شبكة الإمامين الحسنين عليهما السلام للتراث و الفکر الإسلامي

 

تشـييد المـراجَعـات
وتفنيد المكابَـرات ( 26 )

السـيّد عليّ الحسـيني الميلاني


المراجـعة ( 72 ) ـ ( 74 )
حول عائشـة وإنكارها للوصيّة
بعـد أنْ أثبت السـيّد ـ رحمه الله ـ أنّ أمـير المؤمـنين عليه السلام هـو الوارث والوصيّ لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، بالاستناد إلى أحاديـث القوم في أصـحّ وأشـهر كتبهم ، وجد نفسه مظطرّاً للتعرّض لعائشة بنت أبي بكر ; بمناسـبة روايتـهم عنها أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم مات بلا وصـيّة ..
وهو في هذا الفصل ـ من مراجعاته أيضاً ـ معتمد كذلك على كتب القوم ورواياتهم المعتبرة ، ولم يتجاوزها إلى سائر الكتب ; التزاماً منه بأُصـول البحث وقواعد المناظرة ، وهو ديدن سائر علمائنا الأبرار ، كما أنّه لم ينسب إليها ـ أي عائشة ـ شيئاً من الصفات والحالات ، إلاّ في حدود ما دلّت عليه تلك الأحاديث الواردة عندهم عن الرواة الثقات .
ونحن أيضاً سوف لا نخرج عن هذا الإطار ، وبالله التوفيق .

(14)

قال السـيّد ـ رحمه الله ـ :
« إنّ لأمّ المؤمنين عائشة فضلها ومنزلتها ، غير أنّها ليست بأفضل أزواج النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وكيف تكون أفضلهنّ مع ما صحّ عنها ، إذ قالت : ذكر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم خديجة ذات يوم ، فتناولتها فقلت : عجوز كذا وكذا ، قد أبدلك الله خيراً منها .
قال : ما أبدلني الله خيراً منها ; لقد آمنت بي حين كفر بي الناس ، وصدّقتني حين كذّبني الناس ، وأشركتني في مالها حين حرمني الناس ، ورزقني الله ولدها وحرمني ولد غيرها ؟! الحديث (1) .
وعن عائشة قالت : كان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لا يكاد يخرج من البيت حتّى يذكر خديجة فيحسن الثناء عليها ، فذكرها يوماً من الأيّام ، فأدركتني الغيرة فقلت : هل كانت إلاّ عجوزاً ! فقد أبدلك الله خيراً منها ، فغضب حتّى اهتزّ مقدّم شعره من الغضب ، ثمّ قال : لا والله ما أبدلني الله خيراً منها ; آمنت بي إذ كفر الناس ، وصدّقتني إذ كذّبني الناس ، وواستني في مالها إذ حرمني الناس ، ورزقني الله منها أولاداً إذ حرمني أولاد النساء .. الحديث .
فأفضل أزواج النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم خديجة الكبرى ، صدّيقة هذه الأُمّة ، وأوّلها إيماناً بالله ، وتصديقاً بكتابه ، ومواساةً لنبيّه ..
ــــــــــــــــ
(1) هذا الحديث والذي بعده من صحاح السُـنن المستفيضة ; فراجعهما في أحوال خديجة الكبرى من الاستيعاب ; تجدهما بعين اللفظ الذي أوردناهما ..
وقد أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحيهما بلفظ يقارب ذلك .

(15)

وقد أُوحي إليه صلّى الله عليه وآله وسلّم أن يبشّرها (1) ببيت لها في الجنّة من قصب ، ونصّ على تفضيلها ، فقال : أفضل نساء أهل الجنّة : خديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمّـد ، وآسية بنت مزاحم ، ومريم بنت عمران .
وقال صلّى الله عليه وآله وسلّم : خير نساء العالمين أربع : ... ثمّ ذكرهنّ .
وقال : حسبك من نساء العالمين : مريم بنت عمران ، وخديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمّـد ، وآسية امرأة فرعون ..
إلى كثير من أمثال هذه النصوص ، وهي من أصحّ الآثار النبويّة وأثبتها (2) .
على أنّه لا يمكن القول بأنّ عائشة أفضل ممّن عدا خديجة من أُمّهات المؤمنين ، والسنن المأثورة والأخبار المسطورة تأبى تفضيلها عليهنّ ، كما لا يخفى على أُولي الألباب ..
وربّما كانت ترى أنّها أفضل من غيرها ، فلا يقرّها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم على ذلك ، كما اتّفق هذا مع أُمّ المؤمنين صفيّة بنت حيي ، إذ دخل النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم عليها وهي تبكي ، فقال لها : ما يبكيك ؟
قالت : بلغني أنّ عائشة وحفصة تنالان منّي ، وتقولان نحن خير من صفيّة .

ــــــــــــــــ

(1) كما أخرجه البخاري في باب غيرة النساء ووجدهن ، وهو في أواخر كتاب النكاح 3 / 175 من صحيحه .
(2) وقد أوردنا جملة منها في المطلب الثاني من كلمتنا الغرّاء ، فليراجعها من أراد الاستقصاء .

(16)

قال صلّى الله عليه وآله وسلّم : ألا قلتِ لهنّ : كيف تكنّ خيراً منّي وأبي هارون ، وعمّي موسى ، وزوجي محمّـد (1) .
ومن تتبّع حركات أُمّ المؤمنين عائشة في أفعالها وأقوالها ، وجدها كما نقول .
أمّا إعراضنا عن حديثها في الوصيّة ; فلكونه ليس بحجّة ، ولا تسألني عن التفصيل » .

ثمّ قال السـيّد :
« أبيت ـ أيّدك الله ـ إلاّ التفصيل ، حتّى اضطررتني إليه ، وأنت عنه في غنية تامّة ; لعلمك بأنّا من ها هنا أُتينا ، وإنّ هنا مصرع الوصيّة ومصارع النصوص الجليّة ، وهنا مهالك الخمس والإرث والنحلة ، وها هنا الفتنة ، ها هنا الفتنة ، ها هنا الفتنة (2) ، حيث جابت في حرب أمير المؤمنين الأمصار ، وقادت في انتزاع ملكه وإلغاء دولته ذلك العسكر الجرّار .
وكان ما كان ممّا لسـت أذكره فظُن خيراً ولا تسـأل عن الخبرِ
فالاحتجاج على نفي الوصيّة إلى عليّ بقولها ـ وهي من ألدّ خصومه ـ مصادرة لا تُنتظر من منصف ، وما يوم عليّ منها بواحد ..
ــــــــــــــــ

(1) أخرجه الترمذي من طريق كنانة مولى أُمّ المؤمنين صفيّة ، وأورده ابن عبد البرّ في ترجمة صفيّة من الاستيعاب ، وابن حجر في ترجمتها من الإصابة ، والشيخ رشيد رضا في آخر ص 589 ج 12 من مناره ، وغير واحد من نقلة الآثار .
(2) بحكم صحاح السُـنّة ; فراجع من صحيح البخاري باب ما جاء في بيوت أزواج النبيّ ، من كتاب الجهاد والسير 125 / 2 تجد التفصيل .

(17)

وهل إنكار الوصيّة إلاّ دون يوم الجمل الأصغر (1) ، ويوم الجمل الأكبر ، اللّذين ظهر بهما المضمر ، وبرز بهما المستتر ؟!
ومثل بهـما شأنـها من قبل خروجها على وليّها ووصيّ نبيّها ، ومـن بعد خـروجها عليه ، إلى أن بلغـها موته فسـجدت لله شكراً ، ثمّ أنشـدت (2) :

فألقت عصاها واستقرّ بها النوى
كما قرّ عيناً بالإيـاب المسافـر
وإن شئت ضربت لك من حديثها مثلاً يريك أنّها كانت في أبعد الغايات ..
ــــــــــــــــ

(1) كانت فتنة الجمل الأصغر في البصرة لخمس بقين من ربيع الآخر سنة 36 قبل ورود أمير المؤمنين إلى البصرة ، حيث هاجمتها أُمّ المؤمنين ومعها طلحة والزبير ، وفيها عامله عثمان بن حنيف الأنصاري ، فقتل أربعون رجلاً من شيعة عليّ عليه السلام في المسجد ، وسبعون آخرون منهم في مكان آخر ، وأُسر عثمان بن حنيف ، وكان من فضلاء الصحابة ، فأرادوا قتله ، ثمّ خافوا أن يثأر له أخوه سهل والأنصار ، فنتفوا لحيته وشاربيه وحاجبيه ورأسه وضربوه وحبسوه ، ثمّ طردوه من البصرة ..
وقابلهم حكيم بن جبلّة في جماعة من عشيرته عبـد القيس وهو سـيّدهم ، وكان من أهل البصائر والحفاظ والنهى ، وتبعه جماعة من ربيعة ، فما بارحوا الهيجاء حتّى استشهدوا بأجمعهم ، واستشهد مع حكيم ابنه الأشرف ، وأخوه الرعل ، وفتحت البصرة ..
ثمّ جاء عليّ ، فاستقبلته عائشة بعسكرها ، وكانت وقعة الجمل الأكبر .
وتفصيل الوقعتين في تاريخي ابن جرير وابن الأثير ، وغيرهما من كتب السير والأخبار .
(2) في ما أخرجه الثقات من أهل الأخبار ، كأبي الفرج الأصفهاني في آخر أحوال عليّ من كتابه مقاتل الطالبيّين .

(18)

قالت (1) : لمّا ثقل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم واشتدّ به وجعه ، خرج وهو بين رجلين ، تخطّ رجلاه في الأرض ، بين عبّـاس بن عبـد المطّلب ورجل آخر .. قال المحدّث عنها ـ وهو عبيد الله بن عبـد الله ابن عتبة بن مسعود ـ : فأخبرت عبـد الله بن عبّـاس عمّا قالت عائشة ، فقال لي ابن عبّـاس : هل تدري مَن الرجل الذي لم تسـمّ عائشـة ؟
قال : قلت : لا .
قال ابن عبّـاس : هو عليّ بن أبي طالب . ثمّ قال (2) : إنّ عائشـة لا تطيب له نفساً بخير . انتهى .

قلت : إذا كانت لا تطيب له نفساً بخير ، ولا تطيق ذكره في مَن مشى معه النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم خطوة ، فكيف تطيب له نفساً بذكر الوصيّة وفيها الخير كلّه ؟
وأخرج الإمام أحمد من حديث عائشة في ص 113 من الجزء السادس من مسنده : عن عطاء بن يسار ، قال : جاء رجل فوقع في عليّ وفي عمّار عند عائشة ، فقالت : أمّا عليّ ، فلست قائلة لك فيه شيئاً ، وأمّا عمّار ، فإنّي سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول فيه : لا يخيّر بين أمرين إلاّ اختار أرشدهما . انتهى .
ــــــــــــــــ

(1) في ما أخرجه البخاري عنها في باب مرض النبيّ ووفاته صلّى الله عليه وآله وسلّم ص 62 ج 3 من صحيحه .
(2) هذه الكلمة بخصوصها ـ أعني قول ابن عبّـاس : إنّ عائشة لا تطيب له نفساً بخير ـ تركها البخاري ، واكتفى بما قبلها من الحديث ; جرياً على عادته في أمثال ذلك ، لكن كثيراً من أصحاب السُـنن أخرجوها بأسانيدهم الصحيحة ..
وحسبك منهم : ابن سعد في ص 29 من القسم 2 ج 2 من طبقاته ; إذ أخرجها عن أحمد بن الحجّاج ، عن عبـد الله بن مبارك ، عن يونس ومعمر ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عتبة بن مسعود ، عن ابن عبّـاس ; ورجال هذا السند كلّهم حجج .

(19)

وَي ! وَي ! تحذّر أُمّ المؤمنين من الوقيعة بعمّار لقول النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم : لا يخيّر بين أمرين إلاّ اختار أرشدهما ، ولا تحذّر من الوقيعة في عليّ ، وهو أخو النبيّ ، ووليّه ، وهارونه ، ونجيّه ، وأقضى أُمّته ، وباب مدينته ، ومن يحبّ الله ورسوله ، ويحبّه الله ورسوله ، أوّل الناس إسلاماً ، وأقدمهم إيماناً ، وأكثرهم علماً ، وأوفرهم مناقب ..
وَي ! كأنّها لا تعرف منزلته من الله عزّ وجلّ ، ومكانته من قلب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، ومقامه في الإسلام ، وعظيم عنائه ، وحسن بلائه ، وكأنّها لم تسمع في حقّه من كتاب الله وسُـنّة نبيّه شيئاً يجعله في مصاف عمّار .
ولقد حار فكري ـ والله ـ في قولها : لقد رأيت النبيّ وإنّي لمسندته إلى صدري ، فدعا بالطست ، فانخنث فمات ، فما شعرت ، فكيف أوصى إلى عليّ ؟
وما أدري في أيّ نواحي كلامها هذا أتكلّم ، وهو محلّ البحث من نواحي شتّى ، وليت أحداً يدري كيف يكون موته ـ بأبي وأمّي ـ وهو على الحال التي وصفتها ، دليلاً على أنّه لم يوصِ ; فهل كان من رأيها أنّ الوصيّة لا تصحّ إلاّ عند الموت ؟!
كلاّ ، ولكن حجّة مَن يكابر الحقيقة داحضة ، كائناً مَن كان ، وقد قال الله عزّ وجلّ مخاطباً لنبيّه الكريم ، في محكم كتابه الحكيم : (
كُتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصيّة ) (1) .
فهل كانت أُمّ المؤمنين تراه صلّى الله عليه وآله وسلّم لكتاب الله مخالفاً ، وعن أحكامه صادفاً ؟!
ــــــــــــــــ

(1) سورة البقرة 2 : 180 .

(20)

معاذ الله وحاشا لله ، بل كانت تراه يقتفي أثره ويتّبع سوَره ، سبّاقاً إلى التعبّد بأوامره ونواهيه ، بالغاً كلّ غاية من غايات التعبّد بجميع ما فيه .
ولا أشكّ في أنّها سمعته يقول (1) : ما حقّ امرئ مسلم له شيء يوصي فيه أن يبيت ليلتين ، إلاّ ووصيّته مكتوبة عنده . انتهى ..
أو سمعت نحواً من هذا ; فإنّ أوامره الشديدة بالوصيّة ممّا لا ريب في صدوره منه ، ولا يجوز عليه ولا على غيره من الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين ، أنْ يأمروا بالشيء ثمّ لا يأتمرون به ، أو يزجروا عن الشيء ثمّ لا ينزجرون عنه ، تعالى الله عن إرسال مَن هذا شأنه علوّاً كبيراً .
أمّا ما رواه مسلم وغيره عن عائشة ، إذ قالت : ما ترك رسول الله ديناراً ولا درهماً ولا شاةً ولا بعيراً ، ولا أوصى بشيء ; فإنّما هو كسابقه .
على أنّه لا يصحّ أن يكون مرادها أنّه ما ترك شيئاً على التحقيق ، وأنّه كان صفراً من كلّ شيء يوصي به .
نعم ، لم يترك من حطام الدنيا ما يتركه أهلها ، إذ كان أزهد العالمين فيها ، وقد لحق بربّه عزّ وجلّ وهو مشغول الذمّة بدَيْن (2) وعدات ، وعنده أمانات تستوجب الوصيّة ، وترك ممّا يملكه شيئاً يقوم بوفاء دينه وإنجاز عداته ، ويفضل عنهما شيء يسير لوارثه ، بدليل ما صحّ من مطالبة الزهراء بإرثها (3) عليها السلام .
ــــــــــــــــ

(1) في ما أخرجه البخاري في أوّل كتاب الوصايا من صحيحه ص 83 ج 2 ، وأخرجه مسلم في كتاب الوصيّة ص 10 ج 2 من صحيحه .
(2) فعن معمر ، عن قتادة : أنّ عليّاً قضى عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم أشياء بعد وفاته ، كان عامّتها عدَة ، حسبت أنّه قال : خمس مئة ألف درهم . الحديث ..
فراجعه في ص 60 ج 4 من كنز العمّال ، وهو الحديث 1170 من أحاديثه .
(3) كما أخرجه البخاري في أواخر باب غزوة خيبر ، من صحيحه ص 37 ج 3 ، وأخرجه مسلم في باب قول النبيّ : لا نورّث ما تركناه فهو صدقة ، من كتاب الجهاد من صحيحه ص 72 ج 2 .

(21)

على أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قد ترك من الأشياء المستوجبة للوصيّة ما لم يتركه أحد من العالمين ...
وحسـبك أنّه ترك دين الله القويم في بدء فطرته وأوّل نشأته ، ولهو أحوج إلى الوصـيّ من الذهب والفضّة ، والدار والعقار ، والحرث والأنعام ، وأنّ الأُمّة بأسـرها ليتاماه وأياماه المضطرّون إلى وصيّه ; ليقوم مقامه في ولاية أُمورهم وإدارة شؤونهم الدينية والدنيوية .
ويستحيل على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أن يوكل دين الله ـ وهو في مهد نشأته ـ إلى الأهواء ، أو يتّكل في حفظ شرائعه على الآراء ، من غير وصيّ يعهد بشؤون الدين والدنيا إليه ، ونائب عنه يعتمد في النيابة العامّة عليه .
وحاشاه أن يترك يتاماه ـ وهم أهل الأرض في الطول والعرض ـ كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية ، ليس لها من يرعاها حقّ رعايتها .
ومعاذ الله أن يترك الوصيّة بعد أن أُوحي بها إليه ، فأمر أُمّته بها ، وضـيّق عليهم فيها ، فالعقل لا يصغي إلى إنكار الوصيّة مهما كان منكرها جليلاً .
وقد أوصى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى عليّ في مبدأ الدعوة الإسلاميّة قبل ظهورها في مكّة ، حين أنزل الله سبحانه :
وأنذر عشيرتك الأقربين (1) ـ كما بيّناه في المراجعة 20 ـ ولم يزل بعد ذلك يكرّر وصيّته إليه ، ويؤكّدها المرّة بعد المرّة ، بعهوده التي أشرنا في ما سبق
ــــــــــــــــ

(1) سورة الشعراء 26 : 214 .

(22)

من هذا الكتاب إلى كثير منها ، حتّى أراد وهو محتضر ـ بأبي وأمّي ـ أن يكتب وصيّته إلى عليّ ، تأكيداً لعهوده اللفظية إليه ، وتوثيقاً لعرى نصوصـه القولية عليه ، فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم : ائتوني أكتب لكم كتاباً لـن تضـلّوا بعده أبـداً . فتنازعوا ، ولا ينبغي عند نبيّ تنازع ، فقالوا : هجر رسـول الله (1) . انتهى .
وعندها علم صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّه لم يبقَ ـ بعد كلمتهم هذه ـ أثر لذلك الكتاب إلاّ الفتنة ، فقال لهم : قوموا ، واكتفى بعهوده اللفظية .
ومع ذلك فقد أوصاهم عند موته بوصايا ثلاث : أن يولّوا عليهم عـليّاً ، وأن يخرجـوا المشركين من جزيرة العـرب ، وأن يجيزوا الوفد بنحو ما كان يجـيزه . لكن السلطة والسياسة يومئذ ما أباحتا للمحدّثين أن يحدّثوا بوصـيّته الأُولى ، فزعموا أنّهم نسـوها ..
قال البخاري ـ في آخر الحديث المشتمل على قولهم : هجر رسول الله (2) ـ ما هذا لفظه : وأوصى عند موته بثلاث : أخرجـوا المشركين من جزيرة العرب ، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزه . ثمّ قال : ونسيت الثالثة .
وكذلك قال مسلم في
صحيحـه ، وسائر أصحاب السُـنن والمسانيد .
أمّا دعوى أُمّ المؤمنين بأنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لحق بربّه تعالى وهو في صدرها ، فمعارضة بما ثبت من لحوقه صلّى الله عليه
ــــــــــــــــ

(1) أخرجه بهذه الألفاظ : محمّـد بن إسماعيل البخاري ، في باب جوائز الوفد من كتاب الجهاد والسير من صحيحه ص 118 ج 2 ..
وأخرجه : مسلم في صحيحه ، وأحمد بن حنبل من حديث ابن عبّـاس في مسـنده ، وسائر أصحاب السُـنن والمسانيد .
(2) فراجعه في باب جوائز الوفد من كتاب الجهاد والسير ص118 ج2 من صحيحه .

