شبكة الإمامين الحسنين عليهما السلام للتراث و الفکر الإسلامي

 

عدالة الصحابة (12)

 

الشيخ محمّد السند

بين عصمة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وعدالة الصحابة

هناك جملة من الموارد قد شاقق فيها الثاني النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وخالفه ، ويدور الاعتراض والخلاف بين كونه قدحاً ; لأنّه ردّ على الله ورسوله ، وبين كونه إنكاراً لعصمة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ; للمحافظة على دفع الطعن على الثاني تحت شعار عدالة الصحابة ، فترتقي العدالة إلى مدافعة عصمة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فهي إذاً عصمة باسم العدالة ، بل جعلت تلك الموارد مقاماً وفضيلة للثاني ، وأنّه قد نزل الوحي الإلهي بذلك ـ والعياذ بالله تعالى ـ..
وهذا الزعم ينطوي على تصوّرات ومعتقدات ومزاعم أُخرى :
الأوّل : إنكار عصمة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في التدبير التشريعي والسياسي للأُمّة ، وأنّه يتكلّف الرأي !!
الثاني : إنّ للأُمّة الردّ والمخالفة لأحكامه (صلى الله عليه وآله وسلم) في مجال التدبير ، بعد رفع شعار الفتنة : « إنّها اجتهادات وظنون » ، وأنّ للآخرين الاجتهاد فيها ، وبالتالي فهم قد يصلون إلى ظنون أقوى أو أصوب !!

(61)

الثالث : إنّ للمجتهد التمسّك باجتهاداته في الأُصول التشريعية في كتاب الله ، والاقتصار عليها ، ونبذ الأحكام التشريعية النبوية ; ما دامت محتملة لكونها اجتهادات ، ومعرضاً للظنون ، لا الوحي الإلهي !!
وهذه الموارد ، مع الطعن عليها بالوضع ; لكذب مواقيت الأحداث المستعرضَة في رواياتها ، وتناقضها مع مسلّمات السيرة ، ومفاد الآيات ، كما سيأتي بيان نبذة من ذلك ; تنطوي وتبتني ـ كما أسلفنا ـ على مذاهب اعتقادية في عصمة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وحجّية قول وفعل الأوّل والثاني في عرض حجّية قول وفعل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في دائرة التشريع وسنن الأحكام.
فالحريّ بالبحث هو التعرّض لزيغ تلك المتبنّيات أوّلاً ، ثمّ بيان زيف رسم تلك الوقائع المزعومة..
إحداث سُنّة جماعة الخلافة لمقولة اجتهاده (صلى الله عليه وآله وسلم) :
لقد عنون الجصّاص ( ت 370 هـ ) في كتابه الفصول باباً بـ : « القول في أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) هل كان يسنّ من طريق الاجتهاد ؟ » ، وهذا العنوان بنفسه يحمل في مضمونه باب جواز الردّ والمخالفة لسنن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد إنكار هداية الوحي فيها..
قال : اختلف الناس في ذلك ; فقال قائلون : لم يكن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) يحكم في شيء من أمر الدين إلاّ من طريق الوحي ; لقوله تعالى : ( وما ينطِقُ عن الهوى * إن هو إلاّ وحيٌ يوحى ) (1).
وقال آخرون : جائز أن يكون النبيّ (عليه السلام) قد جُعل له أن يقول من طريق الاجتهاد في ما لا نصّ فيه.
ــــــــــــــــــ

(1) سورة النجم 53 : 3 و 4.

(62)

وقال آخرون : جائز أن يكون بعض سُـنّته وحياً ، وبعضها إلهاماً ، وشيء يُلقى في روعه ، كما قال (صلى الله عليه وآله وسلم) : « إن ّ الروح الأمين نفث في روعي : أنّ نفساً لن تموت حتّى تستوفي رزقها ، فاتّقوا الله وأجملوا في الطلب ». ويجوز أن يكون بعض ما يقوله نظراً واستدلالا ، وتردّ الحوادث التي لا نصّ فيها إلى نظائرها من النصوص باجتهاد الرأي..
وهذا هو الصحيح عندنا.
والدليل على أنّه قد كان جُعل له أن يقول من طريق الاجتهاد : قوله تعالى : ( ولو رَدّوه إلى الرسول وإلى أُولي الأمر منهم لَعَلِمَه الّذين يستنبطونَه منهم ) (1) ، عمومه يقتضي جواز الاستنباط من جماعة المردود إليهم ، وفيهم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم).
ويدلّ عليه أيضاً : قوله تعالى : ( فاعتبروا يا أُولي الأبصار ) (2) ، والنبيّ من أجلّهم.
ويدلّ عليه : ما حكى الله تعالى من قصّة داود وسليمان (عليهما السلام) ، ثمّ قال : ( ففهّمْناها سليمانَ وكلاًّ آتينا حكماً وعلماً ) (3) ، وظاهره يدلّ على أنّ حكمهما كان من طريق الاجتهاد ; لأنّهما لو حـكما من طريق النصّ لَما خصّ سليمان بالفهم فيها دون داود (عليهما السلام).
ويدلّ عليه أيضاً : أنّ درجة المستنبطين أفضل درجات العلوم ، ألاّ ترى أنّ المستنبِط أعلى درجة من الحافظ غير المستنبِط ؟! فلم يكن الله
ــــــــــــــــــ

(1) سورة النساء 4 : 83.
(2) سورة الحشر 59 : 2.
(3) سورة الأنبياء 21 : 79.

(63)

ليحرم نبيّه (عليه السلام) أفضل درجات العلم ، التي هي درجة الاستنباط (1).
ثمّ استدلّ أيضاً بقوله تعالى : ( وشاوِرْهم في الأمر ) (2) ، وأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) شاور أصحابه في كثير من الأُمور التي تتعلّق بالدين ، من أمر الحروب وغيرها ; كـ : مشورته في النزول في بدر ، ومشورته أبا بكر وعمر في أُسارى بدر ، وأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) رأى أن يعطي المشركين في الخندق نصف ثمار المدينة ، فكتب الكتاب ، فلمّا أراد أن يشهد فيه وحضر الأنصار قالوا : يا رسول الله ! أرأي رأيته أم وحي ؟ فقال : بل رأيي. فقالوا : فإنّا لا نعطيهم شيئاً ، وكانوا لا يطمعون فيها في الجاهلية أن يأخذوا منها ثمرة إلاّ قِرىً أو مشرىً ، فكيف وقد أعزّنا الله بالإسلام ؟!
ولمّا أخبره عبد الله بن زيد بما رأى من أمر الأذان أمَر بلالاً فأذّن به من غير انتظار الوحي (3) ; وقال : « ولا فرق بين الاجتهاد في أمر الحروب وبينه في حوادث الأحكام ».
وبقوله تعالى : ( عفا اللهُ عنكَ لِمَ أذِنْتَ لهمْ ) (4) و ( عبس وتولّى * أن جاءه الأعمى ) (5) ، وغير ذلك من الآي التي نبّه الله تعالى نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فيه على موضع إغفاله وعاتبه عليه.
وكذلك قصّة تبليغ « سورة براءة » مع أبي بكر ; فأوحى الله عزّ وجلّ إليه : أنّه لا يؤدّي عنك إلاّ أنت أو رجل منك. فدفعها إلى عليّ (عليه السلام).
ــــــــــــــــــ

(1) الفصول في الأُصول ـ للجصّاص ـ 2 / 93.
(2) سورة آل عمران 3 : 159.
(3) رواه أبو داود في سننه : كتاب الصلاة ، باب : كيف الأذان ، 1 / 135 ح 499 ، وابن ماجة في سننه 1 / 232 ح 706.
(4) سورة التوبة ( براءة ) 9 : 43.
(5) سورة عبس 80 : 1 و 2.

(64)

ولمّا رجع من الخندق ووضع السلاح ، فجاء جبرئيل فقال له : إنّ الملائكة لم تضع أسلحتها بعد. وأمره بالمضي إلى بني قريظة.
وقد قيل : إنّ خطأ آدم (عليه السلام) في أكل الشجرة كان من طريق الاجتهاد.
ثمّ قال : فإن قال قائل : لو جاز أن يقول النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) من طريق الاجتهاد لكان لغيره من الصحابة مخالفته ; لأنّ ما كان طريقه الاجتهاد فكلّ مَن أدّاه اجتهاده إلى شيء لزمه القول به ، وجاز له مخالفة غيره فيه ، وفي اتّفاق جميع المسلمين على وجوب التسليم له في ما قاله وفعله دلالةً على أنّه لا يقول إلاّ وحياً وتنزيلاً ؟!
قيل له : الجواب عن ذلك من وجهين :
أحدهما : إنّا قد علمنا أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا قال قولاً من طريق الاجتهاد فأغفل موضع الصواب ، نبّهه الله عليه بوحي من عنده ، وغير جائز أن يخلّيه موضع إغفاله ، كما قال تعالى : ( عفا الله عنك لم أذنت لهم ) ، وكقوله تعالى : ( عبس وتولّى ) ; فإذا كان هذا سبيله فغير جائز لأحد مخالفته.
والوجه الثاني : إنّ هذا القائل يوافقنا على أنّ الإجماع قد يكون من طريق الاجتهاد ، وقد يثبت عندنا ذلك أيضاً بالدلائل الصحيحة ، ثمّ إذا انعقد إجماع أهل العصر من طريق الاجتهاد لم يجز لمَن بعدهم أن يخالفهم ، والنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول من طريق الاجتهاد ويكون لاجتهاده مزية لا يحقّ من أجلها لغيره أن يخالفه.
فأمّا قوله تعالى : ( وما ينطق عن الهوى * إن هو إلاّ وحيٌ يوحى ) فإنّ فيه جوابين :

(65)

أحدهما : إنّه أراد القرآن نفسه ; لأنّه قال تعالى : ( والنجم إذا هوى ) (1) ، قيل في التفسير : معناه : القرآن إذا نزل.
والوجه الثاني : إنّ الاجتهاد لمّا كان مصدره عن الوحي ـ لأنّ الله قد أمر به ، فدلّ عليه ـ جاز أن يقال : إنّ ما أدّاه إليه اجتهاد فهو عن وحي ; لأنّه قد أُوحي إليه باستعمال الاجتهاد..
فإن قيل : لو جاز له الاجتهاد لَما توقّف في كثير ممّا يسأل عنه ينتظر الوحي.
قيل له : هذا لا يدلّ على ما ذكرت ; لأنّه جائز أن يكون توقّفه وانتظاره للوحي من جهة أنّه لم يتوجّه له فيه رأي ، ولا غلبة ظنّ في شيء بعينه ، فتوقّف فيه ينتظر الوحي.
ويجوز أن يكون قد كان يقوى طمعه في مثله : أن ينزل عليه فيه وحي فلم يعجل بالحكم فيه.
ويجوز أيضاً أن يكون قـد كان أُوحي إليه في ذلك شيء بعينه بأن لا يستعمل الاجتهاد إذا سـئل وينتظر الوحي (2).
وقال في باب : القول في الاجتهاد بحضرة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، بأنّه : جائز في حالين ، وهما : عندما يبتدئهم بالمشاورة ، أو أن يجتهدوا بحضرته ، فيعرضوا عليه رأيهم وما يؤدّيهم إليه اجتهادهم مبتدئين ، فإن رضيه صحّ ، وإن ردّه بطل.
وغير جائز في حال إرادة الاستبداد بالاجتهاد لإمضاء حكم من غير أمر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ; لأنّه لم يكن يأمن أن يكون هناك نصّ قد نزل ويمكن
ــــــــــــــــــ

(1) سورة النجم 53 : 1.
(2) الفصول في الأُصول ـ للجصّاص ـ 2 / 93 ـ 94.

