شبكة الإمامين الحسنين عليهما السلام للتراث و الفکر الإسلامي

 

أضواء الدُرر الغوالي
لإيضاح غصْب فدك والعوالي


تأليف
الشيخ حسن بن محمّد بن علي المهلّبي
الشهير بـ : الصوفي
المتوفّى سنة 840 هـ


تحقـيق
الشيخ أحمد المحمودي

(352)

(353)

مقـدّمة التحقيق :

الحمد لله الذي أضاء لنا طرق الحياة وسبل المعالي ، ومنّ علينا بالدُرر الغوالي ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وعلى آله الطيّبين الطاهرين ، ولعنة الله على أعدائهم أعداء الدين.
وبعد..
فإنّ كتاب أضواء الدرر الغوالي لإيضاح غصب فدك والعوالي ، لبعض قدماء علماء الشيعة وسلفنا الصالح (1) ، الّذين كانوا أوعية العلم والمعرفة ، ومظهراً للإخلاص والجهد والدقّة والأمانة ، كما قال العلاّمة المجلسي (رحمه الله) ; إذ جعله من مصادر كتابه بحار الأنوار ، وأشار في مقدّمة الكتاب قائلا : وكتاب أضواء الدرر الغوالي لإيضاح غصب فدك والعوالي ، لبعض الأعلام (2).
والشيخ المجلسي (رحمه الله) وإن لم يصرّح في كتابه بالنقل عن هذه
ــــــــــــــــــ

(1) سيأتي البحث عن المؤلّف في هذه المقدّمة ; فانتظر..
(2) انظر : مقدّمة بحار الأنوار 1 / 21 من الطبعة الحديثة.

(354)

الرسالة ، إلاّ أنّها مع صغرها تضمّ طائفة من الحقائق ، العزيزة على نفس كلّ شائق ورائد ; ففيها لطلبة الحقّ وروّاد السعادة ما يوصلهم إلى الحقائق ، وبها قد أوقدوا مشاعل الإيمان بهمّة شامخة يتقاعس عن إدراكها الزمن.
ومن المؤسـف أنّ مؤلّف هذه الرسالة لم يفصح عن نفسه فيها ; لتقية أو لغرض آخر ، لا يعلمه إلاّ الله سبحانه وتعالى ، ولم نجد ـ في ما تتبّعنا ـ من العلماء والأعلام والخبراء من ينسبها إلى مؤلّف بعينه ; حتّى المجلسي (رحمه الله) ـ الذي نقل عنها ـ لم يذكر مؤلّفها ولا ترجمة له.
نعم ، وجدنا في ما بعد نسخة مخطوطة أُخرى للرسالة ، محفوظة في مكتبة مدرسة أمير المؤمنين (عليه السلام) ، برقم 95 ، وتقع هذه المدرسة في بلدة « بُشْـرويَة » ، من توابع مدينة « فردوس » من نواحي خراسان ، في إحدى عشرة صفحة ، آخرها هكذا : « تمّت الرسالة بحمد الله تعالى » ولم يكتب الكاتب اسمه ، ولم يكتب أيّ تاريخ للكتابة ، لكن مكتوب على ظهر الورقة الأُولى من النسخة ما يلي : « أضواء الدُرر الغوالي لإيضاح غصب فدك والعوالي ، تأليف : الفقير إلى الله الغني الشيخ حسن بن محمّد بن علي المهلّبي ، الشهير بـ : الصوفي ».
والنسخة جيّدة الخطّ ، لكن تعرّضت ـ مع الأسف ـ الكلمات في أعلى كلّ الصفحات للمحو ، من أثر الرطوبة ، أو علّة أُخرى..
واستناداً لما وجدناه في ظهر الورقة الأُولى من هذه النسخة ، ومقارنة بعض الكلمات ، نسبنا هذه الرسالة إلى الشيخ المذكور ، ونحن نأخذ الرسالة ومحتواها بعين الاعتبار ; إذ قيل : « انظر إلى ما قيل ولا تنظر إلى مَن قال »..
وللشيخ (رحمه الله) ترجمة في كتب تراجم الرجال نقوم بسردها بالمقدار اللازم وقدر الحاجة.

(355)

ترجـمة المؤلّف

ترجم للشيخ المؤلّف (1) عدّة من الأعلام في مؤلّفاتهم :
1 ـ تعرّض لترجمته العلاّمة السيّد محسن الأمين (رحمه الله) في أعيان الشيعة 5 / 265 ، قائلاً :
الشيخ عزّ الدين الحسن بن شمس الدين محمّد بن علي المهلّبي الحلّي ، توفّي سنة 840.
قال الأمين : ( المهلّبي ) في رياض العلماء نسبة إلى المهلّب بن أبي صفرة ، ( والحلّي ) نسبة إلى الحّلة السّيفية ، انتهى.
وما في بعض نسخ أمل الآمل من إبدال الحلّي بالحلبي تصحيف.
في أمل الآمل : فاضل ، عالم ، محقّق ، له كتاب الأنوار البدرية في ردّ شبه القدرية ، رأيته في الخزانة الموقوفة الرضوية (2). انتهى.
وفي الرياض : إنّ الموجود في نسخ الكتاب أنّ اسمه : الأنوار البدرية لكشف شبه القدرية..
وفيه أيضاً : الشيخ الأجل عزّ الدين الحسن بن الشيخ شمس الدين محمّد بن علي المهلبي الحلّي ، الفاضل ، العالم ، المتكلّم ، الجليل ، الشاعر ، المحقّق ، المعروف بـ : المهلّبي ، وهو ليس بالمهلّبي الشاعر ولا بالمهلّبي الوزير ; لتقدّمهما وتأخّره ، كما ستعرف.
ــــــــــــــــــ

(1) حسب استنادنا لنسخة بُشْـرويَة.
(2) انظر : أمل الآمل ـ للحرّ العاملي ـ 2 / 78 ; وفيه : « الحسن بن محمّد بن علي المهلّبي الحلبي... له كتاب : الأنوار البدرية في ردّ شبه القدرية... ».

(356)

قال : وقد رأيت في آخر بعض نسخ كتابه الأنوار البدرية في وصفه هكذا : الشيخ العالم الفاضل الكامل ، الزاهد العابد ، المحقّق المدقّق ، أفضل العلماء المتبّحرين ، عماد الإسلام والمسلمين ، المتوّج بعون عناية ربّ العالمين ، عزّ الملّة والحق والدين ، حسن بن السعيد المرحوم شمس الدين محمّد بن علي المهلّبي. انتهى.
قال : وهو صاحب كتاب الأنوار البدرية لكشف الشبه القدرية ، وهو غير كتاب الأنوار المضيئة ، الذي هو من مؤلّفات الشيخ أبي علي محمّد بن همام ، من القدماء.
ثمّ ذكر أنّه رأى كتاب الأنوار البدرية في مواضع أُخر غير الخزانة الرضوية ، منها ببلاد سجستان ، وأنّ عنده منه نسخة (1)..
قال : ورأيت في عدّة من نسخه أنّه ألّفه في داره بالحلّة السيفية سنة 840 ، ضحوة يوم السبت 6 جمادى الآخرة ، وكان الباعث على تأليفه ـ كما صرّح به في أوّله ـ أمر الشيخ الأجل الفاضل جمال الدين أبي العبّاس أحمد ، ( ولعلّ المراد به : أحمد بن فهد الحلّي ، المتوفّى سنة 841 ).
قال : وموضوع هذا الكتاب ردّ على كتاب ليوسف بن مخزم المنصوري الأعور الواسطي ، الذي ردّ فيه على الإمامية ، وكان قريباً من السبعمائة للهجرة ، فردّ عليه أحسن ردّ ، وهو كتاب لطيف في الغاية ، وقد بالغ في تتبّع الكتب وإيراد الحجج ، والتزم في إيراد الأدلّة بما ثبت من طريق الخصم نقله عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).
وقال الأُستاذ المجلسي في أوّل البحار : وكتاب الأنوار البدرية في ردّ
ــــــــــــــــــ

(1) ورأينا منه نسخة في مكتبة السيّد المرعشي (رحمه الله) الكبرى في مدينة قم المقدّسـة ، نسأل الله تعالى التوفيق لإنجاز تحقيقه.

(357)

شبه القدرية ، للفاضل المهلّبي.
ثمّ قال : وكتاب الأنوار البدرية مشتمل على بعض الفوائد الجليلة.
وقال : وقد ألّف الشيخ نجم الدين خضر بن الشيخ شمس الدين محمّد بن علي الرازي ، الحبلرودي نسبةً ، والنجفي مسكناً ، في ردّ كتاب يوسف الأعور المذكور ، كتاباً سمّاه : التوضيح الأنور بالحجج الواردة لدفع شبهة الأعور (1) ، ألّفه سنة 839 ، بالحلّة السيفية أيضاً ، لكن كتابه أفْيَد وأحسن من كتاب المهلّبي ، كما لا يخفى على مَن طالعهما ووازنهما. انتهى.
وذكر في ترجمة الشيخ خضر المذكور : أنّ كتاب الأنوار البدرية في ردّ شبه القدماء ، ثمّ ذكر أنّه رأى كتاب الأنوار البدرية في ردّ شبه القدرية ، للشيخ الجليل عزّ الدين حسن بن شمس الدين محمّد بن علي المهلّبي الحلّي ، ألّفه سنة 840 ، وهو كتاب لطيف نفيس ، ألّفه في الردّ على كتاب الشيخ يوسف بن مخزوم المنصوري العامّي ، الذي يردّ فيه على الشيعة. انتهى.
قال أحمد المحمودي :
إلى هنا انتهى كلام العلاّمة الأمين (رحمه الله) في أعيان الشيعة بشأن الشيخ المهلّبي ، وهو بتفاصيله كان مناسباً للنقل ; لِما فيه من الشواهد لنسبة رسالة أضواء الدّرر إليه.
2 ـ وقال العلاّمة المتتبّع الخبير حجّة التاريخ الميرزا عبد الله أفندي
ــــــــــــــــــ

(1) أصدرته مؤخّراً مكتبة السيّد المرعشي (رحمه الله) الكبرى في قم ، بتحقيق السيّد مهدي الرجائي.

(358)

الأصفهاني ، المتوفّى سنة 1130 هـ ، في كتابه رياض العلماء 1 / 323 ، تحقيق السيّد أحمد الحسيني :
الشيخ عزّ الدين الحسن بن الشيخ شمس الدين محمّد بن علي المهلّبي... وهو صاحب كتاب الأنوار البدريّة لكشف شبه القدرية ، وكتابه هذا أيضاً ليس بكتاب الأنوار المضيئة ، الذي كان من مؤلّفات الشيخ أبي علي محمّد بن همام ، وقد كان من القدماء ; فلا تخبط..
قال الأفندي : قال الشيخ المعاصر في أمل الآمل : الحسن بن محمّد ابن علي المهلّبي الحلبي ، له كتاب الأنوار البدرية في ردّ شبه القدرية ، رأيته في الخزانة الموقوفة الرضوية. انتهى. وقد صرّح بنسبته إليه في كتاب [ إثبات ] الهداة هذا الشيخ أيضاً (1). وأقول أنا : قد رأيت هذا الكتاب في مواضع أُخر ، منها ببلاد سجستان ، بل عندنا منه نسخة إن شاء الله.
أقول :
ثمّ تعرّض العلاّمة الأفندي في الترجمة لما جاء به ونقله العلاّمة الأمين في أعيان الشيعة ، كما تقدّم ، فلا نعيد مخافة الإطالة ; فراجع وتأمّل.
3 ـ وقال الفاضل المؤرّخ إسماعيل باشا في الذيل على كشف الظنون لحاج خليفة 3 / 138 :
الأنوار البدريّة في ردّ شبه القدريّة ، تأليف : حسن بن شمس الدين محمّد بن علي المهلّبي الحلّي الشيعي ، المتوفّى سنة...
4 ـ وقال العلاّمة المحقّق السيّد إعجاز حسين النيسابوري ، المتوفّى
ــــــــــــــــــ

(1) إثبات الهداة ـ للحرّ العاملي ـ 1 / 59 ; وفيه : " كتاب الأنوار البدرية في ردّ شبه النواصب القدرية ، للشيخ حسن بن محمّد بن علي المهلّبي الحلّي ".

(359)

سنة 1240 هـ ، في كشف الحجب والأستار : 66 :
الأنوار البدرية في ردّ شبه القدرية : للحسن بن محمّد بن علي السهمي الحلّي ، ردّ فيه شبهات الأعور الواسطي ، قال فيه : سمّيته بـ : الأنوار البدرية بكشف شبه النواصب القدرية ، قال : التزمت فيه أن لا أستدلّ من المنقول عن الرسول إلاّ بما ثبت من طريق الخصم (1) ، ولا أفعل كما فعل الناصب في كتابه..
أوّله : « الحمد لله الذي هدانا بما كتب على نفسه من الرحمة ، واضح المنهاج... » إلى آخره..
فرغ من تصنيفه في الحلّة ضحوة يوم السبت السادس من جمادى الآخرة سنة أربعين وثمانمئة.
التعريف برسالة « أضواء الدُرر » :
قد عرفنا من ثنايا الرسالة أنّها كُتبت بعد منتصف القرن السابع الهجري ; لأنّه ينقل فيها عن ابن أبي الحديد ، المتوفّى سنة 656 هـ (2).
وينقل أيضاً عن بعض كتب السيّد ابن طاووس (رحمه الله) ، المتوفّى سنة 664 هـ ، كما نقل عن كتاب الطرائف ، والقارئ الكريم يجد في مطاوي الكتاب إمّا عين اللفظ والعبارة أو النقل بالمعنى ، وقد أشرنا في بعض الهوامش إلى ما نقل عن كتاب الطرائف للسيّد ابن طاووس (رحمه الله).
ــــــــــــــــــ

(1) هذه العبارة بعينها موجودة في مقدّمة رسالتنا هذه : أضواء الدُرر ; انظر : مقدّمة المؤلّف صفحة 376.
(2) انظر : صفحة 386 من هذه الرسالة.

(360)

لكن لم يتعرّض لذكر هذه الرسالة أحد من أصحاب المعاجم والسير ، ولا أحد من المعاصرين ـ حسب تتبّعنا ـ إلاّ خبير هذا الفنّ ، العلاّمة المتتبّع الشيخ آغا بزرك الطهراني (رحمه الله) ; فقد أورده في كتابه : الذريعة 2 / 216 رقم 840 ، قائلا :
« أضواء الدرر الغوالي في إيضاح أحوال فدك والعوالي : قال العلاّمة المجلسي في أوّل البحار عند ذكر مآخذه في الفصل الأوّل : إنّه لبعض الأعلام. وصرّح في الفصل الثاني بوجوده عنده ، وقال : إنّه محتو على فوائد كثيرة لكن لم نرجع إليه كثيراً ».
وقال في خاتمة بحار الأنوار 110 / 169 ، في ذكر تعداد الكتب والمصادر التي اعتمدها في البحار ، نقلا عن بعض تلامذته (1) مخاطباً إيّاه :
« وكتاب ضوء اللآلي في غصب فدك والعوالي ، رأيته في داركم لا زالت عامرة آهلة ».
وقال العلاّمة الرجالي المتتبّع الميرزا عبد الله ، الشهير بـ : الأفندي الأصفهاني ، في رياض العلماء 6 / 45 ، في باب : ذكر أسامي الكتب الإمامية التي لم يعلم أسامي مؤلّفيها : « وكتاب أضواء الدرر الغوالي لإيضاح غصب فدك والعوالي ».
ونحن نكتفي بهذا المقدار ; إذ أنّ ما ورد في هذه الرسالة من مضامين عالية ، وقضايا مهمّـة ، ونكات ظريـفة ، تفصح عن مرتـبتها ومكانتها ، وعن المنزلة المنيفة لشخصية المؤلّف (رحمه الله) أيّاً مَن كان ; فإنّه لم يبغِ سوى
ــــــــــــــــــ

(1) هو : العلاّمة الرجالي المتتبّع المولى ميرزا عبد الله التبريزي الأصفهاني ، المشهور بـ : الأفندي ، صاحب كتاب رياض العلماء ، المتوفّى سنة 1130 هـ.