(23)

وآله وسلّم بالرفيق الأعلى وهو في صدر أخيه ووليّه عليّ بن أبي طالب ; بحكم الصحاح المتواترة عن أئمّة العترة الطاهرة ، وحكم غيرها من صحاح أهل السُـنّة ، كما يعلمه المتتبّـعون » .

فقـيل :
« لا شكّ في فضل عائشة رضي الله عنها ، فهي زوج النبيّ صلّى الله عليه[وآله ]وسلّم ، وأُمّ المؤمنين ، وكذا سائر أزواجه عليه الصلاة والسلام .
كما أنّه لا شكّ في فضل السـيّدة خديجة رضي الله عنها ، فهي أوّل مَن أسلم من النساء ، وهي التي وقفت إلى جانبه عليه الصلاة والسلام في بداية دعوته في مكّة ، مؤيّدة ومناصرة ومواسية ، حتّى انتقلت إلى الرفيق الأعلى ، فسمّى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ذلك العام عام الحزن .
وأهل السنّة والجماعة يقدّرون لكلّ واحدة من أُمّهات المؤمنين قدرها وفضلها ، وكتبهم شاهدة ، سواء في ذلك الصحاح منها ، وكتب السنّة والمسانيد .
أمّا من حيث أفضليّة بعضهنّ على بعض ، فلا شكّ في فضل خديجة ; لما قدّمته للدعوة الإسلاميّة ، وللنبيّ صلّى الله عليه [ وآله [ وسلّم ، ولهذا كان يكنّ لها عليه الصلاة والسلام الحبّ والتقدير ، حتّى بعد مماتها رضي الله عنها .
ومن المعلوم أنّه عليه الصلاة والسلام ، لم يتزوّج بغيرها إلاّ بعد مماتها رضي الله عنها ، فلا يمكن مقارنتها مع غيرها ، أمّا إذا ما قارنّا السيّدة عائشة مع غيرها من أُمّهات المؤمنين اللواتي اجتمعن معها في بيت النبوّة ، فإنّ السيّدة عائشة تفوقهنّ فضلاً ، يدرك ذلك كلّ من له معرفة بفضائل

(24)

أُمّهات المؤمنين ، التي ساقتها لنا الصحاح والمسانيد .
أمّا الرافضة ـ والموسوي واحد منهم ـ فإنّهم لا ينطلقون في حبّهم وكرههم وتفضيلهم لأحد على الآخر ، إلاّ من منطلق التعصّب والهوى . فأحاديث البخاري في فضل خديجة رضي الله عنها ، لا يستدلّ بها الموسوي إيماناً منه بصحّتها ، وإنّما لأنّها وافقت مذهبه وهواه ، وإلاّ فلماذا لا يقول بفضل عائشة ، وقد أخرج البخاري أحاديث كثيرة في فضلها ، بل نراه على العكس من ذلك ، يضرب بهذه الأحاديث عرض الحائط ، لا لشيء إلاّ لأنّها تخالف عقيدته ومذهبه ، فلا يذكر عنها إلاّ المثالب .
ومنطلق الرافضة في القول بفضل خديجة رضي الله عنها ، أنّها أُمّ فاطمة وجدّة الحسن والحسين رضي الله عنهما ليس إلاّ .
ومنطلق رفضهم لأحاديث عائشة في الوصيّة ، إنّما هو عدم موافقتها لمذهبهم ومعتقدهم أيضاً ، لذا قال الموسوي مبيّناً سبب إعراضهم عن حديثها : « أمّا إعراضنا عن حديثها في الوصيّة ; فلكونه ليس بحجّة » .
ولو سألنا الرافضة ـ والموسوي واحد منهم ـ لماذا تركتم الاحتجاج بحديث عائشة في الوصيّة ؟ لما استطاعوا أن يأتوا بجواب يطعن بحجّيته ; لأنّه حديث لا مرية في صحّته عند أهل العلم بالحديث ، وله شواهد من غير طريق عائشة ، كما سبق بيانه في الردّ على المراجعات السابقة ، عند ذلك لا يبقى سبب لعدم الاحتجاج بهذا الحديث الصحيح إلاّ التعصّب والهوى ، وهو الأساس الذي تعتمده الرافضة في قبول وردّ الرواية . فتأمّل هذا تجده واضحاً .
أمّا الأحاديث التي ساقها الموسوي في المراجعة 68 ، 70 ، فلا حجّة له فيها ; لأنّها أحاديث هالكة عند أهل العلم بالحديث ، وقد سبق بيان

(25)

ذلك ، وبالتالي فإنّه لا يصـحّ أن يعارض بها حديث عائشـة في الوصيّة ; إذ لا يصـحّ أن يعارض الحديث الصحيح بأُخـرى بواطيل .
وفي المراجعة رقم 73 تعجّب ممّا جاء فيها على لسان شيخ الأزهر من المداهنة والمجاملة على حساب الحقّ ، حيث أثنى على الموسوي بما ليس له أهل ، فشهد له بعدم الخداع والسلامة من الغشّ والنفاق ، ووالله إنّ الموسوي ما ترك من الخداع والنفاق والغشّ شيئاً لأحد من الناس ، وهل أتى الموسوي في مراجعاته بغير الغشّ والنفاق والخداع ، حتّى يكون بريئاً من ذلك ؟
وفي المراجعة رقم 74 استجاب الموسوي إلى ما طلب منه من التفصيل في سبب الإعراض عن حديث عائشة . فليته ذكر سبباً من الأسباب التي تردّ بها الرواية عادة ، وتعدّ عند أهل العلم مطعناً يفقد الرواية حجّيتها ، لكنّه ردّ ذلك الإعراض إلى خصومة بينها وبين عليّ رضي الله عنه ، والتي دفعتها إلى إنكار وصيّة النبيّ صلّى الله عليه[ وآله ]وسلّم لعليّ رضي الله عنه بالخلافة ، وجوابنا على ذلك من وجوه :
الأوّل : المطالبة بصحّة هذا الإدّعاء ، فهو اتّهام خطير لم يثبت بشيء من الكتب المعتمدة عند أهل العلم بالرواية ، ولم تنقل لنا أنّ أحداً من العلماء اتّهم عائشة بهذا الاتّهام ، ولو كان ما زعمه الموسوي حقّاً لأوضح ذلك الصحابة وبيّنوه أوضح بيان ، ولكن إقرارهم لحديثها وسكوتهم عليه مع توفّر الدواعي للإنكار عليها ولو من أهل البيت أنفسهم بما فيهم عليّ بن أبي طالب أيّام خلافته أو قبلها ، لدليل على كذب مدّعى الموسوي .
الثاني : لو سلّمنا جدلاً بما ادّعاه الموسوي من أنّ الخصومة هي التي دفعت عائشة لإنكار وصيّة النبيّ صلّى الله عليه [ وآله [وسلّم استخلاف

(26)

عليّ ، فما جواب الرافضة على الروايات الأُخرى الصحيحة التي نفت أن يكون النبيّ صلّى الله عليه[ وآله ]وسلّم قد أوصى لأحد بشيء عن ابن عبّاس ، وابن أبي أوفى ، فهل كان هؤلاء خصوماً لعليّ بن أبي طالب ؟! بل وما جوابهم على قول عليّ يوم الجمل : « يا أيّها الناس ، إنّ النبيّ صلّى الله عليه[ وآله ]وسلّم لم يعهد إلينا في هذه الإمارة شيئاً » ، أخرجه الإمام أحمد ، والبيهقي في
الدلائل .
الثالث : أنّه نقل كلاماً مغلوطاً مبالغاً فيه ، في خبر ما كان في موقعة الجمل ، متّهماً عائشة وطلحة والزبير ، أنّهم خرجوا لقتال عليّ ، وأنّها أظهرت بذلك ما كانت تضمره من عداء له ، وأنّها سجدت شكراً لله عند موت عليّ بن أبي طالب .
في حين أنّ كتب التاريخ والرواية متّفقة على أنّها خرجت ومن معها من الصحابة مطالبين بدم عثمان ، واتّجهوا إلى البصرة ليثأروا لعثمان من قتلته الّذين لجأوا للبصرة آنذاك .
ولو أرادوا قتال عليّ كما تزعم الرافضة ، لتوجهوا إلى عليّ رضي الله عنه ، الذي كان متوجّهاً بجيشه إلى بلاد الشام .
ولمّا لم يُخَلِّ عثمان بن حنيف بينهم وبين قتلة عثمان ، كان ما كان من القتال في بداية الأمر ، وعندما قدم عليّ بن أبي طالب إلى البصرة تاركاً بلاد الشام ، دعا طلحة والزبير إلى الصلح ، فمالوا إليه جميعاً ، بما فيهم السيّدة عائشة ، وقرّر الطرفان الارتحال عن البصرة والعودة إلى المدينة ، عند ذلك سارع قتلة عثمان بقيادة عبد الله بن سبأ اليهودي المعروف بابن السوداء إلى إشعال نار الفتنة بين الطرفين ، وليس فيهم من الصحابة أحد ولله الحمد والمنّة ، فكان ما كان من الاقتتال الذي ذهب ضحيّته آلاف

(27)

القتلى . انظر تفصيل ذلك في البداية والنهاية لابن كثير 7 / 230 ـ 246 .
أمّا استدلال الموسوي على كره عائشة لعليّ بحديث البخاري عن عائشة : « لمّا ثقل رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ]وسلّم ، واشتدّ وجعه خرج وهو بين رجلين تخطّ رجلاه في الأرض ، بين عبّاس بن عبد المطّلب ورجل آخر ، قال عبيد الله : فأخبرت عبد الله بالذي قالت عائشة ، فقال لي عبد الله بن عبّاس : هل تدري من الرجل الآخر الذي لم تُسمّ عائشة ؟ قال : قلت : لا . قال ابن عبّاس : هو عليّ » . هذه رواية البخاري . الفتح 8 / 141 .
لكنّ الموسوي زعم أنّ رواية البخاري هذه ناقصة ، وأنّ البخاري ترك من كلام ابن عبّاس قوله : « إنّ عائشة لا تطيب له نفساً بخير » . واتّهم البخاري أنّه تعمّد تركها جرياً على عادته .
والجواب على ذلك : أنّ البخاري رحمه الله له شروط دقيقة وشديدة في الرواية والراوي معاً ، لابدّ من تحقّقها حتّى يخرّج الرواية أو يخرّج للراوي ، وهذا أمر لا يجهله أحد من أهل العلم ، وليس هنا مجال بسطه ، وهذه ميزة امتاز بها البخاري عن غيره من علماء الحديث ، الأمر الذي جعل كتابه في الحديث أصحّ كتاب بعد كتاب الله .
ولمّا لم تتحقّق شروطه في هذه الزيادة التي اتّهمه الموسوي بتركها ، أعرض عنها ولم يخرّجها ، ولا حجّة في تخريج ابن سعد لها ; لأنّ ابن سعد لا يشترط ما اشترطه البخاري من الشروط .
وإذا ما طبّقنا شروط البخاري على هذه الرواية ، نجدها غير صحيحة ; ففي سندها يونس بن يزيد الأيلي ، قال عنه ابن سعد الذي أخرج هذه الزيادة : ليس بحجّة ، وقال وكيع : سيّ الحفظ ، وكذا فقد استنكر له أحمد ابن حنبل أحاديث ، وقال الأثرم : ضَعّف أحمد أمر يونس ، وقال الذهبي :

(28)

ثقة حجّة . الميزان 4 / 484 .
وقال ابن حجر العسقلاني في
التقريب : ثقة ، إلاّ أنّ في روايته عن الزهري وهماً ، وفي غير الزهري خطأ .
وفي سندها أيضاً معمر بن راشد ، قال ابن حجر في
التقريب بعد أن وثّقه : إلاّ أنّ في روايته عن ثابت والأعمش وهشام بن عروة شيئاً ، وكذا فيما حدّث به بالبصرة ، وروايته للحديث هذا كانت في البصرة . تأمّل هذا أخي المسلم ; يتّضح لك سبب ترك البخاري لهذه الزيادة ، وكذب الموسوي على البخاري وظلمه له .
أمّا الرواية التي ساقها الموسوي ، والتي أخرجها الإمام أحمد في صفحة 113 من الجزء السادس ، عن عطاء بن يسار ، قال : جاء رجل فوقع في عليّ وفي عمّار عند عائشة ... الرواية .
ففي سندها حبيب بن أبي ثابت بن قيس ، كان كثير الإرسال والتدليس . ( انظر ترجمته في
تقريب التهذيب ) . وفي سنده أيضاً أبو أحمد محمّـد بن عبـد الله بن الزبير . قال العجلي : يتشيّع ، وقال أبو حاتم : له أوهام . انظر ترجمته في
الخلاصة ص 344 .
ثمّ إنّ الرواية لم تبيّن لنا مَن هذا الرجل الذي وقع في عليّ وعمّار ، ولم توضّح لنا كلامه فيهما ، فكيف فهم الموسوي من هذه الرواية أنّ عائشة تبيح وتجيز الوقيعة بعليّ رضي الله عنه ؟ على أنّه قد يكون في كلام الرجل ما يبرّر لعائشة رضي الله عنها مثل هذه الإجابة ، نقول هذا على فرض صحّة الرواية ، وقد قدّمنا ما ينفي عنها ذلك .
أمّا إنكار الموسوي حجّية حديث عائشة الصحيح : « ولقد رأيت النبيّ وإنّي لمسندته إلى صدري ، فدعا بالطشت فانخنث فمات ، فما شعرت ،

(29)

فكيف أوصى إلى عليّ » .
فجوابه : أنّ عائشة نفت أن يكون النبيّ صلّى الله عليه[ وآله ]وسلّم أوصى لعليّ بالخلافة ; لأنّها تعلم كما يعلم كلّ الصحابة بما فيهم عليّ بن أبي طالب أنّه لم يوص لأحد بالخلافة قبل مرضه ، ويوم أن مرض كانت رضي الله عنها تمرّضه في بيتها ، ولم تفارقه حتّى مات عليه الصلاة والسلام دون أن يوصي بذلك ، فمتى كانت هذه الوصيّة المزعومة ؟! تأمّل هذا تجده واضحاً .
أمّا ما رواه مسلم وغيره عن عائشة : « ما ترك رسول الله درهماً ولا شاةً ولا بعيراً ... الحديث » فقد ردّه الموسوي ، كما ردّ الحديث الذي سبقه ، ثمّ قال : على أنّه لا يصحّ أن يكون مرادها أنّه ما ترك شيئاً على التحقيق . وزعم بأنّ النبيّ صلّى الله عليه[ وآله ]وسلّم ترك مالاً بعد مماته ، فقال : « وترك ممّا يملكه شيئاً يقوم بوفاء دينه ، وإنجاز عداته ، ويفضل عنهما شيء يسير لوارثه » ، واستدلّ على قوله هذا بمطالبة فاطمة الزهراء بإرثها .
فجواب ذلك : أنّ الأحاديث الصحيحة الثابتة متضافرة على أنّه عليه الصلاة والسلام لم يترك من حطام الدنيا شيئاً ، والأحاديث هذه ليست من طريق عائشة وحدها ، بل جاءت من طرق أخرى ، فقد أخرج البخاري بسنده عن عمرو بن الحارث ختن رسول الله صلّى الله عليه[ وآله ]وسلّم ، أخي جويريّة بنت الحارث ، قال : « ما ترك رسول الله صلّى الله عليه[ وآله[وسلّم عند موته درهماً ولا ديناراً ولا عبداً ولا أمةً ولا شيئاً ، إلاّ بغلته البيضاء وسلاحه وأرضاً جعلها صدقة » . فتح الباري 5 / 356 .
والمراد ممّا جاء في الحديث من نفي الوصيّة « ولا أوصى بشيء » إنّما

(30)

هو نفي لوصيّة مخصوصة ، وهي الوصيّة بالخلافة ، وليس المقصود بنفي الوصيّة مطلقاً ، يوضّح ذلك الحديث الذي أخرجه البخاري من حديث طلحة بن مُصَرِّف ، قال : « سألت عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما : هل كان النبيّ صلّى الله عليه[ وآله ]وسلّم أوصى ؟ فقال : لا . فقلت : كيف كتب على الناس الوصيّة أو أُمِروا بالوصية ؟ قال : أوصى بكتاب الله » .
أمّا بشأن مطالبة فاطمة بإرثها من أبيها عليه الصلاة والسلام ، فجوابه من وجوه :
الأوّل : إنّ الموسوي كعادته يمتنع عن سرد كلّ رواية صحيحة إذا كانت تخالف مذهبه ، ويكتفي بالإشارة إليها بطريقة توهم القارىء بصحّة مدّعاه ، وهذا ما فعله في أمر مطالبة فاطمة رضي الله عنها بإرثها من أبيها صلّى الله عليه [ وآله ]وسلّم . انظر إلى قوله : ( بدليل ما صحّ من مطالبة الزهراء بإرثها ) ، وفي التعليق على هذه العبارة اكتفى بعزوها إلى صحيحي البخاري ومسلم . وأعرض عن سرد الرواية ; لأنّها بتفصيلاتها تتعارض تماماً مع ما ادّعاه .
ونحن نسوق هنا رواية البخاري ; ليتّضح للقارىء صحّة ما قلناه في الموسوي .
قال البخاري : حدّثنا يحيى بن بكير ، حدّثنا الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة رضي الله عنها : « أنّ فاطمة عليها السلام بنت النبيّ صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ]وسلّم ، ممّا أفاء الله عليه بالمدينة ، وفدك ، وما بقي من خمس خيبر ، فقال أبو بكر : إنّ رسول الله صلّى الله عليه[ وآله ]وسلّم قال : لا نورّث ما تركناه صدقة ، إنّما يأكل آل محمّـد

(31)

صلّى الله عليه [ وآله [وسلّم من هذا المال ، وإنّي والله لا أغيّر شيئاً من صدقة رسول الله صلّى الله عليه[ وآله ]وسلّم عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول الله صلّى الله عليه[ وآله ]وسلّم ، ولأعملنّ فيها بما عمل به رسول الله صلّى عليه [ وآله [وسلّم . فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً .
فوجَدت فاطمة على أبي بكر في ذلك ، فهجرته فلم تكلّمه حتّى توفّيت ، وعاشت بعد النبيّ صلّى عليه[ وآله ]وسلّم ستّة أشهر . الفتح 7 / 493 كتاب المغازي .
ورواه البخاري في كتاب فرض الخمس أيضاً بلفظه ، وزاد : وقالت ـ يعني عائشة راوية الحديث ـ : وكانت فاطمة تسأل أبا بكر نصيبها ممّا ترك رسول الله صلّى الله عليه[ وآله ]وسلّم من خيبر وفدك وصدقته بالمدينة ، فأبى أبو بكر عليها ذلك ، وقال : لست تاركاً شيئاً كان رسول الله صلّى الله عليه[ وآله ]وسلّم يعمل به إلاّ عملت به ، فإنّي أخشى إن تركت شيئاً من أمره أن أزيغ ، فأمّا صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى عليّ وعبّاس ، وأمّا خيبر وفدك فأمسكها عمر وقال : هما صدقة رسول الله صلّى الله عليه[ وآله ]وسلّم ، كانتا لحقوقه التي تعروه ونوائبه ، وأمرهما إلى ولي الأمر ، قال ـ يعني الزهري وهو أحد رواة الحديث ـ : فهما على ذلك إلى اليوم » . الفتح 6 / 197 .
ورواه البخاري أيضاً في كتاب الفرائض بمثله ، إلاّ أنّه ذكر هنا أنّ العبّاس أتى مع فاطمة إلى أبي بكر يلتمسان ميراثهما .
وروى بسنده إلى ابن شهاب الزهري ، قال : « أخبرني مالك بن أوس ابن الحدثان ـ وكان محمّـد بن جبير بن مطعم ذكر لي ذِكراً من حديثه

