترك الدعاء والاستغفار لهم ، وهو الذي نهى الله عنه ، وليس النهي في الآية عن الفقرات الأُولى في الصلاة ، ممّا هو ذكْر وتسبيح وتحميد ، ودعاء للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وآله ، وللمؤمنين .
قال المفيد في
المقنعة : « روي عن الصادقين (عليهم السلام) أنّهم قالوا : كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يصلّي على المؤمنين ويكبّر خمساً ، ويصلّي على أهل النفاق ... فيكبّر أربعاً ; فرقاً بينهم وبين أهل الإيمان ، وكانت الصحابة إذا رأته قد صلّى على ميّت فكبّر أربعاً قطعوا عليه بالنفاق » (3) .
ومن ثمّ استقرّ الحكم عند علماء الإماميّة على التفصيل المزبور في الصلاة على المؤمن وأنّها خمس تكبيرات ، والصلاة على غير المؤمن أنّها

ــــــــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 3 / 72 ـ أبواب صلاة الجنازة ب 5 ح 1 .
(2) وسائل الشيعة 3 / 77 ـ أبواب صلاة الجنازة ب 5 ح 18 .
(3) المقنعة : 38 .

(119)

أربع تكبيرات ; عملاً بالروايات الواردة ..
ففي رواية الحسين بن النضر ، قال : قال الرضا (عليه السلام) : « ما العلّة في التكبير على الميّت خمس تكبيرات ؟
قال : رووا أنّها اشتقّت من خمس صلوات .
فقال : هذا ظاهر الحديث ، فأمّا في وجه آخر فإنّ الله فرض على العباد خمس فرائض : الصلاة ، والزكاة ، والصوم ، والحجّ ، والولاية ، فجعل للميّت من كلّ فريضة تكبيرة واحدة ، فمَن قبِل الولاية كبّر خمساً ، ومَن لم يقبل الولاية كبّر أربعاً ، فمن أجل ذلك تكبّرون خمساً ، ومن خالفكم يكبّر أربعاً » (1) .
فالمؤمن حيث قَبِل ولاية الله ورسوله وآله يُكبّر عليه خمساً ، وغيره ممّن ينبذ الولاية يُكبّر عليه أربعاً .
ومن أجل ذلك ، يكون محصّل مفاد الآية هو : النهي عن الدعاء والاستغفار والتشفّع للميّت المنافق ، لا عن إقامة الصلاة عند جنازته بذكْر الله والدعاء للنبيّ وآله وللمؤمنين ، أي لا عن أصل صورة الصلاة ، ولذلك نهت الآية عن القيام على قبر المنافق ، أي عن الدعاء له والاستغفار ، كما هو الغرض المألوف من القيام عند قبره ، لا أنّ النهي حقيقة هو عن صورة القيام عند القبر وإن لم يدع ويستغفر له ، أو كان القيام عند قبره بالدعاء عليه واللعن له ، فإنّ هذا ممّا لا تنهى عنه الآية الكريمة .
وفي صحيح الحلبي ، عن أبي عبـد الله (عليه السلام) ، قال : «لمّا مات عبـد الله ابن أُبي بن سلول ، حضر النبيّ (صلى الله عليه وآله) جنازته ، فقال عمر : يا رسول الله ! ألم

ــــــــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 3 / 77 ـ أبواب صلاة الجنازة ب 5 ح 16 .