(361)

رضا الله سبحانه وتعالى ، وتبيين الحقائق ، ولا يسأل أجراً إلاّ المودّة في القربى ، وإثبات الحقّ لهم.
النسخ المعتمدة في التحقيق :
اعتمدنا في تحقيقنا لهذه الرسالة ، التي بين يديك ، على ثلاث نسخ مخطوطة ، هي :
النسخة الأُولى :
هي النسخة الرئيسية المعتمدة ، وهي قديمة جدّاً ، ولعلّها قريبة عهد المؤّلف (رحمه الله) ، وقد استنسخ الناسخ مع هذه الرسالة ـ ضمن مجموعة ـ كتاب : المحكم والمتشابه ، تأليف : سعد بن عبد الله الأشعري القمّي (رحمه الله) ، المتوفّى سنة 301 هـ.
وقد كانت هذه النسخة عند العلاّمة المجلسـي (رحمه الله) ; ممّا يبدو من خطّه المبارك على ظهر الصفحة الأُولى منها ، وهو صورة الوقفية التي كتبها بيـده..
وكانت أيضاً عند العلاّمة الرجالي المتتبّع السيّد مير محمّد باقر الموسـوي الخوانساري (رحمه الله) ، مؤلّف الروضات ، المتوفّى سنة 1313 هـ ; ممّا يبدو أيضاً من خطّه الشريف على ظهر النسخة ، وهو ما كتبه بيده :
« هذا كتاب الناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه من كتاب الله المجيد ، تأليف : سعد بن عبد الله الأشعري القمّي ، صاحب بصائر الدرجات وغيره... وقد ساقه التقدير إلى ساحة مُلك الفقير إلى الله الغني

(362)

القوي : محمّد باقر بن زين العابدين الموسوي ، جعل الله عاقبة أُمورهما خيراً ، آمين ربّ العالمين.
والرسالة الأُولى موسومة بـ : أضواء الدرر الغوالي لإيضاح غصب فدك والعوالي ، لبعض قدماء علماء الشيعة رضوان الله تعالى عليهم ".
ولعلّ لهذه المناسبة انتهت النسخة إلى حفيده : العلاّمة الحجّة المحقّق الخـبير المعاصر ، السيّد محمّد علي الروضاتي الموسوي الأصفهاني حفظه الله ، المتوطّن في أصفهان.
قال العلاّمة السيّد محمّد علي الروضاتي ـ حفظه الله ـ : يبدو من خطّ الكتاب أنّه كتب في عهد العلاّمة المجلسي (رحمه الله) ، بأمر الملك سلطان حسين الصفوي ، من نماء الموقوفة لحمام ( خسرو آغا ) : « نقش جهان » بأصفهان ، وكان الملك يستأجر الكتّاب ; لاستكتاب النسخ المخطوطة.
وكانت النسخة ضمن مجموعة من الكتب المخطوطة ، كما كتب العلاّمة الروضاتي على ظهر المجموعة ما ترجمته : من هنا إلى 13 ورقة : رسالة أضواء الدرر ، ومن الورقة 14 إلى آخر النسخة : كتاب سعد بن عبد الله الأشـعري .
وأضاف : ولا يخفى أنّه قد مُحيَ ما كان في متن هذه الصفحة من شرح بخطّ العلاّمة المجلسي (رحمه الله) ، وختمه المبارك ، الذي كتب بتاريخ : 1104 هـ.
أقول :
بعد جهد بليغ ، رأيت أنّ الكتابة الممحيّة التي كانت مكتوبة على ظهر هذه النسخة ، هي صورة الوقفيّة التي كان يكتبها العلاّمة المجلسي على ظهر

(363)

الكتب الموقوفة بخطّه ، وهي نفسها الموجودة على نسخة كتاب المسترشـد ، لمحمّد بن جرير الطبري ، المطبوع بتحقيقنا (1).
وقد رمزنا لها بـ : « مج ».
النسخة الثانية :
هي النسخة التي استنسخها السيّد الروضاتي ـ دام ظلة ـ بخطّه الشريف ، عن نسخة جـدّه (رحمه الله) ـ وهي نسخة العلاّمة المجلسي (رحمه الله) ـ وقد ختمها قائلا :
« كتبه بيمناه الداثرة : العبد الجاني ، محمّد علي بن محمّد هاشم الروضاتي الموسوي الأصفهاني ، في يوم الاثنين الثامن والعشرين من شهر رمضان المبارك سنة 1365 هـ ، واستنسخ من النسخة التي تكون تلو الناسخ والمنسوخ ، وعلى ظهرها خطّ جدّي العلاّمة صاحب الروضات ، قال (رحمه الله) : إنّ هذه الرسالة لبعض قدماء علماء الشيعة ، رضوان الله عليه وعليهم أجمعين ».
وقد رمزنا لها بـ : « ض ».
النسخة الثالثة :
هي نسخة مكتبة بُشْـرويَة ، التي أشرنا إليها آنفاً ، وقد رمزنا لها بـ : « ب ».
ــــــــــــــــــ

(1) أصدرته مؤسّـسة الثقافة الإسلامية « لكوشانبور » في قم سنة 1415 هـ.

(364)

1 ـ تخريج نصوص الأحاديث من المصادر التي اعتمد عليها المؤلّف (رحمه الله) ، وهو قد صرّح في أوّل رسالته أنّه لا يذكر إلاّ ما كان من طريق الخصم ، والكتب التي روى عنها ; فعمدنا إلى إيراد أحاديثها كما أوردها المؤلّف ، بالإضافة إلى إيراد تتمّة بعضها ، وضبط موارد الاختلاف.
2 ـ إيراد الشواهد اللازمة المتناسبة مع الموضوع ، والإشارة إلى موارد الاختلاف ، وضبط الموجود في المتن ، والتصريح به في الهامش.
3 ـ ضبط وإتمام الآيات القرآنية التي استشهد بها المؤلّف (رحمه الله) ، كما هي في المصحف الشريف ، كما عملنا في الأحاديث أيضاً.
4 ـ تصحيح وضبط ما وقع من الخطأ في أسماء الرجال والرواة الّذين ذكرهم المؤلّف في هذه الرسالة وروى حديثهم ، وذكر المصادر المترجمة لهم.
5 ـ وضعنا لبعض مواضيع الكتاب عناوين للتسهيل ، وشرحنا بعض الكلمات الغريبة أو الغامضة ، وقمنا بترقيم الأحاديث.
6 ـ قابلنا النسـخ المخطوطة الثلاث بعضها ببعض ; فجعلنا نسخة العلاّمة المجلسي هي الأصل ; بدليل قدمتها ، ثمّ قارنّا بنسخة مكتبة بُشْرويَة ، وبنسخة العلاّمة الروضاتي ، وموارد الاختلاف بين النسخ لم تكن قليلة فأوردنا مواردها في الهامش.
هذا ما أردنا إيراده في هذه المقدّمة ، ورأيناه مفيداً لأهله ، وموصلا القارئ الكريم إلى ما يبتغي ويطلب من الكتاب ، والله وليّ التوفيق وهو المستعان.

(365)

شكر وتقدير :
وأرى من اللازم أن أُقدّم مزيد الشكر والتقدير لفضيلة العلاّمة المحقّق الخبير السيّد الروضاتي ـ دام ظلّه ـ الذي احتفظ بهذه النسخة وأحياها بالاستنساخ ، ونشرها في المجامع العلمية ، فللّه درّه وعليه أجره.
وأكون شاكراً للعلماء والمحقّقين نقدهم البنّاء لهذا العمل ، وإيقافي على ما وقع من الخطأ والنسيان ; إذ يتعرّض الإنسان للوقوع فيهما ، والعصمة لله تعالى ، ولأوليائه المعصومين (عليهم السلام).

قم المقدّسـة 1424 هـ
الشيخ أحـمد المحمودي

(366)

صورة الصفحة الأُولى من نسخة العلاّمة المجلسي (رحمه الله)

(367)

صورة الصفحة الأخيرة من نسخة العلاّمة المجلسي (رحمه الله)

(368)

صورة الصفحة الأُولى من نسخة العلاّمة السيّد الروضاتي

(369)

صورة الصفحة الأخيرة من نسخة العلاّمة السيّد الروضاتي

(370)

صورة الصفحة الأُولى من نسخة مكتبة بُشْـرويَة

(371)

صورة ظهر الصفحة الأُولى من نسخة مكتبة بُشْـرويَة

(372)

صورة الصفحة الأخيرة من نسخة مكتبة بُشْـرويَة

(373)

صورة وقفية الكتاب التي كتبها الشيخ المجلسي (رحمه الله) بخطّه الشريف

(374)

صورة خطّ السيّد مير محمّد باقر الموسوي (رحمه الله) صاحب الروضات

(375)

بسـم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة على خير خلقه أجمعين محمّد وآله الخيرة المعصومين ، وأصحابه التابعين لهم دون المخالفين.
سألت ـ أيّها الأخ الصّالح أيّدك الله سبحانه بحاء حفظه ، وراعاك (1)وحرسك من بؤس الدهر وخاء خفضه وحماك ـ أن أُملي عليك نُبذة من أخبار فدك والعوالي (2) ; لتعلم كيف تمالأ (3) القوم على غصب البتول إرثها سجيس الليالي (4)..
ــــــــــــــــــ

(1) في النسخ : « وراعيك » ، وكتبت فوق الكلمة في ( مج ) و ( ض ) : « راعاك ظ » استظهاراً ، وكان الرسم الأوّل على اختزال الألف المتوسّطة.
(2) فدك ـ بالتحريك ـ : قرية بالحجاز ، بينها وبين المدينة يومان ، وقيل : ثلاثة ، أفاءها الله على رسوله صلّى الله عليه وآله في سنة سبع صلحاً ; انظر : معجم البلدان ـ لياقوت الحموي ـ 4 / 238..
والعوالي ـ بالفتح ـ : جمع العالي ضدّ السافل ، وهي ضياع بينها وبين المدينة أربعة أميال ، وقيل : ثلاثة ; انظر : معجم البلدان 4 / 166.
وقال الدياربكري في تاريخ الخميس 2 / 58 : وفي هذه السنة ( أي السنة السادسة من الهجرة ) فتح فدك ، وهي قرية بينها وبين مدينة النبيّ صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم مرحلتان ، وقيل : ثلاث مراحل. قال : وفي شرح المواقف : وهي قرية بخيبر ، كانت للنبيّ صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم.
(3) في « مج » : تمالي ، وفي « ب » : تَمالى ، وفي » ض « : تمالى ; ولعلّ ما أثبتناه في المتن هو الصحيح.
(4) سجيس الليالي والأيّام : أي أبداً ; قال الشنفري :

(376)

فها أنا ذا قد ألقمتك نقيّ (1) الحقّ ، فصُـنه عن أرذل الخلق ، وكشفتُ لك ( عن ) (2) حقيقة الحال ، لتكسر به سورة المحال ، وهديتك إلى سواء السبيل ، بإيضاح المحجّة والدليل.
ولم أذكر لك ممّا روي عن أهل البيت عليهم السلام وغيرهم إلاّ من طريق الخصم ، وإن كانت عروته الوثقى آمنة من الفَصْم (3) ، وقد ترجمتها بـ :

أضواء الدّرر الغوالي لإيضاح غصب فدك والعوالي

فأوّل ما نذكر : فضل فاطمة وبعلها ، وننبّه (4) على عصمتها ، ونلزم المخالف القول بذلك..
فنقول :
لا شـكّ في عصمة فاطمة عليها السلام ; بدليل إخبار النبيّ صلّى الله عليه وآله على القطع من غير تقيّد ، كقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : « فاطمة بضعة منّي ، يريبها ما [ أ ] رابني » (5)..

هنالك لا أرجو حياة تسرّني

سجيس اللّيالي مبسلاً بالحرائر

انظر : لسان العرب 6 / 104 مادّة « سجس ».

ــــــــــــــــــ
(1) في « ب » : قفيّ ، وفي « ض » : نفي.
(2) وردت « عن » في « ب » فقط.
(3) في « مج » و « ب » : « القصم » ، وفي « ض » : « العصم » ; وما أثبتناه هو المناسب لكلمة العروة.
(4) في « مج » و « ض » : « وبنيه ».
(5) انظر : صحيح مسلم 4 / 1902 ح 2449 باب فضائل فاطمة عليها الصلاة والسلام ،

(377)

وفي رواية أُخرى : « من أغضبها فقد أغضبني » ، كما أخرجه البخاري وغيره (1)..
و « من » و « ما » من ألفاظ العموم ; كما تقرّر في الأُصول.
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في حقّ عليّ عليه السلام عن ابن عبّاس (رضي الله عنه) ، قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا نزلت : (إنّما أنتَ مُنذرٌ ولكُلِّ قوم هاد ) (2)قال (صلى الله عليه وآله وسلم) : « أنا المنذر وعليّ الهادِ » ، ثمّ قال (صلى الله عليه وآله وسلم) : « يا عليّ ! بكَ يهْتدي المُهتَدُونَ »..
أخرجه صاحب الوسيلة (3) في خصائص عليّ (عليه السلام).

حلية الأولياء ـ لأبي نعيم الأصفهاني ـ 2 / 40 ; وفيه : « يريبني ما أرابها » ، الإصابة ـ لابن حجر العسقلاني ـ 4 / 378 ، أعلام الموقّعين ـ لابن قيّم الجوزية ـ 1 / 112 ، تذكرة الخواص ـ لسبط ابن الجوزي ـ : 279 ، ينابيع المودّة ـ للقندوزي ـ 2 / 478 ; وفيه : « يؤذيني ما يؤذيها ».

ــــــــــــــــــ
(1) رواه البخاري في صحيحه 5 / 36 ; قال : حدّثنا أبو الوليد ، عن ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن ابن أبي مليكة ، عن المسوّر بن مخرمة رضي الله عنهما ، أنّ رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم قال : « فاطمة بضعة منّي ، فمن أغضبها أغضبني ».
وقال الحافظ عبد الله بن محمّد بن أبي شيبة الكوفي ( ت 235 هـ ) في مصنّفه 7 / 526 في كتاب الفضائل باب 33 ح 1 : حدّثنا ابن عيينة ، عن عمرو ، عن محمّد بن علي ، قال : قال رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم : « إنّما فاطمة بضعة منّي ، فمن أغضبها أغضبني ».
ورواه المتّقي في كنز العمّال 12 / 108 ح 34222 ، و ص 112 ح 34244.
ورواه العلاّمة العيني ( ت 855 هـ ) في عمدة القاري 16 / 223.
(2) سورة الرعد 13 : 7.
(3) وسيلة المتعبّدين إلى متابعة سيّد المرسلين (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ لأبي حفص عمر بن محمّد ابن الخضر الملاّ الموصلي ، المتوفّى سنة 570 هـ / 1174 م ـ 5 ـ ق 2 ـ / 167..
قال العلاّمة الحافظ محمّد بن جرير الطبري ( ت 310 هـ ) في تفسيره الجامع

(378)

ومـثله : قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : « عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ ، يدور معه كيفما دار » (1).
ومثله : دعاؤه له على القطع أيضاً ، كقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : « اللّهمّ والِ مَن

13 / 72 : حدّثنا أحمد بن يحيى الصوفي ، قال : حدّثنا الحسن بن الحسين الأنصاري ، قال : حدّثنا معاذ بن مسلم ، حدثّنا الهروي ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عبّاس ، قال : لمّا نزلت : ( إنمّا أنت منذرٌ ولكلّ قوم هاد ) وضع صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم يده على صدره فقال : « أنا المنذر ولكلّ قوم هاد » ، وأومأ بيده إلى منكب عليّ فقال : « أنت الهادي ، يا علي ! بك يهتدي المهتدون بعدي ».
ورواه العلاّمة السيوطي في تفسير الدرّ المنثور 4 / 608.
ورواه أيضاً الفخر الرّازي في تفسيره الكبير 19 / 14 ، قال : والثالث : المنذر النبيّ ، والهادي : عليّ..
قال ابن عبّاس ـ رضي الله عنهما ـ : وضع رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم يده على صدره فقال : « أنا المنذر » ، ثمّ أومأ إلى منكب عليّ ـ رضي الله عنه ـ وقال : « أنت الهادي ، يا عليّ ! بك يهتدي المهتدون من بعدي ».
ورواه العلاّمة ابن كثير في تفسيره 2 / 520 ، ورواه الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل 1 / 293 ـ 303.

ــــــــــــــــــ
(1) رواه الحافظ الموفّق بن أحمد الحنفي ( ت 568 هـ ) ـ المعروف بـ : أخطب خوارزم ـ في مناقبه : 223 ، ضمن حديث المناشدة : قال (عليه السلام) : « فأنشدكم بالله ! أتعلمون أنّ رسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : الحقّ مع عليّ وعليّ مع الحقّ ، يدور الحقّ مع عليّ كيفما دار » ؟! قالوا : اللّهمّ نعم.
ورواه الحافظ أحمد بن علي الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد 14 / 321 : عن أبي ثابت مولى أبي ذرّ ، قال : دخلت على أُمّ سلمة فرأيتها تبكي وتذكر عليّاً ، وقالت : سمعت رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم يقول : « عليّ مع الحقّ والحقُّ مع عليّ ، ولن يفترقا حتّى يردا علَيَّ الحوض يوم القيامة ».
وقال الفخر الرازي في تفسيره الكبير 1 / 205 : وأمّا عليّ بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ كان يجـهر بالتسمية ; فقد ثبت بالتواتر : « ومَن اقتدى في دينه بعليّ بن أبي طالب فقد اهتدى » ، والدليل : قوله عليه السلام : « اللّهمّ أدِر الحقّ مع عليّ حيث دار » ; انظر : إحقاق الحقّ ـ للتستري (رحمه الله) ـ 5 / 28 وص 623 و ج 16 / 384.

(379)

والاه وعادِ مَن عاداه ، وانصُرْ مَن نَصَره واخذُلْ مَن خَذَله » (1).
وكإخباره (صلى الله عليه وآله وسلم) على القطع في حقّ أهل البيت عليهم السلام وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : « إنّي مخلّف فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا : كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي » (2).
وكقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : « إنّي سلْم لمَن سالمتم ، وحرب لمَن حاربتم » (3) ;
ــــــــــــــــــ

(1) انظر : مسند أحمد بن حنبل 4 / 281 وص 370 ، المعجم الكبير ـ للطبراني ـ 3 / 180 ، السيرة الحلبية 3 / 274.
(2) انظر : كتاب المناقب ـ للمغازلي ـ : 16 ، والمناقب ـ للخوارزمي ـ : 130.
(3) مسند أحمد 2 / 442 : عن أبي هريرة ، قال : نظر النبيّ صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم إلى عليّ والحسن والحسين وفاطمة فقال : « أنا حرب لمن حاربكم ، وسلم لمن سالمكم ».
ورواه ابن أبي شيبة ( ت 235 هـ ) في مصنّفه 7 / 512 ، كتاب الفضائل ح 7 : عن زيد بن أرقم ، أنّ النبيّ صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم قال لفاطمة وحسن وحسين : « أنا حرب لمن حاربكم ، وسلم لمن سالمكم ».
كما رواه الطبراني في المعجم الكبير 5 / 184 ح 5030 و ح 5031.
ورواه أيضاً ابن ماجة ( ت 275 هـ ) في سننه 1 / 521 ح 145 : عن زيد بن أرقم ، قال : قال رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم لعليّ وفاطمة والحسن والحسين : « أنا سلم لمَن سالمتم ، وحرب لمَن حاربتم ».
ورواه الترمذي ( ت 297 هـ ) في صحيحه 5 / 699 ح 3870 : عن زيد بن أرقم ، أنّ رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم قال لعليّ وفاطمة والحسن والحسين : " أنا حرب لمن حاربتم ، وسلم لمن سالمتم ".
ورواه أيضاً الخطيب البغدادي في تاريخه 7 / 127 في ترجمة : تليد بن سليمان.
ورواه ابن بلبان ( ت 739 هـ ) في تقريب صحيح ابن حبّان 15 / 434 ح 6977 : عن صبيح مولى أُمّ سلمة ، عن زيد بن أرقم ، أنّ النبيّ صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم قال لفاطمة والحسن والحسين : « أنا حرب لمَن حاربكم ، وسلم لمَن سالمكم ».
ورواه الهيثـمي ( ت 807 هـ ) في مجمع الزوائد 9 / 172 : عن صبيح ، قال : كنت بباب النبيّ صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم فجاء عليّ وفاطمة والحسن

(380)

كما أخرجه الفرّاء في مصابيحه (1) ، وغيره ، وأمثال ذلك كثير.
وقد أخرج من ذلك صاحب الوسيلة (2) ، في المجلّد الخامس : في فضل أهل البيت (عليهم السلام) ، وهو من شيوخ المخالفين (3) ; فليطالع هناك.
ولا شكّ أنّ هذه الأحاديث جاءت في باب مناقبهم عليهم السلام وفضلهم ; فلو كانت [ فاطمة ] (4) عليها السلام تغضب بالباطل لَما جاز من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يغضب لها..
ولو أمكن صدور الباطل منها لَما ساغ من النبيّ عليه السلام إطلاق لفظ الغضب ، بل كان يجب أن يقيّده ولا يطلقه..
ولو قيّده ، أو كان مراده ذلك ، لم يبقَ لها مزيّة على غيرها ; إذ يجب عليه أن يغضب لكلّ مسلم ، بل ولكلّ كتابيّ إذا أُغضب بغير الحقّ ; لقوله عليه السلام : « مَن آذى ذميّاً كنتُ خصْمَهُ يومَ القيامة » (5)..