(32)

ذلك ـ فانطلقتُ حتّى دخلت عليه فسألته فقال : انطلقت حتّى أدخل على عمر فأتاه حاجبه يَرْفأ ، فقال : هل لك في عثمان وعبد الرحمن والزبير وسعد ؟ قال : نعم ، فأذن لهم ثمّ قال : « هل لك في عليّ وعبّاس ؟ قال : نعم ، قال عبّاس : يا أمير المؤمنين ! اقض بيني وبين هذا ، قال أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض ، هل تعلمون أنّ رسول الله صلّى الله عليه[ وآله ]وسلّم قال : «لا نورّث ما تركنا صدقة » ؟ يريد رسول الله صلّى الله عليه[ وآله ]وسلّم نفسه ، فقال الرهط : قد قال ذلك ، فأقبل على عليّ وعبّاس فقال : هل تعلمان أنّ رسول الله صلّى الله عليه[ وآله ]وسلّم قال ذلك ؟ قالا : قد قال ذلك ... الفتح 12 / 5 ـ 6 .
من خلال استعراض هذه الروايات ، يتبيّن لنا الحقائق التالية :
1 ـ أنّ فاطمة قد طلبت إلى أبي بكر أن يعطيها ميراثها من أبيها صلّى الله عليه[ وآله ]وسلّم .
2 ـ أنّ فاطمة عليها السلام قد أخطأت في طلبها لهذا الميراث ; لما في ذلك من معارضة لصريح قوله عليه الصلاة والسلام : لا نورّث ما تركناه صدقة .
ولا شكّ أنّ لفاطمة عليها السلام عذرها في ذلك ; لما تعلمه من عموم آيات الميراث التي شملت كلّ وارث على الإطلاق ، ولم تستثنِ ورثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من هذا الحقّ ; ولعدم علمها بهذا الحديث الذي خصّص عموم آيات الميراث ، واستثنى من حكمها ورثة الأنبياء ، كما استثنى القاتل من أن يرث مقتوله ، بحديث : « لا يرث القاتل » .
3 ـ أنّ أبا بكر رضي الله عنه كان محقّاً يوم لم يستجب لطلب فاطمة ، ووجه ذلك أنّه لم يغتصب تركة النبيّ صلّى الله عليه[ وآله ]وسلّم لنفسه أو

(33)

لأحد من أهله ، بل إنّه حرم منه ابنته عائشة زوج النبيّ صلّى الله عليه[ وآله[وسلّم ، وجعله في آل البيت ينفقون منه حاجتهم ويتصدّقون بالباقي ، كما كان الحال عليه في حياة النبيّ صلّى الله عليه[ وآله ]وسلّم ، وهو في هذا متمسّك ومتّبع لقوله عليه الصلاة والسلام : لا نورّث ما تركناه صدقة . البخارى ، فتح الباري 12 / 6 .
ولصريح قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح : لا تقسّم ورثتي ديناراً ولا درهماً ، ما تركت بعد مؤنة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة . رواه البخاري ، فتح الباري 12 / 6 .
فلا يصحّ بعد ذلك أن يُعاب على أبي بكر موقفه هذا .
4 ـ إنّ ما تركه النبيّ صلّى الله عليه[ وآله ]وسلّم ما كان إرثاً كما فهمته فاطمة عليها السلام ، إذ لو كان إرثاً لما كان منحصراً بفاطمة ، بل هو إرث لجميع مستحقّيه ، بما فيهم زوجاته صلّى الله عليه[ وآله ]وسلّم أُمّهات المؤمنين ، وفي طليعتهنّ عائشة بنت أبي بكر الذي توفّي النبيّ صلّى الله عليه[ وآله ]وسلّم ودفن في بيتها ، وحفصة بنت عمر . فالذي وقع لفاطمة من أمر الإرث ، وقع مثله لعائشة وحفصة وسائر أُمّهات المؤمنين ، ووقع مثله أيضاً للعبّاس عمّ النبيّ صلّى الله عليه[ وآله ]وسلّم ، فما بال الرافضة يتحدّثون عن فاطمة وينسون سائر الورثة ؟! وما بالهم يذمّون أبا بكر على موقفه هذا الذي تمسّك فيه بالدليل ، واتّبع وصيّة سيّد المرسلين ، ولم يحاب في ذلك أحداً من العالمين .
ولو كان ما تركه النبيّ صلّى الله عليه[ وآله ]وسلّم ميراثاً ، لسارعت أزواج النبيّ إلى طلبه ، وفي مقدّمتهنّ عائشة وحفصة ، لكنّه جاء في الصحيح أنّ عائشة لم توافق بقيةّ أزواجه صلّى الله عليه[ وآله ]وسلّم على

(34)

طلب ميراثهنّ ; لما تعلم من عدم مشروعيّة ذلك .
فقد أخرج البخاري عن عائشة رضي الله عنها : أنّ أزواج النبيّ صلّى الله عليه[ وآله ]وسلّم حين توفّي رسول الله صلّى الله عليه[ وآله ]وسلّم أردن أن يبعثن عثمان إلى أبي بكر ; يسألنه ميراثهنّ ، فقال عائشة : أليس قال رسول الله صلّى الله عليه[ وآله ]وسلّم : « لا نورّث ما تركناه صدقة ؟ » . فتح الباري 12 / 7 .
5 ـ أمّا قوله صلّى الله عليه [وآله ]وسلّم : « يوصيكم الله في أولادكم » ، فهي من قبيل العامّ المخصوص ، أي أنّه عامّ في جميع الأولاد ، مخصوص في أولاد الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم .
قال ابن حجر رحمه الله : وأمّا عموم قوله تعالى : (
يوصيكم الله في أولادكم ... ) (1) الآية ، فأُجيب عنها بأنّها عامّة فيمن ترك شيئاً كان يملكه ، وعلى تقدير أنّه عليه الصلاة والسلام خلّف شيئاً ممّا كان يملكه ، فدخوله في الخطاب قابل للتخصيص ; لِما عرف من كثرة خصائصـه ، وقد اشتهر عنه : « أنّه لا يورّث » ، فظهر تخصيصه بذلك دون الناس .
وقيل : الحكمة في كونه لا يورّث حسم المادّة في تمنّي الوارث موت المورّث من أجل المال . وقيل : لكون النبيّ كالأب لأُمّته ، فيكون ميراثه للجميع ، وهذا معنى الصدقة العامّة . انتهى . الفتح 12 / 9 .
6 ـ أمّا ما زعمه الموسوي من وصيّة النبيّ إلى عليّ في مبدأ الدعوة الإسلاميّة حين أنزل الله : (
وأنذر عشيرتك الأقربين ) ، فقد مضى الردّ عليها مفصّلاً في الردّ على المراجعة رقم 20 .
ــــــــــــــــ

(1) سورة النساء 4 : 11 .

(35)

7 ـ أمّا وصيّته صلّى الله عليه[ وآله ]وسلّم التي أراد أن يكتبها في مرض موته وتنازع الصحابة عند ذلك ، فقد زعم الموسوي أنّ النبيّ صلّى الله عليه[ وآله ]وسلّم أراد أن يوصي بولاية عليّ رضي الله عنه في حينها ، ولكنّ الصحابة تنازعوا في ذلك عنده ليحولوا بينه وبين كتابة هذه الوصيّة .
ثمّ ادّعى أنّ النبيّ صلّى الله عليه[ وآله ]وسلّم قد أوصاهم بثلاثة أُمور : أوّلها ، أن يوّلوا عليهم عليّاً ، ثمّ اتّهم الشيخين أبي بكر وعمر بأنّهم منعوا المحدّثين أن يحدّثوا بالوصيّة الأُولى ، بحكم سلطتهم السياسية ، كما اتّهم المحدّثين بأمانتهم وعدالتهم يوم أن كتموا هذه الوصيّة استجابة للسلطة السياسية ، متسلّحين بسلاح النسيان .
ولا شكّ في بطلان دعوى الموسوي ، وأدلّة ذلك :
الأوّل : المطالبة بصحّة الرواية التي أوصى بها النبيّ صلّى الله عليه[ وآله ]وسلّم للصحابة ( أن يوّلوا عليهم عليّاً ) ، إنّ الموسوي لم يذكر لنا كتاباً واحداً من كتب السنّة أو الصحاح أو المسانيد أخرجت هذه الرواية ، الأمر الذي يؤكّد كذبه .
بل إنّ كتب السنّة اتّفقت على ذكر وصيّتين فقط . فقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما : أنّ ابن عبّاس قال : يوم الخميس وما يوم الخميس ؟ اشتدّ برسول الله صلّى الله عليه[ وآله ]وسلّم وجعه فقال : ائتوني أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً ، فتنازعوا ، ولا ينبغي عند نبيّ نزاع ، فقالوا : ما شأنه ؟ أهَجَرَ ؟ استفهموه ، فذهبوا يردّون عليه ، فقال : دعوني ، فالذي أنا فيه خير ممّا تدعونني إليه ، وأوصاهم بثلاث ، قال : أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم ، وسكت عن الثالثة ، أو قال : فنسيها .

(36)

فإذا كانت كتب السنّة كلّها متّفقة على هذه الرواية التي اقتصرت على وصيّتين ، فمن أين علم الموسوي الوصيّة الثالثة ؟! تأمّل هذا تجده محض كذب وافتراء .
الثاني : إنّ كلام الموسوي يلزم منه القول بأنّ النبيّ صلّى الله عليه[ وآله ]وسلّم كتم شيئاً من الوحي ، عندما تراجع عن كتابة هذا الكتاب ، بتأثير النزاع الذي حصل عنده ، ولا يخفى بطلان هذا القول ; لِما فيه من القدح بعصمة النبيّ صلّى الله عليه[ وآله ]وسلّم .
الثالث : إنّ تراجع النبيّ صلّى الله عليه[ وآله ]وسلّم عن الكتابة يدلّ على أنّ الذي أراد أن يكتبه لم يكن أمراً متحتّماً ; لأنّه لو كان ممّا أمر بتبليغه لم يكن يتركه لوقوع اختلافهم ، بل ولعاقب الله من حال بينه وبين تبليغه ، ولبلّغه لهم لفظاً ، كما أوصاهم بإخراج المشركين وغير ذلك .
كما أنّه صلّى الله عليه[ وآله ]وسلّم عاش بعدها أيّاماً ولم يكتبها ، وحفظوا عنه أشياء لفظاً ، فيحتمل أن يكون مجموعها ما أراد أن يكتبه . والله أعلم . الفتح 8 / 134 .
الرابع : إنّ ما سمّاه بـ « بالسلطة » ، ويعني بها : ( أبي بكر وعمر ) (1) قد منعت المحدّثين من الحديث بالوصيّة الأُولى ـ أن يولّوا عليّاً عليهم ـ ، فهذا محض كذب واختلاق نابع من عقيدتهم الفاسدة في الصحابة عموماً ، وفي الشيخين أبي بكر وعمر خصوصاً ، حيث كفّروهم وحطّوا عليهم .
فليس بعجيب على الموسوي ـ وهذه عقيدته ـ أن يرمي خليفتي رسـول الله صلّى الله عليه[ وآله ]وسلّم بتهمة منع المحدّثين من رواية ما حفظوه عن النبيّ صلّى الله عليه[ وآله ]وسلّم ، وإرغامهم على العبث
ــــــــــــــــ

(1) كذا .

(37)

بسُـنّة النبيّ صلّى الله عليه[ وآله ]وسلّم ، في الوقت الذي شهد لهم الله ورسوله بالطهارة ، والعدالة ، والنزاهة ، والأمانة ، وليس بعد شهادة الله ورسوله شهادة .
وممّا يؤكّد كذب الموسوي ، أنّ اتّهامه هذا ليس له أصل في كتاب معتبر أو رواية صحيحة .
وهنا نسأل الرافضة ـ والموسوي واحد منهم ـ : إن كان ما تزعمونه حقّ (1) ، فلماذا سكت علىّ رضي الله عنه عن هذه الوصيّة التي تعزّز من موقفه وتمنحه الشرعيّة والحقّ في المطالبة بالخلافة ؟ فهل تراه سكت خوفاً وجبناً أمام سلطة أبي بكر وعمر ؟ أم أنّه سكت نفاقاً ؟ إنّكم أيّها الرافضة لا ترضون هذا لعليّ ولا تقولونه فيه ، وأهل السنّه يشاطرونكم الرأي في هذا ، فإذا اتّفقنا جميعاً على هذا الرأي ، فإنّ سكوت عليّ رضي الله عنه لا تفسير له إلاّ شيء واحد ، هو يقينه بأنّ النبيّ صلّى الله عليه[ وآله ]وسلّم لم يوص له بخلافة أو إمارة ، كما صرّح بذلك رضي الله عنه يوم الجمل : « أيّها الناس ، إن النبيّ صلّى الله عليه[ وآله ]وسلّم لم يعهد إلينا في هذه الدنيا شيئاً » ، أخرجه الإمام أحمد ، والبيهقي في
الدلائل .
وكان يكفي الإمام عليّ رضي الله عنه لو علم بهذه الوصيّة التي أنكرها عليه الشيخان أبي بكر وعمر ، أن يقول كلمة واحدة ليجد من حوله المؤيّدين والأنصار بالحقّ ، أو بغيره ; لتوفّر الدوافع آنذاك . كلّ هذا وغيره يثبت كذب الموسوي .
الخامس : إنّ الموسوي اتّهم البخاري ومسلم بكتمان الوصيّة متعلّلين بالنسيان ، وكذا سائر أصحاب السنن والمسانيد .
ــــــــــــــــ

(1) كذا .

(38)

وجواب ذلك ـ وبالله التوفيق ـ أن نقول : إنّ اتّهام الموسوي لأعلام أهل السُـنّة بكتمان وصيّة النبيّ صلّى الله عليه[ وآله ]وسلّم لا يخرج عن أمرين لا ثالث لهما :
1 ـ أن يكون اتّهامه جاء من غير نظر ولا بحث في الرواية وشروطها ، كما هي عليه في كتب أهل السنن ، ولا يخفى عندئذ بطلان الاتّهام في هذه الحال ; لجهل المتّهم وانعدام دليل الاتّهام . تأمّل هذا أخي المسلم تجده واضحاً ، وسيزداد عندك الأمر وضوحاً إذا عرفت أنّ الأدلّة تكذّب المتّهم ، وتتعارض مع الاتّهام ، كما سنبيّنه قريباً إن شاء الله تعالى .
2 ـ أن يكون اتّهامه هذا جاء بعد بحث ونظر فيما جاء في كتب السنّة بخصوص هذه الرواية ، فعندئذ يكون اتّهام الموسوي لأهل السنّة محض كذب وافتراء ، بل يكون قد باء بهذا الاتّهام ; لأنّه أنكر وكتم ما جاء فيها من بيان وإيضاح بدافع من الحقد والكراهية والتعصّب الممقوت .
وبالرجوع إلى كتب السنّة وشروطها يتأكّد ذلك الذي قلناه في الموسـوي .
قال البخاري : حدّثنا قتيبة ، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن سليمان الأحول ، عن سعيد بن جبير ، قال : « قال ابن عبّاس : يوم الخميس وما يوم الخميس ؟ اشتدّ برسول الله صلّى الله عليه[ وآله ]وسلّم وجعه فقال : ائتوني أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً ، فتنازعوا ، ولا ينبغي عند نبيّ نزاع ، فقالوا : ما شأنه ؟ أهَجَر ؟ استفهموه ، فذهبوا يردّون عليه ، فقال : دعوني ، فالذي أنا فيه خير ممّا تدعونني إليه ، وأوصاهم بثلاث ، قال : أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم ، وسكت عن الثالثة ، أو قال فنسيتها » .

(39)

وقد أخرج هذه الرواية الإمام مسلم ، وسائر كتب السُـنّة بمثله .
ولقد كانت حجّة الموسوي في ما نسبه إلى أعلام أهل السُنّة من اتّهام بكتمان الوصيّة ، ما جاء في آخرها من القول : (.. وسكت عن الثالثة ، أو قال : فنسيتها ) ، فسند السكوت والتعلّل بالنسيان ـ على حدّ تعبيره ـ للبخاري ومسلم وأصحاب السنن ، جهلاً منه أو تجاهلا ، يدفعه إلى ذلك كلّه الحقد والتعصّب ، والحرص على الطعن بهؤلاء الأئمّة الأعلام ، ليسقط عدالتهم ويسهل عليه بعد ذلك ردّ كلّ رواية لهم .
والحقيقة أنّ هذه العبارة التي اتّخذها الموسوي مطعناً وموطن اتّهام ، إنّما تعكس عدالة وضبط وأمانة الرواة أيّاً كانوا ، فعدالتهم وأمانتهم وضبطهم هو الذي منعهم من التقوّل على الرسول صلّى الله عليه[ وآله ]وسلّم بلا علم ، وخوفهم من الوقوع بالكذب على رسول الله صلّى الله عليه[ وآله[وسلّم هو الذي دفعهم إلى التوقّف عن ذكر الوصيّة الثالثة ، وهم غير ذاكرين لها ، لكن عين الموسوي عين سخط ، لا ترى إلاّ المساوئ ، وطبعه طبع عقرب لا يعرف إلاّ الأذى ، أتراه كيف حوّل الأمانة إلى خيانة ؟ تأمّل هذا تجده جليّاً .
ثمّ إنّ الموسوي لام الرواة على نسيانهم ، وآخذهم على ذلك ، غير عالم أنّ النسيان من طبيعة الإنسان ، حتّى قيل :
وما سمّي الإنسان إلاّ لنسيه وما القلب إلاّ لأنّه يتقلّب
وإنّ الله سبحانه لا يؤاخذ على النسيان ، وقد علّمنا أن ندعوه بذلك (
ربّنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ) (1) .
كما أنّ الموسوي اعتبر هذا النسيان متعمّداً عندما قال : « .. فزعموا
ــــــــــــــــ

(1) سورة البقرة 2 : 286 .

(40)

أنّهم نسوها » .
والجواب على ذلك : أنّ التعمّد وعدمه أمر قلبي ، لا يمكن لأحد من البشر الاطّلاع عليه ، فكيف عرفته أنت حتّى تحكم عليه ؟ هل شققت على قلوبهم ؟!!
وبعد هذا كلّه ، نسوق ما جاء في
فتح الباري ، عند شرح هذه الرواية التي اتّخذها الموسوي مطعناً ; ليتبيّن لنا ظلمه لأعلام أهل السنّة ، وليتبيّن لنا أمانة هؤلاء في نقل الرواية ، فالبخاري ومسلم وأصحاب السنن ، ما سمعوا بالوصيّة الثالثة ولا سكتوا عنها ، وإنّما سمعوا الرواية بهذه الصورة فأدّوها كما سمعوها .
قال ابن حجر : وقوله : ( وسكت عن الثالثة ، أو قال فنسيتها ) يحتمل أن يكون القائل ذلك هو سعيد بن جبير ، ثمّ وجدت عن الإسماعيلي التصريح بأنّ قائل ذلك هو ابن عيينة ، وفي مسند الحميدي ، ومن طريقه أبو نعيم في
المستخرج : قال سفيان ، قال سليمان ـ أي ابن أبي مسلم ـ : لا أدري أذكر سعيد بن جبير الثالثة فنسيتها ، أو سكت عنها ، وهذا هو الأرجح . انتهى . الفتح 8 / 135 .
وهذا كلام صريح بأنّ القائل لعبارة ( وسكت عن الثالثة ، أو قال فنسيتها ) هو سعيد بن جبير ، والساكت عنها إنّما هو ابن عبّاس رضي الله عنه ، وقد طرأ على سعيد الشكّ في سكوت ابن عبّاس ، فقال : ( أو قال نسيتها ) ، وهذا دليل أمانة لا دليل خيانة كما زعم الموسوي ، وعلى فرض صحّة زعمه واتّهامه ، فما ذنب البخاري ؟ وما علاقته في هذا القول ؟! ولئن صحّ أن يكون دليل اتّهام لسعيد بن جبير ، فهو دليل أمانة للبخاري ; لأنّه روى قول سعيد كما سمعه .