(120)

ينهك الله أن تقوم على قبره ؟! فسكت ، فقال : ألم ينهك الله أن تقوم على قبره ؟!
فقال له : ويلك ! وما يدريك ما قلت ؟! إنّي قلت : اللّهمّ احش جوفه ناراً ، واملأ قبره ناراً ، واصلِه ناراً ..
قال أبو عبـد الله (عليه السلام) : فأبدى من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما كان يكره » (1) .
وفـي جوابـه (صلى الله عليه وآله وسلم) بيان لعـدم انصـياع عمر وعدم انقياده لفعل رسـول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الناشئ من عدم إخباته لوحيانيّة سير وسلوك النـبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأنّه لا يضـلّ ولا يغوى ولا ينطق عن الهوى ، ومن عدم فقهه لحقيقة المراد من القرآن النازل ; فقد قال (صلى الله عليه وآله وسلم) : « وما يدريك ما قلت ؟! » ، أي أنّ الذي نهى الله تعالى عنه إنّما هو الدعاء والاستغفار للمنافق دون بقيّة فقرات الصلاة ، التي هي شعار ديني ، والذي دعا (صلى الله عليه وآله وسلم)به إنّما هو الدعاء على المنافق .
وفي
كتاب سليم بن قيس الهلالي : قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : « وهو ـ أي عمر ـ صاحب عبد الله بن أُبي بن سلول ; حين تقدّم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ليصلّي عليه ، فأخذ بثوبه من ورائه ، وقال : قد نهاك الله أن تصلّي عليه ، ولا يحلّ لك أن تصلّي عليه !
فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّما صلّيت عليه كرامةً لابنه ، وإنّى لأرجو أن يسلم به سبعون رجلاً من بني أبيه وأهل بيته ، وما يدريك ما قلت ؟! إنّما دعوت الله عليه » (2) .

ــــــــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 3 / 71 ـ أبواب صلاة الجنازة ب 4 ح 4 .
(2) كتاب سليم بن قيس : 143 ، بحار الأنوار 81 / 376 .

(121)

ومن الموارد الأُخرى المزايد بها بين عصمة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وعدالة الصحابة :

أُسارى بـدر
قال تعالى : (
ما كانَ لِنَبِيّ أن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا والله يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) (1) .
قال القرطبي في
تفسيره : « روى مسلم (2) من حديث عمر بن الخطّاب ... قال أبو زميل : قال ابن عبّـاس : فلمّا أسروا الأُسارى ، قال رسول الله لأبي بكر وعمر : ما ترون في هؤلاء الأُسارى ؟
فقال أبو بكر : يا نبيّ الله ! هم بنو العم والعشيرة ، أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون لنا قوّة على الكفّار ، فعسى الله أن يهديهم للإسلام .
فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : ما ترى يا ابن الخطّاب ؟
قلت : لا والله ! يا رسول الله ! ما أرى الذي رأى أبو بكر ، ولكنّي أرى أن تمكّنّا فنضرب أعناقهم ، فتمكّن عليّاً من عقيل فيضرب عنقه ، وتمكّنّي من فلان ( نسيباً لعمر ) فأضرب عنقه ; فإنّ هؤلاء أئمّة الكفر وصناديدها .
فهوى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما قال أبو بكر ، ولم يهو ما قلت ، فلمّا كان من الغد جئت ، فإذا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأبو بكر قاعدين يبكيان ، قلت :

ــــــــــــــــ

(1) سورة الأنفال 8 : 67 .
(2) صحيح مسلم : كتاب الجهاد ب 18 : باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر وإباحة الغنائم .

(122)