(66)

معرفته في الحال فيكون في إمضائه الحكم بالاجتهاد تقدّم بين يدي الله ورسوله (1).
وحكى الآمدي اختلاف أهل سُنّة الخلافة أيضاً في اجتهاد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في ما لا نصّ فيه ; فقال :
فقال أحمد بن حنبل ، والقاضي أبو يوسف : إنّه كان متعبّداً به.
وقال أبو علي الجبّائي ، وابنه أبو هاشم : إنّه لم يكن متعبّداً به.
وجوّز الشافعي في رسالته ذلك من غير قطع.
وبه قال بعض أصحاب الشافعي ، والقاضي عبد الجبّار ، وأبو الحسين البصري.
ومن الناس مَن قال : إنّه كان له الاجتهاد في أُمور الحروب ، دون الأحكام الشرعية.
والمختار : جواز ذلك عقلا ، ووقوعه سمعاً..
ثمّ ذكر الإمكان العقلي ، حسب زعمه.
ثمّ تمسّك بشمول أدلّة الاجتهاد للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) والعياذ بالله تعالى..
وأنّ قوله تعالى : ( إنّا أنزلنا إليك الكتابَ بالحقّ لتحكمَ بين الناس بما أراكَ اللهُ ) (2) ، وما أراه يعمّ : الحكم بالنصّ ، والاستنباط من النصوص.
وأنّ آية : ( وشاورهم... ) إنّما في ما يحكم بالاجتهاد لا بالوحي.
وأنّ قوله تعالى في أُسارى بدر : ( ما كان لنبيّ أن يكون له أسرى حتّى يُثْخِنَ في الأرضِ ) (3) عتابٌ للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) !! وأنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قال :
ــــــــــــــــــ

(1) الفصول في الأُصول ـ للجصّاص ـ 2 / 375 ـ 376.
(2) سورة النساء 4 : 105.
(3) سورة الأنفال 8 : 67.

(67)

« لو نزل من السماء إلى الأرض عذاب ما نجا منه إلاّ عمر » !! لأنّه كان قد أشار بقتلهم ، ممّا يدلّ على أنّه كان بالاجتهاد لا بالوحي.
وكذا قوله تعالى : ( عفا الله عنك لم أذِنْت لهم ) !!
وكذا غيره من الأنبياء ; كقوله تعالى : ( وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث ) (1) ، وقوله تعالى : ( ففهّمناها سليمان وكلاًّ آتينا حكماً وعلماً ).
وما يذكر بالتفهيم إنّما يكون بالاجتهاد لا بطريق الوحي.
وما روي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال في مكّة : « لا يُختلا خلاها ، ولا يُعضد شجرها ». فقال العبّاس : إلاّ الأذْخِر. فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : « إلاّ الأذْخِر » ; ومعلوم أنّ الوحي لم ينزل عليه في تلك الحالة ، فكان الاستثناء بالاجتهاد.
وما روي أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : « العلماء ورثة الأنبياء » ; ولو لم يكن الاجتهاد لديه لَما كان العلماء ورثوا عنه.
وبقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في القضاء : « إنّكم لتختصمون إليّ ، ولعلّ بعضكم ألحن بحجّته من بعض » (2).
وقال الآمدي أيضاً ضمن عنوان : المسألة الحادية عشرة :
القائلون بجواز الاجتهاد للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) اختلفوا في جواز الخطأ عليه في اجتهاده ; فذهب بعض أصحابنا إلى المنع من ذلك..
وذهب أكثر أصحابنا ، والحنابلة ، وأصحاب الحديث ، والجبّائي ، وجماعة المعتزلة ، إلى جوازه ، لكن بشرط أن لا يقرّ عليه..
وهو المختار ; ودليله المنقول والمعقول ـ ثمّ استدلّ بقوله تعالى :
ــــــــــــــــــ

(1) سورة الأنبياء 21 : 78.
(2) الإحكام في أُصول الأحكام ـ للآمدي ـ 4 / 398 ـ 400.

(68)

( عفا الله عنك... ) ، وقوله تعالى : (ما كان لنبيّ أن يكون له...) ـ.
وقوله تعالى : (إنّما أنا بشرٌ مثلُكُمْ) (1) أثبت المماثلة بينه وبين غيره ، وقد جاز الخطأ على غيره فكان جائزاً عليه ; لأنّ ما جاز على أحد المثلين يكون جائزاً على الآخر.
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : « إنّما أحكم بالظاهر ، وإنّكم لتختصمون إليّ ، ولعلّ أحدكم ألْحـن بحـجّته من بعض ; فمَن قضيت له بشيء من مال أخيه فلا يأخـذه ، فإنّما أقطع له قطعة من النار » ، وذلك يدلّ على أنّه يقضي بما لا يكون حقّاً في نفس الأمر.
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : « إنّما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون ، فإذا نسيت فذكّروني » (2).
وبما اشتهر عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) من نسيانه في الصلاة وتحلّله عن ركعتين في الرباعية في قصّة ذي اليدين ، وقول ذي اليدين : أقَصُرَت الصلاة أم سهوتَ ؟ فقال النبيّ (عليه السلام) : « أحقّ ما يقول ذو اليدين ؟! » فقالوا : نعم (3)...
وقال : إنّ المقصود من البعثة إنّما هو تبليغه عن الله تعالى أوامره ونواهيه ، والمقصود من إظهار المعجزات إظهار صدقه في ما يدّعيه من الرسالة والتبليغ عن الله تعالى ، وذلك ممّا لا يُتصوّر خطؤه فيه بالإجماع..
ولا كذلك ما يحكم به عن اجتهاده ; فإنّه لا يقول فيه عن وحي ولا بطريق التبليغ ، بل حكمه فيه حكم غيره من المجتهدين ، فتطرُّق الخطأ
ــــــــــــــــــ

(1) سورة الكهف 18 : 110.
(2) صحيح البخاري 1 / 111 ، صحيح مسلم 1 / 400 ; ورواه عن ابن مسعود : أحمد في مسنده 1 / 438 ، وابن ماجة في سننه 1 / 382 ح 1211.
(3) صحيح البخاري 8 / 20 ، صحيح مسلم 1 / 403.

(69)

إليه في ذلك لا يوجب الإخلال بمعنى البعثة والرسالة (1).
وقبل التعرّض لتفاصيل ردود ما تشبّثوا به من التمحّلات ينبغي الإلفات إلى ما دعاهم إلى ذلك ، وأنّ تماديهم في توجيه الردّ على الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أدّى بهم إلى الالتزام بمناكير وعظائم..
فإنّ عمدة ما دعاهم إلى ذلك هو : توجيه عصيان عمر للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ومخالفات أبي بكر وبقية أعضاء السقيفة لأوامر ونواهي النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم).
ولم يقف الحدّ بهم إلى التوجيه ، بل إلى إنكار التأسّي بالنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في الأُمور والشؤون بذريعة أنّه يجتهد !
وتداعى بهم ذلك الإنكار إلى إنكار حاكمية الباري تعالى في التشريع ، وأنّه ليس لله تعالى حكم في الوقائع التي يجتهد فيها المجتهدون ، أو أنّ حكمه تعالى ينطبق على كلّ اجتهاد المجتهدين بتعدادهم ، وأنّ أحكامه تعالى ليست تدور مدار الكمالات والنقائص في الأفعال والأشياء ; لأنّ القول بـ : عصمة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) واللوح المحفوظ لأحكام الشريعة ، الذي لا يوصل إليه إلاّ عبر الوحي والنصّ النبوي ، سوف يحرج مذهب الاجتهاد بالرأي والتأوّل بالهوى ، ويعزّز مذهب النصّ والاتّباع للوحي..
بل إنّ ذلك أوصلهم إلى أنّ إجماع الأُمّة ـ الذي قد يكون ناشئاً من اجتهاد الحاكم ـ معصوماً من الخطأ ، مقدّماً على حكم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ حسب زعمهم ـ وهذه قاعدة معرفية مطردة ; فإنّ التقصير في المعرفة يلازم الغلوّ في الجانب المقابل ، والتفريط من جانب يلازم الإفراط في الطرف المقابل.
ــــــــــــــــــ

(1) الإحكام في أُصول الأحكام ـ للآمدي ـ 4 / 440 ـ 442.

(70)

قال الآمدي معترضاً على نفسه في ما ذهب إليه أهل سُنّة الخلافة : « إنّ الأُمّة إذا أجمعت على حكم مجتهد فيه ، كان إجماعهم معصوماً عن الخطأ ، كما سبق بيانه ، ولو جاز على النبيّ الخطأ في اجتهاده ، لكانت الأُمّة أعلى رتبة منه ; وذلك محال..
وإنّ المقصود من البعثة وإظهار المعجزة : اتّباع النبيّ (عليه السلام) في الأحكام الشرعية ; إقامةً لمصالح الخلق ، فلو جاز عليه الخطأ في حكمه ، لأوجب ذلك التردّد في قوله ، والشكّ في حكمه ، وذلك ممّا يخلّ بمقصود البعثة ; وهو محال » (1).
ولم يكتفِ الغزالي بذلك بل استفحل تمسّكه بسُنّة الخلافة إلى القول : « فإن قيل : فإن ساواه غيره في كونه مصيباً بكلّ حال فليجز لغيره أن يخالف قياسه باجتهاد نفسه.
قلنا : لو تعبّد بذلك لجاز ، ولكن دلّ الدليل من الإجماع على تحريم مخالفة اجتهاده ، كما دلّ على تحريم مخالفة الأُمّة كافّة ، وكما دلّ على تحريم مخالفة اجتهاد الإمام الأعظم والحاكم ; لأنّ صلاح الخلق في اتّباع رأي الإمام والحاكم وكافّة الأُمّة ، فكذلك النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)...
ـ إلى أن قال : ـ فإن قيل : كيف يجوز ورود التعبّد بمخالفة اجتهاده ، وذلك يناقض الاتّباع ، وينفِّر عن الانقياد ؟!
قلنا : إذا عرّفهم على لسانه بأنّ حكمهم اتّباع ظنّهم وإن خالف ظنّ النبيّ ، كان اتّباعه في امتثال ما رسمه لهم » (2).
وقال أيضاً : « أمّا انتظار الوحي فلعلّه كان حيث لم ينقدح له اجتهاد ،
ــــــــــــــــــ

(1) الإحكام في أُصول الأحكام ـ للآمدي ـ 4 / 441.
(2) المستصفى في علم الأُصول 2 / 355.

(71)

أو في حكم لا يدخله الاجتهاد ، أو نهي عن الاجتهاد فيه » (2).
لكنّه قال في نهاية كلامه : « أمّا وقوعه ـ أي اجتهاد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ فبعيد ، وإن لم يكن محالاً ، بل الظاهر أنّ ذلك كلّه كان عن وحي صريح ناصّ على التفصيل » (2).
ويلاحظ :
أوّلاً : أنّهم يساوون غير النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) به ، بل يصل بهم التقصير في نعوت شؤون النبوّة والغلوّ في الغير إلى القول بأنّ الغير يتفوّق في إصابة الحقّ !!
ثانياً : أنّ الإجماع هو وجه وجوب اتّباعه (صلى الله عليه وآله وسلم) ; وهذا يقتضي فوقية حجّية الإجماع على حجّيته (صلى الله عليه وآله وسلم) !!
ثالثاً : أنّ حرمة مخالفته (صلى الله عليه وآله وسلم) هي لأجل حـفظ النظام الاجتماعي ، لا لأجل كونه (صلى الله عليه وآله وسلم) على الهدى والحقّ !!
رابعاً : أنّه لا يمتنع أن تكون مخالفته (صلى الله عليه وآله وسلم) بأمر منه (صلى الله عليه وآله وسلم) !!
ولا عجب في تماديهم إلى هذا الحدّ من الجرأة في المشاققة والمحادّة لمقام الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ; فلقد اسـتنّوا في ذلك بسنن جماعة السقيفة ، وجعلوا ذلك من مناقب الثاني.
خامساً : تصل بهم عاقبـة الأمر إلى إنكار علمه (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ والعياذ بالله تعالى عمّا يقوله الظالمون ـ لا بالأحكام في اللوح المحفوظ فحسب ، بل بطرق الاجتهاد الظنّي ، وهو نظير ما قالته بنو إسرائيل في موسى (عليه السلام)
ــــــــــــــــــ

(1) المستصفى في علم الأُصول 2 / 356.
(2) المستصفى في علم الأُصول 2 / 357.