(41)

أرأيت إلى ظلم الموسوي وتعصّبه الأعمى ؟
وإذا كانت هـذه الروايات الصحـيحة متّفقة على السكوت على الوصـيّة الثالثة أو نسيانها ، فكيف عرفها الموسوي بعد سكوت ابن عبّـاس عنها أو نسيان سـعيد بن جبير لها بأنّها الوصيّة لعليّ بن أبي طالب بالخلافة ؟ على حين أنّ أحداً من علماء الحديث لم يقل ذلك ، بل إنّهم صـرّحوا بخلافه .
قال الداودي : الثالثة الوصيّة بالقرآن ، وبه جزم ابن التين ، وقال المهلّب : بل هو تجهيز جيش أُسامة ، وقوّاه ابن بطّال ، بأنّ الصحابة لمّا اختلفوا على أبي بكر في تنفيذ جيش أُسامة قال لهم أبو بكر : إنّ النبيّ صلّى الله عليه[ وآله ]وسلّم عهد بذلك عند موته . وقال عياض : يحتمل أن تكون هي قوله : « ولا تتّخذوا قبري وثناً » ، فإنّها ثبتت في الموطأ مقرونة بالأمر بإخراج اليهود ، ويحتمل أن يكون ما وقع في حديث أنس أنّها قوله : « الصلاة وما ملكت أيمانكم » . انتهى . الفتح 8 / 135 .
أمّا دعوى الموسوي ، بأنّ رسول الله صلّى الله عليه[ وآله ]وسلّم لحق بربّه وهو في صدر عليّ بن أبي طالب ، فهذا محض كذب وافتراء ، ولم يثبت بكتاب معتبر ، بل إنّه معارض بالأحاديث الصحيحة المتّفقة على أنّه مات عليه الصلاة والسلام بين سحر ونحر عائشة وفي صدرها ، وقد سبق بيان ذلك بالتفصيل » .

أقـول :
إنّ في مقدّمة كلام هذا المفتري ملاحظات لا بُدّ من التنبيه عليها قبل الورود في البحث :

(42)

1 ـ لقد كان عليه التصريح بأفضليّة سيّدتنا خديجة أُمّ المؤمنين من سائر أزواج رسول الله صلّى الله عليه وآله ، لكنّه قال : « أمّا من حيث أفضليّة بعضهنّ على بعض ، فلا شكّ في فضل خديجة » ، ثمّ قال : « فلا يمكن مقارنتها مع غيرها » ، ولعلّه يريد المتابعة أو المجاملة مع من زعم أفضليّة عائشة ، أو توقّف في المسألة ، من أسلافه النواصب للنبيّ وآله .
2 ـ لقد اتّهم الرافضة للمتقدّمين على أمير المؤمنين بالتعصّب والهوى ; لأنّهم يستدلّون بما رواه البخاري في فضل خديجة ، ويضربون عمّا رواه في فضل عائشة عرض الحائط .
وهذا منه جهلٌ أو تجاهل بقواعد البحث وأُصول المناظرة ; لأنّ المفروض هو وثاقة البخاري وصحّة رواياته عند جمهور أهل السُـنّة ، فلمّا يحتجّ الإمامي بحديث من هذا الكتاب ، يريد إلزام القوم بما التزموا به ، فلا يدلّ على قبوله للبخاري وثقته برواياته حتّى يقال : « فلماذا لا يقول بفضل عائشة وقد أخرج البخاري أحاديث كثيرة في فضلها ... ؟ » .
3 ـ لقد غفل أو تغافل عن أنّ للإماميّة منهجاً معيّناً في القول بفضل أحد والحبّ له ، أو الطعن فيه والبغض له ، وهذا المنهج مستمدّ من الكتاب العظيم والسُـنّة الثابتة ، وعلى هذا الأساس تقول بأفضليّة سيّدتنا خديجة من سائر الأزواج ، وإن كان كونها أُمّاً لفاطمة بضعة النبيّ ، وجدّةً للحسنين سـيّدي شباب أهل الجنّة فضلاً كبيراً لها ..
وعلى هذا الأساس أيضاً تقول الإماميّة بأفضليّة أُمّ المؤمنين أُمّ سلمة ـ بعد خديجة ـ مع عدم كونها أُمّاً أو جدّةً لأحد من أهل البيت ، بل وعدم كونها من بني هاشم ، الّذين هم أفضل الناس في قريش ، كما في الأحاديث المتواترة الثابتة .

(43)

فالنبيّ صلّى الله عليه وآله لمّا أعلن أنّ بغض عليّ علامة النفاق ، وأنّ الله يغضب لغضب فاطمة ، وقد قال تعالى : (
وما ينطق عن الهوى * إن هو إلاّ وحي يوحى (1) ، كان المنطلق في عقيدة الإماميّة هو « الوحي » ، وكان ما جاء به هو « الأساس » عندهم للحبّ والبغض ... ولا يهمّهم ـ بعد ذلك ـ السخط واللّغط من هذا وذاك !!
4 ـ وبناءً على ما ذكرنا ـ في الملاحظة الثانية ـ يتبيّن صحّة احتجاج السـيّد ـ رحمه الله ـ بالأحاديث المذكورة في المراجعة : 68 ـ 70 لإثبات الوصـيّة لأمير المؤمنين عليه السلام .
وأمّا المناقشة في أسانيدها ، فقد اتّضح اندفاعها على ضوء كلمات علماء الجرح والتعديل من القوم ; إذ ليس من شرط الصحّة أن لا يكون الراوي متكلّماً فيه أصلاً ، وإلاّ لزم سقوط البخاري نفسه ; لتكلّم غير واحد من أئمّتهم فيه ، ولذا أورده الذهبي في كتاب
المغني في الضعفاء (2) ، ولزم سقوط كتابه كلّه عن الصحّة ; لتكلّم أئمّتهم في عدّة كبيرة من رجاله ، ولذا عقد ابن حجر العسقلاني فصلاً في
مقدّمة فتح الباري للدفاع عنهم ...
5 ـ وقفز هذا المفتري إلى المراجعة 73 ; تغافلاً عمّا جاء في الأحاديث التي أوردها السـيّد ، من الجسارة والطعن من عائشة في سيّدتنا خديجة ، كقولها : « فتناولتها فقلت : عجـوز كذا وكذا » ، حتّى أنّها كانت تغضِب رسـول الله بكلماتها . وكذا ما اشتملت عليه من فضل لسيّدتنا فاطمة بضـعة رسول الله صلّى الله عليه وآله ، إلاّ أنّه اتّهم السـيّد وهو يحلف :
ــــــــــــــــ

(1) سورة النجم 53 : 3 ـ 4 .
(2) المغني في الضعفاء 2 / 268 .

(44)

« والله ، إنّ الموسوي ما ترك من الخداع والنفاق والغشّ شيئاً لأحد من الناس » !!
ثمّ قال : «وفي المراجعة 74 استجاب الموسوي إلى ما طلب منه من التفصيل في سبب الإعراض عن حديث عائشة ، فليته ذكر سبباً من الأسباب التي تردّ بها الرواية عادة ، وتعدّ عند أهل العلم مطعناً يفقد الرواية حجّيتها ، لكنّه ردّ ذلك الإعراض إلى خصومة بينها وبين عليّ رضي الله عنه ، والتي دفعتها إلى إنكار وصيّة النبيّ صلّى الله عليه[وآله ]وسلّم لعليّ رضي الله عنه بالخلافة » .

أقـول :
* أوّلا : إنّ الكلام في الإعراض وعدم الاعتبار بالحديث المروي عن عائشة في إنكار الوصيّة ، وكما يصحّ أن يكون السبب في الإعراض عدم صحّة سند الحديث لعدم وثاقة رواته ، كذلك يصحّ أن يكون السبب فيه عدم الوثوق بالمروي عنه ـ على فرض صحّة السند ـ بسبب وجود الخلاف بينه وبين الطرف الآخر ..
وكأنّ هذا المفتري جاهل أو يتجاهل القاعدة المقرّرة في الجرح والتعديل في هذا الموضوع ; قال ابن حجر العسقلاني : « وممّن ينبغي أن يتوقّف في قبول قوله في الجرح : مَن كان بينه وبين مَن جرحه عداوة سببها الاختلاف في الاعتقاد ، فإنّ الحاذق إذا تأمّل ثلب أبي إسحاق الجوزجاني لأهل الكوفة رأى العجب ، وذلك لشـدّة انحرافه في النصـب ، وشهرة أهلها بالتشـيّع ... » (1) .
ــــــــــــــــ

(1) لسان الميزان 1 / 108 .

(45)

* ثانياً : هل يمكن للنواصب والمفترين أن يدّعوا أنّ عائشة كانت من المحبّين لعليّ أمير المؤمنين ولبضعة النبيّ الطاهرة ؟ وأنّه لم يكن بينها وبينهما عداوة وخصومة ؟!
هذا عمدة الكلام على مقدّمة كلام المفتري .
فلننظر في ما قيل في الردّ على ما ذكره السـيّد في بيان الأسباب في إعراضنا عن إنكار عائشة وصيّة النبيّ لأمير المؤمنين عليهما وآلهما الصلاة والسلام ..

قال السـيّد :
« فالاحتجاج على نفي الوصيّة إلى عليّ بقولها ـ وهي من ألدّ خصومه ـ مصادرة لا تُنتظر من منصف ، وما يوم عليّ منها بواحد ، وهل إنكار الوصيّة إلاّ دون يوم الجمل الأصغر ويوم الجمل الأكبر ؟! » ...

وقيل :
وجوابنا عن ذلك بوجوه :
الأوّل : المطالبة بصحّة هذا الادّعاء ...
الثاني : لو سلّمنا جدلا بما ادّعاه الموسوي ... فما جواب الرافضة على الروايات الأُخرى الصحيحة ، التي نفت أن يكون النبيّ صلّى الله عليه[ وآله ]وسلّم قد أوصى لأحد بشيء ، عن ابن عبّـاس وابن أبي أوفى ...

أقـول :
إنّه بعد قيام الدليل على الوصيّة عقلاً ونقلا ، ومن ذلك حديث الثقلين ; إذ أوصى بالتمسّك بالكتاب والعترة ، وأمر باتّباعهما وإطاعتهما

(46)

إطاعة مطلقة ، والذي نصّ غير واحد من أعلام القوم بشرحه على أنّه وصيّة منه إلى الأُمّة إلى يوم القيامة (1) .
وفي بعض ألفاظه ـ كما في رواية أحمد وابن أبي عاصم والطبراني وغيرهم ـ التصريح بأنّهما الخليفتان من بعده ، قال : «إنّي تركت فيكم خليفتين : كتاب الله وأهل بيتي ، وإنّهما لن يتفرّقا حتّى يردا عليّ الحوض » . .
قال الهيثمي : « رواه الطبراني في
الكبير ورجاله ثقات » (2) .
وبيّن المناوي بشرحه : أنّ المراد من « أهل البيت » فيه « هم أصحاب الكساء الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً » (3) .
نعم ، فإنّه بعد قيام الدليل على الوصيّة ، لا يُصغى إلى إنكار منكر مثل عائشة وأمثالها ... !
وأمّا حديثهم عن أبن أبي أوفى بأنّه قد أوصى بكتاب الله ، فقد أجاب السيّد : بأنّه « حقّ ، غير أنّه أبتر ; لأنّه صلّى الله عليه وآله أوصى بالتمسّك بالثقلين معاً ... » (4) .
على أنّ ابن أبي أوفى من الصحابة الرواة لحديث : « من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه » (5) .
ــــــــــــــــ

(1) استجلاب ارتقاء الغرف ـ للحافظ السخاوي ـ : 60 باب وصيّة النبيّ ... ، جواهر العقدين ـ للحافظ السمهودي ـ : 231 ذكر حثّه الأُمّة على التمسّك بعده ... الصواعق المحرقة : 90 ، شرح المواهب اللدنية 7 / 5 ، فيض القدير 2 / 174 ، المرقاة في شرح المشكاة 5 / 601 .
(2) مجمع الزوائد 9 / 163 .
(3) فيض القدير في شرح الجامع الصغير 3 / 14 .
(4) المراجعة 70 .
(5) مستدرك كتاب الغدير للعلاّمة المحقّق المغفور له السـيّد عبـد العزيز الطباطبائي ـ مخـطوط .

(47)

وأمّا خبر إنكار ابن عبّـاس الوصيّة فمكذوب عليه قطعاً :

أمّا أوّلا : فلأنّ ابن عبّـاس من رواة « حديث الثقلين » و « حديث الغدير » ، وغيرهما من أحاديث خلافة أمير المؤمنين عليه السلام .

وأمّا ثانياً : فلأنّه بعد أن منع الحاضرون من أن يكتب النبيّ صلّى الله عليه وآله وصيّته قائلين : « هجر رسول الله » ، كان يبكي ويقول : « إنّ الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بين رسول الله صلّى الله عليه[وآله ]وسلّم ، وبين كتابه » (1) .
وأمّا أنّ الإمام عليه السلام قال يوم الجمل : « يا أيّها الناس ... » وأنّه قد رواه أحمد والبيهقي في
الدلائل ، فقد راجعنا
المسند ، وهذا هو الحديث فيه بالسند : « حدّثنا عبـد الله ، حدّثني أبي ، ثنا عبـد الرزّاق ، أنبأنا سفيان ، عن الأسود بن قيس ، عن رجل ، عن عليّ رضي الله عنه ، أنّه قال يوم الجمل : إنّ رسول الله صلّى الله عليه[ وآله ]لم يعهد إلينا عهداً نأخذ به في إمارة ، ولكنّه شيء رأيناه من قبل أنفسنا ، ثمّ استخلف أبو بكر ـ رحمة الله على أبي بكر ـ فأقام واستقام ، ثمّ استخلف عمر ـ رحمة الله على عمر ـ فأقام واستقام حتّى ضرب الدين بجرانه » (2) .
وهذا الحديث ساقط ; لأنّ الراوي عن الإمام عليه السلام مجهول ، وقد ذكر بترجمة « الأسود بن قيس » عن ابن المديني أنّه « روى عن عشرة مجهولين لا يُعرفون » (3) . وابن المديني ـ كما هو معروف ـ شيخ البخاري وإمامه .
ــــــــــــــــ

(1) رواه البخاري ومسلم وأحمد وغيرهم ، وسيُبحث بالتفصيل في المراجعات الآتية .
(2) مسند أحمد 1 / 114 .
(3) تهذيب التهذيب 1 / 298 .

(48)

ثمّ لماذا لم يذكر عثمان بعد أبي بكر وعمر ؟ ألم يكن قد أقام واستقام مثلهما فاستحقّ الرحمة ؟!
لكنّا لمّا راجعنا كتاب
دلائل النبوّة وجدنا أنّ الحديث يشتمل على ذيل ، فيه طعن شديد على عثمان وطلحة والزبير ... وهو : « ثمّ إنّ أقواماً طلبوا الدنيا ، فكانت أُمور يقضي الله فيها » (1) .
ثمّ إنّ بعضهم لمّا رأى شدّة هذه العبارة في الذيل ، أبدلها بعبارة خفيفة ، فوضعها باللفظ التالي : « ثمّ إنّ أقواماً طلبوا الدنيا ، يعفو الله عمّن يشاء ويعذّب مَن يشاء » (2) .
وكما وقع التلاعب في المتن ، فقد وقع الاضطراب في السند ; فالراوي في
المسند مجهول ..
وفي
كتاب الضعفاء : « عن الأسود بن قيس العبدي ، عن سعيد بن عمرو بن سفيان ، عن أبيه ، قال : خطب عليّ ... » .
وفي
تاريخ دمشق رواه تارةً عن طريق أحمد ، والراوي مجهول كذلك ، وأُخرى بإسناده عن الثوري ، عن الأسود بن قيس العبدي ، عن عمرو بن شقيق ، قال : لمّا فرغ عليّ من الجمل ... (3) .
قالوا : وكان الثوري يضطرب فيه ولا يثبت إسناده (4) !

وقيل :
الثالث : إنّه نقل كلاماً مغلوطاً مبالغاً فيه ، في خبر ما كان في موقعة
ــــــــــــــــ

(1) تحفة الأحوذي 6 / 396 عن دلائل النبوّة ـ للبيهقي ـ .
(2) كتاب الضعفاء الكبير 1 / 178 .
(3) تاريخ دمشق 30 / 292 ـ 293 .
(4) تاريخ بغداد ـ للخطيب البغدادي ـ 3 / 384 .

(49)

الجمل ، متّهماً عائشة وطلحة والزبير أنّهم خرجوا لقتال عليّ ، وأنّها أظهرت بذلك ما كانت تضمره من عداء له ، وأنّها سجدت شكراً لله عند موت عليّ ابن أبي طالب .

أقـول :
إنّ قضيّة خروجها ـ مع طلحة والزبير ـ على إمام زمانها ، وتسبّبها في قتل عشرات الآلاف ، من القضايا الثابتة البالغة حدّ الدراية المستغنية عن الرواية .
وأيضاً ، فقد ثبت أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم قد أخبرها بذلك ونهاها عن ذلك ، حتّى عدّه الحفّاظ المؤلّفون في معاجزه وإخباراته عن المغيّبات ...
ولنذكر ما جاء في
شرح الشفا بتعريف حقوق المصطفى في الفصل المخصّص بتلك الأُمور :
« وأخبر في حديث رواه البيهقي من طرق ، وهو ممّا أخبر به من المغيّبات ( بمحاربة الزبير لعليّ ) وهو ظالم له .
كان صلّى الله عليه[وآله[وسلّم رآهما يوماً وكلٌّ منهما يضحك ، فقال لعليّ : أتحبّه ؟
فقال : كيف لا أُحبّه وهو ابن عمّتي صفيّة وعلى ديني ؟!
فقال للزبير : أتحبّه ؟
فقال : كيف لا أُحبّه وهو ابن خالتي وعلى ديني ؟!
فقال : أما أنّك ستقاتله وأنت له ظالم .
فلمّا كان يوم الجمل قاتله ، فبرز له عليّ رضي الله عنه وقال :

(50)

ناشدتك الله ! أسمعت من رسول الله قوله : إنّك ستقاتلني وأنت لي ظالم ؟!
قال : نعم ، ولكن أنسيته .
وانصرف عنه ، فلمّا كان بوادي السباع خرج عليه ابن جرموز وهو نائم فقتله ، وأتى برأسه ، كما فصّله المؤرّخون .
وممّا أخبر به من المغيّبات : ( نباح كلاب الحوأب على بعض أزواجه ) ، يعني عائشة ... وأخبر صلّى الله عليه[وآله ]وسلّم في هذا الحديث ( أنّه : يقتل حولها ) ممّن كان معها ( قتلى كثيرة ) ، قيل : كانوا نحو ثلاثين ألفاً ، ( وتنجو ) ، أي تسلم هي ( بعدما كادت ) ، أي قاربت عدم النجاة ، ( فنبحت ) كلاب الحوأب ( على عائشة عند خروجها إلى البصرة ) . وهذا الحديث صحيح كما مرّ ، روي من طرق عديدة ... » (1) .
ولنختصر الكلام في المقام في نقاط :

1 ـ عائشة وطلحة والزبير قادة الحركة ضدّ عثمان .
وهذا ممّا لا ينكره إلاّ المكابر ، والأخبار به قطعيّة ، والشواهد عليه كثيرة ..
فمن ذلك : قولها لمروان بن الحكم وقد طلب منها الإقامة بالمدينة لتدفع عن عثمان وهو محصور : « والله لا أفعل ، وددت ـ والله ـ أنّه في غرارة من غرائري ، وأنّي طوّقت حمله حتّى ألقيه في البحر » .
وقولها لابن عبّـاس : « إيّاك أن تردّ الناس عن هذا الطاغية » .
وعن سعد بن أبي وقّاص ـ وقد سئل : مَن قتل عثمان ؟ ـ : « قتله سيف سلّته عائشـة ، وشحـذه طلحة ، وسـمّه عليّ » ، قال الراوي : « قلت :
ــــــــــــــــ

(1) نسيم الرياض في شرح الشفا للقاضي عياض 4 / 169 ـ 170 .