يا رسول الله ! أخبرني من أيّ شيء تبكي أنت وصاحبك ؟ فإن وجدت بكاء بكيت ، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما .
فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : أبكي للذي عرض عليّ أصحابك من أخذهم الفداء ، لقد عرض عليّ عذابهم أدنى هذه الشجرة ، ( شجرة قريبة من نبيّ الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ) ، وأنزل الله عزّ وجلّ : (
مَا كَانَ لِنَبِيّ أَن يَكونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأرْضِ ) ، إلى قوله : (
فَكُلُوا مِمّا غَنِمتُم حَلالاً طيّباً ) (1) ، فأحلّ الله الغنيمة لهم » (2) .
الرواية يرويها مسلم بإسناده عن ابن زميل ، عن عبـد الله بن عبّـاس ، عن عمر بن الخطّاب ; فالراوي للرواية هو عمر نفسه .
وروى مسلم أيضاً بإسناده عن ابن عمر ، قال : «قال عمر : وافقت ربّي في ثلاث : في مقام إبراهيم ، وفي الحجاب ، وفي أُسارى بدر » (3) .
قال القرطبي : « وروى يزيد بن هارون ، قال : أخبرنا يحيى ، قال : حدّثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن عمرو بن مرّة ، عن أبي عبيدة ، عن عبـد الله ، قال : لمّا كان يوم بدر ، جيء بالأُسارى وفيهم العبّـاس ، فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله [ وسلّم : ما ترون في هؤلاء الأُسارى ؟
فقال أبو بكر : يا رسول الله ! قومك وأهلك ، استبقهم لعلّ الله أن يتوب عليهم .
وقال عمر : كذّبوك وأخرجوك وقاتلوك ، قدّمهم واضرب أعناقهم .
وقال عبـد الله بن رواحة : انظر وادياً كثير الحطب فأضرمه عليهم .

ــــــــــــــــ

(1) سورة الأنفال 8 : 69 .
(2) الجامع لأحكام القرآن ـ للقرطبي ـ 8 / 46 .
(3) صحيح مسلم : كتاب فضائل الصحابة ب 2 ح 25 .

(123)

فقال أُناس : يُأخذ بقول أبي بكر . وقال أُناس : يُأخذ بقول عمر . وقال أُناس : يُأخذ بقول عبـد الله .
فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال : ... ومثلك يا عمر ! لمثل نوح (عليه السلام) ، إذ قال : (
رَّبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الْكافِرينَ دَيَّاراً ) (1) ، ومثلك يا عمر ! مثل موسـى (عليه السلام) ، إذ قال : (
رَبَّـنا اطْمِسْ عَلى أمْوَالِهِمْ واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنوا حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الاْليمَ ) (2) ، أنتم عالة ، فلا ينفلتنّ أحد إلاّ بفداء أو ضربة عنق ...
وفي رواية : فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : إن كادَ ليصيبنا في خلاف ابن الخطاب عذاب ، ولو نزل عذاب ما أفلت إلاّ عمر .
وروى أبو داود عن عمر ، قال : لمّا كان يوم بدر ، وأخذ ـ يعني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ الفداء ، أنزل الله عزّ وجلّ : (
ما كانَ لِنَبِيّ أَن يَكونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأرْضِ ) ، إلى قوله : (
لَمَسَّكُمْ فيما أَخَذْتُمْ ـ من الفداء ـ
عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (3) ، ثمّ أحلّ الغنائم » (4) .
إلى أن قال القرطبي : « فأعلم الله سبحانه وتعالى أنّ قتل الأسرى الّذين فودوا ببدر كان أوْلى من فدائهم » (5) .
ثمّ حكى القرطبي عن ابن عبّـاس : أنّ قوله تعالى : (
فَإمَّا مَنّاً بَعْدُ وإمّا فِدَاءً ) (6) ، نزلت لمّا كثر المسلمون واشتدّ سلطانهم ، لكنّه أشكل

ــــــــــــــــ

(1) سورة نُوح 71 : 26 .
(2) سورة يونس 10 : 88 .
(3) سورة الأنفال 8 : 68 .
(4) الجامع لأحكام القرآن 8 / 46 ـ 47 .
(5) الجامع لأحكام القرآن 8 / 48 .
(6) سورة محمّـد (صلى الله عليه وآله وسلم) 47 : 4 .

(124)

على ذلك ـ بعدما روى عن الطبري أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قال للناس بالتخيير في الأسرى بين الفداء والقتل ، بعد نزول جبرئيل عليه بذلك ـ بقوله : إذا كان التخيير ، فكيف وقع التوبيخ بقوله : (
لَمَسَّكُمْ ) ؟ وأجاب : أنّ التوبيخ وقع أوّلا لحرصهم على أخذ الفداء ثمّ وقع التخيير بعد ذلك (1) .