والحسين ، فجلسوا ناحية ، فخرج رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم إلينا فقال : « إنّكم على خير » ، وعليه كساء خيبريّ فجلّلهم به وقال : « أنا حرب لمن حاربكم ، سلم لمن سالمكم ».

ــــــــــــــــــ
(1) مصابيح السنّة ـ للفرّاء البغوي ـ 2 / 457 ح 2728.
(2) وسيلة المتعبّدين 5 ـ ق 2 ـ / 220 ; قال : وعن زيد بن أرقم ـ رضي الله عنه ـ أنّ النبيّ صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم قال لعليّ وفاطمة والحسن والحسين ـ رضي الله عنهم ـ : « أنا حرب لمَن حاربتم ، وسلْم لمَن سالمتم ».
(3) في « ب » : وهو من شيوخ الجاهل.
(4) إضافة يقتضيها السياق.
(5) قال الملاّ عمر الموصلي في وسيلة المتعبّدين 5 ـ ق 2 ـ / 200 : قال صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم : « استوصوا بأهل بيتي خيراً ، وإنّي مخاصمكم غداً عنهم ، ومَن أكن خصمه أخصمه ، ومَن أخصمه دخل النار »..
ونصّ الحديث في كنز العمّال 4 / 362 ح 10911 : « مَن آذى ذميّاً فأنا خصْمه ، ومَن كنتُ خصْمه ، خصَمْته يوم القيامة ».

(381)

ولكان إخراج مثل هذه الأحاديث في باب المناقب خطأ من جميع علماء الإسلام ; وهو معلوم البطلان.
فلم يـبقَ إلاّ أنّ غضبها مطلقاً يغضبه (1) عليه السلام ، وفي ذلك دليل واضح على عصمتها عليها السلام ، وأنّها لا يصدر منها غضب إلاّ وهو بحقّ.
وكذلك الأخبار في حقّ بعلها (عليه السلام) ; لاتّحاد العلّة الموجبة للعصمة.
وكيف لم يكونوا كذلك ؟! أم كيف يجوز عليهم الضلال ، وقد دلّ الحديث النبوي الذي لا ينطق عن الهوى ، بأنّ المتمسّك بهم لن يضلّ ، وأتى بـ : « لن » ، النافية للتأبيد بنصّ أهل اللّـغة ؟!
فهذا حال المتمسِّـك بهم ; فما ظنّك بالمتمسَّـكين ؟!
وإذ قد ظهر لك في ما سردته عليك أنّ تابعهم آمن من الضلال ، سالم من الوبال ، فانْخذِلْ أيّها الأخ عن أقاويل الجهّال ; فإنّها أعاليل بأباطيل ، والله الهادي إلى سواء السبيل..
واعتبر بآية التطهير ; فإنّها عديمة النظير ، وهذا المقال ، للإطناب فيه أفسح المجال ، وإنّما عدلنا عنه ; لأنّ شهرته تغني ، كما قيل :
طلبـت علـى مكارمنا دليلاً متى احتاج النهـار إلى دليل

وغيره :
أنتم ذوو الحسب المنيف وطوْلكم والخمرُ إن قيل ابنة العنب اكتفت باد على الكرماء والأشراف بأب عن الألقاب والأوصاف

* * *
____________

(1) في « ض » : « بغضبه ».

(382)

[ إجماع المسلمين على ادّعاء فاطمة وبعلها (عليهما السلام)
فدكاً والعوالي ميراثاً ]

إذا تقرّر ذلك ، فنقول :
لا شـكّ ولا ريب في حصول الإجماع من سائر المسلمين على أنّ فاطمة وبعلها عليهما السلام ادّعيا فدكاً والعوالي ميراثاً..
ومصداق ذلك : ما ذكره ابن قتيبة في كتاب « السياسة والرياسـة » (1) ، في إمامة أبي بكر ، من قول فاطمة (عليها السلام) لأبي بكر : « ما بالك يرثك أهلك ولا نرث رسول الله ؟! » (2).
ومثله : في جامع الأُصول : عن أبي هريرة ، قال : جاءت فاطمة إلى أبي بكر ، فقالت : « من يرثك ؟ » ، قال : أهلي وولدي. قالت : « فما لي لا أرث أبي ؟! » (3) ; أخرجه بتمامه الترمذي (4).
ومثله : ما أخرجـه البخاري من قوله : قالت عائشة : لمّا مات رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جاءت فاطمة تطلب ميراثها من أبي بكر... إلى آخره (5).

ــــــــــــــــــ

(1) هو المعروف بـ : الإمامة والسياسة ; ولم نظفر بما ذكره المصنّف (رحمه الله) في ما توفّر من طبعاته ; إذ يبدو أنّ الأيدي المؤتمنة على التراث لم يسلم منها هذا الكتاب !!
لكن اطمئناناً إلى صحّـة وأمانة النقل ; تتبّعنا نسخاً عديدة من الكتاب ، مطبوعة ومخطوطة ، حتّى عثرنا ـ بعد متابعة مضنية ـ على العبارة بنصّها في السطر الأوّل من الورقة 12 ب من إحدى مخطوطاته ، وهي المحفوظة في خزانة الآستانة الرضوية المقدّسـة برقم 4173 ، والمذكورة في الفهرست الألفبائي لمخطوطاتها : 66 ـ 67.
(2) انظر : فتوح البلدان ـ للبلاذري ـ : 44.
(3) جامع الأُصول 9 / 639 ح 7439.
(4) انظر : الجامع الصحيح 4 / 175 ح 1608 ، باب : ما جاء في تركة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).
(5) انظر : صحيح البخاري 4 / 96 و ج 5 / 25 ; وفيه : « عن عائشـة : أنّ فاطمة

(383)

وأخرج في جامع الأُصول أيضاً ، في المجلّد الأوّل قريباً من آخره ، في أوّل الفرع الرابع : في قسمة الفيء وسهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : عن مالك ابن أوس بن الحدثان (1) ، قال : أرسل إليّ عمر ، فجئته حين تعالى النهار... إلى آخره (2)..
وفيه : قال أبو بكر : فجئتماني ـ يعني عليّاً والعبّاس ـ تطلب أنت ميراثك من ابن أخيك ، ويطلب هذا ـ يعني عليّاً ـ ميراث امرأته من أبيها ، فقال أبو بكر : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : « لا نورث ما تركناه صدقة » (3).
قال عمر : ثمّ توفّي أبو بكر فولّيتها ، ثمّ جئتني أنت وهذا... إلى آخره.
ثمّ قال : وفي رواية البخاري ومسلم ، بموجب ما أخرجه الحميدي ، وفيها : فقال ـ يعني عمر ـ : وأنتما حينئذ ـ وأقبل على عليّ وعبّاس ـ تزعمان أنّ أبا بكر فيها كاذب... إلى آخره.
وفي كتاب مسلم : قال أبو بكر : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : لا نورث

والعبّاس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وهما حينئذ يطلبان أرضه من فدك ، وسهمه من خيبر..
فقال لهما أبو بكر : سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول : لا نورث ما تركناه صدقة ، إنّما يأكل آل محمّد في هذا المال. والله ! لا أدع أمراً رأيت رسول الله يصنعه.
قال : فغضبت فاطمة وهجرته ، ولم تكلّمه حتّى ماتت ، فدفنها عليّ ليلاً ولم يؤذن أبا بكر. قالت عائشة : كان لعليّ وجه في حياة فاطمة ، فلمّا توفّيت فاطمة انصرفت وجوه الناس عند ذلك ».

ــــــــــــــــــ
(1) انظر ترجمته في : تهذيب الكمال 27 / 121.
(2) وفي صحيح البخاري : متع النهار ; انظر : صحيح البخاري 4 / 96.
(3) جامع الأُصول 2 / 699 ; ثمّ انظر : صحيح البخاري 7 / 81 ـ 82 ، والحديث طويل ; فراجـع.

(384)

ما تركناه (1) صدقة ، فرأيتماه (2) كاذباً ، آثماً ، غادراً ، خائناً... إلى آخره.
وفيه : ثمّ توفّي أبو بكر ، فقلت : أنا وليّ رسول الله ووليّ أبي بكر ، فرأيتماني كاذباً ، آثماً ، غادراً ، خائناً... إلى آخره (3).
ثمّ قال : وأخرجه الترمذي مختصراً (4) ، وأخرجه أبو داود بطوله (5).
فهذه سائر صحاحهم قد نطقت بأنّ عليّاً والعبّاس وفاطمة عليهم السلام قد ادّعوا الميراث ، وقد ثبت عصمة عليّ وفاطمة عليهما السلام دون غيرهما وفاقاً ; فلا يَخْلُوا : إمّا أن يكون النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قد أعلمهما بالخبر ـ وهو أنّ الذي تركه صدقة ـ أو لا ; وكلا الأمرين محال..
أمّا الأوّل : فلأنّه يلزم كلّ واحد من عليّ وفاطمة قول الزور والباطل والتـرع (6) إلى أكل أموال المسلمين بغير حقّ وحاشاهما من جميع ذلك ; لأنّ هذه صفات الشياطين دون صفات المعصومين.
وأيضاً قد نطق القرآن المجيد بزهدهما في المباح وإيثارهما (7) به مع حاجتهما إليه في سورة ( هل أتى ) وإطعامهما الطعام على حبّه (8) ، فنسبة الباطل إليهما خروج عن الملّة.

ــــــــــــــــــ

(1) في « مج » و « ض » : « تركنا » ; وأثبتنا ما في « ب ».
(2) في « مج » و « ض » : « فأنتما » ; وأثبتنا ما في « ب ».
(3) انظر : صحيح مسلم 3 / 1379 كتاب الجهاد والسير ، باب : حكم الفيء.
(4) انظر : الجامع الصحيح ـ للترمذي ـ 4 / 158 ح 1610 ; وفيه : « قال أبو عيسى : وفي الحديث قصّة طويلة ، وهذا حديث حسن صحيح ».
(5) انظر : سُنن أبي داود 2 / 27 ، باب في صفايا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
(6) كذا في « مج » و « ض » ; وهو الصحيح ، وفي « ب » : « التسرّع ».
(7) في « ب » : « وآثارهما ».
(8) إشارة إلى الآية : ( ويطعمون الطعام على حبّه مسكيناً ويتيماً وأسيراً ) ، سورة الإنسان 76 : 8.

(385)

وأمّا الثاني : فلأنّه يلزم أن يكون النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قد لبّس على أهله وأولاده وأفلاذ كبده ، وعمّى عليهم الخبر ، حتّى وقعت الفتنة العظيمة ، والفساد العظيم وحاشاه من ذلك ، لأنّ هذه صفات الأشقياء لا صفات الأنبياء ; وكيف لا ، وقد قال تعالى في حقّه : ( عزيزٌ عليهِ ما عنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بالمُؤْمِنينَ رَؤُفٌ رَحِيْمٌ ) (1) ؟!
وقد أخرج في جامع الأُصول حديث شهر بن حوشب عن الترمذي وأبي داوُد : أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : « إنّ الرجل ليعمل والمرأة بطاعة الله ستّين سنة ثمّ يحضرهما الموت فيضارّان (2) في الوصيّة فتجب لهما النار » (3).
وأقول :
لا ضرر أعظم من أن يخرج أهله عن حقّهم ولا يعرّفهم ! على أنّه قد وقع الإجماع أنّه ما كان يخرج إلى الصلاة حتّى يجيء إلى بيت فاطمة ويلزم بعضادتي الباب ويقول : « الصلاة يرحمكم الله ، ( إنَّما يُريدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (4) » (5).
[ إجماع المسلمين على أنّ عليّاً (عليه السلام) وصيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : ]
وأيضاً فقد حصل الإجماع [ على ] أنّ عليّاً وصيّه ، ومَن أراد مصداق
ــــــــــــــــــ

(1) سورة التوبة 9 : 128.
(2) في النسخ : « فيضادّان » ، وما أثبتناه هو الصحيح.
(3) انظر : جامع الأُصول 11 / 626 ح 9246 ، وصحيح الترمذي 4 / 431 ح 264 ، عن أبي هريرة.
(4) سورة الأحزاب 33 : 33.
(5) انظر : تفسير الحبري : 309 ، شواهد التنزيل 2 / 47 ، تفسير الدرّ المنثور 6 / 606.

(386)

ذلك فليطالع الجزء الأوّل من شرح ابن أبي الحديد للـنهج ، وينظر : كيف أثبت لعليّ عليه السلام الوصيّة عن سائر المسلمين (1) ؟!
ومثله : في مسند أحمد بن حنبل (2) ، وكتاب الفضائل (1) وغيره.
ومثله : في البخاري : عن الأسود (4) ، فإنّه قال : ذكروا عند عائشة أنّ عليّاً وصيّاً (5).
وأيضاً إذا ثبت أنّه وصيّه في أهله ، كما ذكره ابن حنبل في مسنده ، كيف يوصي إلى غيره بهذه التي يخرج أهله ، ويخالف قوله تعالى : ( يوصيكُمُ اللهُ في أولادِكُم ) (6) ، ولم يُعلم أهله ، ولا وصيّه فيهم ؟!
وأين الرأفة والرحمة ؟!
وكيف يكون عزيزاً عنتهم عليه ، وهو في أهله سبب لفتنتهم ؟!
وحاشاه من جميع ذلك.
وإذا لم يورث النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولا مال له ، وبزعم (7) الخصم أنّ الوصيّة
ــــــــــــــــــ

(1) انظر : شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ 1 / 99 و 139 و 215 ، و ج 2 / 54 و 291 ، و ج 6 / 3 و 197 ، و ج 7 / 150.
(2) قال الإمام أحمد بن حنبل في مسنده 1 / 152 : حدّثنا عبد الله ، حدّثني حجّاج ابن الشاعر ، حدّثنا شبابة ، حدّثني نعيم بن حكيم ، حدّثني أبو مريم ورجل من جلساء عليّ ، عن عليّ رضي الله عنه ، أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قال يوم غدير خم : « مَن كنت مولاه فعليّ مولاه » ، قال : فزاد الناس بعد : « والِ من والاهُ وعادِ من عاداهُ ».
(3) فضائل الصحابة ـ لأحمد بن حنبل ـ : 14 و 15.
(4) هو : الأسْود بن يزيد بن قيس النخعي أبو عمرو ، ويقال : أبو عبد الرحمن الكوفي ; انظر : تهذيب الكمال 2 / 233 رقم 509.
(5) انظر : كتاب الوصايا من صحيح البخاري 4 / 3 ، وفي فتح الباري ـ لابن حجر العسقلاني ـ 5 / 269.
(6) سورة النساء 4 : 11.
(7) في « ض » : « بزعم ».

(387)

بمعزل عن الإمامة ، فإذا لم يُعلمه بذلك خلت الوصيّة من الفائدة وتعطّلت ; وهو محال.
وإذا بطل الأمران ; تعيّن ابتزاز إرثها وأنّها مظلومة ، وما زالت ، وبعلها كذلك..
ومصداقه : ما أخرجه ابن قتيبة في كتاب « السياسة والرياسة » من قول عليّ عليه السلام لولده : « والله يا بنيّ ما زلت مظلوماً مَبغيّاً علَيّ منذ هلك جدُّك (صلى الله عليه وآله وسلم) » (1).
[ بطلان قول : « لا نورث ما تركناه صدقة » : ]
ولا يخفى عليك بطلان قولهم : « لا نورث... » ، بعد قوله تعالى : ( وورث سليمانُ داودَ ) (2) ، وقوله في حقّ زكريّا : ( يرثني ويَرِثُ من آل يعقوبَ واجْعَلْه ربِّ رضيّاً ) (3)..
فإن قال المخالف :
المراد بالإرث : العلم والنبوّة دون المال ; إذ لا يخصّ سليمان ميراث أبيه داود دون باقـي أولاده وزوجاتـه. ويرث مال آل يعقوب أولادهم ، لا ابن زكريّا.
أُجيب :
بأنّ العلم والنبوّة لا يورثان ، وإلاّ كنّا أنبياء..
ــــــــــــــــــ

(1) انظر : الإمامة والسياسـة ـ لابن قتيبة ـ : 49 ، ط مصر ، و ص 68 ، ط بيروت.
(2) سورة النمل 27 : 16.
(3) سورة مريم 19 : 6.