(51)

فما حال الزبير ؟ قال : أشار بيده وصمت بلسانه » .
وعن أُمّ سلمة ـ لمّا جاءت إليها عائشة تخادعها على الخروج معها إلى البصرة ـ : « أنا أُمّ سلمة ، إنّكِ كنت بالأمس تحرّضين على عثمان وتقولين فيه أخبث القول ، وما كان اسمه عندك إلاّ نعثلاً » .
وعن الأحنف بن قيس لمّا قالت له : «ويحك يا أحنف ! بمَ تعتذر إلى الله من ترك جهاد قتلة أمير المؤمنين عثمان ؟ أمن قلّة عدد ، أو أنّك لا تطاع في العشيرة ؟!
قال : يا أُمّ المؤمنين ! ما كبرت السنّ ولا طال العهد ، وإنّ عهدي بكِ عام أوّل تقولين فيه وتنالين منه » .
وعن المغيرة بن شعبة في جواب قولها له : « يا أبا عبد الله ! لو رأيتني يوم الجمل قد أنفذت النصل هودجي حتّى وصل بعضها إلى جلدي .
قال : وددت ـ والله ـ أنّ بعضها كان قتلك .
قالت : يرحمك الله ولمَ تقول هذا ؟
قال : لعلّها تكون كفّارة في سعيك على عثمان ... » .
وعن عمّار رضي الله عنه ـ وقد رآها باكية على عثمان ـ : «أنتِ بالأمس تحرّضين عليه ، ثمّ أنتِ اليوم تبكينه ؟! » .
وعن سعيد بن العاص ، أنّه لقي مروان وأصحابه بذات عرق فقال : « أين تذهبون وثاركم على أعجاز الإبل ؟! اقتلوهم ثمّ ارجعوا إلى منازلكم ، لا تقتلوا أنفسكم ... » .
وعن أمير المؤمنين عليه السلام ـ في كتاب له إلى طلحة والزبير وعائشة ـ :
« وأنتِ يا عائشة ، فإنّك خرجت من بيتك عاصية لله ولرسوله ،

(52)

تطلبين أمراً كان عنكِ موضوعاً ، ثمّ تزعمين أنّكِ تريدين الإصلاح بين المسلمين ! فخبّريني : ما للنساء وقود الجيوش ، والبروز للرجال ، والوقع بين أهل القبلة ، وسفك الدماء المحترمة ؟!
ثمّ إنّكِ طلبت ـ على زعمك ـ دم عثمان ، وما أنت وذاك ، وعثمان رجل من بني أُميّة وأنت من تيم ؟!
ثمّ أنت بالأمس تقولين في ملأ من أصحاب رسول الله : اقتلوا نعثلاً فقد كفر ، ثمّ تطلبين اليوم بدمه !
فاتّقي الله وارجعي إلى بيتك ، واسبلي عليك سترك » .
وأمّا أنّها كانت تقول : « اقتلوا نعثلاً » : فهذا موجود في رواية المحدّثين ونقل المؤرّخين ، حتّى لقد أورده اللغويّون في المعاجم اللغويّة ، في مادّة « نعثل » ; فراجـع
النهاية و
لسان العرب و
تاج العروس ، وغيرها .

2 ـ السبب في خروج عائشة ونكث طلحة والزبير بيعة الإمام .
قال المؤرّخون : إنّ طلحة والزبير سألا أمير المؤمنين عليه السلام أن يؤمّرهما على الكوفة والبصرة ، فقال : تكونان عندي فأتجمّل بكما ، فإنّي وحش لفراقكما .
فخرجا من عنده وطلحة يقول : ما لنا من هذا الأمر إلاّ كلحسة الكلب أنفه ... ثمّ ظهرا إلى مكّة يزعمان أنّهما يريدان العمرة ، فقال الإمام عليه السلام : بل تريدان الغدرة .
وأمّا عائشة ، فكانت تريد الأمر لطلحة ابن عمّها ، وما كانت تشكّ في أنّه هو صاحب الأمر ، فلمّا بلغها بيعة الناس للإمام عليه السلام خرجت عليه ...

(53)

قال الطبري : « خـرج ابن عبّـاس ، فمرّ بعائشة في الصلصل فقالت : يا ابن عبّـاس ! أنشدك الله فإنّك قد أُعطيت لساناً إزعيلاً أن تخذّل عن هذا الرجل ، وأن تشكّك فيه الناس ; فقد بانت لهم بصائرهم ، وأنهجت ورفعت لهم المنار ، وتجلّبوا من البلدان لأمر قد جمّ ، وقد رأيت طلحة بن عبيد الله قد اتّخـذ على بيوت الأموال والخزائن مفاتـيح ، فإن يلِ يسِرْ بسيرة ابن عمّه أبي بكر » .
وقال : « إنّ عائشة لمّا انتهت إلى سرف راجعةً في طريقها إلى مكّة ، لقيها عبـد ابن أُمّ كلاب ـ وهو عبـد بن أبي سلمة ، ينسب إلى أُمّه ـ فقالت له : مهيم ؟
قال : قتلوا عثمان ، فمكثوا ثمانياً .
قالت : ثمّ صنعوا ماذا ؟
قال : أخذها أهل المدينة بالاجتماع فجازت بهم الأُمور إلى خير مجاز ، اجتمعوا على عليّ بن أبي طالب .
فقالت : والله ليت أنّ هذه انطبقت على هذه إن تمّ الأمر لصاحبك . ردّوني .
فانصرفت إلى مكّة وهي تقول : قُتل ـ والله ـ عثمان مظلوماً ، والله لأطلبنّ بدمه .
فقال لها ابن أُمّ كلاب : ولمَ ؟ فوالله إنّ أوّل من أمال حرفه لأنتِ ، ولقد كنتِ تقولين : اقتلوا نعثلاً فقد كفر .
قالت : إنّهم استتابوه ثمّ قتلوه ، وقد قلت وقالوا ، وقولي الأخير خير من قولي الأوّل ... » .

(54)

3 ـ الاجتماع في بيت عائشة والإجماع على الخروج على الإمام.
قالوا : فاجتمع طلحة والزبير وابن عامر ويُعلى بن أُميّة عند عائشة في بيتها ، فأداروا الرأي ، فقالوا : نسير إلى عليّ فنقاتله . فقال بعضهم : ليس لكم طاقة بأهل المدينة ، ولكنّا نسير حتّى ندخل البصرة والكوفة ، ولطلحة بالكوفة شيعة وهوى ، وللزبير بالبصرة هوى ومعونة ، فاجتمع رأيهم على أن يسيروا إلى البصرة وإلى الكوفة .
فقالت أُمّ سلمة لعائشة : يا عائشة ! إنّك سدّة بين رسول الله وبين أُمّته ، حجابك مضروب على حرمته ، وقد جمع القرآن ذيلك فلا تندحيه ، وسـكن الله عقـيرتك فلا تصحـريها ، الله من وراء هذه الأُمّة ، قد علم رسـول الله مكانك لو أراد أن يعهد فيك عهداً ، بل قد نهاك عن الفرطة في البلاد ، ما كنت قائلة لو أنّ رسول الله قد عارضك بأطراف الفلوات ؟! ...

4 ـ قصّة كلاب الحوأب وأوّل شهادة زور في الإسلام .
قالوا : ولمّا ساروا ووصلوا إلى مكان يسمّى « الحوأب » فيه ماء ، نبحتها الكلاب ، فسألت عن الماء ، فقالوا : هذا ماء الحوأب ، فتذكّرت قول النبيّ صلّى الله عليه وآله : أيتكنّ صاحبة الجمل الأدبب ، تنبحها كلاب الحوأب ؟!
فتوقّفت ، فدخل عليها ابن أُختها عبـد الله بن الزبير ، فحلف لها بالله أنّه ليس الحوأب ، وأتاها ببيّنة زور من الأعراب ، فشهدوا بذلك ، وكانت تلك أوّل شهادة زور في الإسلام (1) .
ــــــــــــــــ

(1) مسند أحمد 6 / 97 ، المستدرك على الصحيحين 3 / 165 ، فتح الباري في شرح صحيح البخاري 6 / 165 ، مجمع الزوائد 7 / 234 ، الأنساب 2 / 286 ، الحوأب ، روضة المناظر : حوادث السنة 36 ، تذكرة الخواصّ : 68 ، وغيرها .
وقد نصّ الحافظ ابن حجر وغيره على صحّة الخبر .

(55)

5 ـ بعض ما كان بالبصـرة قبل الحرب .
قالوا : لمّا قدمت عائشة البصرة ، كتبت إلى زيد بن صوحان : من عائشة ابنة أبي بكر أُمّ المؤمنين حبيبة رسول الله ، إلى ابنها الخالص زيد بن صوحان ، أمّا بعد ، فإذا أتاك كتابي هذا فأقدم وانصرنا على أمرنا هذا ، فإن لم تفعل فخذّل عن عليّ .
فكتب إليها : من زيد بن صوحان إلى عائشة ابنة أبي بكر حبيبة رسول الله ، أمّا بعد ، فإنّي ابنك الخالص إن اعتزلتِ هذا الأمر ورجعتِ إلى بيتكِ ، وإلاّ فأنا أوّل من نابذك .
قال زيد بن صوحان : رحم الله أُمّ المؤمنين ، أُمرت أن تلزم بيتها وأُمرنا أن نقاتل ، فتركت ما أُمرت به وأمرتنا به ، وصنعت ما أُمرنا به ونهتنا عنه .
ثمّ إنّها كتبت إلى حفصة بنت عمر : أمّا بعد ، فإنّي أُخبرك أنّ عليّاً قد نزل ذاقار وأقام بها مرعوباً خائفاً لِما بلغه من عدّتنا وجماعتنا ، فهو بمنزلة الأشقر إن تقدّم عقر ، وإن تأخّر نحر !
فدعت حفصة جواري لها يتغنّين ويضربن بالدفوف ، فأمرتهنّ أن يقلن في غنائهنّ : ما الخبر ما الخبر ؟ عليٌّ في السفر ، كالفرس الأشقر ، إن تقدّم عقر ، وإن تأخّر نحر .
وجعلت بنات الطلقاء يدخلن على حفصة ويجتمعن لسماع ذلك

(56)

الغناء ، فبلغ أُمّ كلثوم بنت عليّ عليه السلام ، فلبست جلابيبها ودخلت عليهنّ في نسوة متنكّرات ، ثمّ أسفرت عن وجهها ، فلمّا عرفتها حفصة خجلت واسترجعت ، فقالت أُمّ كلثوم : لئن تظاهرتما عليه منذ اليوم لقد تظاهرتما على أخيه من قبل ، فأنزل الله فيكما ما أنزل .
فقالت حفصة : كُفّي رحمك الله .
وأمرت بالكتاب فمزّق ، واستغفرت الله .
قال الطبري : فقدموا البصرة وعليها عثمان بن حنيف ، فقال لهم عثمان : ما نقمتم على صاحبكم ؟
فقالوا : لم نره أوْلى بها منّا ، وقد صنع ما صنع .
قال : فإنّ الرجل أمّرني ، فأكتب إليه فأعلمه ما جئتم له ، على أن أُصلّي بالناس حتّى يأتينا كتابه .
فوقفوا عليه وكتب .
فلمّا استوثق لطلحة والزبير أمرهما ، خرجا في ليلة مظلمة ذات ريح ومطر ومعهما أصحابهما ، قد ألبسوهم الدروع وظاهروا فوقها بالثياب ، فانتهوا إلى المسجد وقت صلاة الفجر ، وقد سبقهم عثمان بن حنيف إليه ، وأُقيمت الصلاة ، فتقدّم عثمان ليصلّي بهم ، فأخّره أصحاب طلحة والزبير وقدّموا الزبير ، فجاءت السبابجة ـ وهم الشرط حرس بيت المال ـ فأخّروا الزبير وقدّموا عثمان ، فغلبهم أصحاب الزبير فقدّموا الزبير وأخّروا عثمان .
فلم يزالوا كذلك حتّى كادت الشمس أن تطلع ، وصاح بهم أهل المسجد : ألا تتّقون الله يا أصحاب محمّـد وقد طلعت الشمس ؟!
فغلب الزبير فصلّى بالناس . فلمّا انصرف من صلاته صاح بأصحابه المتسلّحين : أن خذوا عثمان بن حنيف .

(57)

فأخذوه بعد أن تضارب هو ومروان بن الحكم بسيفيهما ، فلمّا أُسر ضُرِب ضرب الموت ، ونُتف حاجباه وأشفار عينيه ، وكلّ شعرة في رأسه ووجهه ، وأخذوا السبابجة ـ وهم سبعون رجلاً ـ فانطلقوا بهم وبعثمان بن حنيف إلى عائشة ، فقالت لأبان بن عثمان : اخرج إليه فاضرب عنقه ; فإنّ الأنصار قتلت أباك وأعانت على قتله .
فنادى عثمان : يا عائشة ! ويا طلحة ! ويا زبير ! إنّ أخي سهل بن حنيف خليفة عليّ بن أبي طالب على المدينة ، وأقسم بالله إن قتلتموني ليضعنّ السيف في بني أبيكم وأهليكم ورهطكم ، فلا يبقي منكم أحداً .
فكفّوا عنه وخافوا أن يوقع سهل بن حنيف بعيالاتهم وأهلهم بالمدينة ، فتركوه .
وأرسلت عائشة إلى الزبير : أن اقتل السبابجة ...
فذبحهم ـ والله ـ الزبير كما يذبح الغنم ...
وكان الغدر بعثمان بن حنيف أوّل غدر كان في الإسلام ...

6 ـ عاقبة الأمـر .
وكان عاقبة الأمر أن قُتل الزبير بعد أن ذكّره الإمام عليه السلام بما قال له النبيّ صلّى الله عليه وآله ، على يد ابن جرموز .
فهلاّ أرجع عائشة إلى بيتها الذي أخرجها منه ؟!
وكيف لم يخبرها بالحقّ الذي ذكّر به عسى أن تكفّ هي أيضاً عن المقاتلة ، فلا يكون مزيد هتك وسفك دم ؟!
وأمّا طلحة ، فإنّه بعدما بعث إليه عليّ أن ألقني ، فلقيه ، قال له : أنشدك الله ، أسمعت رسول الله يقول : مَن كنتُ مولاه فعليّ مولاه ، اللّهمّ

(58)

والِ من والاه وعادِ من عاداه ؟!
قال : نعم .
فقال له : فلمَ تقاتلني ؟!
وقال الطبري : قال له : يا طلحة ! جئت بعرس رسول الله تقاتل بها وخبّأت عرسك في بيتك ؟! أما بايعتني ؟ ...
واشتبكت الحرب ، قال مروان : لا أطلب بثاري بعد اليوم . ثمّ رماه بسهم فقتله وهو يقول : والله إنّ دم عثمان عند هذا ، هو كان أشدّ الناس عليه ، وما أطلب أثراً بعد عين . ثمّ التفت إلى أبان بن عثمان ـ وهو معه ـ فقال : لقد كفيتك أحد قتلة أبيك . وكان طلحة أوّل قتيل ...
فهلاّ أرجعوا عائشة إلى بيت خدرها ؟!
وهلاّ رجعت هي بعد أن فقد الجيش الأميرين القائدين : طلحة والزبير ، وقبل أن يقتل الآلاف من أُولئك الأراذل الأجلاف ؟!

كلام ابن تيمية :
وممّا ذكرنا يظهر ما في كلام ابن تيمية ; إذ يدّعي تارةً أنّها خرجت « بقصد الإصلاح بين المسلمين » ، وأُخرى يزعم : أنّها اجتهدت « وإذا كان المجتهد مخطئاً فالخطأ مغفور بالكتاب والسُـنّة » ، وثالثة يقول : إنّها ندمت على خروجها « فكانت إذا ذكرت خروجها تبكي حتّى تبلّ خمارها » ...
وقلّده في ذلك أنصار الناكثين !!

أقول :
إن كانت تقصد الإصلاح بين المسلمين ، فإنّ الإصلاح فرع النزاع

(59)

والخلاف ، وهل كان بين عليّ أمير المؤمنين وبين طلحة والزبير نزاع على شيء ، أم أنّهما بايعاه ثمّ خرجا إلى مكّة ناكثين للبيعة وناقضين للعهد ؟!
وأيضاً : إن كانت تقصد الإصلاح بين المسلمين ، فهل كان يكون الإصلاح في البصرة حتّى تخرج إليها في ملأ من الناس ؟!
وأيضاً : إن كانت تقصد الإصلاح ، فلماذا ينهاها النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ؟ وتنهاها أُمّ سلمة أُمّ المؤمنين ؟ وينهاها رجال المسلمين ؟ وهلاّ خرجوا معها وساعدوها على الإصلاح ؟!
وإن كانت مجتهدةً مخطئة في اجتهادها فلا خطأ ، بل لها أجر وإن كان أقلّ من أجرها فيما لو كانت مصيبة ، فلماذا الندم والبكاء ؟!
لكنّ الرجل عندما ادّعى أنّها خرجت « بقصد الإصلاح » ، وأنّها كانت « راكبةً ، لا قاتلت ولا أمرت بالقتال » قال : « هكذا ذكره غير واحد من أهل المعرفة بالأخبار » !!
كأنّ الرجل يعلم بكذب ما يقول فيخرج عن عهدته بنسبته إلى غيره !!
نعم ، خرجت في ملأ من الناس تقاتل عليّاً عليه السلام على غير ذنب ، وقول ابن تيمية : « هذا كذب عليها ، فإنّها لم تخرج لقصد القتال » هو الكذب ; وإلاّ فما معنى : « نسير إلى عليّ فنقاتله » ؟!
وأيّ معنىً لِما كتبته إلى زيد بن صوحان ؟ ولِما جاء في كتابها إلى حفصـة ؟!
ثمّ ألم تأمر بقتل عثمان بن حنيف بعد الغدر به ؟!
ألم تأمر بقتل السبابجة من غير ذنب ؟!
ألم تحرّض الأزد وبني ضـبّة وسائر القبائل على القتال ؟!

(60)

وهل كان بكاؤها بعد ذلك عن ندم أو عن خيبة أمل ؟!
أليست هي التي فرحت بمقتل الإمام عليه السلام وتمثّلت قائلةً :
فألقت عصاها واستقرّ بها النوى كما قرّ عيناً بالإياب المسافر
ولنكتف بهذا القدر ، ومن أراد المزيد فليرجع إلى كتب الحديث والتاريخ (1) .

قيل :
« أمّا استدلال الموسوي على كره عائشة لعليّ بحديث البخاري ... والجواب على ذلك : إنّ البخاري له شروط دقيقة وشديدة ... ولا حجّة في تخريج ابن سعد لها ... ففي سندها : يونس بن يزيد ... وفي سندها أيضاً : معمر بن راشد ... » .

أقـول :
هذا الحديث بسند صحيح في
مسند أحمد : « عبـد الله ، حدّثني أبي ، ثنا عبـد الأعلى ، عن معمر ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبـد الله ، عن عائشة : لمّا مرض رسـول الله ... » (2) .
فأمّا « عبـد الأعلى » فمن رجال الصحاح السـتّة (3) .
وأمّا « معمر » فكذلك (4) .
ــــــــــــــــ

(1) تاريخ الطبري 5 / 150 ، الاستيعاب 2 / 469 ، الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ 3 / 40 ، شرح نهج البلاغة ، ومصادر أُخرى .
(2) مسـند أحمد بن حنبل 6 / 34 .
(3) تقريب التهذيب 1 / 465 .
(4) تقريب التهذيب 2 / 266 .