أقـول :
مضافاً إلى ما سيأتي من بيان التحريف في هذه الروايات في عموم الأحداث في هذه الواقعة ، كما هو ديدنهم في أسباب النزول :

أوّلاً :
ما ذكره القرطبي متدافع مع ظاهر الآيات ، ومع كلامه في مواضع من تفسيرها ; فإنّ ظاهر مفاد الآية : أنّ الحكم تعييني لا تخييري ، أي أنّ الحرمة لأخذ الأُسارى واستبقائهم متعيّنة ، ولسان التوبيخ لسان تهديد بِعقوبة ، كما هو مفاد قوله تعالى : (
لَوْلاَ كِتابٌ مِنَ الله سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فيما أخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) ; فكيف يجري استحقاق العقوبة مع الحرص على خصلة من التخيير ؟!

ثانياً :
اعترف القرطبي في بداية تفسيره للآية : أنّ قول أكثر المفسّرين عندهم ولا يصحّ غيره : أنّ هذه الآية نزلت عتاباً من الله عزّ وجلّ لأصحاب نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، والمعنى : ما كان ينبغي لكم أن تفعلوا هذا الفعل الذي أوجب

ــــــــــــــــ

(1) الجامع لأحكام القرآن 8 / 48 .

(125)

أن يكون للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أسرى قبل الإثخان ، ولهم هذا الإخبار بقوله : (
تُريدُونَ عَرَضَ الدُّنيا ) ـ أي أنّ الخطاب للأصحاب لا للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ والنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يأمر باستبقاء الرجال وقت الحرب ، ولا أراد قطّ عرض الدنيا ، وإنّما فعله جمهور مباشري الحرب ، فالتوبيخ والعتاب إنّما كان متوجّهاً بسبب مَنْ أشار على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بأخذ الفدية (1) .
وهذا التسالم عندهم ، الذي لا يصحّ غيره ، متناقض مع مضمون تلك الروايات التي روى غالبها عمر ، من أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان هواه في الفداء ، وأنّ العذاب لو نزل لَما نجا منه إلاّ عمر ، ولشمل رسول الله والعياذ بالله تعالى من هذا القول ، وفي ذلك بيان لفوقيّة عصمة عمر على عصمة الرسـول (صلى الله عليه وآله وسلم) .

ثالثاً :
إذا كان العتاب ـ المتسالم عليه عندهم ـ هو للصحابة الّذين حرصوا على الغنيمة والفداء ، لا النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فكيف يجعلون مورد وسبب نزول الآية من الشواهد على اجتهاد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ونزول الكتاب بتخطئة ذلك الاجتهاد وتصويب اجتهاد بعض الصحابة ، كـ : عمر ؟!

رابعاً :
إنّ في رواياتهم المتقدّمة : أنّ عبـد الله بن رواحة أيضاً أمر بقتل الأسرى ; فلماذا يخصّ النجاة من العذاب بعمر دون غيره ؟!
ولماذا يكون التصويب لرأيه فقط مع أنّ عبـد الله بن رواحة كان ذلك

ــــــــــــــــ

(1) الجامع لأحكام القرآن 8 / 45 ـ 46 .

(126)

رأيه أيضاً ، بل قد رووا أنّ سعد بن معاذ كان ذلك رأيه أيضاً (1) ؟!