(388)

وأيضاً فإنّ العلم موقوف على من يتعرّض له ويجتهد في تحصيله ، والنبوّة لا مدخل لها في الميراث..
أيضاً ولقوله تعالى : ( وكلاًّ آتينا حُكماً وعلماً ) (1) ، والحُكم هو النبوّة ; بدليل : ( وآتيناه الحكم صبيّاً ) (2) ، وبذلك فسّره ابن الجزري وغيره ، وإذا كان قد آتاه الله سبحانه النبوّة والعلم في حياة أبيه داود لم يبقَ إلاّ ما تركه من الميراث دونهما ; لكونه حاكماً عالماً قبل ذلك..
وأيضاً فإنّ النبوّة تابعة للمصلحة ، فلا مدخل للنسب فيها ، ولا يرد علينا حديث زيد بن أبي أوفى (3) ; حيث لم يأت من غير طريق المخالف.
وأيضاً فإنّ اختصاص سليمان عليه السلام بالذكر في الميراث لا يدلّ على اختصاصه به ; إذ الآية الكريمة مثبتة للإرث لسليمان ، ولا يلزم من ثبوت الإرث له ثبوت اختصاصه بالإرث ; إذ تقرّر في الأُصول أنّ تخصيص الشيء بالذكر لا يدلّ على نفي ما عداه ، وقد قال تعالى : ( واللهُ خلق كلَّ دابّة من ماء فمنهم مَن يمشي على بطنه ومنهم مَن يمشي على رجلين ومنهم مَن يمشي على أربع يخلقُ الله ما يشاءُ إنّ اللهَ على كلِّ شيء
ــــــــــــــــــ

(1) سورة الأنبياء 21 : 79.
(2) سورة مريم 19 : 12.
(3) وفي « مج » و « ض » : أبي ندمي ، وفي « ب » : أدمى ; ولم نعثر ـ قدر تتبّعنا ـ على هكذا اسم في المعاجم الرجالية ، والصحيح : زيد بن أبي أوفى ، كما أثبتنا..
وهو : زيد بن علقمة ، له صحبة. وله ترجمة في الجرح والتعديل 3 / 554 رقم 2510 ، التاريخ الكبير ـ للبخاري ـ 3 / 386 رقم 1285 ، أُسد الغابة 2 / 277 رقم 1822.
وحديثه المقصود هو ما ورد عنه في كيفية مؤاخاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بين المهاجرين والأنصار في المدينة بعد هجرته إليها ، انظر : المعجم الكبير ـ للطبراني ـ 5 / 221 ، كنز العمّال 9 / 167 ح 25554 و ح 25555 و ج 13 / 105 ح 36345.

(389)

قديرٌ ) (1).
ومنه : قوله تعالى : ( وقال موسى ربّنا إنّك آتيت فرعونَ... ) إلى قوله : ( دعْوَتُكُما ) (2).
واعلم أنّ في الآية الثانية دلالة واضحة على أنّ الأنبياء تورّث المال ; لأنّ زكريّا عليه السلام أراد بدعائه وطلبه مَن يرثه ، وتحجب (3) بني عمّه وعصبته من الولد ، وحقيقة الميراث إنّما هي انتقال ملك الموروث إلى ورثته بعد موته بحكم الله تعالى ، وحمل ذلك على العلم والنبوّة خلاف للظاهر ، ولأنّ العلم والنبوّة لا يورثان ، كما قلناه أوّلا..
على أنّه إنّما سأل وليّاً من ولده يحجب مواليه من بني عمّه وعصبته من الميراث ، ولا يليق إلاّ بالمال ; لأنّ النبوّة والعلم لا يحجب الولد عنهما بحال من الأحوال.
وأيضاً اشتراطه أن يجعله رضيّاً لا يليق بالنبوّة ; لأنّ النبيّ لا يكون إلاّ رضيّاً معصوماً ، فلا معنىً لمساءلته ذلك ، وليس كذلك المال ; لأنّه يرثه الرضي وغيره ، ومعنى : ( واجعله ربِّ رضيّاً ) ، أي : اجعل ذلك الوليّ الذي يرثني رضيّاً عندك ، ممتثلا لأمرك ، عاملا بطاعتك.
وقوله : ( إنّي خفتُ المواليَ ) (4) ، أي : خفت تضييعهم مالي
ــــــــــــــــــ

(1) سورة النور 24 : 45.
(2) سورة يونس 10 : 88 و 89 ; ونصّهما : ( وقال موسى ربّنا إنّك آتيت فرعونَ وملأَهُ زينةً وأموالا في الحياة الدنيا ربّنا ليُضلّوا عن سبيلك ربّنا اطْمِسْ على أموالهم واشدُدْ على قلوبهم فلا يؤمنوا حتّى يرَوُا العذابَ الأليم * قال قد أُجيبت دعْوَتكما فاستقيما ولا تتّبعانِّ سبيلَ الّذين لا يعلمون ).
(3) كذا في النسخ المخطوطة.
(4) سورة مريم 19 : 5 ; ونصّ الآية : ( وإنّي خفتُ المواليَ من ورائي وكانت امرأتي عاقراً فهب لي من لدنك وليّاً ).

(390)

وإنفاقه في معصية الله تعالى ، ولو كان العلم والنبوّة لَما جاز من زكريّا الخوف من وصول الخير والفضل إلى غيره فضلا عن مواليه ، وإلاّ لكان حاسداً منّاعاً للخير ، وحاشاه من ذلك (عليه السلام).
والعجب من أبي بكر وعمر من أنّهما يخبران عليّاً وفاطمة والعبّاس ، أنّ الأنبياء لا تورث ! أما ] كان ] عليّ (عليه السلام) عارفاً بتفسير قوله تعالى : (وورث سليمان داود ) ، وقوله تعالى في (1) زكريّا : ( يرثني ويرث من آل يعقوب ) ، ومن جملة تلاميذِه : إمام المفسّرين ابن عبّاس ؟!
وقد أجمع المسلمون أنّ عليّاً لم يخطئ قطّ في حكم من الأحكام ، وقد قال حين دعا له النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما بعثه إلى اليمن بقوله : « اللّهمّ اهدِ قلبه ، واجعل ربيعه القرآن » ، فقال (عليه السلام) : ما شككت في كلام (2) ; كما أخرجه في الجامع (3).
ومثله : في البخاري ; قال عمر : وأفضلكم عليّ (عليه السلام) ، أقضاكم
ــــــــــــــــــ

(1) في " ب " : " في حقّ زكريّا ".
(2) انظر : كتاب المصنّف ـ لابن أبي شيبة ـ أقضية رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) 7 / 13 ح 57 ، و ص 495 ح 5 ، سنن ابن ماجة 2 / 774 كتاب الأحكام ح 2310..
وانظر : أنساب الأشراف ـ للبلاذري ـ 2 / 90 ; قال : عن عليّ ، قال : بعثني رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم إلى اليمن ، فقلت : يا رسول الله ! أتبعثني وأنا شابّ ، ولا أدري ما القضاء ؟! فضرب صدري بيده ثمّ قال : « اللّهمّ اهدِ قلبه وثبّت لسانه » ، فوالله ما شككت في قضاء بين اثنين.
ونصّ الحديث في الصواعق المحرقة ـ لابن حجر ـ : 122 : قال الهيتمي : ( الحديث العاشر : ) أخرج الحاكم وصحّـحه : عن عليّ ، قال : بعثني رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم إلى اليمن ، فقلت : يا رسول الله ! بعثتني وأنا شابّ أقضي بينهم ، ولا أدري ما القضاء ؟! فضرب صدري بيده ثمّ قال : « اللّهمّ اهدِ قلبه وثبّت لسانه » ، فوالذي فلق الحبّة ما شككت في قضاء بين اثنين.
(3) انظر : جامع الأُصول 8 / 657 ح 6501.

(391)

عليّ (1).
ومثله : « أنا مدينة العلم ، وعليٌّ بابُها » (2).
وقال في شرح المصابيح : عن ابن مسعود ، أنّه قال : كنّا نتحدّث أنّ أقضى أهل المدينة : عليّ (3)..
وقال في الشرح [ أيضاً ] : وقال ابن المسيّب (4) : ما كان أحد يقول : سلوني ، غير عليّ (5).
فما أحسن قول الشاعر :
ــــــــــــــــــ

(1) في صحيح البخاري 6 / 23 في تفسير سورة البقرة ، باب : قوله : ( ما ننسخ من آية ) : عن سعيد بن جبير ، عن ابن عبّاس ، قال : قال عمر :... وأقضانا عليّ..
وانظر : ذخائر العقبى : 83 ; وفيه : عن عمر ، قال : أقضانا عليّ. أخرجه الحافظ السلفي.
(2) المناقب ـ للمغازلي ـ : 85 ح 126 ، العمدة ـ لابن البطريق ـ : 294 ح 486 ، الصراط المستقيم 2 / 20..
وانظر : وسيلة المتعبّدين 5 ـ ق 2 ـ / 164 ; قال : وعن ابن عبّاس رضي الله عنهما ، قال : قال رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم : « أنا مدينة العلم وعليّ بابها ; فمَن أراد العلم فليأته ».
(3) انظر : فتح الباري 8 / 127 ، ذخائر العقبى : 83 ; وفيه : عن أنس ، أنّ النبيّ صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم قال : « أقضى أُمّتي عليّ ». أخرجه البغوي في المصابيح في الحسان.
(4) هو : سعيد بن المسيّب بن حزْن بن أبي وهب ، أبو محمّد المدني التابعي ، انظر ترجمته في : تهذيب الكمال 11 / 66 رقم 2358 ، و ج 34 / 386 رقم 1285.
(5) انظر : ذخائر العقبى : 83 ; وفيه : عن سعيد بن المسيّب ، قال : لم يكن أحد من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم يقول : سلوني ، إلاّ عليّاً. أخرجه أحمد في المناقب ، والبغوي في المعجم ، وأبو عمر.
وانظر : الصراط المستقيم 2 / 10 ; ففيه : فروى العاقولي في شرح المصابيح عن ابن مسعود : كنّا نتحدّث أنّ أقضى أهل المدينة : عليّ ، وفيه : عن ابن المسيّب : ما كان أحد يقول : سلوني ، غير عليّ.

(392)

تا الله ما جهل الأقوام موضعها لكنّهم ستروا وجه الّذي علموا

وأيضاً فإنّ مخالفينا ـ كزيد بن أبي أوفى (1) وغيره ـ قد رووا أنّ عليّاً (عليه السلام) ورث علم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ; ومَن ورث علم رسول الله ، كيف يخفى عليه تفسير هاتين الآيتين ؟! لولا الهوى ، أعاذنا الله تعالى منه.
فإن قال المخالف :
إذا كان كذلك ، فهلاّ أخذهما حين أفضى الأمر إليه عليه السلام ؟!
الجواب :
إنّه اقتدى [ بـ ] ـرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حين هاجر من مكّة ، وباع عقيل دوره (صلى الله عليه وآله وسلم) بمكّة ، فلمّا فتحها لم ينزلها صلّى الله عيه وآله ، فقيل له : لمَ لا تنزل في دورك ؟
فقال : وهل ترك لي عقيل من دار (2) ؟!
وأيضاً قد سئل الصادق (عليه السلام) عن ذلك ؟ فقال : إنّ الظالم والمظلوم قد وصلا إلى الله سبحانه ، فكره أن يسترجع شيئاً قد عاقب الله عليه الظالم وأثاب عليه المظلوم (3).
ــــــــــــــــــ

(1) في النسخ : أدمى ; راجع : الهامش الخاص بهذا الاسم ، الذي مرّ قبل صفحات.
(2) انظر : كتاب الأموال ـ لأبي عبيد القاسم بن سلاّم ـ : 223 ، وأنساب الأشراف ـ للبلاذري ـ 2 / 72 عليّ وبنوه.
(3) وقريب منه : ما ذكره الشيخ الصدوق أبي جعفر محمّد بن علي الحسين ابن بابويه القمّيّ (رحمه الله) ( ت 381 هـ ) في علل الشرائع : 154 ; وهذا نصّه :
باب 124 ـ العلّة التي من أجلها ترك أمير المؤمنين فدك لمّا ولي الناس :
حدّثنا علي بن أحمد محمّد الدقّاق (رحمه الله) ، قال : حدّثني محمّد بن أبي عبد الله الكوفي ، عن موسى بن عمران النخعي ، عن عمّه الحسين بن يزيد النوفلي ، عن

(393)

ومصداق ذلك : ما جاء عنه في نهج البلاغة من قوله (عليه السلام) : « بلى ، كانت في أيدينا فدك من كلّ ما أظلّته السماء (1) ، فشحّتْ عليها نفوس قوم ، وسختْ عنها نفوس قوم آخرين ، ونعم الحَكَمُ الله.. وما أصنع بفدك وغير فدك والنفس مظانّها في غد جَدَث ؟! »... إلى آخره (2).
وقال (عليه السلام) في موضع منه : رضينا بالله حكماً (3).

بن سالم ، عن أبيه ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد الله عليه السلام ، قال : قلت له : لمَ لم يأخذ أمير المؤمنين عليه السلام فدك لمّا ولي الناس ، ولأيّ علّة تركها ؟
فقال : لأنّ الظالم والمظلوم كانا قدما على الله عزّ وجلّ ، وأثاب الله المظلوم وعاقب الظالم ، فَكرِه أن يسترجع شيئاً قد عاقب الله عليه غاصبه وأثاب عليه المغصوب..
وانظر : ما ذكره السيّد ابن طاووس في الطرائف : 251.

ــــــــــــــــــ
(1) في النسخ : « وأقلّته الغبراء » ; وهي ليست موجودة في أصل النهج.
(2) من كتابه عليه السلام إلى عثمان بن حنيف الأنصاري ، وهو الكتاب الخامس والأربعون من نهج البلاغة ; انظر : شرح النهج ـ لابن أبي الحديد ـ 16 / 208 ، شرح النهج ـ للشيخ محمّد عبده ـ 3 / 79 ، مصادر نهج البلاغة ـ للسيّد عبد الزهراء الخطيب ـ 3 / 368.
(3) قال علي بن إبراهيم القمّي في تفسير : ( فآت ذا القربى حقّه ) من سورة الروم 2 / 155 :
" فإنّه حدّثني أبي ، عن ابن أبي عمير ، عن عثمان بن عيسى وحمّاد بن عثمان ، عن أبي عبد الله (عليه السلام) ، قال : لمّا بويع لأبي بكر ، واستقام له الأمر على جميع المهاجرين والأنصار ، بعث إلى فدك فأخرج وكيل فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)منها ، فجاءت فاطمة (عليها السلام) إلى أبي بكر ، فقالت : يا أبا بكر ! منعتني عن ميراثي من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأخرجت وكيلي من فدك ، وقد جعلها لي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بأمر الله.
فقال لها : هاتي على ذلك شهوداً.
فجاءت بأُمّ أيمن ، فقالت : لا أشهد حتّى أحـتجّ يا أبا بكر عليك بما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقالت : أنشدك الله ! ألست تعلم أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : إنّ

(394)

أُمّ أيمن من أهل الجنّة ؟!
قال : بلى.
قالت : فأشهد أنّ الله أوحى إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : ( فآت ذا القربى حقّه )فجعل فدك لفاطمة بأمر الله.
وجاء عليّ فشهد بمثل ذلك ، فكتب لها كتاباً بفدك ودفعه إليها ، فدخل عمر فقال : ما هذا الكتاب ؟
فقال أبو بكر : إنّ فاطمة ادّعت في فدك ، وشهدت لها أُمّ أيمن وعليّ ، فكتبت لها بفدك.
فأخذ عمر الكتاب من فاطمة فمزّقه ، وقال : هذا فيء المسلمين ، وقال : أوس ابن الحدثان وعائشة وحفصة يشهدون على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّه قال : إنّا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة ، فإنّ عليّاً زوجها يجرّ إلى نفسه ، وأُمّ أيمن فهي امرأة صالحة لو كان معها غيرها لنظرنا فيه.
فخرجت فاطمة (عليها السلام) من عندهما باكية حزينة.
فلمّا كان بعد هذا جاء عليّ (عليه السلام) إلى أبي بكر وهو في المسجد وحوله المهاجرون والأنصار ، فقال : يا أبا بكر ! لم منعت فاطمة ميراثها من رسول الله ، وقد ملكَتْه في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟!
فقال أبو بكر : هذا فيء المسلمين ، فإن أقامت شهوداً أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جعلها ، وإلاّ فلا حقّ لها فيه.
فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) : يا أبا بكر ! تحكم فينا بخلاف حكم الله في المسلمين ؟
قال : لا.
قال : فإن كان في يد المسلمين شيء يملكونه ادّعيت أنا فيه ، مَن تسأل البيّنة ؟
قال : إيّاك كنت أسأل البيّنة على ما تدّعيه على المسلمين.
قال : فإذا كان في يدي شيء وادّعى فيه المسلمون فتسألني البيّنة على ما في يدي ، وقد ملكته في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وبعدها ، ولم تسأل المسلمين البيّنة على ما ادّعوا علَيّ شهوداً كما سألتني على ما ادّعيت عليهم !
فسكت أبو بكر ، ثمّ قال عمر : يا عليّ ! دعنا من كلامك فإنّا لا نقوى على حججك ، فإن أتـيت بشهود عدول ، وإلاّ فهو فيء المسلمين ، لا حقّ لك

(395)

ولا لفاطمة فيه.
فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) : يا أبا بكر ! تقرأ كتاب الله ؟
قال : نعم.
قال : فأخبرني عن قول الله تعالى : ( إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً ) ، في مَن نزلت ، أفينا أم في غيرنا ؟!
قال : بل فيكم.
قال : فلو أنّ شاهدين شهدا على فاطمة بفاحشة ، ما كنت صانعاً ؟
قال : كنت أُقيم عليها الحدّ ، كما أُقيم على سائر المسلمين.
قال : كنت إذاً عند الله من الكافرين.
قال : ولمَ ؟
قال : لأنّك رددت شهادة الله لها بالطهارة ، وقبلت شهادة الناس عليها ، كما رددت حكم الله وحكم رسوله أن جعل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لها فدك وقبضتْه في حياته ، ثمّ قبلتَ شهادة أعرابي بايل على عقبه عليها ، فأخذت منها فدك ، وزعمت أنّه فيء المسلمين ، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : البيّنة على مَن ادّعى واليمين على مَن ادُّعي عليه.
قال : فدمدم الناس ، وبكى بعضهم ، فقالوا : صدق والله عليّ. ورجع عليّ إلى منزله.
قال : ودخلت فاطمة إلى المسجد وطافت بقبر أبيها عليه وآله السلام ، وهي تبكي وتقول :

