وثائق
تاريخية
رسائل . . .
هذه خمس رسائل تغتنم « تراثنا » الفرصة في هذا العدد لتقدمها إلى المهتمّين ـ
والدارسين ، وهي :
* فصول من المخمس للشريف الرضي .
* رسالة الشريف الرضي إلى أبي القاسم سليمان بن أحمد .
* رسالة من الملك بهاء الدولة بن بويه إلى الشريف الرضي .
* رسالة الشريف الرضي إلى الوزير سابور بن أردشير .
* فصل من رسالة الشريف الرضي .
وفي هذه الرسائل إضاءات على التراث الادبي للسيد الشريف الرضي ، وإشارات إلى علاقته
بالملك بهاء الدولة بن بويه والوزير سابور بن أردشير . إضافة إلى فصول في المخمس ،
الذي هو لون من ألوان النثر الفني .
وقد اعتمدنا في الاربعة الاولى على مصورة كتاب « جمهرة الاسلام ذات النثر ـ و
النظام » للشيخ الفقيه أمين الدين أبي الغنائم مسلم بن محمود بن نعمة بن رسلان بن
يحيى الشيزري ( كان حيا سنة 617 هـ ) .
وهي من مصورات مجمع اللغة العربية بدمشق عن مخطوطة جامعة ليدن ، رقم 480 ، تاريخ
النسخة سنة 697 هـ ، بخط جيد ، في 526 ورقة .
وفي الخامسة على نسخة رسالة للشريف الرضي في مجموعة من القرن الثامن ، برقم 591 ،
في الورقة 44 ، في خزانة الدكتور أصغر مهدوي ـ استاذ جامعة طهران ـ .
( 163 )
يحدونا الامل أن تنال رسائل هذا العلم اهتماما واسعا من المحققين لما في العناية
بها من حفاظ على ثروة أدبية وفنية متميزة ، خصوصا وأن الشريف الرضي من اولئك الذين
اعتنوا عناية بالغة بأدبهم وفنهم ، وأعطوا لذلك أهمية كبيرة في حياتهم الزاخرة
بالعلم والمعرفة .
هيئة التحرير
( 164 )
(1)
رسالة الشريف الرضي إلى أبي القاسم سليمان بن أحمد ، وهي :
كتابي ـ أطال الله بقاء الاستاذ ـ عن سلامة ألبسه
الله نطاقها ، وضرب عليها رواقها ، وما بيننا من علائق الاخاء وغرائس الصفاء ، يجدد
جدة وعنفوانا ، وغضارة وريعانا ، فلا تخشى الفوادح على عوده ، ولا النكائث على
عهوده ، وقد علم الله ـ سبحانه ـ من قلق الجأش ، وعظيم الاستيحاش ، ولما جرت به
الاقدار من ذلك الحادث الذي استرط (1) فيه نفسه ،
وأخطر مهجته ، وركب له كاهل الغرر ، وأمل الخوف والحذر ، إلى أن اجلي عن مراده ،
وانجلى بعد سواده ، وأعاده الله ـ سبحانه ـ إلى وطنه إعادة النصل إلى غمده ، بعد ما
أبلى في الضراب ، وأثر في الجماجم والرقاب ، ورده رد السهم إلى كنانته ، بعدما اهتز
في الغرض المطلوب ، وانتظم (2) حبات القلوب .
والحمدلله ، على ذلك يخرج إلى النعمة من حقها ، ويعين على حمل أوقها
(3) ويكون أمانا من خوف النقيصة ، وسببا لمأمول
الزيادة .
ولم أخل في أثناء بعده ـ أدام الله عزه ـ على الحال التي أخلت باٌنسي وبلغت من نفسي
، لمواصلة المكاتبة إلى من يختص بوده ، ويتألم لبعده مستطلعا منه درر أخباره ،
ومتفرد آرائه ، ومكلفا له مكاتبته إلى مستقره ، بذكر ما أنا عليه من لواعج الاشتياق
وزوابع الاشفاق ، والدعاء بأن يجعله الله سبحانه في ذمام وقايته ، وضمان كفايته ،
وأن يحرسه حراسة الناظر بجفونه ، والقلب بحيزومه ، وأن يخير له فيما يقدم عليه رأيه
، ويجري عليه عزمه ، من معاودة المركب الذي انتقل عنه ، ولزوم المقعد الذي انتقل
إليه خيرة تدله من مضان (4) الخطب بصوابها ، وتقدح في
ظلام النوائب بشهابها ، وتجلو له من وجوه الاراء أوضحها ، وتصحبه من مقاود العزائم
أسمحها ، حتى يكون من عقال الحيرة مطلقا ،
____________
(1) إسترط : ابتلع ،
وهو كناية عن عظم الخطر .
(2) في الاصل : وانتقم ، وما أثبتناه هو المناسب .
(3) الاوق : الثقل ، ( الصحاح ـ أوق ـ ) .