خامساً :
قول عمر لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الأُسارى : إنّ هؤلاء أئمّة الكفر وصناديدها ، أو : إنّ هؤلاء كذّبوك وأخرجوك وقاتلوك ، ثمّ إشارته بقتل العبّـاس وعقيل ، قول مريب الاستهداف ; فأئمّة الكفر قد قُتلوا في بدر ، وما بقي من الأُسارى ليسوا من صناديد الكفر ; كيف وهم قد رووا أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أقرّ للعبّـاس بأنّه كان مسلماً في الخفاء ، وأنّه أُخرج كُرهاً ، وكذلك بقيّة مَن كان من بني هاشـم (2) ؟!
وهل أنّ ذلك البعض من بني هاشم ، والعبّـاس وعقيل ، هم الّذين أخرجوا رسـول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من مكّة ، أم أنّهم كانوا المدافعين عنه ; إذ كان عقيل وإخوته يتناوبون للنوم في فراش النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، في بيت أبي طالب ; لئلاّ تقتله قريش غيلة (3) ؟!
أم أنّ وراء كلام عمر استهدافاً لبني هاشم ، وقد أكرهتهم قريش على الحرب ، إلاّ أنّهم رغم ذلك لم يخوضوا المعترك الأمامي في المواجهة ؟!

سادساً :
الظاهر من كلّ ما مرّ أنّ حقيقة الحال هي : إنّ النهي الإلهي عن اتّخاذ الأسرى حتّى يُثخَن في الأرض ، هو ما دامت الحرب قائمة ولم تضع
ــــــــــــــــ

(1) الجامع لأحكام القرآن 8 / 47 .
(2) الجامع لأحكام القرآن 8 / 49 ـ 52 .
(3) بحار الأنوار 19 / 1 .

(127)
أوزارها ، كما سيأتي بيانه والدلائل عليه ، إلاّ أنّ موقف عمر من التحريض على قتل بعض بني هاشم المكرَهين على الخروج للحرب قد انكشفت أهدافه ; إذ اتّخذ ما نزل من الآية الناهية غطاءً لذلك ، تخيّلا منه أنّه بإمكانه استغلال مفاد الآية لهذا الهدف ، وبالتالي إلحاق الإزراء ببني هاشم بذلك .
ولكن لمّا فشلت تلك المحاولة وانفضح الهدف من وراء هذا التحامل على بني هاشم استمرّ هو في تغطية هذه الواقعة وتبديلها إلى منقبة رياديّة له يتطاول بها على مقام النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، واصطناع مقاماً له في الدين ومنازل الوحي ..
نظير الواقعة السابقة : الصلاة على المنافقين ; كيف حوّرها محاولا تغطية تجرّيه على مقام النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بالتذرّع بمفاد الآية : (
ولا تُصَلِّ على أحَد مِنهُم ... ) ، واستمرّ في تغطية ما جرى بتبديلها إلى منقبة دينيّة يشيد الوحي بها ، وأنّه أقرب إصابة للوحي من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) .

سابعاً :
إنّ أهل سُـنّة الخلافة حيث تابعوا الخليفة الثاني في تغطية حقيقة ما حدث من تحامله على رهط النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وإنّ مفاد الآية هو شامل لِما بعد الحرب ، وقعوا في تدافع فقهي وتفسيري وتاريخي في السيرة ..
فهم قد قرّروا أنّ مفاد الآية قد نسخ قبل العمل به بقوله تعالى : (
فَكُلوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا الله ... ) .
وبعضهم ذهب إلى نسخها بقوله تعالى : (
فإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَروا فَضَرْبَ الرِقَابِ حَتَّى إذا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فإمَّا مَنّاً بَعْدُ وإمّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَها ذلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ الله ... ) .

(128)
هذا وقد تكثّرت أقوالهم في النسبة بين الآيتين ; فجملة منهم جعلوا آية التخيير منسوخة بـ : (
فاقْتُلوا الْمُشْرِكينَ حَيْثُ وَجَدتُّموهُمْ ) (1) ، و (
وقاتِلوا الْمُشْرِكينَ كَافَّةً ) (2) ، وبعضهم على أنّ كِلا الآيتين محكمتين ، وغيرها من أقوالهم المضطربة الكثيرة في المقام ، وهي لا ترسوا على التسليم بالمفاد الذي زعمه الخليفة للآية : (
ما كانَ لِنَبِيّ ... ) .

ــــــــــــــــ

(1) سورة التوبة 9 : 5 .
(2) سورة التوبة 9 : 36 .

للبحـث صلة ...