(72)

وعيسى (عليه السلام).
سادساً : أنّه من الغريب اعتراف الغزالي بوجود مساحة من التشريع لا تدرك بالاجتهاد بل إلاّ بالوحي ، وأنّ الاجتهاد منهيّ عنه في تلك المساحة ; فمع هذا الاعتراف كيف يبررون تمرّدات الثاني وتقدّمه بين يدي الله ورسوله ، ويجعلون ذلك مناقباً له ؟!
سابعاً : اعتراف الغزالي بأنّ الوحي « ناصّ على التفصيل » في سيرته (صلى الله عليه وآله وسلم) ; فأيّ مجال لتبرير مخالفات جماعة السقيفة له (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وحملها على قاعدة الاجتهاد والتأوّل ؟!
عصمة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في التدبير :
ثامناً : تمسّكهم لإنكار الوحي في أحكامه (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله تعالى : ( ولو ردّوه إلى الرسول وإلى أُولي الأمر منهم لعلمه الّذين يستنبطونه منهم ) ; بدعوى أنّ المراد هو : الاستنباط الظنّي ، المعمول به في عملية الاجتهاد.
وهذا من الأعاجيب ، أن يحمل الاستعمال القرآني على اصطلاح حادث بعد نزول القرآن !!
فمفاد الآية في الأصل يبيّن عصمة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في تدبير حكومته ، وفي الموضوعات ; إذ أنّ صدرها : ( وإذا جاءهم أمرٌ من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو رَدّوه إلى الرسول وإلى أُولي الأمر منهم لعلمهُ الّذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمتُه لاتّبعتم الشيطانَ إلاّ قليلاً ) (1).
ــــــــــــــــــ

(1) سورة النساء 4 : 83.

(73)

ومورد الآية : في ما يرتبط بالوضع الأمني للمسلمين من التهديدات المحدقة بهم ، وما يرتبط بالنظام العام ، سواء الجانب العسكري ، أو الاقتصادي ، أو السياسي.
والخطاب في الآية : إنّ تدبير الحالة الأمنية ومعالجتها إذا فُوِّض إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وإلى أُولي الأمر لعلم الرسول وأُولو الأمر وجه التدبير الصالح لذلك.
ولم تعبّر الآية بالظنّ ، بل بالعلم ; وهذا يقضي باطّلاع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)وإحاطته بملابسات الظروف الخارجية والموضوعات ، ومن ثمّ يعصم نظام المسلمين عن اتّباع الشيطان بهداية وتدبير الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)..
فالتعليل في ذيل الآية شاهد على أنّ المراد من العلم هو معناه الحقيقي ، لا المجازي بمعنى الظنّ ، وإلاّ فالظنون تُخطئ وقد لا تصيب الواقع ; فيُتّبع سبيل الردى بدل الهدى.
مضافاً إلى أنّ من كان مصدره ومنبعه الظنّ فهو لا يحيط بكلّ الأُمور ، وبكلّ واردة وشاردة ، والحال أنّ الآية عامّة لكلّ الأُمور التي تعتور وتواجه النظام العام.
ونسق التعليل في الآية مماثل لنسق التعليل الوارد في سورة الحجرات ، التي صُـدّرت بالنهي عن التقدّم بين يدي الله ورسوله ، ثمّ النهي عن إصابة قوم بجهالة من دون تبيّن ، ثمّ قال تعالى : ( واعلموا أنّ فيكم رسولَ الله لو يطيعُكم في كثير من الأمر لَعَنِتّم ولكنّ الله حبّبَ إليكم الإيمانَ وزيّنهُ في قلوبكم وكرّهَ إليكم الكفرَ والفسوقَ والعصيانَ أُولئك هم الراشدون * فضلاً من الله ونعمةً والله عليمٌ حكيمٌ ) (1)..
ــــــــــــــــــ

(1) سورة الحجرات 49 : 7 و 8.

(74)

والآية هذه تتناغم وتتماثل مع الآية في سورة النساء : أنّ الهداية والرشد والإيمان هو في اتّباع تدبير النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لو يوافق رأىّ الأُمّة في جملة الموارد لوقع المسلمون في العنت والمشقّة.
وهي تدلّل على أنّ مشورة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لمن كان معه وحوله ليس لأجل استبانة حقيقة الحال ، وإنّما لشدّهم إلى التفاعل والمساهمة في القيام بالمسؤولية ، وتربيتهم على الأخذ بنهج المشورة ونبذ الاستبداد بالرأي في ممارساتهم ، وهو نهج علمي بنّاء..
وهي تدلّ أيضاً على أنّ سيرة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في كلّ جوانبها إيمان ورشد ، ولا تخطئ الواقع أو الكمال في الفضل والنعمة.
والاستنباط في أصل الوضع اللغوي من : « النبـط » ، وهو : الماء الذي ينبط من قعر البئر إذا حُفرت. وأنبطنا الماء : أي استنبطناه وانتهينا إليه ، واستنبطه واستنبط منه علماً وخبراً ومالاً : استخرجه ، والاستنباط : الاستخراج ، ويستنبطونه : يستخرجونه (1) ; فالأصل فيه : استخراج حقيقة وعين الشيء والماء ، وهو لا ينطبق إلاّ على من يصل إلى حقيقة الأُمور والأشياء ، لا مَن تنكشف له ظواهر الأشياء بنحو محتمل لكلّ من الصواب والخطأ ، أي بإدراك ظنّي.
وأمّا « أُولو الأمر » : فليس المراد من هذا العنوان كلّ حاكم يلي أُمور المسلمين من الولاة ، بل المراد منهم هو المراد من قوله تعالى في سورة النساء أيضاً ، في الآيات السابقة لهذه الآية : ( يا أيّها الّذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأُولي الأمر منكم ) (2).
ــــــــــــــــــ

(1) راجع : لسان العرب : مادّة « نـبـط ».
(2) سورة النساء 4 : 59.

(75)

والمراد من « الأمر » : هو الذي أُشير إليه في سور : القدر ، والدُخان ، والنحل ، ويس ، وغيرها من السور ، وهو : الأمر الإلهي الذي يتنزّل بتقدير كلّ الأُمور في ليلة القدر من كلّ سنة..
فأُولو الأمر : أي أصحاب ذلك الأمر ، الّذين تتنزّل عليهم برامج لوح القضاء والقدر الإلهي لكلّ الأُمور ، في الليلة التي يُفرق فيها كلّ أمر حكيم ، وتتنزّل فيها الملائكة والروح بإذن ربّهم من كلّ أمر ، من الأرزاق ، والآجال ، والرخاء ، وكلّ حادث في السنة ، حتّى ليلة القدر التالية من العام التالي..
وهؤلاء ـ أصحاب وولاة الأمر في ليلة القدر ـ تتنزّل عليهم الخطط والبرامج والمشاريع الإلهية ، وهي لا تخطئ الحوادث والوقائع ; فإذا كان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وأُولي الأمر بهذا المقام من إطلاع الله تعالى لهم بكلّ تقاديـر الأُمـور ، فكيف يُفرض تشـبّث النبيّ وأُولي الأمر بالطرق الظنّية ، التي هي وسائل للمحجوب عن العلم بالحقائق ، الناظر من وراء ستار عدم العلم ؟!
هذا ، مضافاً إلى أنّ أُولي الأمر قد أمر الله تعالى بطاعتهم ، والردّ إليهم ; فلو كانوا غير معصومين عن الزلل والضلال ، فكيف يأمر الله تعالى بطاعتهم واتّباعهم ، والردّ إليهم ؟!
وهذا يناقض قاعدة : « لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق » ، ونفي الطاعة للمخلوق ، المحتمل وقوعه في المعصية ، يقضي بنفي ولايته بالأصالة ; أي : لا يكون وليّاً للأمر بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولا تقرن طاعته بطاعة الله ورسوله.
فجَعْل طاعة وليّ الأمر بمثابة طاعة الله ورسوله بنحو الإطلاق والإرسال يقضي عند العقل بكون ولاة الأمر المذكورين في الآيتين هم

(76)

المعصومين أهل آية التطهير من الرجس ، وهم : أهل البيت (عليهم السلام).
قصور القوم عن معرفة الوحي والكتاب :
والأعجب من الاستدلال بآية الردّ والاستنباط على ما ادّعوه من عدم وحيانية سيرة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قولُ الجصّاص المتقدّم : إنّ الاستنباط الظنّي لدى المجتهد والفقيه هو أفضل درجات العلوم ، وإنّ المستنبِط أعلى درجة من الحافظ غير المستنبِط ; فلم يكن الله ليحرم نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) من ذلك.
ولا عجب إذا تقاصرت معرفة هؤلاء عن معرفة العلوم اللدنّيّة والحضورية ، وعدّهم الوحي الإلهي من سنخ ونمط الإخبار الحسّي السمعي للرواة ; فتكون النبوّة كالرواية للخبر الحسّي ، ممّا يجعل النبيّ كالحافظ لألفاظ القرآن ، أو لمتن لفظي معين ، كالرواة المحدّثين الحفّاظ ، الّذين يحفظون ألفاظ الأحاديث ولا دراية لهم بمعانيها ; فهذا حدّ معرفتهم بحقائق الدين والإسلام..
وعلى ذلك يكون الأنبياء من قبيل الرواة للأخبار ، ومصداق : « رُبّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه » (1) !!
ولم يدرِ هؤلاء أنّ الاستنباط الظنّي والتفكير الذهني وإجالة الفكر في المسائل إنّما هو طريق العاجز ، الجاهل بحقائق الأشياء ، كما هو الحال في الطبيعة البشرية لغير المعصومين ، ولذلك ترى الفرد البشري لا يفكّر في البديهيات ـ كالأُمور المحسوسة ـ والوجدانيات ; لأنّها أُمور حاضرة لديه ، ليست غائبة عنه ، كي يجيل الفكر في طلبها واستحصالها..
ــــــــــــــــــ

(1) مسند أحمد 3 / 225 وج 4 / 80 ، المعجم الكبير ـ للطبراني ـ 17 / 49.

(77)

فلا يمكن المقارنة بين حافظ الألفاظ وبين مَن تكون الأشياء حاضرة لديه ، كما لا يمكن المقارنة بين العالم بالأشياء والحقائق حضوراً وبين من يطلب بفكره الوصول إلى صورة معانيها ، التي قد تطابق حقائقها وقد تخطئها.
وكيف يتخيّل هذا القائل أنّ الوحي الإلهي عبارة عن مجرّد سماع أصوات ، وقد قال تعالى : (وما أنزلنا عليك الكتابَ إلاّ لتبيّن لهم الذي اختلفوا فيه وهدىً ورحمةً لقوم يؤمنون ) (1) ؟!
فما من اختلاف يقع في هذه الأُمّة إلاّ وبيان حكمه لدى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بالنزول الوحياني لحقائق الكتاب عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، نظير : قوله تعالى : ( فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خيرٌ وأحسنُ تأويلاً ) (2)..
وقوله تعالى : (وأنزلنا إليكَ الذِكْرَ لتبيّنَ للناسِ ما نُزّلَ إليهم ) (3).
وتضاحل علم هؤلاء وحسبوا الكتاب الذي أُوحي إلى الرسول هو مجرّد ألفاظ ظاهر التنزيل ، ولم يهتدوا إلى قوله تعالى : (إنّه لقرآنٌ كريمٌ * في كتاب مكنون * لا يَمَسُّـهُ إلاّ المُطَّهرونَ ) (4)..
وقوله تعالى : (بل هُوَ قرآنٌ مجيدٌ * في لَوْح مَحْفوظ ) (5)..
وقوله تعالى : ( ونزّلْنا عليك الكتابَ تِبْياناً لكلّ شيء وهُدىً
ــــــــــــــــــ

(1) سورة النحل 16 : 64.
(2) سورة النساء 4 : 59.
(3) سورة النحل 16 : 44.
(4) سورة الواقعة 56 : 77 ـ 79.
(5) سورة البروج 85 : 21 و 22.