(61)

وأمّا « الزهري » فكذلك (1) .
وأمّا « عبيـد الله بن عبـد الله » فكذلك (2) ..
وكذلك سند ابن سعد ; إذ قال : « أخبرنا أحمد بن الحجّاج ، قال : أخبرنا عبـد الله بن المبارك ، قال : أخبرنا معمر ويونس ، عن الزهري ، أخبرني عبيد الله بن عبـد الله بن عتبة : أنّ عائشة زوج النبيّ صلّى الله عليه[ وآله ]وسلّم قالت : لمّا ثقل رسول الله واشتدّ به وجعه ، استأذن أزواجه في أن يمرّض في بيتي فأذنّ له ، فخرج بين رَجلين تخطُّ رِجلاه في الأرض ، بين ابن عبّـاس ـ تعني : الفضل ـ وبين رجل آخر .
قال عبيد الله : فأخبرت ابن عبّـاس بما قالت ، قال : فهل تدري مَن الرجل الآخر الذي لم تسـمّ عائشـة ؟!
قال : قلت : لا .
قال ابن عبّـاس : هو عليّ ، إنّ عائشة لا تطيب له نفساً بخير ... » (3) .
فأمّا « ابن سعد » ، فقد قال ابن حجر : « صدوق فاضل » ، ووضع عليه علامة أبي داود (4) .
وأمّا « أحـمد بن الحجّاج » وهو الخراساني المروزي ، فقد قال ابن حجـر : « ثقة » ، ووضع عليه علامة البخاري (5) ; فهو من رجاله في
صحـيحه .
وأمّا « عبـد الله بن المبارك » المروزي ، فمن رجال الصحاح السـتّة ،
ــــــــــــــــ

(1) تقريب التهذيب 2 / 207 .
(2) تقريب التهذيب 1 / 535 .
(3) الطبقات الكبرى 2 / 232 .
(4) تقريب التهذيب 2 / 163 .
(5) تقريب التهذيب 1 / 13 .

(62)

وقد وصـفه ابن حجر : « ثقة ، ثبت ، فقيه ، عالم ، جواد ، مجاهد ، جُمعت فيه خصال الخير » (1) .
وأمّا « معمر » فمن رجال الصحاح السـتّة ; كما تقدّم .
وأمّا « يونس بن يزيد » فمن رجال الصحاح السـتّة كذلك (2) ، ولو فرض ضعفه فلا يضـرّ ; لوثاقة « معمر » كما هو واضح .
وأمّا « الزهري » و « عبيد الله بن عبـد الله » فقد تقدّما .

فظهر : إنّ رجال السند كلّهم ثقات ، ومن رجال الصحاح السـتّة ..
وبعد ، فإنّ هذا المفتري نقل بعض الكلام في « يونس » و« معمر » عن كتاب
تقريب التهذيب ، ولكن لم ينقل عنه كونهما من رجال الصحاح السـتّة !!
وأيضاً ، فإنّ الرجلين من رجال البخاري في كتابـه الموسوم بـ :
الصحيح ، فأيّ معنىً لقوله : « تأمّل ـ يا أخي المسلم ! ـ يتّضح لك سبب ترك البخاري لهذه الزيادة ، وكذب الموسوي على البخاري وظلمه له » ؟!
إنّ تركه لهذه الجملة من الحديث لا سبب له إلاّ العناد والبغض لأمير المؤمنين عليه السلام ، كما ذكر السـيّد ، كما أنّ هذا هو السبب في ترك عائشـة اسـمه ، كما ذكر ابن عبّـاس .

والحاصل : إنّ الطعن في سند هذا الحديث طعنٌ في الصحاح السـتّة وأصحابها ، ويا حبّذا لو يصـرّح القوم بعدم اعتبار تلك الكتب ، فإنّ ذلك هو الحقيقة التي يشـقّ عليهم الاعتراف بها .
وإذ لم يتمكّن أئمّة القوم من ردّ هذا الحديث من ناحية السند ، فقد
ــــــــــــــــ

(1) تقريب التهذيب 1 / 445 .
(2) تقريب التهذيب 2 / 386 .

(63)

حاولوا تبرير صنع عائشة ، فاضطربوا في بيان معناه وتضاربت كلماتهم :
أمّا النووي ، فقد حاول التبرير بأنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم كان معتمداً على اثنين ، لكنّ أحدهما كان هو العبّـاس ، والآخر لم يكن واحداً معيّناً ، فلذا أبهمت ، وهذا نصّ كلامه :
« قولها : فخرج بين رجلين ، أحدهما العبّـاس .
وفسّر ابن عبّـاس الآخر بعليّ بن أبي طالب ، وفي الطريق الآخر : فخرج ويدٌ له على الفضل بن عبّـاس ويد له على رجل آخر ، وجاء في غير مسلم : بين رجلين ، أحدهما : أُسامة بن زيد .
وطريق الجمع بين هذا كلّه : أنّهم كانوا يتناوبون الأخذ بيده الكريمة صلّى الله عليه[ وآله ]وسلّم ، تارةً هذا وتارةً ذاك وذاك ، ويتنافسون في ذلك ، وهؤلاء هم خواصّ أهل بيته الرجال الكبار ، وكان العبّـاس أكثرهم ملازمةً للأخذ بيده الكريمة المباركة صلّى الله عليه[ وآله ]وسلّم . أو أنّه أدام الأخذ بيده ، وإنّما يتناوب الباقون في اليد الأُخرى ، وأكرموا العبّـاس باختصاصـه بيد واستمرارها له ; لِما له من السنّ والعمومة وغيرهما ، ولهذا ذكرته عائشة مسمّىً وأبهمت الرجل الآخر ; إذ لم يكن أحد الثلاثة الباقين ملازماً في جميع الطريق ، ولا معظمه ، بخلاف العبّـاس . والله أعلم » (1) .
وهكذا حاول النووي الجمع ، متغافلاً عن الرواية المشتملة على الجملة المنقوصـة !!
لكنّ ابن حجر العسقلاني تعرّض لذلك فقال : « زاد الإسماعيلي من رواية عبـد الرزّاق ، عن معمر : ولكنّ عائشة لا تطيب نفساً له بخير » .
ــــــــــــــــ

(1) شرح صحيح مسلم ـ للنووي ـ على هامش إرشاد الساري 3 / 57 .

(64)

ولابن إسحاق في
المغازي ، عن الزهري : « ولكنّها لا تقدر على أن تذكره بخير » .
ثمّ قال ابن حجر : « ولم يقف الكرماني على هذه الزيادة ، فعبّر عنها بعبارة شنيعة » .
ثمّ قال ابن حجر : « وفي هذا ردّ على من تنطّع فقال : لا يجوز أن يظنّ ذلك بعائشة » . ثمّ ردّ على النووي قائلاً : «وردٌّ على من زعم أنّها أبهمت الثاني لكونه لم يتعيّن في جميع المسافة ... وهذا توهّم ممّن قاله ، والواقع خلافه ; لأنّ ابن عبّـاس في جميع الروايات جازم بأنّ المبهم : عليّ ; فهو المعتمد ..
ودعوى وجود العبّـاس في كلّ مرّة والذي يتبدّل غيره ، مردودة ; بدليل رواية عاصم التي قدمت الإشارة إليها ، وغيرها صريح في أنّ العبّـاس لم يكن في مرّة ولا في مرّتين منها . والله أعلم » (1) .

قلت :
وقد كان على ابن حجر العسقلاني أن يذكر أحمد ، وابن سعد أيضاً ، في الرواة لتلك الزيادة .
وفي
عمدة القاري بعد كلام النووي : « قلت : وفي رواية الإسماعيلي من رواية عبـد الرزّاق ، عن معمر : ولكنّ عائشة لا تطيب نفساً له بخير ..
وفي رواية ابن إسحاق في
المغازي ، عن الزهري : ولكنّها لا تقدر على أن تذكره بخير .
ــــــــــــــــ
(1) فتح الباري في شرح البخاري 2 / 123 .

(65)

وقال بعضهم : وفي هذا ردّ على من زعم أنّها أبهمت الثاني ; لكونه لم يتعيّن في جميع المسافة ولا معظمها .
قلت : أشار بهذا إلى الردّ على النووي ، ولكنّه ما صرّح باسمه ; لاعتنائه به ومحاماته له » (1) .

قلت :
والعيني لم يصرّح باسم القائل وهو ابن حجر العسقلاني ، وقد تقدّمت عبارته .
وأمّا كلام الكرماني الذي أشار إليه ابن حجر ، فهو أنّه علّق على قول ابن عبّـاس : « هل تدري مَن الرجل الذي لم تسمّ عائشة ؟ » فقال : « قوله : لم تسمّ . فإن قلت : لِمَ ما سمّته ؟! قلت : عدم تسميتها له لم يكن تحقيراً أو عداوةً ، حاشاها من ذلك . قال النووي : ... » (2) .
فذكر الجمع الذي ذكره النووي ، كاتماً حديث الزيادة تبعاً له ، وقد عرفت الجواب عنه ..
وبذلك يتبيّن أنّها إنّما لم تسمّه عداوةً وحسداً منها له .

قيل :
وأمّا الرواية التي ساقها الموسوي والتي أخرجها الإمام أحمد ... ففي سندها : « حبيب بن أبي ثابت بن قيس » ، كان كثير الإرسال والتدليس ; انظر ترجمته في
تقريب التهذيب .
ــــــــــــــــ

(1) عمدة القاري في شرح البخاري 5 / 187 و ص 190 و ص 191 .
(2) الكواكب الدراري في شرح البخاري 5 / 52 .

(66)

وفي سندها أيضاً : « أبو أحمد محمّـد بن عبـد الله بن الزبير » ; انظر ترجمته في الخلاصة : 344 .

أقـول :
لقد راجعنا
تقريب التهذيب في الرجلين :
أمّـا « حبيب بن أبي ثابت » ، فقد قال ابن حجر : « ثقة ، فقيه ، جليل » ، ووضع عليه علامة الصحاح السـتّة (1) .
وأمّـا « محمّـد بن عبـد الله بن الزبير » فمن رجال الصحاح الستّة كذلك (2) .
فإن كان مجـرّد كون « حبـيب » كثير الإرسال مضـرّاً بوثاقـته ، فهذا طعن في الصحاح وأصحابها ، وسقوطها عن الاعتبار رأساً ، وهو المطلوب ، ونِعم المطلوب ...
وهل يرضى هذا المفتري بأن نتّبع هذا الأُسلوب معه في ردودنا عليهم ؟!
وإذ تبيّن صحّة الرواية على أُصولهم ، فما هو « المبرّر لعائشة مثل هذه الإجابة ؟ » عند المنصفين ، بل حتّى عند المدافعين عنها المتعسّفين ؟! ليقول القائل منهم : « قد يكون في كلام الرجل ما يبرّر لعائشة ... » !!
لكنّا نقول له ـ كما في الحديث المتّفق عليه ـ : « إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت » .
ــــــــــــــــ
(1) تقريب التهذيب 1 / 148 .
(2) تقريب التهذيب 2 / 176 .

(67)

قيل :
أمّا إنكار الموسوي حجّية حديث عائشة ... فجوابه ...

أقـول :
إنّ أمير المؤمنين عليه السلام وسائر الصحابة المخلصين ، يعلمون بأنّ الرسول صلّى الله عليه وآله قد أدلى بوصيّته لعامّة المسلمين بالثقلين ، في مواضع متعدّدة وبألفاظ مختلفة ، بل لقد روى القوم وصيّته بهما في الساعات الأخيرة من عمره الشريف ، وفي الحجرة ناسٌ ... فدعوى أنّ الإمام وكلّ الصحابة كانوا يعلمون بأنّه لم يوصِ لأحد ... كذب واضح .
وقد عرفت أنّ علماء القوم ينصّون على أنّ حديث الثقلين كانت وصـيّةً مـنه ، وكأنّ عائشـة ـ التي زعمت موت النبيّ على صدرها في ما يروون ـ قد توهّمت أنّ الوصيّة لا تصحّ إلاّ عند الموت ... !!
لكن سيأتي ذكر المعارض لما يروون عنها ...

قيل :
أمّا ما رواه مسلم ... فقد ردّه الموسوي ... فجواب ذلك ...

أقـول :
لا خلاف ولا ريب في أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم قد ترك أشياء ، وهذا صريح الأحاديث في
مسند أحمد والصحيحين وغيرهما ، وقـد نصّ عليه القاضي عبـد الجبّار المعتزلي ، وأبو يعلى الفرّاء الحنبلي ،

(68)

وابن كثير الدمشقي ، وغيرهم (1) .

وقيل :
ـ بعد إيراد روايات في مطالبة الزهراء عليها السلام بإرثها ـ : « من خلال استعراض هذه الروايات ، يتبيّن لنا الحقائق التالية ... » .

أقول :
لا خلاف ولا ريب في أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله كان أزهد العالمين في الدنيا ، وأنّه لم يترك من حطامها ما يتركه أهلها ...
ولا خلاف ولا ريب كذلك في أنّه صلّى الله عليه وآله وسلّم قد خرج من الدنيا وهو مشغول الذمّة بدَيْن وعِدات ، وعنده أمانات تستوجب الوصيّة ، وترك ما يفي بالدَيْن وإنجاز العِـدة ...
فإن كان المراد من أنّه صلّى الله عليه وآله وسلّم « لا أوصى بشيء » ، أنّه لحق بربّه عزّ وجلّ بلا وصيّة في مثل هذه الأُمور ـ كما هو ظاهر الحديث ; إذ نفت الوصيّة بعد القول بأنّه : ما ترك رسول الله ديناراً ... ـ فهذا كذب ، ويشهد بذلك مطالبة الزهراء الصدّيقة عليها السلام بإرثها ، وكذا مطالبة الأزواج ، والعبّـاس عمّه ، حسب الأحاديث التي يروونها .
وإن كان المراد أنّه لم يوصِ في أمر الخلافة بشيء ، فقد أشرنا إلى أنّ حديث الثقلين وأمثاله وصيّة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم .
وكأنّ هذا المفتري أحسّ بأنّ استدلال السيّد بمطالبة الصدّيقة الطاهرة
ــــــــــــــــ

(1) المغني في الإمامة 20 ـ ق 1 ـ / 331 ، الأحكام السلطانيّة : 199 ـ 203 ، البداية والنهاية 6 / 2 ـ 10 ، شرح نهج البلاغة 16 / 217 .

(69)

بإرثها ، ثمّ ما كان من أبي بكر تجاهها ... طعنٌ في أبي بكر ، فانبرى للدفاع عن إمامه ، قائلاً : « إنّ فاطمة عليها السلام قد أخطأت في طلبها لهذا الميراث ; لما في ذلك من معارضة لصريح قوله عليه الصلاة والسلام : لا نورّث ما تركناه صدقة » .
لكنّ السـيّد لم يكن من قصـده التعرّض لمسألة فـدك وغيرها ، بل إنّه قد أشار إلى ذلك إشارةً عابرةً ، مستدلاًّ بتلك المسألة لإثبات أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله قد ترك أشياء ; فما رووه عن عائشة ليس بصحيح .

موجز الكلام في : فدك ، وحديث « إنّا معاشر الأنبياء ... » :
وقد اضطرّتنا جسارة هذا المفتري على الصدّيقة الطاهرة ، لطرح موضوع فدك بإيجاز (1) ، حتّى يتبيّن سقوط دفاعه عن إمامه ، الذي أغضب بضعة النبيّ وجعلها تدعو عليه بعد كلّ صلاة تصلّيها ... فنقول :
1 ـ لا خلاف في أنّ فدكاً ممّا لم يوجف عليه بخَيل ولا ركاب ، ولذا كانت ملكاً لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم .
2 ـ قد ثبت عندنا أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم أعطى فاطمة فدكاً (2) ، ولذا جاء في كلام مثل ابن حجر المكّي : « إنّ أبا بكر انتزع من فاطمـة فـدكاً » (3) ، وفـي كلام التفتازاني في ردّ عمر بن عبـد العزيز فدكاً إلى بني الزهراء : « ثمّ ردّها عمر بن عبـد العزيز أيّام خلافته إلى ما كانت

ــــــــــــــــ

(1) بالاستفادة من رسالة لنا مفردة في الموضوع .
(2) الدرّ المنثور 4 / 177 ، مجمع الزوائد 7 / 49 ، وغيرهما عن : البزّار ، وأبي يعلى ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، والحاكم ، والطبراني ، وابن النجّار .
(3) الصواعق المحرقة : 31 .

(70)

عليه » (1) .
3 ـ إنّه على فرض ثبوت قوله صلّى الله عليه وآله : نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ... فالحديث لا يشمل فدكاً .
4 ـ وحينئذ نقول : بأيّ وجه انتزع أبو بكر فدكاً من الصدّيقة الطاهرة ؟!
ثمّ نقول في خصوص الحديث المذكور :

1 ـ إنّه قد كذّب جماعة هذا الحديث ، وعلى رأسهم أمير المؤمنين عليه السلام والعبّـاس ; فـقد أخـرج مسلم بإسناده عن مالك بن أوس ، عن عمر ، أنّه قال لهما : « لمّا توفّي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم قال أبو بكر : أنا وليّ رسـول الله ، فجئتما ، أنت تطلب ميراثك من ابن أخيك ويطلب هذا مـيراث امرأتـه من أبيها ، فقال أبو بكر : قال رسـول الله : لا نورّث ما تركناه صدقة ، فرأيتماه كاذباً آثماً غادراً خائناً ... » (2) .
هذا الحديث الذي أخرجـه البخاري وحرّفـه بتحريفات قبيحـة فاحشـة (3) .

2 ـ إنّه قد كذّبه عمر بن عبـد العزيز بردّه فدكاً على أولاد فاطمة .

3 ـ إنّه قد كذّبته نساء النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم بمطالبتهنّ بإرثهنّ منه . وما قيل من أنّ عائشة ذكّرتهنّ فتراجعن عن ذلك ، فالجواب عنه:
ــــــــــــــــ
(1) شرح المقاصد 5 / 278 .
(2) صحيح مسلم 5 / 152 كتاب الجهاد ـ باب حكم الفيء .
(3) صحـيح البخـاري 4 / 503 ، 5 / 188 ، 7 / 120 ، 8 / 551 ، 9 / 754 ; فراجـع وتعجّـب !!

(71)

أوّلا : كيف علمت عائشة وحدها بذلك دونهنّ ، ودون أهل البيت عليهم الصلاة والسلام ؟!
وثانياً : لقد رووا عن عائشة قولها : « اختلفوا في ميراثه ، فما وجدوا عند أحد في ذلك علماً ، فقال أبو بكر : سمعت رسول الله يقول : إنّا معاشر الأنبياء لا نورّث » (1) ; فإنّه ظاهر في أنّها أيضاً لم يكن عندها علم بذلك من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم .

4 ـ إنّه قد كذّبه أبو بكر نفسه ; فإنّ الزهراء الطاهرة قالت له : « أفي كتاب الله أن ترث ابنتك ولا أرث أبي ؟ فاستعبر أبو بكر باكياً ، ثمّ نزل فكتب لها بفدك . ودخل عليه عمر فقال : ما هذا ؟ فقال : كتاب كتبته لفاطمة بميراثها من أبيها ، قال : فماذا تنفق على المسلمين وقد حاربتك العرب كما ترى ؟! ثمّ أخذ عمر الكتاب فشـقّه » (2) .