إنّا فقدناك فقْد الأرض وابلها

قد كان بعدك أنباء وهنبثة

قد كان جبريل بالآيات يؤنسنا

وكنت بدراً ونوراً يُستضاء به

فقمّصَتْنا رجال واستُخفّ بنا

فكلّ أهل له قرب ومنزلة

أبدتْ رجال لنا فحوى صدورهم

فقد رُزينا بما لم يُرزأه أحد

واختلّ قومك فاشهدهم ولا تغبِ

لو كنتَ شاهدها لم تكثر الخطبِ

فغاب عنّا وكلّ الخير محتجبِ

عليك تنزل من ذي العزّة الكتبِ

إذ غبت عنّا فنحن اليوم نُغتصبِ

عند الإله على الأدنين يقتربِ

لمّا مضيتَ وحالتْ دونك الكثبِ

من البريّة لا عُجم ولا عربِ

(396)

وقد رُزينا به محضاً خليقته

فأنت خير عباد الله كلّهم

فسوف نبكيك ما عشنا وما بقيَتْ

سيعلم المتولّي ظلم خامتنا

صافي الضرائب والأعراق والنسبِ

وأصدق الناس حين الصدق والكذبِ

منّا العيون بهمّال لها سكبِ

يوم القيامة أنّى كيف ينقلبِ
قال : فرجع أبو بكر إلى منزله وبعث إلى عمر ، فدعاه ثمّ قال : أما رأيت مجلس عليّ منّا اليوم ؟! والله لإن قعد مقعداً مثله ليفسدّنّ أمرنا ، فما الرأي ؟
قال عمر : الرأي أن نأمر بقتله.
قال : فمَن يقتله ؟
قال : خالد بن الوليد.
فبعثا إلى خالد فأتاهما ، فقالا : نريد أن نحملك على أمر عظيم.
قال : حمّلاني ما شئتما ، ولو قتل عليّ بن أبي طالب.
قالا : فهو ذاك.
فقال خالد : متى أقتله ؟
قال أبو بكر : إذا حضر المسجد فقم بجنبه في الصلاة ، فإذا أنا سلّمت فقم إليه فاضرب عنقه.
قال : نعم.
فسمعت أسماء بنت عميس ذلك وكانت تحت أبي بكر ، فقالت لجاريتها : اذهبي إلى منزل عليّ وفاطمة فاقرأيهما السلام وقولي لعليّ : ( إنّ الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخْرج إنّي لك من الناصحين ) [ سورة القصص 28 : 20 ] ، فجاءت الجارية إليهما فقالت لعليّ : إنّ أسماء بنت عميس تقرأ عليكما السلام وتقول : ( إنّ الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخْرج إنّي لك من الناصحين).
فقال عليّ (عليه السلام) : قولي لها : إنّ الله يحيل بينهم وبين ما يريدون.
ثمّ قام وتهيّأ للصلاة ، وحضر المسجد ، ووقف خلف أبي بكر ، وصلّى لنفسه ، وخالد بن الوليد إلى جنبه ومعه السـيف ، فلمّا جلس أبو بكر في التشهّد ندم على ما قال وخاف الفتنة ، وشدّة عليّ وبأسـه ، فلم يزل متفكّراً لا يجسر أن يسلّم حتّى ظنّ الناس أنّه قد سها ، ثمّ التفت إلى خالد فقال : يا خالد ! لا تفعل ما أمرتك به ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

(397)

واعلم أيّها الأخ أنّ عليّاً (عليه السلام) هو المسـدّد الموفّق ، أبلغ البلغاء ، وإمام كلّ بارع من العلماء ، فلو كان ما يقوله المخالف ـ كابن الجزري (1) وغيره ـ حقّاً من أن تركه لها أيّام خلافته لعلمه بحقّية ما قاله أبو بكر لكان شاهداً على نفسـه بالباطل وطاعناً (2) على فاطمة سيّدة نساء العالمين ، ومكذّباً لقول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في حقّها ، كقوله : « كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلاّ أربع : خديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمّد ، ومريم بنت عمران ، وآسية بنت مزاحم » (3) ; وأيّ كمال لمن يدّعي الباطل ؟!
فقال أمير المؤمنين عليه السلام : يا خالد ! ماالذي أمرك به ؟ قال : أمرني بضرب عنقك.
قال : وكنت تفعل ؟
قال : إي والله ، لولا أنّه قال لي لا تفعل ، لقتلتك بعد التسليم.
قال : فأخذه عليّ (عليه السلام) فضرب به الأرض ، واجتمع الناس عليه ، فقال عمر : يقتله وربّ الكعبة.
فقال الناس : يا أبا الحسن ! الله الله بحقّ صاحب هذا القبر. فخلّى عنه.
قال : فالتفت إلى عمر وأخذ بتلابيبه وقال : يا بن الصهّاك ! لولا عهد من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وكتاب من الله سبق ، لعلمتَ أيّنا أضعف ناصراً وأقلّ عدداً ؟!
ثمّ دخل منزله.

ــــــــــــــــــ
(1) في « ب » : « الجوزي » ; وهو خطأ.
(2) وفي « مج » و « ض » : « طاغياً ».
(3) انظر : الفصول المهمّة ـ لابن الصبّاغ المالكي ـ : 145.
وروى مثله العلاّمة الشيخ أبو العون شمس الدين محمّد أحمد السفاريتي الحنبلي ( ت 1188 هـ ) في كتابه : نفثات صدر المكمد 2 / 511.
وقال الشيخ الشبلنجي ( ت 1308 هـ ) في نور الأبصار ـ طبع القاهرة ـ : 51 : روى البخاري ومسلم والترمذي ، عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال : " كمل من الرجال كثير ، ولم يكمل من النساء إلاّ مريم ابنة عمران ، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون ، وخديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمّد ".

(398)

وكذا يلزم العبّاس (رضي الله عنه) من الطعن.
فإن قال المخالف :
هذا معارض بأنّ أبا بكر ما ظلم ولا غشـم (1) ، ولا غصب يهوديّاً حقّه ، فكيف يصنع ذلك بأهل بيت رسول الله ؟! وكذلك عمر..
الجواب :
إنّ هذا كلام جاهل لم ينعم النظر في الآثار ، وما جاء في صحيح الأخبار ، وقد أجمع المسلمون كافّة على أنّه خالف النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في حياته هو وعمر ، ومنعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من كتابة الكتاب (2) ، ومَن أحبّ معرفة ذلك فليقف على البخاري وما أخرجه من حديث ابن عبّاس ، وقوله : يوم الخميس ، وما أدراك ما يوم الخميس ؟!
وبكائه وقوله : إنّ الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بين رسول الله وبين كتابة الكتاب... إلى آخره (3).
وإن شـككت ، فـفي كتاب ابن قتيـبة ما يغنيـك ، ويزيـل شـكّك ويشفيك ، ولو لم يكن فيه إلاّ قول فاطمة عليها السلام لأبي بكر وعمر :

وفي مصابيح السنّة ـ للفرّاء البغوي ـ 2 / 462 ح 2761 ، عن أنس (رضي الله عنه) ، أنّ رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم ، قال : حسبك من نساء العالمين : مريم بنت عمران ، وخديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمّد ، وآسية امرأة فرعون.

ــــــــــــــــــ
(1) في « ب » : « ولا غنم ».
(2) في النسخ : « من كتاب الكتاب » ; وأثبتنا الأنسب.
(3) انظر : صحيح البخاري 6 / 11 و 12 باب : مرض النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم).

(339)

والله ! لأشكونّكما إلى رسول الله ، وقولها (1) لأبي بكر : والله ! لأدعونّ الله عليك في كلّ صلاة أُصلّيها ، لكفانا في مطلوبنا (2).
وقوله : إنّ الرجل ـ يعني النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ ليهجر ، أي : يهذي ، ويقول غير الحقّ ، وفي رواية : لا يعلم ما يقول ; وهذا كفر.
وقد ذكر البخاري حديث العثماني ، وقد قال لصاحبه : أبَلغك أنّ عليّاً كان فى مَن رمى عائشة بالإفك ؟! ومثله قول عائشة.
وفيه : فأمّا أُسامة فقال بما يعلم من نفسه ومن براءة أهله : الزم أهلك. وأمّا عليّ فقال : النساء لك كثيرة ، ولن يضيّق الله عليك ، وسل الجارية تصدّقك... إلى آخره..
وهذا إذا تأمّله المتأمّل وجد فيه غاية الطعن في عليّ (عليه السلام).
ومن ذلك ما أخرجه البخاري من قول عائشة : إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) خرج في مرضه ، يده اليمنى على كتف رجل واليسرى على كتف ابن عبّاس ، وقول ابن عبّاس : أتعرف مَن الرجل (3) الذي لم تسمّ عائشة ؟! قال : لا. قال ابن عبّاس : هو عليّ بن أبي طالب (4).
وقـد عرفت حـربها له (5) ، ونهب بيت مال المسلمين بالبصرة ، وضرب عثمان بن حنيف عامله عليها ، ونتف لحيته وإشفار عينيه ورأسه ، وهو صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وشيخ الأنصار وزاهدهم.
ــــــــــــــــــ

(1) في « مج » و « ض » : « قولهما ».
(2) انظر : كتاب الإمامـة والسياسـة ـ لابن قتيبة الدينوري ـ : 20 ، ط القاهرة ، و ص 31 ، ط بيروت.
(3) في « مج » و « ض » : « الرجال ».
(4) انظر : صحيح البخاري 6 / 14.
(5) في « مج » و « ض » : « بهاله ». وفي « ب » : « حربها » فقط.

(400)

[ الحسـد للإمام عليّ (عليه السلام) : ]
وكان أسّس شرّ حسد أبي بكر وعمر لعليّ حين خطبا فاطمة فلم يزوّجهما النبيّ وزوّج عليّاً..
كما أخرجه في جامع الأُصول [ عن ] النسائي ، عن بريدة ، قال : خطب أبو بكر وعمر فاطمة ، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : « إنّها صغيرة » ، « فخطبها عليّ فزوّجها منه » (1).
ومثله من الجامع أيضاً : خطب أبو بكر فاطمة فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّها صغيرة ، وخطبها عمر فقال مثل ذلك ، فخطبها عليّ فزوّجه إيّاها (2).
وانضاف (3) إلى ذلك أسباب ، منها : ما أُجمع عليه من قصّة براءة ، وجَبْه أبي بكر وردّه بعليّ (عليه السلام) بوحي من الله تعالى..
وهذا فيه غاية الطعن على أبي بكر ; حيث لم يره الله ورسوله أهلاً أن يتولّى على آيات مخصوصة ، يتلوها على قوم مخصوصين ، فكيف يتولّى على أُمور من جملتها جمع الكتاب العزيز ؟ وكان الردّ بالحجّة فيه.
وغدير خُـمّ ; وفيه كان نصب النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) عليّاً (عليه السلام) أميراً في السنة الثانـية ، وإنّما خصّ ذلك الموضع لينبّه على القول (4) الأوّل ، وما ذاك
ــــــــــــــــــ

(1) جامع الأُصول 8 / 658 ح 6503 ; رواه عن النسائي ، وفي ط مؤسّـسة التاريخ الإسلامي 9 / 474.
(2) جامع الأُصول 8 / 658 ح 6503 ; رواه عن النسائي ، وفي ط مؤسّـسة التاريخ الإسلامي 9 / 474.
(3) كذا في النسخ ; ولعلّ الأصحّ : « ويضاف ».
(4) في « ب » : « العزل ».

(401)

إلاّ إيقاظ منه صلّى الله عليه وآله (1) لذي غفلة ، أعاذنا الله سبحانه منها.
ومن الأسباب الموجبة لشيخنا : تعريض النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بأبي بكر وعمر عند إعطائه الراية لعليّ (عليه السلام) بقوله : كرّاراً غير فرّار. وقوله : رجلا لا يفرّ. وقوله : لا يرجع حتّى يفتح الله عليه. وفي رواية : على يديه..
وقد أخرج جميع ذلك أحمد في كتابيه : المسند و الفضائل ، وقد ذكر البخاري بعض ذلك : من محبّة الله ورسوله له ، وذكر الفتح.
وأنت إذا تأمّلت ـ أيّدك الله بلطفه ـ حديث مالك (2) بن أوس بن الحدثان ، المجمع عليه من الصحاح السـتّة ، وجدت فيه معظم الطعن على عليّ (عليه السلام) ، بل على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ومن عمر في قوله عن العبّاس : وجئتني أنت تطلب ميراثك من ابن أخيك ؟ ولم يسمّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، مع أنّ الله سبحانه لم يصرّح باسمه إلاّ في مكان مدَحَه فيه ; كقوله : ( محمّد رسول الله ) (3).
وقوله : ( من بعدي اسمه أحمد ) (4).
ــــــــــــــــــ

(1) في « مج » و « ض » : « عليه السلام ».
(2) في « مج » و « ض » : « ماكد » ; وهو خطأ. انظر : ترجمة مالك بن أوس في الجرح والتعديل ـ للرازي ـ 8 / 203 رقم 896.
(3) سورة الفتح 48 : 29 ; والآية بتمامها : ( محمّد رسول الله والّذين معه أشدّاء على الكفّار رحماء بينهم تراهم ركّعاً سجّداً يبتغون فضلا من الله ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يُعجب الزرّاع ليغيظ بهم الكفّار وَعَدَ الله الّذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيماً ).
(4) سورة الصفّ 61 : 6 ; والآية بتمامها : ( وإذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إنّي رسول الله إليكم مصدّقاً لما بين يديّ من التوراة ومبشّراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلمّا جاءهم بالبيّنات قالوا هذا سحر مبين ).

(402)

وقوله : ( وما محمّد إلاّ رسول ) (1). إلى آخره.
وقوله : ( ما كان محمّدٌ أبا أحد من رجالكم ) (2).
وباقي الكتاب بذكر أوصافه الحميدة ; كقوله : النبيّ ، و رسول ، و رحمة ، و طه ، و يس ، و المزّمّل ، و المدّثر ، وأمثال ذلك..
وهذا حطّ من مشرفه لمنصب النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم).
ومثله في حقّ عليّ (عليه السلام) ، وهو قوله : وجاءني هذا ; إذ هو للتحقير ، كما تقرّر في علمي (3) المعاني والبيان ، من باب قول الكفّار لإبراهيم (عليه السلام) : ( أهذا الذي يذكر آلهتكم ) (4).
ومثله قوله : من امرأته. يعني : فاطمة عليها السلام ، ولم يسمّها ، وقد عرفت ما جاء في فضلها..
لكن قد نطق القرآن المجيد : ( قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر ) (5).
وقـد أخرج في جامع الأُصول : عن عائشة ، أنّها قالت : إنّ فاطمة
ــــــــــــــــــ

(1) سورة آل عمران 3 : 144 ; والآية بتمامها : ( وما محمّد إلاّ رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قُتل انقلبْتُم على أعقابكم ومَن ينقلبْ على عقبيه فلن يَضُرَّ اللهَ شيئاً وسيجزي اللهُ الشاكرينَ ).
(2) سورة الأحزاب 33 : 40 ; والآية بتمامها : ( ما كان محمّدٌ أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيّين وكان الله بكلّ شيء عليماً ).
(3) في « ض » : « علم ».
(4) سـورة الأنبياء 21 : 36 ; والآية بتمامها : ( وإذا رآك الّذين كفروا إنْ يتّخذونَك إلاّ هُزُواً أهذا الذي يذكر آلهتكم وهم بذكر الرحمن هم كافرون ).
(5) سورة آل عمران 3 : 118 ; والآية بتمامها : ( يا أيّها الّذين آمنوا لا تتّخذوا بطانةً من دونكم لا يأْلونَكَم خَبالا وَدّوا ما عَنِتُّمْ قد بَدَتِ البغضاءُ من أفواهِهِم وما تُخْفي صُدورُهُم أكبر قد بَيَّنا لكم الآياتِ إن كنتم تعقلونَ ).

(403)

بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والعبّاس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهما حينئذ يطلبان أرضه [ من ] فدك ، وسهمه من خيبر ، فقال أبو بكر : إنّي سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول : نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة.
فهجرته فاطمة ولم تكلّمه في ذلك حتّى ماتت ، فدفنها عليّ ليلا ولم يؤذن بها أبو بكر..
وفي الحديث : فقال رجل للزهري : فلم يبايعه عليّ ستّة أشهر ؟ فقال : لا والله ، ولا واحد من بني هاشـم (1).
وأقول :
ممّا يدلّ على قول الإمامية : إنّ مبايعة عليّ (عليه السلام) بعد الستّة أشهر لم تكن عن رضاً قلبيّ : ما حكاه في جامع الأُصول من اعتقاده في أبي بكر وعمر أنّهما : كاذبان ، غادران ، آثمان ، خائنان. واستمرّ اعتقاده (2) هذا إلى خلافة عمر ; فأين الرضا ؟! لولا ضعف البصيرة ، بل عماها (3).
ويؤيّد ذلك : ما حكاه البخاري من بيعة عليّ ; فإنّه قال : فصعد المنبر وقال : معاشر الناس ! كنّا نرى أنّ لنا في هذا الأمر شيئاً فاستبددتم به... إلى آخره (4).
ــــــــــــــــــ

(1) جامع الأُصول 4 / 482 ح 2079 ، وفي ط دار الفكر 4 / 103 ح 2078 ; و « نحن معاشر الأنبياء » غير موجودة فيه ، ثمّ انظر : تاريخ المدينة المنوّرة 1 / 197 ح 196.
(2) في النسخ : « اعتقادهما » ; وأثبتنا ما هو الأصحّ.
(3) في « مج » و « ض » : « عماهما ».
(4) انظر : صحيح البخاري 5 / 178 باب : غزوة خيبر.