(78)

ورحمةً وبشرى للمسلمينَ ) (1).
ومن الواضح أنّ المصحف الشريف وظاهر التنزيل ليس بحسب ظاهره تبيان كلّ شيء ; إذ هو منعوت بالمُحْكم والمتشابه ، في الآية السابعة من سـورة آل عمران ، بل المنعوت بتبيان كلّ شيء ، وأنّه مبين كلّه ، هو الكتاب المـكنون ، وفي اللوح المحـفوظ ، الـذي ( لا يَمَـسُّـهُ إلاّ المُطَّهرونَ) ، وهم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته المعصومون (عليهم السلام) ، الّذين شهد القرآن بطهارتهم من قبل الباري تعالى ، لا كلّ متطهّر بالوضوء والغسل ; وكم فرق بين مَن طهّره الله تعالى ، فهو مُطَهَّرْ ، وبين مَن يتطهّر في بدنه بالوضوء والغسل ، فهو مُتَطَّهِرْ لا مُطَهَّرْ ؟!
والكتاب المبين قد نُعت في قوله تعالى : ( وما يعْزُبُ عن ربّك من مثقالِ ذرّة في الأرض ولا في السماء ولا أصغرَ من ذلكَ ولا أكبرَ إلاّ في كتاب مبين ) (2).
وكذا قوله تعالى : (ما فَرَّطْنا في الكتابِ من شيء ) (3).
وقال تعالى : ( يمحو اللهُ ما يشاءُ ويُثْبِتُ وعندَهُ أُمُّ الكتابِ ) (4).
فكلّ لوح القضاء والقدر مثبت في الكتاب المبين ، وهو الذي ينزل منه تقدير كلّ شيء في الليلة المباركة ، ليلة القدر ; إذ قال تعالى : ( حم * والكتاب المبين * إنّا أنزلْناه في ليلة مباركة إنّا كنّا مُنذِرين * فيها يُفْرَقُ كلّ أمر حكيم ) (5)..
ــــــــــــــــــ

(1) سورة النحل 16 : 89.
(2) سورة يونس 10 : 61 ، وكذلك : سورة سبأ 34 : 3.
(3) سورة الأنعام 6 : 38.
(4) سورة الرعد 13 : 39.
(5) سورة الدُخَان 44 : 1 ـ 4.

(79)

فكلّ هذه من مراتب الكتاب وحقائقه ، وما في المصحف الشريف ليس إلاّ ظاهر تنزيله ، وظنّ هؤلاء أنّ الوحي النبوي بتأويل الكتاب وحقائقه هو عبر حجاب الدلالة واللفظ.
ثمّ إنّ إحاطة العلم النبوي بجميع الألفاظ والتراكيب وطرق دلالتها يختلف عن درك الفقهاء والمجتهدين ; فإنّ درك الفقهاء والمتجهدين خاضع لحافظتهم ونباهتهم في استقصاء الآيات ، والتنبّه لمناسباتها مع المطلوب ، ثمّ التناسب بين دلالتها ، وكلّ ذلك خاضع إلى قدرة محدودة وفراسة محددة ، فمن ثمّ تكون النتائج ظنّية ، ويأتي اللاحق ويكشف خطأ السابق..
ونظير ذلك : ما في علم الرياضيات ; فبما أنّ قدرة المختصّ الخبير بمعادلات ونظريات وقواعد ذلك العلم تظلّ محدودة ، فإنّ قدراتهم على حلّ المجهولات تبقى محدودة أيضاً ، وكم من مجهول لم يتمكّنوا من الوصول إليه بسبب عدم انبساط قدرتهم في استقصاء القواعد ، واستحضارها بمناسباتها وتناسباتها ، وترتيب ائتلافها للوصول للنتيجة ؟!
وهـذا بخـلاف العلم الوحيانـي ; فإنّـه يحيط بكلّ ذلك ، وبكلّ تناسبات التراكيب ، ومعادلات الصياغات للدلالات ، وإلى ما لا يحصيه إلاّ الباري تعالى من الوجوه والفروض ، فيطلعه بالتسديد والإلهام الوحياني إلى نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وأوصيائه الوارثين لدنّياً علمه.
تعدّد الحُكم عند أصحاب الوحي :
تاسعاً : ما استدلّوا به من قصّة داود وسليمان (عليهما السلام) ; إذ قال تعالى : ( ففهّمْناها سليمانَ وكلاًّ آتينا حكماً وعلماً ) ; فاستظهروا أنّ حكمهما

(80)

كان من طريق الاجتهاد ، ولأنّ حكمهما لو كان بالنصّ لَما اختصّ سليمان بالفهم !!
ولا غرابة في استظهارهم هذا المعنى من الآية ; بعد متاركتهم للثقل الثاني : عترة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، الّذين أُمروا بالتمسّك به مع الثقل الأوّل : القرآن الكريم ، وبما أنّهما لا يفترقان وهما معاً ، فمتاركة أحدهما متاركة للآخر..
فمفاد الآية أجبني عمّا راموه ; قال تعالى : (وداودَ وسليمانَ إذ يحكُمان في الحَرْثِ إذ نَفَشَتْ فيه غنمُ القوم وكنّا لحُكْمِهم شاهدينَ * ففهّمْناها سليمانَ وكلاًّ آتينا حكماً وعلماً )..
فقد أشير في روايات أهل البيت (عليهم السلام) إلى أن التعبير القرآني هو بهذه الصورة : ( إذ يحكمان في الحـرث ) بنحو فعل المضارع لا بالماضي ، أي : لم يقع ويتحقّق حُكمين منهما فيقال : إذ حكما ، بل كانا يتناظران ويتفاوضان في مقدّمات القضاء والحكم ، فلم يصدر منهما حكم مختلف ; إذ لا اختلاف في حكم السماء.
كما أنّ التعبير في ذيل الآية هو : ( وكنّا لحكمهم شاهدين ) بصورة ضمير الجمع لا بضمير التثنية ، ممّا يدلّل على أنّ في مجلس القضاء كان هناك أُناس آخرون قد حكموا بخلاف حكم سليمان.
فمسرح الحدث في ما تستعرضه الآية في ظاهرها متوافق مع ما ورد في روايات أهل البيت (عليهم السلام) من الإشارة إلى ألفاظ الآية من أنّ : الحكم في الحرث الذي نفشت فيه الغنم عند الأنبياء ـ في ما أُوحى إليهم ـ قبل داود هو أن يُقضى لصاحب الحرث برقاب الغنم ، إلاّ أنّ هذا الحكم كان قد قدّر الله تعالى نسخه ، وقدّر أن يُظهر لعلماء بني إسرائيل في ذلك المجلس أنّ وصيّ داود (عليه السلام) هو سليمان (عليه السلام) ، فأوحى الله تعالى لداود أن : اجمع

(81)

ولدك ، فمَن قضى بهذه القضية فأصاب فهو وصيّك من بعدك. وكان تعالى قد أطلع داود بالنسخ ، كما أنّه تعالى أوحى إلى سليمان بالحكم الناسخ ، وهو : أنّ لصاحب الحرث ما خرج من بطون الغنم ، وهو خلاف الحكم المنسوخ الذي حكم به علماء بني إسرائيل في ذلك المجلس..
ففي الرواية عن الباقر والصادق (عليهما السلام) : « إنّ داود قال لسليمان : فكيف لم تقضِ برقاب الغنم ، وقد قوّم ذلك علماء بني إسرائيل فكان ثمن الكرم قيمة الغنم ؟!
فقال سليمان : إنّ الكرم لم يُجتثّ من أصله وإنّما أُكِل حمله ، وهو عائد في قابل » (1).
وقد جرت السنّة بعد سليمان بحكمه.
ويشير قوله تعالى : (وكلاًّ آتيناه حكماً وعلماً ) إلى كلّ من : الحكم المنسوخ لدى داود (عليه السلام) من قبل ، والحكم الناسخ لدى سليمان ، والذي أطلعه تعالى داود أيضاً.
ورغم هذا كلّه ; فإنّ الله تعالى قد وصف ـ في الآية اللاحقة ـ كلاًّ من الحُكمين والعِلمين لداود وسليمان أنّهما : إيتائي ، لا كسبي بجَوَلان الفكر ، والتعبير بـ : « فهّمْناها » أيضاً أسند الفاعلية إليه تعالى ، لا إلى سليمان نفسه.
المشورة من صاحب الوحي :
عاشراً : ما استدلّوا به من أمره تعالى : (وشاورهم في الأمر ) ، وأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) شاور أصحابه في كثير من الأُمور التي تتعلّق بالدين ، من أمر
ــــــــــــــــــ

(1) لاحظ : تفسـير البرهان ، ونـور الثقلين ، في ذيل الآية 79 من سورة الأنبياء ; في ما أخرجاه من أُصول الكافي ، وغيره من الأحاديث.

(82)

الحروب وغيرها. وأن ذلك في ما كان الحكم بغير الوحي.
ووهنه بادي بأدنى تدبّر ; إذ أنّ تمام الآية : (فبما رحمة من الله لِنْتَ لهم ولو كنت فَظّاً غليظ القلب لانْفَضّوا من حولك فاعْفُ عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمْتَ فتوكّل على الله إنّ الله يحبّ المتوكّلين )..
وهي في سياق الآيات الواردة في معركة أُحد ، التي عصى فيها بعض المسلمين أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في لزوم الجبل ، وهم الرماة ، كما عصى جلّهم حرمة الفرار من المعركة ، وجماعة انقلبوا على أعقابهم إلى دين الجاهلية لمّا سمعوا ما قد أشاعه كفّار قريش من قتل النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم).
وتشير إلى كلّ ذلك الآيات السابقة : (وما محمّدٌ إلاّ رسولٌ قد خلتْ من قبلِهِ الرسلُ أفإن ماتَ أو قُتلَ انْقلبْتُم على أعْقابِكم ) (1).
وقوله تعالى : (حتّى إذا فشِلتُم وتنازعْتُم في الأمر وعصيْتُم من بعد ما أراكُم ما تُحبّون... ) (2).
و : (إذ تُصعِدونَ ولا تلْوونَ على أحد والرسولُ يدعوكُم في أُخراكُم فأثابَكم غَمّاً بِغَمّ لكيلا تحزنوا... ) (3).
وهناك تصرّف رابع سُجّل على طائفة منهم : (وطائفةٌ قد أهَمّتْهُم أنفسُهم يظنّونَ بالله غير الحقِّ ظنَّ الجاهليةِ يقولونَ هلْ لنا من الأمرِ من شيء قل إنّ الأمرَ كُلَّهُ للهِ يُخْفونَ في أنفسهِم ما لا يُبْدونَ لكَ يقولونَ لو كان لنا من الأمرِ شيءٌ ما قُتِلْنا ها هنا قلْ لو كنتُم في بيوتِكُم لبرزَ الّذين
ــــــــــــــــــ

(1) سورة آل عمران 3 : 144.
(2) سورة آل عمران 3 : 152.
(3) سورة آل عمران 3 : 153.