(4) المضان : مفردها مضنة ـ بكسر الضاد وفتحها ـ أي النفيس الذي يضن به ، ( الصحاح
ـ ضنن ـ ) .
( 165 )
ولمفصل الحزم مطبقا ، فيكون على جلية الرأي ومفرقه ، ووضح الامر وفلقه ، فيما يأتي
ويذر ، ويقدم ويؤخر .
ولما تواترت إلي البشائر بعوده إلى وطنه مكنوفا بالسلامة ، محفوفا بالسعادة ،
ومقذيا به كل ناظر طمح إلى عثرته ، ومجدوعا به كل مارن (5)
شمخ بعد مفارقته ، وكان المتخطون في سعيه ، والمنحازون إلى وده ، بين مسرة مما أعلى
الله من نعمته ، ومكن من يده وقدمه ، وبين غمة بالحال التي أخرجته من الاستزادة ،
من الثقل الباهر (6) والعبء الفادح ، الذي ربما أصحر
بحمله ، وآد (7) الناهضين حمله ، إلا أنا فإن سروري
من بينهم كان صرفا غير ممزوج ، وخالصا غير ممذوق ، ثقة بأن الله تعالى قد أجاب فيه
الدعوة التي دعوتها ، والرغبة التي رفعتها ، إذ كانت مشروطة بالخيرة في الامرين معا
، ومعلقة بالصلاح في الوجهين جميعا .
فلما أنعم الله سبحانه بتسهيل أحدهما مسببا أبوابه ، ومسهلا صعابه ، علمت أن فيه
الصلاح النير ، والرشاد المقمر ، وأن سلامة الموارد والمطالع واعدة بسلامة المصادر
والمراجع ، فسكنت نفسي واثقة بحميد الخواتم وجميل العواقب ، وراجية أن يكون رذاذ
هذه النعمة قطرا ، وشرارها جمرا، وبدو غراسها جنا وثمرا ، إن شاءالله .
وكيف لايكون ذلك ونعمته ـ أدام الله عزه ـ آمنة غير مروعة ، وسالمة غير منازعة ،
لانه قد خصها بالفعل الجميل وأسقط عنها تبعات المنازعين ، ومهد لاعجازها قبل
هواديها (8) ، ونظر لعواقبها قبل بواديها ، فأصبحت
مطنبة بأسباب (9) متينة ، ومستلئمة بدرع حصينة ، ولا
طريق عليها لحادث ، ولاحجة في ثلمها لنابث (10) ولا
طارق ، فهي مستقرة غير قلقة ، ومقيمة غير مفارقة ، والزوائد مرجوة لها ، والنقائص
مأمونة عليها .
فإن رأى ـ أدام الله تأييده ـ أن يتأمل ما كتبت به ، ويجعل الجواب منه مفصلا لا
____________
(5) المارن : الانف
.
(6) بهره الحمل : ثقل عليه حتى انبهر ، أي تتابع نفسه ، ( الصحاح ـ بهر ـ ) .
(7) آده الحمل : ثقل عليه ، وفي الاصل ( ادى ) وهو غير مناسب .
(8) الهوادي : جمع الهادي ، وهو العنق .
(9) الطنب : الحبل ، والمطنبة : المشدودة ، السبب : الحبل أيضا .
(10) النبث : الغضب ، والشر .
( 166 )
مجملا ، ومبسوطا لا مختصرا ، لتكون الافاضة في ذكر النعم المتجددة والعوارف
المترادفة ، أشفى للغليل ، وأجدر بالشكر العريض الطويل .
( 167 )
(2)
رسالة من الملك بهاء الدولة بن بويه
إلى الشريف الرضي
أطال الله ـ أيها الشريف الجليل الرضي ذو الحسبين ـ بقاءك ، وأدام عزك وتأييدك
وسعادتك و سلامتك ، وأتم نعمته عليك ، وزاد في فضله وإحسانه إليك وعندك ، وجميل
مواهبه وسني فوائده لك .
كتابنا ـ أدام الله تأييده ـ عن سلامة ملابسها ضيافة سابغة ، ونعمة مشارعها صافية
سائغة ، والحمد لله رب العالمين ، وصلى على سيدنا محمد وآله الاخيار الطاهرين .
ونحن ـ أدام الله تأييدك ـ لما اكنفنا (1) الله ـ
عزوجل ـ به من توفيقه ، ووقفنا عليه من جدد الصواب وطريقه ، نرى أوجب الواجبات ،
ونعد ألزم اللازمات ، موالاة الانعام على الفضلاء ، معرفة بأقدارهم ، وإدامة
الاكرام للنبلاء الفصحاء زيادة في منازلهم وأخطارهم .