5 ـ وإذا انضمّت هذه الأُمور إلى انفراد أبي بكر برواية هذا الحديث عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ... لم يبق ريب في أنّه كذب ..
أمّا انفراده بروايته ، فهو صريح الحديث المتقدّم ، وقد نصّ عليه غير واحد من أئمّة الحديث والكلام وأُصول الفقه ، كـ : القاضي العضد ، والفخر الرازي ، والغزالي ، والآمدي ، وعلاء الدين البخاري ، والتفتازاني ، والشريف الجرجاني ، وغيرهم (3) .
ــــــــــــــــ

(1) تاريخ الخلفاء : 28 ، الصواعق المحرقة : 20 .
(2) السـيرة الحلبيّة 3 / 488 .
(3) شـرح المختصـر في الأُصـول 2 / 59 ، المحصـول في علم الأُصـول 2 / 180 ، المستصفى في علم الأُصول 2 / 121 ، الإحكام في أُصول الأحكام 2 / 75 ، كشف الأسرار في شرح الأُصول ـ للبزدوي ـ 2 / 688 ، فواتح الرحموت في شرح مسلم الثبوت ـ هامش المستصفى ـ 2 / 132 ، شرح المواقف 8 / 355 ، شرح المقاصد 5 / 278 .

(72)

6 ـ فيكون الحقّ مع الحافظ ابن خراش ـ المتوفّى سنة 283 ـ الذي نصّ على أنّه باطل ، واتّهم راويـه مالك بن أوس بالكذب (1) ، ومن هنا ، فقد تهجّم عليه الذهبي بشدّة حيث ترجم له ، لكنّ غير واحد من الحفّاظ حرّف كلام ابن خرّاش في الحديث ، أو حاول التكتّم عليه (2) !

7 ـ ولقـد كذّب أو شكّك فيه : الفخـر الرازي ; إذ قال : « إنّ المحتاج إلى معرفة هذه المسألة ما كان إلاّ فاطمة وعليّ والعبّـاس ، وهؤلاء كانوا من أكابر الزهّاد والعلماء وأهل الدين ، وأمّا أبو بكر ، فإنّه ما كان محتاجاً إلى معرفة هذه المسألة ألبتّة ; لأنّه ما كان ممّن يخطر بباله أنّه يورث من الرسـول ، فكيف يليق بالرسول أن يبلّغ هذه المسألة إلى مَن لا حاجة له إليها ، ولا يبلّغها إلى مَن له إلى معرفتها أشـدّ الحاجة ؟! » (3) .

أقـول :
ونظير هذا : تكلّم بعض فقهاء الحنفيّة في ما رووه عن الصحابيّة بسرة بنت صفوان ، من حديث انتقاض الوضوء بمسّ الذكر ، المعارَض بحديث قيس بن طلق عن أبيه في عدم الانتقاض ; إذ قال ما نصّه : « وقد ثبت عن أمير المؤمنين عليّ وعمّار و ... أنّهم لا يرون النقض ، ولو كان هذا الحديث ثابتاً لكان لهم معرفة بذلك ، والقائلون بنقض الوضوء من مسّ الذكر لم يستدلّوا بذاك الحديث ، ولم يقل أحد إنّي سمعت رسول الله ،

ــــــــــــــــ

(1) تذكرة الحفّاظ 2 / 684 ، سير أعلام النبلاء 13 / 510 .
(2) تاريخ بغداد 10 / 280 ، المنتظم 12 / 362 ، طبقات الحفّاظ : 301 .
(3) تفسير الرازي 9 / 210 .

(73)

وروى مَن روى عن بسرة ..
ويبعد كلّ البعد أن يلقي رسول الله صلّى الله عليه[ وآله ]وسلّم حكماً إلى مَن لا يحتاج إليه ، ولا يلقي إلى مَن يحتاج إليه » .

قيل :
وأمّا ما زعمه الموسوي من وصيّة النبيّ إلى عليّ في مبدأ الدعوة الإسلاميّة ...

أقـول :
هذا ممّا لا ريب فيه ، وقد تقدّم إثباته بالأخبار المعتبرة عن كتب القوم .

قيل :
أمّا وصـيّته التي أراد أن يكتبها في مرض موته ... فقد زعم الموسوي ... ثمّ ادّعى أنّ النبيّ قد أوصاهم بثلاثة أُمور : أوّلها أن يولّوا عليهم عليّاً ... ولا شكّ في بطلان دعوى الموسوي ...

أقـول :
قد تغافـل هنا عن الوصـيّة التي أراد رسـول الله صلّى الله عليه وآله أن يكتـبها ، فمـنع عمر بن الخطّاب وأتباعـه عن ذلك ، وتجاسروا عليه بـما يوجـب الخـروج عن الدين ... وهو من القضايا القطعيّة في تاريخ الإسلام ..
وأمّا أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم قد أوصى المسلمين بأن يولّوا

(74)

عليهم عليّاً عليه السلام ... فهذا موجود في المصادر المعتبرة عند القوم وبأسانيدهم :
أخرج الحاكم بإسناده عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، أنّه قال : « إن وليّتموها عليّاً فهاد مهتد ، يقيمكم على صراط مستقيم » ، ثمّ قال : « هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه » (1) .
ورواه جماعة بلفظ : « إن تولّوا عليّاً تجدوه هادياً مهديّاً ، يسلك بكم الطريق المستقيم » (2) .
وآخرون بلفظ : « إن تأمّروا عليّاً ـ ولا أراكم فاعلين ـ تجدوه هادياً مهديّاً ، يأخذ بكم الطريق المستقيم » (3) .
فإن لم يكن هذا الكلام منه وصيّةً منه للأُمّة ، فما هي الوصيّة ؟!

فظهر : كذب هذا المفتري .. لا كذبةً واحدة ، بل كذبات .
والنبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم لم يكتم شيئاً من الوحي ، ولا تراجع عن كتابة الوصيّة بالولاية ، بل إنّ عمر وأتباعه حالوا دون كتابته أصل الوصيّة .
كما أنّ الوصيّة بالولاية ، التي رواها جمع من أئمّتهم ، كـ : أحمد بن حنبل ، والحاكم ، وغيرهما ، لم يروها البخاري ومسلم ـ مع كون الحديث على شرطهما ، كما نصّ عليه الحاكم ـ وقد رأينا كيف أنّ البخاري قد حرّف الحديث الواحد فأخرجه عدّة مرّات بتحريفات مختلفة في كتابه ، وكم له
ــــــــــــــــ

(1) المستدرك على الصحيحين 3 / 142 .
(2) حلية الأولياء 1 / 64 ، كفاية الطالب : 163 ; وقال : هذا حديث حسن .
(3) مسند أحمد 1 / 109 ، الإصابة 4 / 468 ، تاريخ دمشق 42 / 421 ، أُسد الغابة 4 / 31 ، تاريخ ابن كثير 7 / 397 ، كنز العمّال 11 / 630 .

(75)

من نظير ؟! فليس غريباً أن لا يرويا وصيّة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم بصورة كاملة ..
ولا فائدة في الدفاع عنهما ، ولا في حمل دعوى النسيان على الصحّة من باب أنّ النسيان من طبيعة الإنسان ; فإنّ موضع مثل هذا الحمل هو في ما إذا لم يكن الراوي مغرضاً بيقين .
ويؤيّد ذلك : اضطرابهم في تعيين مَن نُسب إليه النسيان في روايته هذا الحديث ، كما هو واضح من العبارات التي أوردها المفتري ..
والعجب أنّه أيضاً متردّد في أنّه كان سكوتاً أو نسياناً ؟!
وأمّا قول السـيّد ـ رحمه الله ـ : بأنّ دعوى عائشة ـ بأنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لحق بربّه وهو في صدرها ـ معارضة بحكم أحاديث الفريقـين ، فسيأتي بيانـه منه وتشـييده منّا ، في المراجعة الآتية إن شاء الله تعالى .

(76)

المراجعة ( 76 ) ـ ( 78 )
حول أُمّ سلمة وتقدّم أحاديثها

قال السـيّد ـ رحمه الله ـ
:
« ذكرتم في الجواب عن الأمر الأوّل : أنّ المعروف من سيرة السيّدة أنّها لا تستسلم إلى العاطفة ، ولا تراعي في حديثها شيئاً من الأغراض ، فأرجوا أن تتحلّلوا من قيود التقليد والعاطفة ، وتعيدوا النظر إلى سيرتها ، فتبحثوا عن حالها مع من تحبّ ومع من تبغض ، بحث إمعان ورويّة ; فهناك العاطفة بأجلى مظاهرها ، ولا تنسَ سيرتها مع عثمان قولاً وفعلاً (1) ، ووقائعها مع عليّ وفاطمة والحسن والحسين سرّاً وعلانيّة ، وشؤونها مع أُمّهات المؤمنين ، بل مع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، فإنّ هناك العاطفة والغرض .
وحسبك مثالاً لهذا ما أيّدته ـ نزولاً على حكم العاطفة ـ من إفك أهل الزور إذ قالوا ـ بهتاناً وعدواناً في السيّدة مارية وولدها إبراهيم عليه السلام ـ ما قالوا ، حتّى برّأهما الله عزّ وجلّ من ظلمهم ، براءة ـ على يد أمير المؤمنين ـ محسوسـة ملموسـة (2) : (
وردّ الله الّذين كفروا بغيظهم لم
ــــــــــــــــ

(1) دونك ص 77 ج 2 من شرح النهج لعلاّمة المعتزلة ، وص 457 وما بعدها ، وص 497 وما بعدها من الجلد المذكور ، تجد من سيرتها مع عثمان وعليّ وفاطمة ما يريك العاطفة بأجلى المظاهر .
(2) من أراد تفصيل هذه المصيبة فليراجع أحوال السيّدة مارية رضي الله عنها في ص 39 من الجزء الرابع من المستدرك ـ للحاكم ـ أو من تلخيصـه ـ للذهبي ـ .

(77)

ينالوا خيراً ) (1) .
وإن أردت المزيد فاذكر نزولها على حكم العاطفة ; إذ قالت (2)لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : إنّي أجد منك ريح مغافير ; ليمتنع عن أكل العسل من بيت أُمّ المؤمنين زينب رضي الله عنها ..
وإذا كان هذا الغرض التافه يبيح لها أن تحدّث رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عن نفسه بمثل هذا الحديث ، فمتى نركن إلى نفيها الوصيّة إلى عليّ عليه السلام ؟!
ولا تنسَ نزولها على حكم العاطفة يوم زُفّت أسماء بنت النعمان عروساً إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ، فقالت لها (3) : إنّ النبيّ ليعجبه من المرأة إذا دخل عليها أن تقول له : أعوذ بالله منك . وغرضها من ذلك تنفير النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم من عرسه ، وإسقاط هذه المؤمنة البائسة من نفسه .
وكأنّ أُمّ المؤمنين تستبيح مثل هذا الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، ترويجاً لغرضها حتّى لو كان تافهاً أو كان حراماً .
وكلّفها صلّى الله عليه وآله وسلّم مرّةً بالاطّلاع على امرأة مخصوصة ;
ــــــــــــــــ

(1) سورة الأحزاب 33 : 25 .
(2) في ما أخرجه البخاري في تفسير سورة التحريم من صحيحه ص 136 ج 3 ; فراجع واعجب ..
وهناك عدّة أحاديث عن عمر في أنّ المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله أنّهما : عائشـة وحفصـة ، وثمّة حديث طويل كلّه من هذا القبيل .
(3) في ما أخرجه الحاكم في ترجمة أسماء من صحيحه المستدرك ص 37 ج 4 ، وأخرجه ابن سعد في ترجمتها أيضاً ص 104 ج 2 من الطبقات ..
والقضيّة مشهورة ، نقلها في ترجمة أسماء كلّ من صاحبي الاستيعاب و الإصابة ، وأخرجها ابن جرير وغيره .

(78)

لتخبره عن حالها ، فأخبرته ـ إيثاراً لغرضها ـ بغير ما رأت (1) .
وخاصمته صلّى الله عليه وآله وسلّم يوماً إلى أبيها ـ نزولاً على حكم العاطفة ـ فقالت له : اقصـد (2) . فلطمها أبوها حتّى سال الدم على ثيابها .
وقالت لـه مـرّة في كلام غضـبت عنـده (3) : أنت الذي تزعم أنّك نبـيّ الله !
إلى كثير من أمثال هذه الشؤون ، والاستقصاء يضيق عنه هذا الإملاء ، وفي ما أوردناه كفاية لما أردناه .
وقلتم في الجواب عن الأمر الثاني : إنّ أهل السُـنّة لا يقولون بالحسن والقبح العقليّين ... إلى آخر كلامكم في الموضـوع .
وأنا أربأ بكم عن هذا القول ، فإنّه شبيه بقول السوفسطائيّة الّذين ينكرون الحقائق المحسوسـة ; لأنّ من الأفعال ما نعلم بحسـنه وترتّب الثناء والثواب على فعله ; لصـفة ذاتية له قائمة به ، كالإحسان والعدل من حيث هما إحسان وعدل ..
ومنها ما نعلم بقبحه وترتّب الذمّ والعقاب على فعله ; لصفته الذاتية القائمة به ، كالإساءة والجور من حيث هما إساءة وجور ، والعاقل يعلم أنّ
ــــــــــــــــ

(1) تفصيل هذه الواقعة في كتب السُـنن والأخبار ; فراجع ص 294 ج 6 من كنز العمّال ، أو ص 115 ج 8 من طبقات ابن سعد حيث ترجم شراف بنت خليفة .
(2) اقصـد : فعل أمر من القصـد ، وهو العدل ..
وهذه القضيّة أخرجها أصحاب السُـنن والمسانيد ; فراجع الحديث 1020 من أحاديث الكنز ، وهو ص 116 ج 7 ، وأوردها الغزالي في الباب 3 من كتاب آداب النكاح ص 35 ج 2 من إحياء العلوم ، ونقلها أيضاً في الباب 94 من كتابه مكاشفة القلوب آخر ص 238 ; فراجع .
(3) كما نقله الغزالي في البابين المذكورين من الكتابين المسطورين .

(79)

الضـرورة قاضـية بذلك ، وليس جـزم العقلاء بهذا أقلّ من جـزمهم بكون الواحد نصف الاثنين .
والبداهة الأوّليّة قاضـية بالفرق بين مَن أحسن إليك دائـماً وبين مَن أساء إليك دائـماً ; إذ يستقلّ العقل بحسـن فعل الأوّل معك ، واستحقاقـه للثناء والثواب منك ، وقـبح فعل الثاني ، واستحقاقـه للذمّ والقصاص ، والمشكّك في ذلك مكابر لعقله .
ولو كان الحسن والقبح في ما ذكرناه شرعيّين ، لَما حكم بهما منكروا الشرائع كالزنادقة والدهرية ; فإنّهم مع إنكارهم الأديان يحكمون بحسن العدل والإحسان ، ويرتّبون عليهما ثناءهم وثوابهم ، ولا يرتابون في قبح الظلم والعدوان ، ولا في ترتيب الذمّ والقصاص على فعلهم ، ومستندهم في هذا إنّما هو العقل لا غير .
فدع عنك قول مَن يكابر العقل والوجدان ، وينكر ما عليه العقلاء كافّة ، ويحكم بخلاف ما تحكم به فطرته التي فطر عليها ; فإنّ الله سبحانه فطر عباده على إدراك بعض الحقائق بعقولهم ، كما فطرهم على الإدراك بحواسّـهم ومشاعرهم .
ففطرتـهم توجـب أن يدركوا بعقولهم حسـن العدل ونحوه ، وقبح الظلم ونحوه ، كما يدركون بأذواقهم حلاوة العسل ومرارة العلقم ، ويدركون بمشامـهم طِيـب المسك ونتن الجـيف ، ويدركون بملامسـهم لين اللين وخشـونة الخشـن ، ويميّزون بأبصارهم بين المنظرين : الحسن والقبيح ، وبأسماعـهم بين الصوتين : صـوت المزامير وصـوت الحمير ..
تلك فطرة الله
التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك

(80)

الدين القيّم ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون (1) .
وقد أراد الأشاعرة أن يبالغوا في الإيمان بالشرع والاستسلام لحكمه ، فأنكروا حكم العقل ، وقالوا : لا حكم إلاّ للشرع ; ذهولاً منهم عن القاعدة العقليّة المطّردة ـ وهي : كلّ ما حكم به العقل حكم به الشرع ـ ولم يلتفتوا إلى أنّهم قطعوا خطّ الرجعة بهذا الرأي على أنفسهم ، فلا يقوم لهم بعده على ثـبوت الشـرع دليل ; لأنّ الاسـتدلال على ذلك بالأدلّة الشرعيّة دوري لا تتمّ به حجّة ، ولولا سلطان العقل لكان الاحتجاج بالنقل مصادرة ، بل لولا العقل ما عَبد الله عابد ، ولا عرفه من خَلقِه كلّهم واحد ، وتفصيل الكلام في هذا المقام موكول إلى مظانّه من مؤلّفات علمائنا الأعلام .
أمّا دعوى أُمّ المؤمنين بأنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم قضى وهو في صدرها ، فمعارضة بصحاح متواترة من طريق العترة الطاهرة ..
وحسبك من طريق غيرهم :
* ما أخـرجه ابن سـعد (2) ، بالإسناد إلى عليّ ، قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في مرضـه : ادعوا لي أخي . فأتيته فقال : ادن منّي . فدنوت منه فاستند إليّ ، فلم يزل مستنداً إليّ ، وإنّه ليكلّمني حتّى أنّ بعض ريقه ليصيبني ، ثمّ نزل برسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم .
* وأخرج أبو نعيم في
حليته ، وأبو أحمد الفرضي في
نسخته ، وغير واحد من أصحاب السُنن ، عن عليّ ، قال : علّمني رسول الله صلّى الله عليه

ــــــــــــــــ

(1) سورة الروم 30 : 30 .
(2) في ص 51 من القسم 2 ج 2 من الطبقات ، في باب : مَن قال : توفّي رسول الله وهو في حجر عليّ ، وهذا الحديث هو الحديث 1107 من الكنز في ص 55 ج 4 .

(81)

وآله وسلّم ـ يعني حينئذ ـ ألف باب ، كلّ باب يفتح ألف باب (1) .
* وكان عمر بن الخطّاب إذا سُئل عن شيء يتعلّق ببعض هذه الشـؤون لا يقول غير : سلوا عليّاً ; لكونه هو القائم بها ; فعن جابر بن عبـد الله الأنصاري : إنّ كعـب الأحبار سأل عمر فقال : ما كان آخر ما تكلّم به رسـول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ؟
فقال عمر : سل عليّاً .
فسأله كعب ، فقال عليّ : أسندت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى صـدري ، فوضع رأسه على منكبي فقال : الصلاة الصلاة .
قال كعب : كذلك آخر عهد الأنبياء ، وبه أُمروا ، وعليه يبعثون ..
قال كعب : فمَن غسّله يا أمير المؤمنين ؟
فقال عمر : سل عليّاً .
فسأله ، فقال : كنت أنا أُغسّله .. الحديث (2) .
* وقيل لابن عبّـاس : أرأيت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم توفّي ورأسه في حجر أحد ؟!
قال : نعم ، توفّي وإنّه لمستند إلى صدر عليّ .
فقيل له : إنّ عروة يحدّث عن عائشة أنّها قالت : توفّي بين سحـري ونحـري .
فأنكر ابن عبّـاس ذلك قائلاً للسائل : أتعقل ؟! والله لتوفّي رسول الله

ــــــــــــــــ

(1) هذا هو الحديث 6009 من الكنز في آخر ص 392 ج 6 .
(2) أخرجه ابن سعد في ص 51 من القسم 2 ج 2 من الطبقات المتقدّم ذكرها ، وهذا الحديث 1106 من أحاديث الكنز في ص 55 ج 4 .

(82)

وإنّه لمستند إلى صدر عليّ ، وهو الذي غسّله .. الحديث (1) .
* وأخـرج ابن سـعد (2) ، بسـنده إلى الإمام أبي محمّـد عليّ بن الحسين زين العابدين ، قال : قُبض رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ورأسـه في حجر عليّ . انتهى .