(83)

كُتِبَ عليهِمُ القتلُ إلى مضاجعِهم وليبْتليَ اللهُ ما في صدورِكم وليُمحّصَ اللهُ ما في قلوبِكُم واللهُ عليمٌ بذات الصدورِ * إنّ الّذين تولّوا منكُم يوم التقى الجَمْعانِ إنّما اسْتَزلّهُمُ الشيطانُ ببعض ما كَسَبوا... ) (1).
ثمّ تتّصل الآية ( وشاورهم ) عقب ذلك..
فسـياق الآيات وألفاظ هذه الآية كلّ ذلك في جـوّ عصيان وتمرّد على أوامر الله ورسوله ، بل في الآيات اللاحقة تتضمّن اتّهام بعضهم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، كما يشير قوله تعالى : ( وما كان لنبيّ أن يغلَّ ومن يَغْلُلْ يأتِ بما غلَّ يومَ القيامةِ... ) (2).
ولا تفتر الآيات في تقريع جماعات عديدة من المسلمين من أهل أُحـد : ( أوَ لمّا أصابتْكُم مصيبةٌ قد أصبْتُم مثْلَيْها قلتم أنّى هذا... وليعلم الّذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتِلوا... الّذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قُتلوا... ) (3).
و : (ما كان الله ليَذَرَ المؤمنينَ على ما أنتم عليه حتّى يَميزَ الخبيثَ من الطيّبِ... ) (4).
فمن ثمّ صُدّرت هذه الآية بمدح الله تعالى لنبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) على اللين معهم ، ثمّ الأمر بالعفو والتجاوز عن أخطائهم وعصيانهم وتمرّدهم ، والاستغفار لهم ، ثمّ يأتي الأمر : ( وشاورهم في الأمر ) في سياق ذلك ، أي : في سياق تربية النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) للمسلمين ، وتزكيته لهم ، وأنّ مشاورته
ــــــــــــــــــ

(1) سورة آل عمران 3 : 154 و 155.
(2) سورة آل عمران 3 : 161.
(3) سورة آل عمران 3 : 165 ـ 168.
(4) سورة آل عمران 3 : 179.

(84)

لهم تصبّ ضمن برنامج التربية والتزكية والتعليم ; ولذلك عقّب تعالى بُعيد هذه الآية بقوله تعالى : (لقد مَنّ اللهُ على المؤمنين إذْ بعثَ فيهم رسولاً من أنفسهم يتْلو عليهم آياتِهِ ويزكِّيهِم ويعلِّمُهُمُ الكتابَ والحكمةَ وإنْ كانوا من قبلُ لفي ضَلال مُبين ) (1).
فمشاورته لهم تندرج في تزكيته وتعليمه لهم ; إذ أنّ المشورة تعني : الفحص عن المعلومات ، وملابسات الأشياء ، ووجوه الأُمور ، وهي عبارة عن التوصية بجمع المعلومات ، وتحريّ الوصول إلى الحقيقة والواقع من الجهات العديدة ، نظير : « أعْلَم الناس مَن جمع علوم الناس إلى علمه » (1) ، و : أعْقَل الناس مَن جمع عقول الناس إلى عقله..
أي : الاستشارة الخبروية ، لا تحكيم رأي الأكثرية بصفة الكثرة ، بل المدار : الصواب ، ولو كان عند واحد ذي خبرة عالية.
فهو (صلى الله عليه وآله وسلم) يربّي المسلمين على سُنّة الاستشارة وتمحيص الرأي في أُمورهم وتدبيرهم ، مضافاً إلى ما في ذلك من جلب تفاعلهم مع الأحداث ، والقيام بالمسؤولية ، ولتمييز الناصح من الخاذل المتخاذل في العلن وأمام الناس ، ولتنكشف النوايا والخبايا ، ولتتكوّن بصيرة لدى القاعدة من عموم الناس..
كما في استشارته (صلى الله عليه وآله وسلم) أصحابه قبل واقعة بدر ، عندما أفلتت عير قريش ، فقام الأوّل وأظهر الخوف من قتال قريش ، فأجلسه النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ثمّ قام الثاني فقال مثل صاحبه ، فأجلسه النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ثمّ قام المقداد
ــــــــــــــــــ

(1) سورة آل عمران 3 : 164.
(2) المحاسن 1 / 360 ح 773 ، الأمالي ـ للشيخ الصدوق ـ : 73 ضمن ح 41 ، معاني الأخبار : 195 ضمن ح 1.

(85)

وأظهر العزم على النصرة لقتال قريش ، فشكره النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم).
ثمّ طلب المشورة أيضاً ليرى مدى همّة الأنصار ، فقام سعد بن معاذ فقال : كأنّك تريدنا ؟! أي : الأنصار ; لأنّهم أكثر المسلمين حينئذ ، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : نعم. فأظهر سعد العزم على النصرة ، فحثّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)حينها الناس على قتال قريش.
فيظهر من هذه المشورة من النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لمن كان معه أنّها لجملة من الأغراض التربوية التي تقدّم شرحها ، لا لأجل فحصه عن ما هو الصواب ! كيف وقد أوحى الله تعالى إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ الظفر مقدّر له وللمسلمين في الحرب مع قريش ؟!
ولا لأجل حاجة منه (صلى الله عليه وآله وسلم) لحلومهم وعقولهم وخبراتهم ! كيف وهو قد أُوحي إليه الكتاب المبين ، الذي لا يغادر مثقال ذرّة في السماوات والأرض ، ولا أصغر ولا أكبر من ذلك إلاّ فيه ، وهو المورّث لأهل بيته هذا الكتاب المكنون وفي اللوح المحفوظ ؟!
وقد شكّك الطبري أنّه : كيف يؤمر النبيّ باتّباع الشورى مع أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)غنيّ عن المسلمين بالوحي (1) ؟!
وذكر فوائد الشورى من : اقتداء الأُمّة به (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وتأليف قلوبهم ; ونقل ذلك عن : قتادة ، وابن إسحاق ، والربيع ، والضحّاك ، والحسن البصري.
وذكر الزمخشري في ذيل الآية أنّه : لئلاّ يثقل على العرب استبداده (صلى الله عليه وآله وسلم) بالرأي دونهم (2).
ــــــــــــــــــ

(1) جامع البيان ـ الطبري ـ سورة آل عمران ج 4 / 101.
(2) الكشّاف 1 / 242.

(86)

وقد رووا عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال بعد نزول الآية : « أما إنّ الله ورسوله لغنيّان عنها ، ولكن جعلها الله رحمة لأُمّتي ، مَن استشار منهم لم يُعدم رشـداً ، ومَن تركها لم يُعدم غيّاً » (1)..
ومفاد الحديث جامع في المعنى ، وما تقدّم كالشرح له.
وأمّا استشهادهم بما أراده (صلى الله عليه وآله وسلم) من إعطاء غطفان ثلث ثمار المدينة عندما أراد أن يوقّع الصلح مع عيينة بن حصن والحارث بن عوف ، على أن يرجعا بمَن معهما عنه وعن أصحابه في معركة الأحزاب ـ الخندق ـ وأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فذكر لهما ذلك واستشارهما ، فقالا : يا رسول الله ! أمراً نحبّه فنصنعه ، أم شيئاً أمرك الله به لا بُدّ لنا من العمل به ، أم شيئاً تصنعه لنا ؟
قال (صلى الله عليه وآله وسلم) : بل شيء أصنعه لكم ، والله ما أصنع ذلك إلاّ لأنّي رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة ، وكالبوكم من كلّ جانب ، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما.
فقال له سعد بن معاذ : يا رسول الله ! قد كنّا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان ، لا نعبد الله ولا نعرفه ، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها تمرة إلاّ قرىً أو بيعاً ، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له ، وأعزّنا بك وبه نعطيهم أموالنا ؟! والله ما لنا بهذا من حاجة ، والله لا نعطيهم إلاّ السيف ، حتّى يحكم الله بيننا وبينهم.
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : فأنت وذلك.
فتناول سعد بن معاذ الصحيفة فمحا ما فيها من الكتاب ، ثمّ قال :
ــــــــــــــــــ

(1) الشورى بين النظرية والتطبيق : 27 ـ 30.

(87)

يجهزوا علينا (1)..
ففيه : إنّ كلامه (صلى الله عليه وآله وسلم) صريح في كون ما أراده من الصلح هو لأجل التخفيف عن أهل المدينة ، وإزالة الحصار عن الأوس والخزرج ، وأراد امتحان عزيمة الأنصار ، ولذلك أطلع السعدين بذلك ، فلمّا رأى ثبات عزيمتهم ورباطة جأشهم استوثق من صبرهم ومجالدتهم ، فأوقف عملية التعاقد على الصلح.
ومن أجل أنّ مشاورته (صلى الله عليه وآله وسلم) لهم تربيةً منه لهم ، قال تعالى في آخر الآية : ( فإذا عزمْتَ فتوكّلْ على الله ) ، فأسند تعالى العزم إليه (صلى الله عليه وآله وسلم)خاصّة دونهم ، ثمّ رتّب توكّله على الله تعريضاً بعدم اكتراثه (صلى الله عليه وآله وسلم)بمخالفتهم ; إذ يرى (صلى الله عليه وآله وسلم) بإراءة الله تعالى له الصواب في خلاف مرادهم.
ويشير إلى ذلك أيضاً : قوله تعالى : ( واعلموا أنّ فيكم رسول الله لو يطيعُكم في كثير من الأمر لعنتّم ولكنّ الله حبّبَ إليكمُ الإيمانَ وزيّـنهُ في قلوبكم وكرّهَ إليكم الكفرَ والفسـوقَ والعصيان أُولئك هم الراشـدون * فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم ) ; فها هو قوله تعالى ينبئ بأنّ رأيهم يوقعهم في العنت والمشقّة ، وأنّ شأن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الأمر بمقام وبوصف حمله لرسالة الله تعالى مُسـدّد من قبَلِه تعالى.
القصور في معرفة الرسول قصور في معرفة حاكمية الله تعالى :
ولا استغراب في تقصيرهم في معرفة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ; فإنّها راجعة إلى تقصيرهم في معرفة حاكمية الله تعالى ; فهم يقصرون حاكميّته على التشريع والتشريعات الكلّيّة ، دون أن يتصوّروا أنّ لله تعالى حاكميّة
ــــــــــــــــــ

(1) السيرة النبوّية ـ لابن هشام ـ 2 / 223.

(88)

سياسية ، وتدبيرية ، وقضائية ، وعسكرية ، بل يصوّرون الخالق تعالى ناظراً غير متصرّف في النظام السياسي الاجتماعي ، وغاية ما في الباب أنّ الحاكم يكون بتشريع منه تعالى ، لكن لا دخالة له على نحو التفصيل.
وهذا بخلاف مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) ; فإنّ معتقدهم : أنّ الحاكم السياسي في الرتبة الأُولى هو الباري عزّ اسمه ، حتّى في حكومة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، كما يستعرض سيرتها لنا القرآن الكريم..
فإنّ موارد التشريع القضائي ، والعسكري ، والمالي ، والسياسي ، في آيات القرآن الكريم ليست أسباباً للنزول فقط ، كما يقرأها مفسّرو أهل سُنّة الخلافة ، بل هي موارد تنفيذية قد حصل فيها إنفاذ حاكمية الله تعالى ووقع إجراء تطبيقي إلهي ، وتصرّف حكومي سياسي ، أو قضائي ، أو عسكري ، أو مالي ، أو غيرها في تلك الموارد ، أي أنّ حاكمية الله تعالى امتدّت من التشريع ، ولم تقتصر عليه إلى الحكم التنفيذي والقضائي والسياسي التطبيقي الإجرائي.
فأسباب النزول لآيات القرآن المتضمّنة للتشريع يجب أن لا تُقرأ كموارد مبيّنة للتشريع العام النازل في الآية فقط ، بل يجب أن تُقرأ وتُفهم بمعنىً آخر أيضاً ، على أنّها موارد برز وتنزّل ونفّذ فيها حاكمية تطبيقية تفصيلية منه تعالى.
ففي حكومة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، في موارد المنعطفات الخطيرة ، يكون الحاكم الأوّل في شتّى مجالات الحكم التنفيذي هو الباري عزّ اسمه ، والحاكم الثاني هو الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).
وهذا هو الحال في حاكمية الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ; فإنّها بأقسام وأنماط متعـدّدة مخـتلفة من الوحي الإلهامي ، أو التسديدي ، أو النفث في الروع ،
 

(89)

أو التكليم ، أو التوسّم ، وغيرها ممّا سيأتي بعض الإشارة إليه ، وغاية ما في الباب أنّ بين أقسام الوحي تعدّد وتنوّع ، نظير : الفرق بين الوحي بالقرآن وبين الوحي بالحديث القدسي ، مع أنّ كلاهما وحي وكلام الله تعالى ، فكذلك هناك فرق بين الفريضة والسنّة في التشريع ، مع كون كلاًّ منهما من أقسام الوحي بالمعنى العام ، الشامل للتسديد اللدنّي ونحوه.
وهكذا الحال في حكومة أمير المؤمنين (عليه السلام) ; فإنّ حاكمية سيّد الأوصياء بعد حاكمية الله ورسوله التنفيذية ، بتوسّط ما يطلع (عليه السلام) عليه من إرادات الله تعالى ومشيئاته ، وإرادت الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من بعد ذلك.
فقصرهم عصمة الرسول في التبليغ للأحكام الشرعية ناشئ من قصرهم حاكمية الباري تعالى في التشريع دون التنفيذ ، وإلاّ لكان عليهم الإقرار بعصمته في التدبير السياسي ، وفي كلّ شؤون سيرته (صلى الله عليه وآله وسلم).
ويكفيك شاهداً ـ إجمالاً ـ على ذلك ما مرّت الإشارة من أنّ أسباب النزول كما هي موارد شرح للتشريع الكلّي النازل في القرآن الكريم ، كذلك هي موارد لتدخّل الباري تعالى تفصيلاً وتنفيذاً ; فالتصرّف فيها كان بوحي من السماء ، كما هو الحال في غزوة بدر ، وصلح الحديبية ، وغيرها ممّا سيأتي الإشارة إليه.
الحادي عشر : استدلالهم بموارد من الآي التي فيها عتاب منه تعالى لنبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأنّه اعتراض منه عليه ، ممّا يقضي بأنّ الفعل في تلك الموارد لم يصدر بوحي ، بل استشهدوا أيضاً بموارد أُخرى من الآي تضمّنت العتاب لبقية الأنبياء (عليهم السلام)..
منها : ( عفا اللهُ عنكَ لِمَ أذِنْتَ لهمْ ).
و (عبس وتولّى * أن جاءه الأعمى ).