(404)

وهذا كما تراه يدلّ على مطلوبنا ; إذ المراد بالرؤيا (1) : العلم ، كما قال تعالى : ( ألَمْ تَرَ كيف فعل ربّك بعاد ) (2) ، وغيره في القرآن كثير.
ولنرجع إلى ما نحن بصدده..
ثمّ قال صاحب الجامع : أخرجه مسلم ، وأخرج البخاري بعضه (3) ; وإذا ثبت ذلك بطل قياس المخالف.
وقوله : إنّ أبا بكر وعمر لم يظلما يهوديّاً..
لأنّ اليهودي وغيره لم يقع بينه وبينهما من التباغض والتخاصم بعض ما ذكرته لك ، كما نطقت به كتب المخالف والمؤالف ، وهذا بيّن جليّ لمَن كان له قلب ، لكنّ الهوى والحميّة الجاهلية ، أعاذنا الله سبحانه من كلّ ما يباعد عن حضرة جلال قدسـه.

وفي تاريخ الطبري 3 / 208 : قال معمر : فقال رجل للزهري : أفلم يبايعه عليّ ستّة أشهر ؟
قال : لا ، ولا أحد من بني هاشم ، حتّى بايعه عليّ.
فلمّا رأى عليّ انصراف وجوه الناس عنه ضرع إلى مصالحة أبي بكر ، فأرسل إلى أبي بكر أن : ائتنا ولا يأتينا معك أحد. وكره أن يأتيه عمر ، لِما علم من شدّة عمر ، فقال عمر : لا تأتِهم وحدك. قال أبو بكر : والله لآتينّهم وحدي ، وما عسى أن يصنعوا بي ؟!
قال : فانطلق أبو بكر ، فدخل على عليّ ، وقد جمع بني هاشم عنده ، فقام عليّ فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، ثمّ قال : أمّا بعد ، فإنّه لم يمنعنا من أن نبايعك يا أبا بكر إنكار لفضيلتك ، ولا نفاسة عليك بخير ساقه الله إليك ، ولكنّا كنّا نرى أنّ لنا في هذا الأمر حقّاً ، فاستبددتم به علينا. ثمّ ذكر قرابته من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وحقّهم ، فلم يزل عليّ يقول حتّى بكى أبو بكر..
فانظر : السيرة النبوية ـ لابن كثير ـ 4 / 568 ، ثمّ انظر : لسان العرب 3 / 81.

ــــــــــــــــــ
(1) في النسخ : « الرّيا ».
(2) سورة الفجر 89 : 6.
(3) جامع الأُصول 4 / 484 ، ط مؤسّـسة التاريخ الإسلامي.

(405)

وأعجب من هذا : ما أخرجه في الجامع في حديث أوس المذكور ; فإنّه قال : قال أبو داود : إنّما سألا ـ يعني عليّاً وعبّاساً ـ أن يصيّره نصفين بينهما ، لا أنّهما جهلا أنّ النبيّ قال : لا نورث ما تركناه صدقة ، فقال عمر : لا أوقع عليه اسم القسم ، أدعه على ما هو. انتهى كلامه (1).
وأقول :
توجيه هذا باطل ، يظهر ذلك لمن تأمّل الروايات المذكورة ، وليت شعري ! بمَ يوجّه أبو داود قول عمر : تطلب أنت ميراثك من ابن أخيك ، ويطلب هذا ميراث امرأته من أبيها ؟!
وقول عمر لعليّ وعبّاس : تزعمان أنّ أبا بكر فيها كاذب. وفي رواية : كاذباً ، آثماً ، غادراً ، خائناً ، وقوله : فرأيتماني كاذباً ، آثماً ، غادراً ، خائناً. ـ كما ذكرناه آنفاً ـ وهو بحضرة من جميع الصحابة ، ولم ينكر أحد على عليّ والعبّاس ، ولم يعتذرا (2) من ذلك القول ، واستمرّا عليه إلى أن ماتا عليهم السلام ; فكيف الجمع بين هذه الأقوال وبين اعترافهما بكونها صدقة ، وهذا بعينه هو الجمع بين النقيضين.

ــــــــــــــــــ

(1) انظر : جامع الأُصول 2 / 704 الفرع الرابع : في الفيء وسهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
والحديث طويل وذو شجون ، ولله درّ المصنّف (رحمه الله) ; إذ استدلّ بلسان القوم وكلماتهم ، وهم يتناقضون ، فحقيق أن يتعجّب..
انظر : تاريخ الخلفاء ـ للسيوطي ـ : 68 ، له مقالة ينقلها عن أبي القاسم البغوي ، وأبو بكر الشافعي ، في فوائده ، عن عائشة ، أنّها قالت : اختلف الناس في ميراث النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فما وجدوا عند أحد من ذلك علماً ، فقال أبو بكر : سمعت رسول الله عليه الصلاة والسلام يقول : إنّا معشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة.
ونقله ابن حجر الهيتمي في الصواعق المحرقة : 34.
(2) في « مج » و « ب » : « يتعذّرا ».

(406)

وأيضاً الحديث الذي أورده صاحب الجامع عن مسلم ، في ذكر الخلفاء ، من رواية عائشة ، وهو : أنّ فاطمة والعبّاس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما ، وهما حينئذ يطلبان أرضه من فدك وسهمه من خيبر ، وفيه : فهجرته. وقد ذكرناه. وفيه أيضاً نصّ صريح بتكذيب توجيه أبي داود..
فانظر أيّها الأخ بمرآة البصيرة إلى توجيه أبي داود ، الذي أخرج عنه في أعظم كتب القوم ; كيف تشهد على شدّة غفلة هذا الإمام ، مؤلّف أحد الصحاح الستّة ؟!
واعلم أنّ بمثل هذا العقل عُبِدَ اللعين فرعون ; إذ احتجّ على ربوبيّته بأنّ له ملك مصر ، كما حكاه سبحانه وتعالى (1).
وأعجب من هذا : إنّ هذه الواقعة العظيمة التي وقعت بين فاطمة عليها السلام وبين أبي بكر وعمر لأجل فدك ، وإغضابها ، بل وإغضاب عليّ والعبّاس ، وجميع بني هاشـم أيضاً ، ولم يُلتفت إلى غضب أحد منهم ، ثمّ بعد هذا كلّه يقطعها عثمان مروان بن الحكم ، طريد رسول الله وابن طريده (2) ، وذلك لمّا زوّجه ابنته : أُمّ أبان.
قال صاحب جامع الأُصول ، في الفرع المذكور :

ــــــــــــــــــ

(1) إشارة إلى الآية 51 من سورة الزخرف 43 : ( ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تُبصرون ).
(2) العقد الفريد ـ لابن عبد ربّه الأندلسي ـ 4 / 283 ; وفيه : « وممّا نقم الناس على عثمان أنّه آوى طريد رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم : الحكم بن العاص ، ولم يـؤوه أبو بكر ولا عمر ، وأعطاه مائة ألف ، وسيّر أبا ذرّ إلى الربذة ، وسيّر عامر بن عبد قيس من البصرة إلى الشام ، وطلب منه عبيد الله بن خالد بن أُسـيد صلة فأعطاه أربعمائة ألف ، وتصدّق رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم بمهزور ـ موضع سوق المدينة ـ على المسلمين ، فأقطعها الحارث بن الحكم ، أخا مروان ، وأقطع فدك مروان ، وهي صدقة لرسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم ».

(407)

أوّلا : في قسمة الفيء : عن أبي داود ، عن المغيرة بن حكيم ، أنّ عمر ابن عبد العزيز جمع بني مروان حين استخلف... وذكر كلاماً طويلا..
وفيه : حتّى مضى لسبيله ـ يعني : عمر ـ ثمّ أقطعها مروان ، ثمّ صارت لعمر بن عبد العزيز ، فرأيت أمراً منعه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فاطمة ليس لي بحقّ ، وإنّي أُشهدكم أنّي رددتها على ما كانت عليه... الحديث ، إلى آخره (1).
ــــــــــــــــــ

(1) انظر : جامع الأُصول 2 / 709.
وانظر : فتوح البلدان ـ للبلاذري ـ : 44 ; قال : وحدّثنا عبد الله بن ميمون المكتّب ، قال : أخبرنا الفضيل بن عياض ، عن مالك بن جعونة ، عن أبيه ، قال : قالت فاطمة لأبي بكر : إنّ رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم جعل لي فدك ، فأعطني إيّاها. وشهد لها عليّ بن أبي طالب ، فسألها شاهداً آخر ، فشهدت لها أُمّ أيمن ، فقال : قد علمت يا بنت رسول الله أنّه لا تجوز إلاّ شهادة رجلين ، أو شهادة رجل وامرأتين. فانصرفت.
وحدّثني روح الكرابيسي ، قال : حدّثنا زيد بن الحبّاب ، قال : أخبرنا خالد بن طهمان ، عن رجل حسِبَهُ روحٌ جعفرَ بن محمّد : أنّ فاطمة رضي الله عنها قالت لأبي بكر الصدّيق رضي الله عنه : أعطني فدك ; فقد جعلها رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم لي. فسألها البيّنة ، فجاءت بأُمّ أيمن ورباح مولى النبيّ صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم ، فشهدا لها بذلك ، فقال : إنّ هذا الأمر لا تجوز فيه إلاّ شهادة رجل وامرأتين.
حدّثنا ابن عائشة التيمي ، قال : حدّثنا حمّاد بن سلمة ، عن محمّد بن السائب الكلبي ، عن أبي صالح باذام ، عن أُمّ هاني ، أنّ فاطمة بنت رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم أتت أبا بكر الصدّيق رضي الله عنه ، فقالت له : من يرثك إذا متّ ؟ قال : ولدي وأهلي. قالت : فما بالك ورثت رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم دوننا ؟! فقال : يا بنت رسول الله ! والله ما ورثت أباك ذهباً ولا فضّة ولا كذا ولا كذا. فقالت : سهمنا بخيبر وصدقتنا فدك. فقال : يا بنت رسول الله ! سمعت رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم يقول : إنّما هي طعمة أطعمنيها الله حياتي ،

(408)

فإذا متّ فهي بين المسلمين.
حدّثنا عثمان بن أبي شيبة ، قال : حدّثنا جرير بن عبد الحميد ، عن مغيرة ، أنّ عمر بن عبد العزيز جمع بني أُميّة فقال : إنّ فدك كانت للنبيّ صلّى الله عليه [ وآله ]وسلّم ، فكان ينفق منها ، ويأكل ، ويعود على فقراء بني هاشم ، ويزوّج أيمهم ، وأنّ فاطمة سألته أن يهبها لها فأبى ، فلمّا قبض عمل أبو بكر فيها كعمل رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم ، ثمّ ولّى عمر فعمل فيها بمثل ذلك ، وإنّي أشهدكم أنّي قد رددتها إلى ما كانت عليه.
وممّا يناسب المقام : ما ذكره السيّد ابن طاووس في كتابه الطرائف : 248 ، من مناظرة المأمون العبّاسي مع العلماء ; وهذا نصّه :
فذكر أصحاب التواريخ في ذلك رسالة طويلة تتضمّن صورة الحال ، أمر المأمون ـ الخليفة العبّاسي ـ بإنشائها وقراءتها في موسم الحجّ ، وقد ذكرها صاحب التاريخ المعروف بـ : العبّاسي ، وأشار الروحي الفقيه صاحب التاريخ إلى ذلك في حوادث سنة ثماني عشرة ومائتين ، جملتها :
إنّ جماعة من ولد الحسن والحسين عليهما السلام ، رفعوا قضية إلى المأمون الخليفة العبّاسي من بني العبّاس يذكرون أنّ فدك والعوالي كانت لأُمّهم فاطمة بنت محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) نبيّهم ، وأنّ أبا بكر أخرج يدها عنها بغير حقّ ، وسألوا المأمون إنصافهم وكشف ظلامتهم ، فأحضر المأمون مائتي رجل من علماء الحجاز والعراق وغيرهم ، وهو يؤكّد في أداء الأمانة ، واتّباع الصدق ، وعرّفهم ما ذكره ورثة فاطمة في قضيّتهم ، وسألهم عمّا عندهم من الحديث الصحيح في ذلك.
فروى غير واحد منهم عن بشير بن الوليد ، والواقدي ، وبشر بن عتاب في أحاديث يرفعونها إلى محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) نبيّهم : لمّا فتح خيبر اصطفى لنفسه قرىً من قرى اليهود ، فنزل عليه جبرئيل عليه السلام بهذه الآية : ( فآت ذا القربى حقّه ). فقال محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) : ومَن ذو القربى ؟ وما حقّه ؟
قال : فاطمة عليها السلام ، تدفع إليها فدك.
فدفع إليها فدك ، ثمّ أعطاها العوالي بعد ذلك ، فاستغلّتها حتّى توفّي أبوها محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فلمّا بويع أبو بكر منعها أبو بكر منها ، فكلّمته فاطمة عليها السلام في ردّ فدك والعوالي عليها ، وقالت له : إنّها لي ، وإنّ أبي دفعها إليّ.

(409)

فقال أبو بكر : ولا أمنعك ما دفع إليك أبوك.
فأراد أن يكتب لها كتاباً فاستوقفه عمر بن الخطّاب وقال : إنها امرأة ، فادعها بالبيّنة على ما ادّعت.
فأمر أبو بكر أن تفعل ، فجاءت بأُمّ أيمن وأسماء بنت عميس مع عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، فشهدوا لها جميعاً بذلك ، فكتب لها أبو بكر ، فبلغ ذلك عمر ، فأتاه فأخبره أبو بكر الخبر ، فأخذ الصحيفة فمحاها فقال : إنّ فاطمة امرأة ، وعليّ بن أبي طالب زوجها ، وهو جارّ إلى نفسه ، ولا يكون بشهادة امرأتين دون رجل.
فأرسل أبو بكر إلى فاطمة عليها السلام فأعلمها بذلك ، فحلفت بالله الذي لا إله إلاّ هو أنّهم ما شهدوا إلاّ بالحقّ.
فقال أبو بكر : فلعلّ أن تكوني صادقة ، ولكن احضري شاهداً لا يجرّ إلى نفسه.
فقالت فاطمة : ألم تسمعا من أبي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول : أسماء بنت عميس وأُمّ أيمن من أهل الجنّة ؟!
فقالا : بلى.
فقالت : امرأتان من الجنّة تشهدان بباطل ؟!
فانصرفت صارخة تنادي أباها وتقول : قد أخبرني أبي بأنّي أوّل مَن يلحق به ، فوالله لأشكونّهما. فلم تلبث أن مرضت فأوصت عليّاً أن لا يصلّيا عليها ، وهجرتهما فلم تكلّمهما حتّى ماتت ، فدفنها عليّ عليه السلام والعبّاس ليلا..
انظر : الطرائف : 249.
فدفع المأمون الجماعة عن مجلسه ذلك اليوم ، ثمّ أحضر في اليوم الآخر ألف رجل من أهل الفقه والعلم وشرح لهم الحال ، وأمرهم بتقوى الله وعاقبته ، فتناظروا واستظهروا ، ثمّ افترقوا فرقتين ، فقالت طائفة منهم : الزوج عندنا جارّ إلى نفسه ، فلا شهادة له ، ولكنّا نرى يمين فاطمة قد أوجبت لها ما ادّعت مع شهادة الامرأتين.
وقالت طائفة : نرى اليمين مع شهادة الامرأتين لا توجب حكماً ، ولكن شهادة الزوج عندنا جائزة ، ولا نراه جارّاً إلى نفسه ، فقد وجب بشهادته مع شهادة الامرأتين لفاطمة عليها السلام ما ادّعت.
فكان اختلاف الطائفتين إجماعاً منهما على استحقاق فاطمة عليها السلام فدك

(410)

والعوالي.
فسألهم المأمون بعد ذلك عن فضائل لعليّ بن أبي طالب عليه السلام ، فذكروا منها طرفاً جليلة ، قد تضمّنتها رسالة المأمون..
وسألهم عن فاطمة عليها السلام ، فرووا لها عن أبيها فضائل جميلة..
وسألهم عن أُمّ أيمن وأسماء بنت عميس ، فرووا عن نبيّهم محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) : أنّهما من أهل الجنّة.
فقال المأمون : أيجوز أن يقال أو يعتقد أنّ عليّ بن أبي طالب مع ورعه وزهده يشهد لفاطمة بغير حقّ ، وقد شهد الله تعالى ورسوله بهذه الفضائل له ؟!
أو يجوز مع علمه وفضله أن يقال : إنّه يمشي في شهادة وهو يجهل الحكم فيها ؟!
وهل يجوز أن يقال : إنّ فاطمة ـ مع طهارتها وعصمتها ، وأنّها سيّدة نساء أهل الجنّة ، كما رويتم ـ تطلب شيئاً ليس لها ، تظلم فيه جميع المسلمين ، وتقسم عليه بالله الذي لا إله إلاّ هو ؟!أو يجوز أن يقال عن أُمّ أيمن وأسماء بنت عميس : أنّهما شهدتا بالزور ، وهما من أهل الجنّة ؟!
إنّ الطعن على فاطمة وشهودها طعن على كتاب الله ، وإلحاد في دين الله ، حاشا الله أن يكون ذلك كذلك.
ثمّ عارضهم المأمون بحديث رووه : أنّ عليّ بن أبي طالب عليه السلام أقام منادياً بعد وفاة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) نبيّهم ينادي : مَن كان له على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) دَين أو عدَة ، فليحضر. فحضر جماعة فأعطاهم عليّ بن أبي طالب عليه السلام ما ذكروه بغير بيّنة..
وأنّ أبا بكر أمر منادياً ينادي بمثل ذلك ، فحضر جرير بن عبد الله وادّعى على نبيّهم عدَة ، فأعطاه أبو بكر بغير بيّنة ، وحضر جابر بن عبد الله وذكر أنّ نبيّهم وعده أن يحثو له ثلاث حثوات من مال البحرين ، فلمّا قدم مال البحرين بعد وفاة نبيّهم أعطاه أبو بكر الثلاث حثوات بدعواه بغير بيّنة.
( قال عبد المحمود ) : وقد ذكر الحميدي هذا الحديث في : الجمع بين الصحيحين ، في الحديث التاسع من أفراد مسلم ، من مسند جابر ; وأنّ جابراً قال :

(411)

فلينظر العاقل بعين الإنصاف ، ويتنكّب عن طريق الزيغ والاعتساف : هل كان مروان وزوجته أحقّ من فاطمة وبعلها بإرث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟!
وهل أولاد مروان وأولاد زوجته ابنة عثمان أحقّ من أولاد عليّ وزوجته ابنة رسول الله ؟!
أم ركب القوم الباطل وتسكّعوا (تسعكوا خ ل) في وهاد الضلال ، فعل أوباش الجهّال ، عناداً لخير عترة وآل (1) ؟!
فلو أنّ مسلماً مات من هذا حزناً وكمداً لم يكن عند الله سبحانه ملوماً ، ولا مفنّداً.
وهل يفعل مثل هذا الفعل مَن آمن برسول الله ؟!
كلاّ وربّ الراقصات إلى منى ، ما آمن القوم بمحمّد !
فما تراهم أن يقولوا إذا لقوا محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال لهم : كنت عهدت إليكم وأوصيتكم في أهل بيتي ، أُذكّركم الله في أهل بيتي ، فكيف خلّفتموني ؟
فإن صدقوا قالوا : آوينا مَن طردته وأبعدته ، وأبعدنا مَن وصيّتنا في مودّته ، وسلبنا ملكه ، وابتززناه حقّه.