قلت : والأخبار في ذلك متواترة عن سائر أئمّة العترة الطاهرة ، وإنّ كثيراً من المنحرفين عنهم ليعترفون بهذا ، حتّى أنّ ابن سعد أخرج (3) بسنده إلى الشعبي ، قال : توفّي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ورأسه في حجر عليّ ، وغسّله عليّ .انتهى .
* وكان أمير المؤمنين عليه السلام يخطب بذلك على رؤوس الأشهاد ، وحسبك قوله من خطبة له (4) عليه السلام : ولقد علم المستحفظون من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّي لم أردّ على الله ولا على رسوله ساعة قطّ ، ولقد واسيته بنفسي في المواطن التي تنكص فيها الأبطال ، وتتأخّر فيها الأقدام ، نجدة أكرمني الله بها ..
ولقد قُبض صلّى الله عليه وآله وسلّم وإنّ رأسـه لعلى صـدري ، ولقد سالت نفسه في كفّي ، فأمررتها على وجهي ، ولقد وليت غسله صلّى الله عليه وآله وسلّم والملائكة أعواني ، فضجّـت الدار والأفنية ، ملأ يهبط وملأ

ــــــــــــــــ

(1) أخرجه ابن سعد في الصفحة المتقدّم ذكرها ، وهو الحديث 1108 من أحاديث الكنز في ص 55 ج 4 .
(2) في ص 51 المتقدّمة الذكر من الطبقات .
(3) في الصفحة المتقدّم ذكرها من الطبقات .
(4) تجدها في آخر ص 196 ج 2 من نهج البلاغة ، وفي ص 561 ج 2 من شرح ابن أبي الحديد .

(83)

يعرج ، وما فارقت سمعي هينمة منهم ، يصلّون عليه ، حتّى واريناه في ضريحـه ; فمن ذا أحقّ به منّي حيّاً وميّتاً ؟!
* ومثله : قوله (1) ـ من كلام له عند دفنه سيّدة النساء عليهما السلام ـ : السلام عليك يا رسول الله ، عنّي وعن ابنتك النازلة في جوارك ، والسريعة اللحاق بك ، قَلّ يا رسـول الله عن صـفيّتك صـبري ، ورقّ عنها تجلّدي ، إلاّ أنّ لي في التأسّـي بعظيم فرقتك وفادح مصيبتك موضع تعزّ ; فلقد وسّدتك في ملحـودة قبرك ، وفاضت بين نحري وصـدري نفسك ، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون ... إلى آخر كلامه .
* وصـحّ عن أُمّ سلمة أنّها قالت : والذي أحلف به ، أن كان عليّ لأقـرب الناس عهـداً برسـول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، عدناه غداة وهو يقول : جاء عليّ ؟ جاء عليّ ؟ مراراً ، فقالت فاطمة : كأنّك بعثته في حاجة ؟!
قالت : فجاء بعد ، فظننت أنّ له إليه حاجة ، فخرجنا من البيت فقعدنا عند الباب ..
قالت أُمّ سلمة : وكنت من أدناهم إلى الباب ، فأكبّ عليه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وجعل يسارّه ويناجيه ، ثمّ قُبض صلّى الله عليه وآله وسلّم من يومـه ذلك ; فكان عليّ أقرب الناس به عهداً (2) .

ــــــــــــــــ

(1) هذا الكلام موجود في آخر ص 207 ج 2 من النهج ، وفي ص 590 ج 2 من شرح ابن أبي الحديد .
(2) هذا الحديث أخرجه الحاكم في أوّل ص 139 ج 3 من صحيحه المستدرك ، ثمّ قال : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه .
قلت : واعترف بصحّـته الذهبي ; إذ أورده في التلخيص .
وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة في السُـنن ، وهو الحديث 6096 من الكنز في آخر ص 400 ج 6 .

(84)

* وعن عبـد الله بن عمرو (1) : إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال في مرضـه : ادعوا لي أخي ، فجاء أبو بكر فأعرض عنه ، ثمّ قال : ادعوا لي أخي ، فجاء عثمان فأعرض عنه ، ثمّ دُعي له عليّ ، فستره بثوبه وأكبّ عليه ، فلمّا خرج من عنده قيل له : ما قال لك ؟
قال : علّمني ألف باب ، كلّ باب يفتح له ألف باب .
وأنت تعلم أنّه هو الذي يناسب حال الأنبياء ، وذاك إنّما يناسب أزيار (2) النساء .
ولو أنّ راعي غنم مات ورأسـه بين سحر زوجته ونحرها ، أو بين حاقنتها وذاقنتها ، أو على فخذها ، ولم يعهد برعاية غنمه ، لكان مضيّعاً مسـوّفاً .

ــــــــــــــــ

(1) في ما أخرجه أبو يعلى عن كامل بن طلحة ، عن ابن لهيعة ، عن حي بن عبـد المغافري ، عن أبي عبـد الرحمن الحبلي ، عن عبـد الله بن عمرو ، مرفوعاً .
وأخرجه أبو نعيم في حليته ، وأبو أحمد الفرضي في نسخته ، كما في ص 392 ج 6 من كنز العمّال .
وأخـرج الطبراني في الكبير : أنّه لمّا كانت غزوة الطائف قام النبيّ مع عليّ ( يناجيه ) مليّاً ، ثمّ مرّ فقال له أبو بكر : يا رسول الله ! لقد طالت مناجاتك عليّاً منذ اليوم ، فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم : ما أنا انتجيته ، ولكن الله انتجاه ; هذا الحديث هو الحديث 6075 من أحاديث الكنز في ص 399 ج 6 .
وكان كثيراً ما يخلو بعليّ يناجيه ، وقد دخلت عائشة عليهما وهما يتناجيان ، فقالت : يا عليّ ! ليس لي إلاّ يوم من تسعة أيّام ، أفما تدعني يا بن أبي طالب ويومي ؟!
فأقبل رسول الله عليها وهو محمرّ الوجه غضباً .. الحديث ; راجعه أوّل ص 78 ج 2 من شرح نهج البلاغة الحميدي .
(2) جمع زير ، وهو الرجل يحبّ محادثة النساء لغير سوء .

(85)

عفا الله عن أُمّ المؤمنين ، ليتها ـ إذ حاولت صرف هذه الفضيلة عن عليّ ـ نَسَبتها إلى أبيها ; فإنّ ذاك أوْلى بمقام النبيّ ممّا ادّعت ، لكنّ أباها كان يومئذ ممّن عبّأهم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بيده الشريفة في جيش أُسامـة ، وكان حينئذ معسكراً في الجرف .

وعلى كلّ حال ، فإنّ القول بوفاته صلّى الله عليه وآله وسلّم وهو في حجرها لم يسند إلاّ إليها ، والقول بوفاته ـ بأبي وأُمّي ـ وهو في حجر عليّ مسند إلى كلّ من : عليّ ، وابن عبّـاس ، وأُمّ سلمة ، وعبـد الله بن عمرو ، والشعبي ، وعليّ بن الحسين ، وسائر أئمّة أهل البيت ; فهو أرجح سنداً وألْيَق برسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم .
ولو لم يعارض حديث عائشة إلاّ حديث أُمّ سلمة وحده ، لكان حديث أُمّ سلمة هو المقدّم ; لوجوه كثيرة غير التي ذكرناها ..

الأسباب المرجّحـة لحديث أُم سلمة :
إنّ السـيّدة أُمّ سلمة لم يصـغ قلبها بنصّ الفرقان العظيم ، ولم تؤمر بالتوبة في محكم الذكر الحكيم (1) .
ولا نزل القرآن بتظاهرها على النبيّ ، ولا تظاهرت من بعده على الوصـيّ (2) ، ولا تأهّب الله لنصـرة نبيّه عليها وجبريل وصالح المؤمنين

ــــــــــــــــ

(1) إشارة إلى قوله تعالى في سـورة التحريم[ 66 : 4 ] : ( إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما ) .
(2) تظاهرها على الوصيّ كان بإنكارها الوصيّة إليه وبتحاملها عليه مدّة حياته بعد النبيّ ، أمّا تظاهرها على النبيّ ، وتأهّب الله لنصرة نبيّه عليها ، فمدلول عليهما بقوله تعالى : ( وإن تظاهرا عليه فإنّ الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير . ]سورة التحريم 66 : 4[ .

(86)

والملائكة بعد ذلك ظهـير .
ولا توعّدها الله بالطلاق ، ولا هدّدها بأن يبدله خيراً منها (1) .
ولا ضرب امرأة نوح وامرأة لوط لها مثلاً (2) .
ولا حاولت من رسـول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أن يحرّم على نفسـه ما أحـلّ الله له (3) .
ولا قام النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم خطيباً على منبره فأشار نحو مسكنها قائلاً : ها هنا الفتنة ، ها هنا الفتنة ، ها هنا الفتنة ، حيث يطلع قرن الشيطان (4) .
ولا بلغت في آدابها أن تمدّ رجلها في قبلة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم وهو يصلّي ـ احتراماً له ولصلاته ـ لا ترفعها عن محلّ سجوده حتّى يغمزها فإذا غمزها رفعتها حتّى يقوم فتمدّها ثانية (5) ، وهكذا كانت .
ولا أرجفت بعثمان ، ولا ألّبت عليه ، ولا نبزته : ( نعثلاً ) ، ولا قالت :

ــــــــــــــــ

(1) هذا والذي قبله إشارة إلى قوله تعالى : عسى ربّه إن طلّقكنّ أن يبدله أزواجاً خيراً منكنّ مسلمات مؤمنات ) .. الآية . ]سورة التحريم 66 : 5[ .
(2) إشارة إلى قوله تعالى : ( ضرب الله مثلاً للّذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوطإلى آخر السورة . ]سورة التحريم 66 : 10[ .
(3) إشارة إلى قوله تعالى : ( يا أيّها النبيّ لمَ تحرّم ما أحلّ الله لك تبتغي مرضات أزواجك . ]سورة التحريم 66 : 1[ .
(4) أخرجه البخاري في باب : ما جاء في بيوت أزواج النبيّ ، من كتاب الجهاد والسير من صحيحه ، وهو في ص 125 ج 2 بعد باب : فرض الخمس ، وباب : أداء الخمس بيسير ..
ولفظه في صحيح مسلم : خرج رسول الله من بيت عائشة فقال : رأس الكفر من ها هنا ، حيث يطلع قرن الشيطان ; فراجع ص 502 ج 2 .
(5) راجع من صحيح البخاري باب : ما يجوز من العمل في الصلاة ، وهو في ص 143 ج 1 .

(87)

اقتلوا نعثلاً فقد كفر (1) .
ولا خرجت من بيتها الذي أمرها الله عزّ وجلّ أن تقرّ فيه (2) .
ولا ركبت العسكر (3) قعوداً من الإبل تهبط وادياً وتعلو جبلاً حتّى نبحتها كلاب الحوأب ، وكان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أنذرها (4)بذلك ، فلم ترعـوِ ولم تلتوِ عن قيادة جيشها اللهام ، الذي حشّدته على الإمام .

ــــــــــــــــ

(1) إرجافها بعثمان ، وإنكارها كثيراً من أفعاله ، ونبزها إيّاه ، وقولها : اقتلوا نعثلاً فقد كفر ، ممّا لا يخلو منه كتاب يشتمل على تلك الحوادث والشؤون ، وحسبك ما في تاريخ ابن جرير وابن الأثير وغيرهما ، وقد أنّبها جماعة من معاصريها وشافهها بالتنديد بها إذ قال لها :
فمنكِ البداء ومنكِ الغير ومنكِ الرياح ومنكِ المطرْ وأنـتِ أمرتِ بقتل الإمام وقلـتِ لـه إنّـه قد كفـرْ
إلى آخر الأبيات ، وهي في ص 80 ج 3 من الكامل ـ لابن الأثير ـ حيث ذكر ابتداء أمر وقعة الجمل .
(2) حيث قال عزّ من قائل : وقرْنَ في بيوتكنّ ولا تبرجنّ تبرّج الجاهليّة . [ سورة الأحزاب 33 : 33[ .
(3) كان الجمل الذي ركبته عائشة يوم البصرة يُدعى : العسكر ، جاءها به يعلى بن أُميّة ، وكان عظيم الخلق شديداً ، فلمّا رأته أعجبها ، فلمّا عرفت أنّ اسمه : عسكر ، استرجعت وقالت : ردّوه لا حاجة لي فيه ، وذكرت أنّ رسول الله ذكر لها هذا الاسم ونهاها عن ركوبه ، فغيّروه لها بجِلال غير جِلاله ، وقالوا لها : أصبنا لكِ أعظم منه وأشـدّ قوّة ، فرضـيت به .
وقد ذكر هذه القضـيّة جماعة من أهل الأخبار والسـير ; فراجع ص 80 ج 2 من شرح نهج البلاغة لعلاّمة المعتزلة .
(4) والحديث في ذلك مشهور ، وهو من أعلام النبوّة وآيات الإسلام ، وقد اختصره الإمام أحـمد بن حنبل ; إذ أخرجه من حديث عائشة في مسنده ص 52 وص 97 ج 6 .
وكذلك فعل الحاكم إذ أخرجه في ص 120 ج 3 من صحيحه المستدرك ، واعترف الذهبي بصحّته ; إذ أورده في تلخيص المستدرك .

(88)

فقولها : مات رسول الله بين سحري ونحري ، معطوف على قولها : إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم رأى السودان يلعبون في مسجده بدرقهم وحرابهم ، فقال لها : أتشتهين تنظرين إليهم ؟ قالت : نعم ..
قالت : فأقامـني وراءه وخدّي على خدّه وهو يقـول : دونكم يا بني أرفدة ـ إغراء لهم باللعب لتأنس السـيّدة ـ ..
قالت : حتّى إذا مللت قال : حسبك ؟ قلت : نعم . قال : فاذهبي (1) .
وإن شئت فاعطفه على قولها : دخل عليّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وعندي جاريتان تغنيّان بغناء بعاث ، فاضطجع على الفراش ، ودخل أبو بكر فانتهرني وقال : مزمارة الشيطان عند رسول الله ؟!
قالت : فأقبل عليه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فقال : دعهما .. الحديث (2) .
واعطفه إن شئت على قولها (3) : سابقني النبيّ فسبقته ، فلبثناه حتّى رهقني اللحم ، سابقني فسبقني ، فقال : هذه بتيك .
أو على قولها (4) : كنت ألعب بالبنات ويجيء صواحبي فيلعبن معي ، وكان رسول الله يدخلهنّ عليّ فيلعبن معي .. الحديث .

ــــــــــــــــ

(1) هذا الحديث ثابت عنها ، أخرجه الشيخان في صحيحيهما ; فراجع من صحيح البخاري : أوائل كتاب العيدين ص 116 ج 1 ..
وراجع من صحيح مسلم : باب الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه في أيّام العيد ص 327 ج 1 .
وراجع من مسند أحمد : ص 57 ج 6 .
(2) أخرجه البخاري ومسلم والإمام أحمد من حديث عائشة في المواضع التي أشرنا إليها من كتبهم في التعليقة السابقة .
(3) في ما أخرجه الإمام أحمد من حديث عائشة في ص 39 ج 6 من مسنده .
(4) في ما أخرجه أحمد عن عائشة ص 75 ج 6 من مسنده .

(89)

أو عـلى قولـها (1) : خِـلال فيّ سـبع لم تـكن في أحـد مـن الناس إلاّ ما آتى الله مريم بنت عمران : نزل الملك بصورتي ، وتزوّجني رسول الله بكراً لم يشركه فيّ أحد من الناس ، وأتاه الوحي وأنا وإيّاه في لحاف واحد ، وكنت من أحبَّ النساء إليه ، ونزل فيّ آيات من القرآن كادت الأُمّة تهلك فيهنّ ، ورأيت جبرائيل ولم يره من نسائه أحد غيري ، وقُبض في بيتي لم يله أحد غيري (2) أنا والملك . انتهى .
إلى آخر ما كانت تسترسل فيه من خصائصها ، وكلّه من هذا القبيل .
أمّا أُمّ سلمـة ، فحسبها الموالاة لوليّها ووصيّ نبيّها ، وكانت موصوفة بالرأي الصائب والعقل البالغ والدين المتين ، وإشارتها على النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم يوم الحديبيّة ، تدلّ على وفور عقلها وصواب رأيها وسمو مقامها ، رحمة الله وبركاته عليها » .

للبحـث صلة ...

ــــــــــــــــ

(1) أخرجه ابن أبي شيبة ، وهو الحديث 1017 من أحاديث الجزء 7 من كنز العمّال .
(2) وقـع الاتّفاق على أنّه صلّى الله عليه وآله وسلّم مات وعليّ حاضـر لموته ، وهو الذي كان يقلّبه ويمرّضـه ، وكيف يصحّ أنّه قبض ولم يله أحد غيرها وغير الملك ؟ فأين كان عليّ والعبّـاس ؟ وأين كانت فاطمـة وصـفيّة ؟ وأين كان أزواج النبيّ وبنو هاشـم كافّة ؟ وكيف يتركونه كلّهم لعائشة وحدها ؟!
ثمّ لا يخفى أنّ مريم عليها السلام لم يكن فيها شيء من الخِلال السبع التي ذكرتها أُمّ المؤمنين ; فما الوجه في استثنائها إيّاها ؟!

(90)

الضـرورة قاضـية بذلك ، وليس جـزم العقلاء بهذا أقلّ من جـزمهم بكون يناكَحون وإنّ عمر بن الخطّاب كان يطلب اللذّة بدعوى الحصول على القربى ، أمّا وهو من الكتب الدراسـية ; ولهذا طبع مرّات متعدّدة ، آخرها طبعة مصـر في مجلّدين .[ وطباعته مستمرّة منذ كتابة هذا الفهرس[.

نسخة بخطّ فارسي جيّد ، فرغ منها في ليلة التاسع من جمادى الآخرة سنة 1311 ، في 397 صفحة ، مقاسها 14 × 15 / 21 ، تسلسل 1119 .

الأصـل بـيد المؤلّف .

(91)

حول عائشـة وإنكارها للوصيّة
بأُصـول البحث وقواعد المناظرة ، وهو ديدن سائر علمائنا الأبرار ، كما أنّه لم ينسب إليها ـ أي عائشة ـ شيئاً من الصفات والحالات ، إلاّ في حدود ما دلّت عليه تلك الأحاديث الواردة عندهم عن الرواة الثقات .
غنية تامّة ; لعلمك بأنّا من ها هنا أُتينا ، وإنّ هنا مصرع الوصيّة ومصارع ومثل بهما شأنها من قبل خـروجها على وليّها ووصـيّ نبيّها ، ومن الوصـيّة وفـيها الخير كلّه ؟ المتواترة الثابتة .

وقيل :
عمّار ، فإنّي سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول فيه : لا يخيّر ولقد حار فكري ـ والله ـ في قولها : لقد رأيت النبيّ وإنّي لمسندته إلى صدري ، فدعا بالطست ، فانخنث فمات ، فما شعرت ، فكيف أوصى إلى عليّ ؟ عليهم أجمعين ، أنْ يأمروا بالشيء ثمّ لا يأتمرون به ، أو يزجروا عن الشيء كان صفراً من كلّ شيء يوصي به . ولو أرادوا قتال عليّ كما تزعم الرافضة ، لتوجهوا إلى عليّ رضي الله رسول الله صلّى الله عليه[ وآله ]وسلّم من خيبر وفدك وصدقته بالمدينة ، قال ـ يعني الزهري وهو أحد رواة الحديث ـ : فهما على ذلك إلى اليوم » .
ذلك ـ فانطلقتُ حتّى دخلت عليه فسألته فقال : انطلقت حتّى أدخل علىوصيّتين ، فمن أين علم الموسوي الوصيّة الثالثة ؟! تأمّل هذا تجده محض لكنّ ابن حجر العسقلاني تعرّض لذلك فقال : « زاد الإسماعيلي من
قيل : وأمّا قال : علّمني ألف باب ، كلّ باب يفتح له ألف باب .
عمرو ، مرفوعاً . رحمة الله وبركاته عليها » . استثنائها إيّاها ؟!