(90)

و (وما كان لنبيّ أن يكون له أسرى حتّى يثخن في الأرض ) (1).
و (يا أيّها النبيّ لم تحرّم ما أحلّ الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم ) (2).
و (وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحقّ أن تخشاه ) (3).
و (ووجدك ضالاًّ فهدى ) (4).
و (ليغفر لك الله ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر ) (5).
و (لئن أشركت ليحبطنّ عملك ولتكوننّ من الخاسرين ) (6).
و (ولولا أن ثبّتناك لقد كدْتَ تركن إليهم شيئاً قليلاً ) (7).
و (لقد تاب الله على النبيّ والمهاجرين والأنصار الّذين اتّبعوه في ساعة العسرة ) (8).
مع أنّ الآية الأخيرة في قراءة أهل البيت (عليهم السلام) : « لقد تاب الله بالنبيّ على المهاجرين والأنصار... ».
وغيرها من الموارد التي ربّما يموّهون بها ، مع وصف الباري تعالى لنبيّه : (ما ضلّ صاحبكم وما غوى * وما ينطق عن الهوى * إن هو
ــــــــــــــــــ

(1) سورة الأنفال 8 : 67.
(2) سورة التحريم 66 : 1.
(3) سورة الأحزاب 33 : 37.
(4) سورة الضحى 93 : 7.
(5) سورة الفتح 48 : 2.
(6) سورة الزمر 39 : 65.
(7) سورة الإسراء 17 : 74.
(8) سورة التوبة ( براءة ) 9 : 117.

(91)

إلاّ وحي يوحى ) ، فنفى عنه مطلق الضلال ، وهو يقتضي العصمة في العلم ، كما يقتضي العصمة في مقام العمل من المخالفة السهوية والخطأ ، كما أنّ نفي مطلق الغواية عنه يقتضي العصمة في مقام العمل عن المخالفة العمدية ; فهذان وصفان أوّلان ، ثمّ تلاهما تعالى بوصفين آخرين ، أحدهما : ( ما ينطق عن الهوى ) ، والآخر : ( إن هو إلاّ وحيٌ يوحى )..
ونفي النطق عن الهوى مطلق في كلّ سلوكياته (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولا يخصّ مقام التبليغ ، كما ادّعاه جملة من المفسّرين من دون شاهد ، مع كون الطبيعة في سياق النفي يفيد الإطلاق معضّداً ذلك بنفي مطلق الضلال ، ونفي مطلق الغواية ، في مطلق سلوكياته ، وسيرته ، وأفعاله ، وأقواله ، وتقريره (صلى الله عليه وآله وسلم)على صعيد الحكومة والتدبير ، وعلى صعيد تربية الأُمّة على سُنن الهدى والحقّ ، وتزكيتها بطريق الرشد والحكمة.
والوصف الرابع في سورة النجم هو : (إن هو إلاّ وحي يوحى ) ، والضمير بحسب السياق مع الأوصاف الثلاثة المتقدّمة يعود إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فيكون مفاد الوصف : أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بتمامه وتمام شؤونه وحي يوحى ، نظير التعبير : « زيد عدل » ، وإعادة الضمير إلى النطق من قبيل : ( اعدلوا هو أقرب للتقوى ) (1) لا يخدش في الظهور بعدما عرفت من عموم النطق لكلّ مقال منه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، غاية الأمر : أنّ استناده إلى أنواع أقسام من الوحي ، لا خصوص الوحي التشريعي والتكليمي ; كي يقال : إنّ الوصف خاصّ بالتبليغ عن الله تعالى.
ونظير هذا ـ المفاد من إطلاق عصمته في كلّ شؤونه (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ : قوله
ــــــــــــــــــ

(1) سورة المائدة 5 : 8.

(92)

تعالى : ( وإنّك لعلى خُلُق عظيم ) (1) ; فإنّها شهادة من العظيم المتعال ، والخُلُق على أقسام ، كما ذكر الحكماء : أخلاق الإنسان في تدبير نفسه وصفاتها ، وأخلاق الإنسان في تدبير أُسرته ، وهي الحكمة المنزلية المعاشية الخاصّة ، وأخلاق الإنسان في تدبير المجتمع البشري والنظام المدني الاجتماعي ، وهي الحكمة السياسية ، والآية في عموم الخُلُق..
ثمّ وصفه الباري تعالى بأنّ هذا الخُلُق : عظيم ، مع أنّه تعالى وصف متاع كلّ الدنيا : (قل متاع الدنيا قليل ) (2).
وفي صحيح فضيل بن يسار ، قال : سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول لبعض أصحاب قيس الماصر : « إن الله عزّ وجلّ أدّب نبيّه فأحسن أدبه ، فلمّا أكمل له الأدب قال : (وإنّك لعلى خلق عظيم )..
ثمّ فوّض إليه أمر الدين والأُمّة ، ليسوس عباده ; فقال عزّ وجلّ : ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) (3)..
وإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان مسدّداً موفّقاً مؤيّداً بروح القدس ، لا يزلّ ولا يخطئ في شيء ممّا يسوس به الخلق ، فتأدّب بآداب الله..
ثمّ إنّ الله عزّ وجلّ فرض الصلاة ركعتين ركعتين ، عشر ركعات ، فأضاف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الركعتين ركعتين ، وإلى المغرب ركعة ، فصارت عديل الفريضة ، لا يجوز تركهنّ إلاّ في سفر ، وأفرد الركعة في المغرب فتركها قائمة في السفر والحضر ، فأجاز الله عزّ وجلّ له ذلك كلّه ، فصارت الفريضة سبع عشر ركعة..
ــــــــــــــــــ

(1) سورة القلم 68 : 4.
(2) سورة النساء 4 : 77.
(3) سورة الحشر 59 : 7.

(93)

ثمّ سنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) النوافل أربعاً وثلاثين ركعة ، مثلي الفريضة ، فأجاز الله عزّ وجلّ له ذلك.
والفريضة والنافلة إحدى وخمسون ركعة ، منها ركعتان بعد العتمة جالساً تعدّ بركعة مكان الوتر.
وفرض الله عزّ وجلّ في السنة صوم شهر رمضان ، وسنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) صوم شعبان وثلاثة أيام في كلّ شهر ، مثلي الفريضة ، فأجاز الله عزّ وجلّ له ذلك.
وحرّم الله عزّ وجلّ الخمر بعينها ، وحرّم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) المسكر من كلّ شراب ، فأجاز الله عزّ وجلّ له ذلك.
وعاف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أشياء وكرهها ، ولم ينه عنها نهي حرام ، إنّما نهى عنها نهي إعافة وكراهة ، ثمّ رخّص فيها ، فصار الأخذ برخصته واجباً على العباد كوجوب ما يأخذون بنهيه وعزائمه..
ولم يرخّص لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في ما نهاهم عنه نهي حرام ، ولا في ما أمر به أمر فرض لازم ، فكثير المسكر من الأشربة نهاهم عنه نهي حرام ، لم يرخّص فيه لأحد ، ولم يرخّص رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لأحد تقصير الركعتين اللتين ضمّهما إلى فرض الله عزّ وجلّ ، بل ألزمهم ذلك إلزاماً واجباً ، لم يرخّص لأحد في شيء من ذلك إلاّ للمسافر ، وليس لأحد أن يرخّص شيئاً ما لم يرخّصه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
فوافق أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر الله عزّ وجلّ ، ونهيه نهي الله عزّ وجلّ ، ووجب على العباد التسليم له كالتسليم لله تبارك وتعالى » (1).
ــــــــــــــــــ

(1) أُصول الكافي 1 / 266.

(94)

فبيّن (عليه السلام) أنّ سُنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في سيرته وقوله وفعله وتقريره أيضا بالوحي التسديدي والتأييدي بروح القدس ; ولأجل ذلك وصفه الباري بأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : على خُلُق عظيم ، وأعطاه صلاحية التشريع بتبع التشريع الإلهي ، وأنّ الاختلاف بين الفريضة الإلهية والسنّة النبوية راجع إلى الاختلاف في أنماط الوحي ودرجاته.
وممّا يفيد إطلاق عصمته (صلى الله عليه وآله وسلم) : قوله تعالى : ( هو الذي بعث في الأُمّيّين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكّيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبلُ لفي ضلال مبين * وآخرين منهم لمّا يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم * ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ) (1).. فنرى أنّه تعالى يصف بعثة الرسول وأدواره في إبلاغ الكتاب وتلاوته حقّ التلاوة ، وهي إقامته على حدوده لا مجرّد قراءته الصوتية.
وفي تزكيته للأُمّة إلى يوم القيامة وللنظام الاجتماعي للمسلمين.
وتعليمه للأُمّة الكتاب ، وهو لا يقتصر على أصوات الألفاظ ; لأنّ ما وراء إبلاغ الألفاظ هو تعليم تمام درجات علوم الكتاب ، وتأويله ، ولو بواسطة نصب أوصياء هداة لهذه الأُمّة من بعده يواصلون ويستمرّون في أداء دوره.
وتعليمه للأُمّة الحكمة ، وهي ما يرتبط بتدبير الإنسان لنفسه وأُسرته ، وبتدبير النظام السياسي الاجتماعي ، والتزكية والتعليم للحكمة يرتبط ذاتياً بالتدبير والسيرة في إدارة الأُمّة.
ــــــــــــــــــ

(1) سورة الجمعة 62 : 2 ـ 4.