فعددتها فإذا هي خمسمائة. فقال أبو بكر : خذ مثليها..
انظر : كتاب الطرائف : 250 ، والمسند ـ للحميدي ـ 2 / 518.
قال رواة رسالة المأمون : فتعجّب المأمون من ذلك وقال : أما كانت فاطمة وشهودها يجرون كجري جرير بن عبد الله وجابر بن عبد الله ؟!
ثمّ تقدّم بسطر الرسالة المشار إليها ، وأمر أن تقرأ بالموسم على رؤوس الأشهاد ، وجعل فدك والعوالي في يد محمّد بن يحيى بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليه السلام يعمرها ويستغلّها ، ويقسم دخلها بين ورثة فاطمة بنت محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) نبيّهم.

ــــــــــــــــــ
(1) في « مج » و « ض » : « عناد الخيرة عترة وآل ».

(412)

قال في الجامع أيضاً : إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أُري بني أُميّة على منبره فساءه ذلك (1).
قوله : فساءه ذلك ; وقد فسّر ذلك أكثر مفسّري المخالف في تفسير ] سورة ] بني إسرائيل ، عند ذكره تعالى : ( والشجـرة الملعونـة في القرآن ) (2).
وقال في المصابيح : إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) مات وهو يكره ثلاثة أحياء : ثقيفاً ، وبني حنيفة ، وبني أُميّة.. الحديث (3).
فهذه صحاحهم وأعظم كتبهم تشهد بأنّ أئمّتهم قد أسخطوا أهل بيت النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وآووا أعداءه وآثروهم على أهل بيته ، وأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) مات وهو ساخط عليهم ، وأنّهم خالفوه في حياته وبعد وفاته ، وجرّعوا ابنته المظلومة غصصاً حتّى مماتها..
وفي الباب أبيات القاضي ] ابن قريعة ] (4) :
ــــــــــــــــــ

(1) جامع الأُصول 9 / 242 ح 6838 ، عن الإمام الحسن بن عليّ (عليهما السلام) إذ سبّه رجل فقال (عليه السلام) : لا تؤنّبني رحمك الله ، فإنّ النبيّ صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم أُري بني أُميّة على منبره ، فساءه ذلك ، فنزلت : ( إنّا أعطيناك الكوثر ) ، يا محمّد ، يعني : نهراً في الجنّة ، ونزلت : ( إنّا أنزلناه في ليلة القدر * وما أدراك ما ليلة القدر * ليلة القدر خير من ألف شهر ) يملكها بعدك بنو أُميّة يا محمّد.
(2) سورة الإسراء 17 : 60.
(3) مصابيح السنّة ـ للفرّاء البغوي ـ 4 / 140 ح 4689 ; وهذا نصّه : عن عمران بن حصين ، قال : مات النبيّ صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم وهو يكره ثلاثة أحياء : ثقيفاً ، وبني حنيفة ، وبني أُمّية.
(4) هو : القاضي أبو بكر محمّد بن عبد الرحمن المعروف بـ : « ابن قريعة » ، المولود سنة 302 هـ ، كان قاضياً في السنديّة ، وكان فاضلاً ، أديباً ، ظريفاً ، شاعراً ،

(413)

يا مَن يُسائل دائباً إنّ الجواب لحاضرٌ لا تكشفنّ مغطّاً ولربّ مستور بدا لولا اعتداءُ رعيّة وسيوفُ أعداء بها لنشرتُ من أسرار آل ونشرتُ طيّ صحيفة تُغنيكم عمّا رواه وأريتكم أنّ الحسين ولأي حال لُحّدتْ ولَما حمتْ شيخيكم واهاً (2) لبنت محمّد عن كلّ معضلة سخيفة لكنّني أُخفيه خيفة فلربّما كشّفت جيفة كالطبل من تحت القطيفة ألفى سياستَها الخليفة هاماتنا أبداً نقيفة محمّد جملاً طريفة فيها أحاديث الصحيفة (1) مالكٌ وأبو حنيفة أُصيب في يوم السقيفة باللّيل فاطمة الشريفة عن وطئ حجرتها المنيفة ماتت بغُصّتها أسيفة (3)

وأنت إذا اعتبرت حديث الحوض المجمع عليه ، وقول النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) : يؤتى بأقوام ـ وفي رواية : رجال ـ من أصحابي فيؤخذ بهم ذات الشمال ، فأقول : أصحابي ! فيقال : إنّهم ليسوا بأصحابك ، إنّك لا تدري ماذا أحدثوا

مختصّاً بالوزير المهلّبي ، ولمّا دخل الصاحب بن عبّاد بغداد اجتمع به. توفّي يوم السبت لعشر بقين من جمادى الآخرة سنة 367 هـ ببغداد ودفن فيها.
انظر : أعيان الشيعة 9 / 380.

ــــــــــــــــــ
(1) هذا البيت غير موجود في بحار الأنوار.
(2) في بحار الأنوار : أوّه.
(3) انظر : كشف الغمّة ـ للإربلي ـ 1 / 505 ، بحار الأنوار ـ للعلاّمة المجلسي ـ 43 / 190.

(414)

بعدك ، إنّهم لم يزالوا مرتدّين منذ فارقتهم (1) ، فأقول : سحقاً لمن غيّر بعدي (2).
أو كما قال : وجدت فيه تصديق قوله تعالى : ( ثُمّ كانَ عاقِبَةَ الّذينَ أساؤوا السُوأى ) (3).
وإن أحببت أن تعرف الفرق بين الفريقين ، وقيمة الرغام من
ــــــــــــــــــ

(1) في النسخ : " فارقهم " ; وأثبتنا الكلمة من المصادر.
(2) صحيح البخاري 6 / 122 ، في تفسير سورة الأنبياء ; وفيه : " ألا إنّه يُجاء برجال من أُمّتي فيؤخذ بهم ذات الشمال ، فأقول : يا ربّ ! أصحابي ، فيقال : لا تدري ما أحدثوا بعدك ، فأقول كما قال العبد الصالح : ( وكنتُ عليهم شهيداً ما دمتُ فيهم فلمّا توفّيْتَني كنتَ أنت الرقيبَ عليهم وأنت على كلِّ شيء شهيدٌ) ). ] سورة المائدة 5 : 117 ] ، فيقال : إنّ هؤلاء لم يزالوا مرتدّين على أعقابهم منذ فارقتهم ".
ورواه الطبراني عن ابن عبّاس ، مع اختلاف في اللفظ ، في المعجم الأوسط 3 / 417 ح 2895.
وذكر الحاكم النيسابوري في المستدرك على الصحيحين 2 / 447 ، قال : حدّثني عليّ بن عيسى الحيري ، حدّثنا مسـدّد بن قطن ، حدّثنا عثمان بن أبي شيبة ، حدّثنا معاوية بن هشام ، حدّثنا سفيان ، حدّثنا المغيرة بن نعمان ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عبّاس رضي الله عنهما ، قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : " يؤخذ بناس من أصحابي ذات الشمال ، فأقول : أصحابي ! أصحابي ! فيقال : إنّهم لم يزالوا مرتدّين على أعقابهم بعدك ، فأقول كما قال العبد الصالح عيسى بن مريم : ( وكنتُ عليهم شهيداً ما دمتُ فيهم فلمّا توفّيْتَني كنتَ أنت الرقيبَ عليهم ) ".
قال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه..
وذكره الذهبي أيضاً في تلخيص المستدرك ، كما رواه الحاكم.
وفي جامع الأُصول 10 / 468 ، 469 ، 470 ، 471 ، 472 ، رواه مفصّلاً ; فراجع.
ورواه أبو يعلى الموصلي في مسنده 11 / 387 ح 6502 ; وفيه : " إنّهم قد بدّلوا بعدك ، فأقول : سحقاً سحقاً ".
ورواه مسلم في صحيحه ، كتاب الفضائل ، 4 / 1795 و ج 1 / 218.
(3) سورة الروم 30 : 10 ; والآية بتمامها : ( ثُمّ كانَ عاقِبَةَ الّذينَ أساؤوا السُوأى أنْ كَذَّبوا بآياتِ اللهِ وكانوا بِها يَسْتَهْزِؤون ).

(415)

اللّجين (1) ، ] فانظر ] (2) الأحاديث التي جاءت من الطرفين ; إذ فيها بيان الفاضل من الخالي من الفضيلة ، كما أخرجه صاحب الوسيلة ; فإنّه قال : روي أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لعليّ كرّم الله وجهه لمّا قدم عليه يوم حصار خيبر (3) :
" يا علي ! لولا أن تقول فيك طوائف من أُمّتي ما قال النصارى في عيسى ، لقلت فيك قولاً لا تمرّ بملأ إلاّ أخذوا تراب رجليك وفضل طهورك يستشفون به..
ولكن حسبك : أن تكون منّي كهارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي ،
وأنّك تبرئ عنّي ذمّتي ، وتقاتل على سُـنّتي (4) ،
وأنّك على الحوض خليفتي ،
وأنّك أوّل من يُكسى معي ،
وأنّك أوّل من يدخل الجنّة معي من أُمّتي..
وأنّ شيعتك على منابر من نور مُبْيَضّةً وجوههم ، أشفعُ لهم ، ويكونون جيراني.
وأنّ حربك حربي ، وسلمك سلمي ،
وأنّ سرّك سرّي ، وعلانيتك علانيتي ،
وأنّ الحقّ معك ، وعلى لسانك ، وفي قلبك ، وبين عينيك ،
وأنّ الإيمان مخالط لحمك ودمك ، كما خالط لحمي ودمي ،
ــــــــــــــــــ

(1) الرغام : التُراب ، واللّجين : الفضّة ; انظر : لسان العرب مادّة " رغم " ومادّة " لجن ".
(2) الكلمة بين المعقوفين غير موجودة في النسخ ; وأضفناها لمقتضى السياق.
(3) في المصدر : " يوم فتح خيبر ".
(4) في المصدر : " وإنّك في الآخرة معي ".

(416)

ولن يرد الحوض مبغضٌ لك ، ولا يغيب عنه محبٌّ لك ".
قال : فخرّ عليّ رضي الله عنه ساجداً ، وقال : " الحمد لله الذي أنعم علَيّ بالإسلام ، وعلّمني القرآن ، وحبّبني إلى خير البريّة ، وخاتم النبوّة (1) ، وسيّد المرسلين ، إحساناً منه وتفضّلاً " (2).

ــــــــــــــــــ

(1) في المصدر : " خاتم النبيّـين ".
(2) وسيلة المتعبّدين 5 ـ ق 2 ـ / 172..
ورواه الخوارزمي في المناقب : 76 ; قال : وأخبرني سيّد الحفّاظ أبو منصور شهردار بن شيرويه بن شهردار الديلمي ، في ما كتب إليّ من همدان ، أخبرني أبو الفتح عبدوس بن عبد الله بن عبدوس الهمداني كتابة ، حدّثني الشيخ أبو طاهر الحسين بن عليّ بن سلمة رضي الله عنه ، عن مسند زيد بن عليّ (عليه السلام) ، حدّثنا الفضل بن عبّاس ، حدّثنا أبو عبد الله محمّد بن سهل ، حدّثنا محمّد بن عبد الله البلوي ، حدّثنا ابراهيم بن عبد الله بن العلاء ، حدّثني أبى ، عن زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهم السلام ، عن أبيه ، عن جدّه ، عن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ، قال :
" قال لي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم فتحت خيبر : يا عليّ ! لولا أن تقول فيك طوائف من أُمّتي ما قالت النصارى في عيسى بن مريم لقلت فيك مقالاً لا تمرّ بملأ من المسلمين إلاّ أخذوا تراب نعليك وفضل طهورك يستشفون به..
ولكن حسبك أن تكون منّي وأنا منك ، ترثني وأرثك ،
أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي ،
أنت تؤدّي ديني ، وتقاتل على سُـنّتي ،
وأنت في الآخرة أقرب الناس منّي ،
وأنّك غداً على الحوض خليفتي تذود عنه المنافقين ،
وأنّك أوّل من يرد علَيّ الحوض ،
وأنّك أوّل داخل يدخل الجنّة من أُمّتي..
وأنّ شيعتك على منابر من نور ، رواء مرويين ، مُبْيَضّة وجوههم حولي ، أشفع لهم ، فيكونون غداً في الجنّة جيراني ، وأنّ عدوّك غداً ظماء مظمئين ، مسودّة وجوههم مقمحين.

(417)

يا عليّ ! حربك حربي ، وسلمك سلمي ، وعلانيتك علانيتي ، وسريرة صدرك كسريرة صدري ،
وأنت باب علمي ،
وأنّ ولدك ولدي ، ولحمك لحمي ، ودمك دمي ،
وإنّ الحقّ معك ، والحقّ على لسانك ، ما نطقت فهو الحقّ ، وفي قلبك ، وبين عينيك ، والإيمان مخالط لحمك ودمك ، كما خالط لحمي ودمي ،
وأنّ الله عزّ وجلّ أمرني أن أُبشّرك : أنت وعترتك ومحبّيك في الجنّة ، وأنّ عدوّك في النار.
يا عليّ ! لا يرد الحوض مبغض لك ، ولا يغيب عنه محبّ لك ".
قال عليّ : " فخررت ساجداً لله سبحانه وتعالى ، وحمدته على ما أنعم به علَيّ من الإسلام والقرآن ، وحبّبني إلى خاتم النبيّين وسيّد المرسلين (صلى الله عليه وآله وسلم) ".
ورواه ابن المغازلي في المناقب : 237 ; قال : أخبرنا أبو الحسن علي بن عبيد الله بن القصّاب البيّع (رحمه الله) ، حدّثنا أبو بكر محمّد بن أحمد بن يعقوب المفيد الجرجرائي ، حدّثنا أبو الحسن عليّ بن سليمان بن يحيى ، حدّثنا عبد الكريم بن عليّ ، حدّثنا جعفر بن محمّد بن ربيعة البجلي ، حدّثنا الحسن بن الحسين العرني ، حدّثنا كادح بن جعفر ، [ عن عبد الله بن لهيعة ، عن عبد الرحمن بن زياد ] عن مسلم بن يسار ، عن جابر بن عبد الله ، قال : لمّا قدم عليّ بن أبي طالب بفتح خيبر قال له النبيّ : " يا عليّ ! لولا أن تقول طائفة من أُمّتي فيك ما قالت النصارى في عيسى بن مريم... " ، إلى آخر الحديث..
فأورده كما رواه الخوارزمي مع اختلاف طفيف ، إلاّ أنّ في ذيله هكذا : فخرّ عليّ ساجداً وقال : " الحمد لله الذي مَنّ علَيَّ بالإسلام ، وعلّمني القرآن ، وحبّبني إلى خير البريّة وأعزّ الخليقة ، وأكرم أهل السماوات والأرض على ربّه ، وخاتم النبيّين ، وسيّد المرسلين ، وصفوة الله في جميع العالمين ، إحساناً من الله العليّ إليَّ ، وتفضّلا منه علَيَّ ".
فقال له النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) :" لولا أنت يا عليّ ما عُرف المؤمنون بعدي ، لقد جعل الله جلّ وعزّ نسل كلّ نبي من صلبه ، وجعل نسلي من صلبك يا عليّ ، فأنت أعزّ الخلق وأكرمهم علَيَّ ، وأعزّهم عندي ، ومحبّك أكرم من يرد علَيَّ من أُمّتي ".

(418)

فانظر أيّها الأخ إلى هذا الحديث الذي أخرجه الخصم ، ووقف (1)عليه ; كيف يُحجى (2) بالتصديق لجميع ما أوردناه في هذه النبذة ، من شدّة سروره (صلى الله عليه وآله وسلم) بفتح خيبر على يده ، بعد شـدّة غمّه بانهزام أبي بكر وعمر.
ومنها : قوله [ (صلى الله عليه وآله وسلم) ] : تبرئ عنّي ذمّتي ; وفيه ترجيح دعواه على دعوى أبي بكر وعمر في فدك وغيرها (3).
ومنها : أوّل مَن يدخل الجنّة معي ; لقوله تعالى : ( والسابِقونَ السابِقونَ ) (4).
ومنها : قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) :" حَرْبُكَ حَرْبي " ، انتهى.
ومنها قوله [ (صلى الله عليه وآله وسلم) ] :" وأنّ الحَقَّ معك ". انتهى.
ومنها قوله [ (صلى الله عليه وآله وسلم) ] : " ولنْ يَرِدَ الحَوْضَ مُبْغِضٌ لَكَ "..
فانظر : هل كان حربهُ وكوَدَهُ ومخاصمتهُ وسلبهُ ملكَهُ محبّة أم بغضاً ؟!
ولعمري ! لقد كان قادراً على الانتصار ، ولكن خاف على ارتداد بعض الناس ; لأنّ الدين كان قريب العهد من الجاهليّة..
وكيف لا ؟! وقد أجمع المسلمون على الحديث الذي أخرجه صاحب الوسـيلة في خصائصه ، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، أنّه قال : " إذا كان يوم القيامة حشر عليّ أمامي وبيده لواء الحمد يحمله ". فقال رجل من

ورواه أيضاً القندوزي في ينابيع المودّة 1 / 200 ،391 ، والطبراني في المعجم الكبير 1 / 320.

ــــــــــــــــــ
(1) في " ب " : " واقف ".
(2) كذا في " ب " ، وفي " مج " و " ض " : " يستحي ".
(3) في النسخ : " وغيرهما " ; ولعلّ ما أثبتناه هو الأنسـب.
(4) سورة الواقعة 56 : 10 ; والعبارة في " ب " : " أوّل معنى مَن يدخل الجنّة معنى ".

(419)

القوم : يا رسول الله ! وكيف يستطيع عليّ أن يحمل لواء الحمد ؟
فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : " وكيف لا يستطيع أن يحمله وقد أُعطي خصالاً شتّى ؟! صبراً كصبري ، وحسناً كحسن يوسف ، وقوّة كقوّة جبرئيل ، وأنّ لواء الحمد بيده ، وجميع الخلائق يومئذ تحت لوائي يوم القيامة " (1).
وليكن هذا آخر ما أوردنا في ما أردنا ، وعلى الله اعتمدنا حيثما صدرنا ووردنا ، والحمد لله أوّلاً وآخراً ، وله الشكر باطناً وظاهراً ، وصلواته على نبيّه محمّد وآله ، وعلى كلّ حاذ على منوالهم بعد منواله.
تمّت الرسالة بحمد الله تعالى (2).

قال أحمـد المحمودي :
وقد فرغت أنا من تصحيحه ، وتحقيقه ، وتخريج مصادره يوم الأحد السابع عشر من جُمادى الأُولى لسنة 1424 هـ ، في قم المحميّة عشّ آل محمّد صلوات الله عليهم أجمعين.
وصادف تخريج المصادر أيّام استشهاد فاطمة الزهراء عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها آلاف التحيّة والثناء.
والحمد لله أوّلاً وآخراً ، وباطناً وظاهراً.

* * *
ــــــــــــــــــ

(1) وسيلة المتعبّدين 5 ـ ق 2 ـ / 172 ، وليس فيه : " يوم القيامة "..
وانظر : إحقاق الحقّ 5 / 6 ; نقلاً عن الروض الفائق : 385.
(2) إلى هنا تمّت مقالة المؤلّف (رحمه الله).

(420)

مصادر التحقيق

1 ـ إحقاق الحقّ ، للشهيد الثالث القاضي السيّد نور الله التستري ، المستشهد سنة 1019 هـ ، مكتبة السيّد المرعشي (قدس سره) / قم.
2 ـ أُسد الغابة في معرفة الصحابة ، لعزّ الدين ابن الأثير الجزري ( ت 630 هـ ) ، دار الشعب ، سنة 1393 هـ.
3 ـ الإصابة في تمييز الصحابة ، لأبي الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ( ت 852 هـ ) ، ط البابي الحلبي / مصر.
4 ـ أعلام الموقّعين ، لابن قيّم الجوزية ( ت 751 هـ ) ، دار الجيل / بيروت ، بدون تاريخ.
5 ـ أعيان الشيعة ، للسيّد محسن الأمين العاملي ( ت 1371 هـ ) ، دار التعارف / بيروت ، 1403 هـ.
6 ـ الإمامـة والسياسـة ، لعبد الله بـن مسـلم بن قتـيبة الدينوري ( ت 276 هـ ) ، ط القاهرة و ط دار الأضواء / بيروت ، 1410 هـ.
7 ـ أمل الآمل ، للشيخ محمّد بن الحسن الحرّ العاملي ( ت 1104 هـ ) ، تحقيق السيّد أحمد الحسيني ، مكتبة الأندلس / بغداد ، 1385 هـ.
8 ـ كتاب الأموال ، للحافظ أبي عبيد القاسم بن سلاّم ( ت 224 هـ ) ، دار الحداثة / بيروت ، 1988 م.
9 ـ أنساب الأشراف ، لأحمد بن يحيى بن جابر البلاذري ( ت 279 هـ ) ، تحقيق المحمودي ، مؤسّـسة الأعلمي / بيروت ، 1394 هـ.
10 ـ بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار ، للشيخ محمّد باقر المجلسي بن محمّد تقي المجلسي ( ت 1110 هـ ) ، دار إحياء التراث العربي / بيروت ، 1403 هـ.

(421)

11 ـ تاريخ بغداد ، للخطيب البغدادي أحمد بن علي ( ت 463 هـ ) ، دار الكتاب العربي / بيروت ، بدون تاريخ.
12 ـ تاريخ الخلفاء ، لجلال الدين السيوطي ( ت 911 هـ ) ، دار الفكر / بيروت ، بدون تاريخ.
13 ـ تاريخ الخميس ، للشيخ حسين المالكي الدياربكري ( ت 966 هـ ) ، مؤسّـسة شعبان / مصر ، 1283 هـ. انظر : كشف الظنون 1 / 725.
14 ـ تاريخ الطبري ( تاريخ الأُمم والملوك ) ، لأبي جعفر محمّد بن جرير الطبري ( ت 310 هـ ) ، دار المعارف / مصر ، بدون تاريخ.
15 ـ التاريخ الكبير ، لمحمّد بن إسماعيل البخاري ( ت 256 هـ ) ، دار الكتب العلمية / بيروت ، بدون تاريخ.
16 ـ تاريخ المدينة المنوّرة ، لابن شـبّة النميري ، ( ت 262 هـ ) ، دار الفكر / قم ، 1410 هـ.
17 ـ تذكرة الخواصّ ، لسبط ابن الجوزي يوسف بن فرغلي البغدادي ( ت 654 هـ ) ، مؤسّـسة أهل البيت (عليهم السلام) / بيروت ، 1401 هـ.
18 ـ تفسير ابن كثير ، لأبي الفداء ابن كثير إسماعيل بن عمر القرشي البصري ( ت 771 هـ ) ، دار المعرفة / بيروت ، 1406 هـ.
19 ـ تفسير الحبري ، للحسين بن الحكم الحبري الكوفي ( ت 276 هـ ) ، مؤسّـسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث / بيروت ، 1408 هـ.
20 ـ تفسير الدرّ المنثور ، لجلال الدين السيوطي ( ت 911 هـ ) ، دار الفكر / بيروت ، 1403 هـ.
21 ـ تفسير الطبري ( الجامع ) ، لمحمّد بن جرير الطبري ( ت 310 هـ ) ، دار المعرفة / بيروت ، 1403 هـ.
22 ـ تفسير القمّي ، لعلي بن إبراهيم القمّي ( ق 4 ) ، تحقيق السيّد طيب الجزائري ، ط النجف الأشرف ، 1387 هـ.

(422)

23 ـ التفسـير الكبير ، لمحمّد بن عمر فخر الدين الرازي ( ت 606 هـ ) ، ط القاهرة ، بدون تاريخ.
24 ـ تقريب صحيح ابن حبّان ، لابن بلبان الفارسي ( ت 739 هـ ) ، مؤسّـسة الرسالة / بيروت ، 1408 هـ.
25 ـ تلخيص المستدرك ، لشمس الدين محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي ( ت 748 هـ ) ، بهامش المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري ، دار الفكر / بيروت ، 1398 هـ.
26 ـ تهذيب الكمال في أسماء الرجال ، ليوسف بن عبد الرحمن المزّي ( ت 742 هـ ) ، تحقيق الدكتور بشّار عوّاد ، مؤسّـسة الرسالة / بيروت ، 1402 هـ.
27 ـ جامع الأُصول ، لمبارك بن محمّد بن الأثير الجزري ( ت 606 هـ ) ، دار إحياء التراث العربي / بيروت ، 1400 هـ ، الطبعة الثانية.
28 ـ الجامع الصحيح ( سنن الترمذي ) ، لمحمّد بن عيسى بن سورة الترمذي ( ت 297 هـ ) ، دار إحياء التراث العربي / بيروت ، بدون تاريخ.
29 ـ الجرح والتعديل ، لعبد الرحمن بن محمّد الرازي ( ت 327 هـ ) ، دار إحياء التراث العربي / بيروت ، 1371 هـ.
30 ـ حلية الأولياء ، لأبي نعيم الأصفهاني ( ت 430 هـ ) ، دار الكتاب العربي / بيروت ، 1407 هـ.
31 ـ ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى ، لأحمد بن عبد الله الطبري ( ت 694 هـ ) ، مؤسّـسة الوفاء / بيروت ، 1401 هـ.
32 ـ الذريعة إلى تصانيف الشيعة ، لآقا بزرگ الطهراني ( ت 1389 هـ ) ، دار الأضواء / بيروت ، بدون تاريخ.
33 ـ الذيل على كشف الظنون ـ لحاج خليفة ـ ، لإسماعيل باشا ، دار الفكر / بيروت ، 1402 هـ.
34 ـ رياض العلماء ، للميرزا عبد الله أفندي الأصفهاني ( ت 1130 هـ ) ،

(423)

تحقيق السيّد أحمد الحسيني ، مكتبة السيّد المرعشي (قدس سره) / قم ، 1401 هـ.
35 ـ سنن ابن ماجـة ، لابن ماجة القزويني ( ت 275 هـ ) ، دار الفكر / بيروت ، بدون تاريخ.
36 ـ سنن أبي داود ، لأبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني ( ت 275 هـ ) ، دار الكتاب العربي / بيروت ، بدون تاريخ.
37 ـ السـيرة الحلبـية ، لعلي بن برهان الدين الحلبي الشافعي ( ت 1044 هـ ) ، دار إحياء التراث العربي / بيروت ، بدون تاريخ.
38 ـ السـيرة النبوية ، لابن كثير ( ت 747 هـ ) ، دار المعرفة / بيروت ، 1403 هـ.
39 ـ شرح نهج البلاغة ، لابن أبي الحديد المعتزلي ( ت 656 هـ ) ، دار إحياء الكتب العربية / بيروت ، 1378 هـ.
40 ـ شرح نهج البلاغة ، للشيخ محمّد عبده ، ط القاهرة ، بدون تاريخ.
41 ـ شواهد التنزيل ، لعبيد الله بن عبد الله بن أحمد الحاكم الحسكاني ( ت 470 هـ ) ، تحقيق محمّد باقر المحمودي ، مؤسّـسة الأعلمي / بيروت ، 1393 هـ.
42 ـ صحيح البخاري ، لمحمّد بن إسماعيل البخاري ( ت 256 هـ ) ، طبعة القاهرة ، 1311 هـ.
43 ـ صحيح مسلم ، لأبي الحسين مسلم بن الحجّاج القشيري النيسابوري ( ت 261 هـ ) ، دار إحياء التراث العربي / بيروت ، 1374 هـ.
44 ـ الصراط المستقيم إلى مستحقّي التقديم ، للشيخ زين الدين علي بن يونس العاملي النباطي البياضي ( ت 877 هـ ) ، المكتبة المرتضوية / طهران.
45 ـ الصواعق المحرقة في الردّ على أهل البدع والزندقة ، لأحمد بن حجر الهيتمي المكّي ( ت 974 هـ ) ، طبعة القاهرة ، 1385 هـ.
46 ـ الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف ، لأبي القاسم علي بن موسى بن جعفر ابن طاووس الحسني الحسيني ( ت 664 هـ ) ، مطبعة الخيّام / قم ، 1400 هـ.

(424)

47 ـ العقد الفريد ، لأحمد بن محمّد بن عبد ربّه الأندلسي ( ت 327 هـ ) ، طبعة القاهرة ، 1384 هـ.
48 ـ علل الشرائـع ، للشيخ الصدوق أبي جعفر محمّد بن علي الحسين ابن بابويه القمّيّ ( ت 381 هـ ) ، طبعة النجف الأشرف ، 1385 هـ.
49 ـ العمدة ، لابن البطريق ( ت 600 هـ ) ، مؤسّـسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسـين في الحوزة العلمية / قم ، 1407 هـ.
50 ـ عمدة القاري في شرح صحيح البخاري ، للعلاّمة البدر العيني ( ت 855 هـ) ، طبعة مصر ، بدون تاريخ.
51 ـ فتح الباري شرح صحيح البخاري ، لابن حجر العسقلاني أحمد بن علي ( ت 852 هـ ) ، دار المعرفة / بيروت ، بدون تاريخ.
52 ـ فتوح البلدان ، لأحمد بن جابر البغدادي البلاذري ( ت 279 هـ ) ، دار الكتب العلمية / بيروت ، 1398 هـ.
53 ـ الفصول المهمّة في معرفة أحوال الأئمّة (عليهم السلام) ، لابن الصبّاغ المالكي علي بن محمّد بن أحمد ( ت 855 هـ ) ، طبعة النجف الأشرف ، 1950 م.
54 ـ فضائل الصحابة ، لأبي عبد الله أحـمد بن حنبل الشيباني ( ت 241 هـ ) ، دار الكتب العلمية / بيروت ، بدون تاريخ.
55 ـ كشف الحجب والأستار عن أسماء الكتب والأسفار ، للسيّد إعجاز حسين النيسابوري ( ت 1240 هـ ) ، مكتبة السيّد المرعشي (قدس سره) / قم ، 1409 هـ.
56 ـ كشف الظنون ، للملاّ مصطفى بن عبد الله الرومي الحنفي ، المعروف بـ : حاجي خليفة ( ت 1067 هـ ) ، دار الفكر / بيروت ، 1402 هـ.
57 ـ كشف الغُمّة في معرفة الأئمّة (عليهم السلام) ، لأبي الحسن علي بن عيسى الإربلي ( ت 692 هـ ) ، منشورات الرضي / قم ، 1421 هـ.
58 ـ كنز العمّال في سنن الأقوال والأفعال ، للمتّقي الهندي ، علي بن حسام الدين ( ت 975 هـ ) ، مؤسّـسة الرسالة / بيروت ، 1399 هـ.

(425)

59 ـ لسان العرب ، لأبي الفضل جمال الدين ابن منظور المصري ، محمّد ابن مكرّم ( ت 711 هـ ) ، دار صادر / بيروت.
60 ـ مجمع الزوائد ومنبع الفوائد ، للحافظ نور الدين علي ابن أبي بكر بن سليمان الهيثمي ( ت 807 هـ ) ، مؤسّـسة المعارف / بيروت 1406 هـ.
61 ـ مسند أبي يعلى الموصلي ، للحافظ أحمد بن علي بن المثنّى التميمي ( ت 307 هـ ) ، تحقيق حسين سليم أسد ، دار المأمون للتراث / دمشق ـ بيروت ، 1404 هـ.
62 ـ مسند أحمد ، لأبي عبد الله أحمد بن حنبل الشيباني ( ت 241 هـ ) ، المكتب الإسلامي ـ دار صادر / بيروت.
63 ـ مصابيح السنّة ، لأبي محمّد الحسين بن مسعود بن محمّد الفرّاء البغوي ( ت 516 هـ ) ، دار المعرفة / بيروت ، 1407 هـ.
64 ـ مصادر نهج البلاغة ، للسيّد عبد الزهراء الخطيب ، طبعة بيروت ، ط 2 سنة 1395 هـ.
65 ـ المصنّف في الأحاديث ، للحافظ عبد الله بن محمّد بن أبي شيبة الكوفي ( ت 235 هـ ) دار الفكر / بيروت ، 1409 هـ.
66 ـ المعجم الأوسـط ، للحافظ سليمان بن أحمد الطبراني ( ت 360 هـ ) ، تحقيق الدكتور محمّد الطحّان ، مكتبة المعارف / الرياض ، 1405 هـ.
67 ـ معجم البلدان ، لشهاب الدين أبي عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي الرومي البغدادي ( ت 626 هـ ) ، دار صادر / بيروت ، 1374 هـ.
68 ـ المعجم الكبير ، للحافظ الطبراني ( ت 360 هـ ) ، دار إحياء التراث العربي / بيروت ، ط 2 بدون تاريخ.
69 ـ مناقب الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ، للحافظ الموفّق بن أحمد البكري المكّي الحنفي ، المعروف بـ : أخطب خوارزم ( ت 568 هـ ) ، طبعة النجف الأشرف ، بدون تاريخ.

(426)

70 ـ مناقب الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ، لابن المغازلي علي بن محمّد الواسطي الشافعي ( ت 483 هـ ) ، المكتبة الإسلامية / طهران ، بدون تاريخ.
71 ـ نفثات صدر المكمد ، للعلاّمة الشيخ أبي العون شمس الدين محمّد أحمد السفاريتي الحنبلي ( ت 1188 هـ ).
72 ـ نور الأبصار في مناقب آل النبيّ المختار ، لمؤمن بن حسن مؤمن الشبلنجي ( ت 1308 هـ ) ، طبعة القاهرة.
73 ـ وسيلة المتعبّدين إلى متابعة سيّد المرسلين (صلى الله عليه وآله وسلم) ، للملاّ أبي حفص عمر بن محمّد بن الخضر الموصلي ، ( ت 570 هـ / 1174 م ) ، مطبعة حيدر آباد الدكن / الهند ، ط 1 سنة 1397 هـ / 1977 م.
74 ـ ينابيع المودّة ، لسليمان بن إبراهيم القندوزي الحنفي ( ت 1294 هـ ) ، تحقيق علي جمال أشرف الحسيني ، دار الأُسوة / قم ، 1416 هـ.