(95)

وقد وصف الباري تعالى ذلك كلّه بـ : الفضل ، بل جعله : العظيم ، في مقابل الضلال الذي كانت قريش تعيش فيه.
وقد مرّت الإشارة إلى دلالة آيتي الردّ عند التنازع ، أو مجيء أمر من الأمن والخوف على عصمته في التدبير والحكم ، وغيرها من الآيات.
ثمّ إنّ خطاب العتاب في الاستعمال القرآني الموجّه للأنبياء (عليهم السلام) ، أو للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) محمول على عدّة وجوه :
* الأوّل : على قاعدة : « حسنات الأبرار سيئات المقرّبين » ، وأنّه ينبغي على المقرّب درجات من الطاعة الفائقة العالية ، ودقائق من الإخلاص ما لا يكلّف بها المتّقون الأبرار ، وذلك لعلوّ مقامات المقرّبين ودقّة محاسبتهم على خفايا السر وترك الأوْلى ، بل إنّ بين المقرّبين والأنبياء تفاوت في كيفية المحاسبة ، بحسب درجاتهم في الفضل ، واشتداد الكمال.
ولنتأمّل لذلك مثالا : فإنّ في المدرسة التعليمية يتوقّع المدير والمعلّم من أذكياء الطلاّب ونوابغهم ما لا يتوقّع من أوساطهم ; فإنّ الذكي النابغة إذا لم يأت في الامتحان بمعدّل فوق الامتياز بدون تعليل ، فإنّه يعاتب ويسائل ، مع عدم مساءلة ومحاسبة أوساط الطلاّب مع توفّرهم على معدّل متوسّط يحقّق أدنى المستوى الموجب لعدم الرسوب في الامتحان.
وليست تلك المفارقة إلاّ لأنّ الكامل ينبغي له الرقي في المعالي ، ومن ثمّ ورد عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) : « أعظم الناس بلاء الأنبياء ، ثمّ الأمثل فالأمثل من الناس » (1)..
ــــــــــــــــــ

(1) بحار الأنوار 12 / 348.

(96)

وفي رواية أُخرى : « ثمّ الصالحون ، ثمّ الأمثل فالأمثل من الناس ». وعلى هذا ; فسيرة الأنبياء لا تتخطّى الهدى والصواب ، غاية الأمر : الهداية على درجات ; كما يشير إليه قوله تعالى : ( ويَزيدُ اللهُ الّذين اهتدَوْا هدىً ) (1).
وقال تعالى : ( وقل ربّي زدني علماً ) (2).
و : (وصدق الله ورسوله وما زادهم إلاّ إيماناً وتسليماً ) (3).
و : ( للّذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) (4).
و : ( ليجزيَهُمُ اللهُ أحسن ما عملوا ويَزيدَهُم من فضله ) (5).
و : (ويخِرّونَ للأذقان يبكون ويَزيدُهُم خشوعاً ) (6).
و : (يقولون ربّنا أتْمِمْ لنا نورَنا واغفر لنا إنّك على كلّ شيء قديرٌ ) (7)..
وغيرها من الموارد ، التي يبيّن القرآن أنّ الفضائل والمحاسن ذات درجات واشتداد وزيادة ، من : الهدى ، والعلم ، والإيمان ، والتسليم ، والإحسان ، والفضل ، والخشوع ، والنور ، وغيرها.
وعلى هذا ; فجملة من خطاب العتاب للأنبياء (عليهم السلام) هو من هذا القبيل ، لا من الوقوع في المعصية المعهودة في باب حدود التكليف
ــــــــــــــــــ

(1) سورة مريم 19 : 76.
(2) سورة طه 20 : 114.
(3) سورة الأحزاب 33 : 22.
(4) سورة يونس 10 : 26.
(5) سورة النور 24 : 38.
(6) سورة الإسراء 17 : 109.
(7) سورة التحريم 66 : 8.

(97)

الشرعي العام ، والسرّ في ورود جملة من هذه الموارد في الكتاب هو لكي لا يقع انبهار بعصمة الرسل فيوجب الغلوّ بتأليههم.
* الثاني : إنّ المرسلين حيث أنّهم أولياء أُممهم ، فالوليّ مسؤول عن المولى عليه ، والإمام من قبله تعالى مسؤول ويساءل عن رعيّته ، وهذا أمر عقلي وجداني ، بل إن الرئيس ليسوؤه وزر رعيّته وإن لم يكن مقصّراً في أداء مهمّته ، لا بمعنى أنّه يكون موزوراً ، بل من باب ما يشير إليه قوله (عليه السلام)في دعاء أبي حمزة الثمالي :
« إلهي ! إن أدخلتني النار ففي ذلك سرور عدوّك ، وإن أدخلتني الجنّة ففي ذلك سرور نبيّك ، وأنا والله أعلم أن سرور نبيّك أحبّ إليك من سرور عدوّك ».
ويشير إلى ذلك : قوله تعالى : ( وإذ قال الله يا عيسى بن مريم ءأنت قلت للناس اتّخذوني وأُمّي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقولَ ما ليس لي بحقّ إن كنتُ قلتُهُ فقد علمْتَهُ تعلمُ ما في نفسي ولا أعلمُ ما في نفسك إنّك أنت علاّمُ الغيوبِ * ما قلت لهم إلاّ ما أمرتني به أن اعْبُدوا اللهَ ربّي وربّكم وكنتُ عليهم شهيداً ما دمتُ فيهم فلمّا توفّيْتني كنتَ أنت الرقيبَ عليهم وأنت على كلّ شيء شهيدٌ * إن تعذّبْهم فإنّهم عبادُك وإن تغفرْ لهم فإنّك أنت العزيزُ الحكيمُ ) (1).
ففي الآية إخبار بوقوع مساءلة النبيّ عيسى (عليه السلام) عن انحراف النصارى وهو تأليههم لعيسى وأُمّه (عليهما السلام) ، مع أنّ النبيّ عيسى (عليه السلام) من أُولي العزم من
ــــــــــــــــــ

(1) سورة المائدة 5 : 116 ـ 118.

(98)

الرسل ، ولم يقصّر في إنذار أتباعه عمّا نهى الله تعالى ، وهو تعالى عالم ببراءة نبيّـه عن انحراف أُمّته ، لكن باعتبار كون الأُمّة تحت مسؤولية نبيّها. كما تشير الآية : ( ولكلّ أُمّة رسولٌ فإذا جاء رسولُهُم قُضِيَ بينهم بالقسط وهم لا يظلمون ) (1) إلى أنّ محاسبة كلّ أُمّة في المعاد إنّما تبدأ بحضور وإشراف رسول تلك الأُمّة.
ونظير ذلك : الآية الأُخرى : (يوم ندعو كلَّ أُناس بإمامهم ) (2).
وعلى هذا النمط جملة من الخطابات الموجّهة إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)ممّا ظاهرها العتاب بأفعال أُمّته ، وهذا ما يراد من أنّ القرآن نزل بـ : « إيّاكِ أعني واسمعي يا جارة » (3).
* الثالث : الخطأ في التأويل أو التفسير أو القراءة للآية..
فإنّ في جملة من الموارد المدّعاة أنّها من العتاب والتأنيب هو من الاستظهار الخاطئ لمفاد الآيات ، أو التأويل للظهور بروايات موضوعة ، أو التشبّث بقراءة وترك القراءات الأُخرى الأصحّ.
وإلى جملة من ذلك يشير الإمام الرضا (عليه السلام) ، في ما روي عنه ، عندما قال له المأمون : يا ابن رسول الله ! أليس من قولك : « إنّ الأنبياء معصومون » ؟! قال : « بلى » ، فأخذ المأمون يسأل عن جملة من الآيات المتشابهة الموهمة لخلاف ذلك ، منها : قول الله عزّ وجلّ : ( فلمّا آتاهما صالحاً جعلا له شركاءَ في ما آتاهما ) (4) ؟
ــــــــــــــــــ
(1) سورة يونس 10 : 47.
(2) سورة الإسراء 17 : 71.
(3) بحار الأنوار 9 / 222.
(4) سورة الأعراف 7 : 190.

(99)

فقال الرضا (عليه السلام) : « إن حوّاء ولدت خمسمائة بطن ، في كلّ بطن ذكر وأُنثى ، وإنّ آدم وحواء عاهدا الله ودعواه قالا : (لئن آتيتنا صالحاً لنكوننّ من الشاكرين ) (1) ، فلمّا آتاهما صالحين من النسل ، خلْقاً سويّاً بريئاً من الزمانة والعاهة ، كان ما آتاهما صنفين : صنفاً ذكراناً ، وصنفاً إناثاً ، جعل الصنفان لله تعالى شركاء في ما آتاهما ، ولم يشكراه شكر أبويهما له عزّ وجلّ ; قال الله تعالى : ( فتعالى الله عمّا يشركون ) (2).
فقال المأمون : أشهد أنّك ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حقّاً...
وقال (عليه السلام) في قوله تعالى : ( ألم يجدك يتيماً فآوى ) ، يقول : ألم يجدك وحيداً فآوى إليك الناس ؟
( ووجدك ضالاّ ) يعني : عند قومك ، ( فهدى ) أي : هداهم إلى معرفتك ؟
(ووجـدك عائـلا فأغنـى ) ، يقول : أغناك بأن جعل دعاءك مستجاباً ؟ و...
وفي قوله تعالى : ( ليغفر لك الله ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر ) ، فقال (عليه السلام) : « لم يكن أحد عند مشركي أهل مّكة أعظم ذنباً من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ; لأنّهم كانوا يعبدون من دون الله ثلاثمائة وستين صنماً ، فلما جاءهم بالدعوة إلى كلمة الإخلاص كبر ذلك عليهم وعظم ، وقالوا : ( أجعل الآلهة إلهاً واحداً إنّ هذا لشيء عجاب * فانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إنّ هذا لشيء يراد * ما سمعنا بهذا في
ــــــــــــــــــ
(1) سورة الأعراف 7 : 189.
(2) سورة الأعراف 7 : 190.

(100)

الملّة الآخرة إن هذا إلاّ اخْتلاق ) (1).
فلمّا فتح الله عزّ وجلّ على نبيّه مكّة قال له : يا محمّد ! ( إنّا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر لك الله ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر ) عند مشركي أهل مكّة بدعائك إيّاهم إلى توحيد الله في ما تقدّم وما تأخّر ; لأنّ مشركي مكّة أسلم بعضهم وخرج بعضهم عن مكّة ، ومن بقي منهم لا يقدر على إنكار التوحيد عليه إذا دعا الناس إليه ، فصار ذنبه عندهم مغفوراً بظهوره عليهم ».
فقال المأمون : لله درّك يا أبا الحسن ! فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ : ( عفا الله عنك لم أذنت لهم ) ؟
فقال الرضا (عليه السلام) : «هذا ممّا نزل بـ : ( إيّاكِ أعني واسمعي يا جارة ) ، خاطب الله بذلك نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وأراد به أُمّته..
وكذلك قوله تعالى : (لئن أشركت ليحبطنّ عملك ولتكوننّ من الخاسرين )..
وقوله عزّ وجلّ : ( لولا أن ثبّتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلا ) ».
قال المـأمون : صدقـت يا بن رسول الله ! فأخبرنـي عن قول الله عزّ وجلّ : ( وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتّقِ الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحقّ أن تخشاه ) ؟
قال الرضا (عليه السلام) : « إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قصد دار زيد بن حارثة بن
ــــــــــــــــــ
(1) سورة ص 38 : 5 ـ 7.

(101)

شراحيل الكلبي في أمر أراده ، فرأى امرأته تغتسل ، فقال لها : ( سبحان الذي خلقك ) ، وإنّما أراد بذلك تنزيه الله عن قول من زعم : إنّ الملائكة بنات الله ، فقال الله : ( أفأصفاكم ربُّكم بالبنينَ واتّخذ من الملائكة إناثاً إنّكم لتقولونَ قولا عظيماً ) (1) ، فقال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ لمّا رآها تغتسل ـ : ( سبحان الذي خلقك ) أن يتّخذ ولداً يحتاج إلى هذا التطهير والاغتسال.
فلمّا عاد زيد إلى منزله أخبرته امرأته بمجيء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقوله لها : سبحان الذي خلقك ، فلم يعلم زيد ما أراد بذلك ، وظنّ أنّه قال ذلك لِما أعجبه من حسنها ، فجاء إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال : يا رسول الله ! إنّ امرأتي في خلقها سوء ، وإنّي أُريد طلاقها.
فقال له النبيّ : أمسك عليك زوجك ، واتّقِ الله.
وقد كان الله عرّفه عدد أزواجه ، وأنّ تلك المرأة منهن ، فأخفى ذلك في نفسه ولم يبده لزيد ، وخشي الناس أن يقولوا : إنّ محمّداً يقول لمولاه : إنّ امرأتك ستكون لي زوجة ، فيعيبوه بذلك ، فأنزل الله عزّ وجلّ : ( وإذ تقول للذي أنعم الله عليه ) ، يعني بالإسلام ، ( وأنعمت عليه ) ، يعني بالعتق ، ( أمسك عليك زوجك واتّقِ الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحقّ أن تخشاه ).
ثمّ إنّ زيد بن حارثة طلّقها ، واعتدّت منه ، فزوّجها الله عزّ وجلّ من نبيّه محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأنزل بذلك قرآناً ; فقال عزّ وجلّ : ( فلمّا قضى زيد منها وطراً زوّجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهنّ وطراً وكان أمر الله مفعولا ) (2).

ــــــــــــــــــ
(1) سورة الإسراء 17 : 40.
(2) سورة الأحزاب 33 : 37.

(102)

ثمّ علم الله عزّ وجلّ أنّ المنافقين سيعيبوه ; فأنزل الله : ( ما كان على النبيّ من حرج في ما فرض الله له ) (1) ».
فقال المأمون : لقد شفيت صدري يا ابن رسول الله ، وأوضحت لي ما كان ملتبساً ، فجزاك الله عن أنبيائه وعن الإسلام خيراً (2).
ونظير ذلك : ما روي عن الصادق (عليه السلام) : « إنّ الله بعث نبيّه بـ : إيّاكِ أعني واسمعي يا جارة » (3) ، ومثّل المفسّرون لذلك بموارد عديدة ، مثل : قوله تعالى : (فإن كنت في شكّ ممّا أنزلنا إليك ) (4).
وقوله تعالى : ( يا أيّها النبيّ إذا طلّقتم النساء ) (5).
و : (يا أيّها النبيُّ اتّقِ اللهَ ولا تُطِع الكافرينَ ) (6).
و : (لئن أشركتَ ليحبطنّ عملك ).
و : ( ءأنت قلت للناس ) في شأن عيسى (عليه السلام).
و : (ولئن اتّبعْتَ أهواءَهُم ) (7).
و : (لا تجعلْ مع الله إلهاً آخَرَ ) (8).
إلى غير ذلك من الوجوه ، التي يطول المقام بذكرها ، إلاّ أنّ المتعيّن هو التمسّك بالمحكم وحمل المتشابه عليه.
ــــــــــــــــــ
(1) سورة الأحزاب 33 : 38.
(2) الاحتجاج ـ للطبرسي ـ 2 / 223.
(3) بحار الأنوار 9 / 222.
(4) سورة يونس 10 : 94.
(5) سورة الطلاق 65 : 1.
(6) سورة الأحزاب 33 : 1.
(7) سورة البقرة 2 : 120 و 145 ، سورة الرعد 13 : 37.
(8) سورة الإسراء 17 : 22.

(103)

ومن ذلك : تمسكهم بقوله تعالى : ( عبس وتولّى * أن جاءه الأعمى )..
قال الطبرسي في مجمع البيان ، والسيّد المرتضى : ليس في ظاهر الآية دلالة على توجّهها إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، بل هو خبر محض لم يصرّح بالمخبر عنه ، وفيها ما يدلّ على أنّ المعني به غيره ; لأنّ العبوس ليس من صفات النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) مع الأعداء المباينين ، فضلا عن المؤمنين المسترشدين.
ثمّ الوصف بأنّه يتصدّى للأغنياء ، ويتلهّى عن الفقراء لا يشبه أخلاقه الكريمة ، ويؤيّد هذا القول : قوله سبحانه في وصفه (صلى الله عليه وآله وسلم) : ( وإنّك لعلى خُلُق عظيم ) ، وقوله : ( ولو كنتَ فظّاً غليظ القلب لانْفضّوا من حولك ).
فالظاهر أنّ قوله : (عبس وتولّى ) المراد به غيره ، وقد روي عن الصادق (عليه السلام) : « إنّها نزلت في رجل من بني أُمية ، كان عند النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)فجاء ابن أُمّ مكتوم ، فلمّا رآه تقذّر منه وجمع نفسه ، وعبس وأعرض بوجهه عنه ، فحكى الله سبحانه ذلك وأنكره عليه » (1).
وروي أنّ العابس هو : عثمان (2).
ثاني عشر : تمسّكهم بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : « إنّكم لتختصمون إليّ ولعلّ بعضكم ألحن بحجّته من بعض ، فمَن قضيت له بشيء من مال أخيه فلا يأخذه ، فإنّما أقطع له قطعة من النار » ، وذلك يدلّ على أنّه يقضي بما لا يكون حقّاً في نفس الأمر.
ــــــــــــــــــ
(1) مجمع البيان 5 / 437.
(2) نور الثقلين 5 / 508.

(104)

ولا يخفى تمويه هذا الاستدلال على الحقيقة..
* أوّلا : فإنّ تعبيرهم : « يقضي بما لا يكون حقّاً في نفس الأمر » يحمل في طياته شنيع الطعن على مقام النبوة ; فإنّ ميزان الحكم بالحقّ في باب القضاء هو كون الحكم القضائي قد صدر على الموازين المقرّرة من قبل الشريعة المقدّسة ، والحكم بالباطل هو الحكم الذي يصدر عن غير الموازين المقرّرة وإن أصاب الواقع ، كما في الحديث الشريف : « القضاة أربعة ، ثلاثة في النار وواحد في الجنّة... ورجل قضى وهو لا يعلم فهو في النار ، ورجل قضى بالحقّ وهو يعلم فهو في الجنّة » (2).
* ثانياً : إن إصابة البينة للواقع ، أو موازين القضاء ـ من كيفية صورة النزاع بين الطرفين بحيث يصيغ أحدهما زعمه بصورة المنكر والآخر بصورة المدّعي ـ وعدم إصابتها ، لا ربط له بحكم الحاكم والتشريع القضائي نفسه ، أو كون الحاكم ظانّ في حكمه ، أو وصوله للحكم القضائي ; هل هو عن طريق الاجتهاد والاستنتاج الظنّي ، أم هو عن طريق الإحاطة اليقينية اللدنية بجميع منظومة التشريعات الشرعية ؟!
فهل يتخيل أُولئك أنّ إدراك مَن له شهود روحي ملكوتي بكلّ المعادلات القانونية الشرعية للنتيجة ، هو عن طريق حركة الفكر من المبادئ في مخزون الذاكرة إلى المجهول المطلوب كشفه ؟!
فإنّ حركة الفكر هي للمحجوب ، مع أنّه من المقرّر في الحكمة : إنّ حركة الفكر ليست علّة فاعلية لإدراك النتيجة ، إنّما هي إعداد لاستعطاء الإلهام من عوالم الغيب الإلهي ، فالذي يكون على ارتباط دائم بالغيب كيف
ــــــــــــــــــ
(1) وسائل الشيعة : أبواب صفات القاضي ، باب 4 ح 6.

(105)

يُتصوّر احتياجه كغيره لحركة ذهنية إعدادية ؟!
بل هو ملتحم روحاً مع تلك الأرواح الكلّيّة ، التي هي ألواح العلم الغيبي الإلهي.
* ثالثاً : إنّ موازين القضاء في جهة إصابتها للواقع وعدم إصابتها هي في المجال الموضوعي ، لا التشريع العام..
وحكمة تقرُّر العمل بها في الشريعة ما أُشير إليه في الحديث الشريف عنهم (عليهم السلام) : إنّ داود (عليه السلام) قال : يا ربّ ! أرني الحقّ كما هو عندك ، حتّى أقضي به ، فقال : إنّك لا تطيق ذلك. فألحّ على ربّه حتّى فعل ، فجاء رجل يستعدي على رجل فقال : إنّ هذا أخذ مالي ، فأوحى الله إلى داود : إنّ هذا المستعدي قتل أبا هذا وأخذ ماله ، فأمر داود بالمستعدي فقتل وأخذ ماله ، فدفع إلى المستعدى عليه ، قال : فعجب الناس ، وتحدّثوا حتّى بلغ داود (عليه السلام) ، ودخل عليه من ذلك ما كره ، فدعا ربّه أن يرفع ذلك ، ففعل ، ثمّ أوحى الله إليه : أن احْكم بينهم بالبيّنات ، وأضفهم إلى اسمي يحلفون به » (1).
فالحديث الشريف يبيّن الحكمة في ظاهر الحكم على طبق موازين الفقهاء ، من حفظ الحدود والنظم في علاقات الناس في ما بينهم ، فالظنّية في الميزان لا الظنّية في تعيين الميزان الظني المقرّر في الشرع ، وقد خلطوا بين الأمرين.
ثالث عشر : تشبّثهم بالحديث الشريف : « العلماء ورثة الأنبياء » ، وأنّ الاجتهاد لا بُدّ أن يكون موروثاً عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، كي يصحّ انطباق الحديث
ــــــــــــــــــ
(1) وسائل الشيعة : أبواب كيفية الحكم ، باب 1 ح 2.

(106)

عليهم ، فيقضى بحكمه بالاجتهاد.
والخبط واقع في نقاط :
الأُولى : تفسيرهم العلماء بـ : المجتهدين ، مع أنّ معنى اللفظة ينطبق على الأوصياء ، الّذين اصطفوا للإمامة ، ويقومون مقام الأنبياء..
وكذلك معنى الوراثة ; فإنّه ينطبق أيضاً على ما يعمّ الوراثة اللدنّية ، كما في قوله تعالى : ( ثمّ أوْرثْنا الكتابَ الّذينَ اصطفينا من عبادنا ) (1).
الثانية : لو فرض إرادة علماء العلم الاكتسابي ، فليس وراثتهم للأنبياء من ناحية قصور المجتهدين عن الوصول إلى اليقين ; كي يقال : إنّ قصورهم ورثوه من قصور الأنبياء ، والعياذ بالله تعالى ، بل من ناحية ما تركه الأنبياء من الأحاديث والسنن ، وأنّه مَن أخذ بها فقد أخذ بحظّ وافر.
وبعبارة أُخرى : إنّ منظومة العمومات والخصوصات وأُصول القواعد وتفريعاتها تنتظم في منظومة ذات مدارج بترابط عضوي معادلي ، نظير : القواعد الرياضية والهندسية ; فإنّ قصور علماء الرياضيات والهندسة عن الإحاطة بتلك المنظومة وترامياتها واتّساع دوائرها وآفاق مداها لا يعني عدم إتقان تلك المنظومة ، المؤثّرة على كلّ سنن الطبيعة المادية ، وحلّ كلّ المجهولات ، كذلك الحال في منظومة الشريعة ; فإنّ قصور المجتهدين والفقهاء لا ينسحب على منظومة الشريعة ، التي أورثها الأنبياء (عليهم السلام).
ومن ذلك يظهر جملة فروق أُخرى بين مقام النبوّة والمجتهدين :
أوّلا : فإنّ النبوّة لا تدرك الأحكام بنحو الانتقال الفكري الذهني من قاعدة إلى أُخرى ، أو من أصل إلى تفريع ، كما يحدث لدى المجتهد ، بل
ــــــــــــــــــ
(1) سورة فاطر 35 : 32.

(107)

النبوّة تحيط بكلّ تلك المنظومة على نسق واحد.
ثانياً : وعلى ضوء الفرق السابق ; لا مجال للخطأ في العلم النبوي بالأحكام ، بخلاف المجتهد ; فمَن لا يحيط بالمنظومة لا يحيط بكلّ ما له ارتباط بحكم المسألة ، التي يسعى لاستنباط الحكم فيها ، ومن ثمّ لا يستيقن بالنتيجة والاستنتاج.
ثالثاً : إنّ المجتهد إنّما يدرك الأحكام من وراء حجاب دلالة الألفاظ ، وما يرافق ذلك من مراحل وعقبات ، حتّى يصل إلى الحكم والإرادة التشريعية ، وهذا بخلاف مقام الوحي النبويّ ، الذي تتنزّل عليه الإرادات الإلهية ، ومن ثمّ يسمّى : « المجتهد » مجتهداً ; لبذله الجهد والسعي الفكري كي يرفع حجاب الجهل عن نفسه.

للبحث صلة...