وتحليت عليه النهى (2) ، ورقت بالمعجب من مناقبك ،
المتصفح لاحوالك وأفعالك ، وفقت بالمهذب من ضرائبك الاقرب والا بعد من أمثالك
وأشكالك ، حتى نطق بقريضك كل لسان ، واتفق على تفضيلك كل إنسان ، آثرنا أن ننتهي في
النباهة إلى غاية موازية لفضائلك ، وفي الجلالة والوجاهة إلى نهاية مضاهية لشرف
خصائلك ، فرفعناك عن التسمية إعظاما لما عظمه الله من قدرك ، ورقيناك إلى رتبة
السكينة إعلاء لما أعلاه الله من ذكرك .
ثم لقبناك بالرضي ذي الحسبين ، لقبين بك لائقين ، ولمعناك مطابقين موافقين ، تنبيها
على جليل موقعك ، وتمييزا لما قد ميزه الله من مكانك وموضعك ، والذي أمددناك به من
متجدد الافضال الذي تستحقه بزكي أصلك ، ثم بالموقوف به من موالاتك ، واعتمدناك
بحمالة من مؤتنف هذا الاحسان الذي تستوجبه ببارع فضلك ، ثم السكون
____________
(1) أكنفنا : أعاننا
.
(2) كذا .
( 168 )
إليه من إخلاصك وموالاتك عاجل يتبعه آجل ، وطل يشفعه وابل ، إذ كانت ذرائعك الذرائع
الوجيهة التي تستدعي لك المواد من الميزاب ، وشوافعك الشوافع النبيهة التي تستدني
لك الاقدار من الكرامات .
وأنت ـ أدام الله تأييدك ـ تشكر ما قدمناه محسنا لتقبله ، وتنتظر ما أخرناه واثقا
بإسراعه وتعجيله ، فعندنا من الاعجاب بك ما يدعو إلى متابعة الفواضل عليك ، ومن
الايجاب لك ما يحدو على مظاهرة العوارف لديك ، ويدوم على ما أحمدنا منك ، وتقيم على
ما تسرنا محاسنه عنك لتزداد الميامن بك احتفافا ، وتتضاعف العوائد منا لك أضعافا ،
وتواصل كتبك بما نتطلعه من أنبائك ، وتواترها بما نترقبه ونتوقعه من تلقائك .
( 169 )
(3)
رسالة الشريف الرضي إلى الوزير سابور بن أردشير
(1)
يهنئه بعودة الوزارة إليه
وهي في الدفعة
الرابعة :
كتابي أطال الله بقاء سيدنا الوزير ـ أدام الله تأييده ـ يوم كذا
(2) عن حمدالله تعالى أستدرشارقه ، وأستفتح مغالقه ،
على ما شمل جميع الناس عموما وشملني من بينهم خصوصا الاستبشار بيمن نظره ، وتمكين
يده ، واستئناف دولته ، ورجوع أمره ونهيه ، فإن المنة في ذلك استغرقت شكر الشاكرين
، وفاتت حمد الحامدين ، ولم يخل أحد من قسم ازل (3)
إليه منها ، أو سهم ضرب له فيها . فكان عود سلطانه ـ أدام الله تمكينه ـ نعمة على
جميع الكافة ، كما كان خلو مكانه ـ [ لا ] (4) أخلاه
الله أبدا منه ـ غمة على الخاصة والعامة .
وإلى الله أرغب في أن يجعل هذه الموهبة راهنة غير ظاعنة ، ودائمة غير رائمة ،
ولاينقله عنها إلا إلى ماهو أجل منها مطمحا ، وأشرف موكبا ومقعدا ، متوقلا
(5) به في مراق من العز كلما وضع قدمه على بعضها رأى
ما يجاوزه دون ما وصل إليه ، وما خطاه مقصرا عما استولى عليه، حتى يبلغ إلى نهاية
لا مرمى وراءها ، وغاية لامطلع خلفها ، ولا منزلة بعدها ، آمنا من هفوات الزمان
ونبوات الايام وسهام الضراء ومكائد الاعداء ، بمنه ولطفه .
ولو لم يكن لسيدنا الوزير ـ أدام الله علوه ـ من المزايا التي يفوق بها الاكفاء
ويجوز
____________
(1) أبو نصر سابور
بن أردشير ، الملقب بهاء الدولة وزير بهاء الدولة أبي نصر ابن عضد الدولة ابن بويه
الديلمي ؛ كان من أكابر الوزراء ، واماثل الرؤساء ، جمعت فيه الكفاية والدراية ،
وكان بابه محط الشعراء . وكان قد صرف عن الوزارة ثم اعيد إليها . وكانت وفاة سابور
في سنة ست عشرة وأربعمائة ببغداد ، ومولده ليلة السبت خامس عشر ذي القعدة سنة ست
وثلاثين وثلاثمائة . انظر وفيات الاعيان 2 : 354 .
(2) لم يذكر إسم اليوم ولا تاريخه ، واستعيض عنه بلفظ ( كذا ) .
(3) ازل : اعطي ، وأزللت إليه نعمة : أسديتها . ( الصحاح ـ زلل ـ ) .
(4) زيادة يقتضيها السياق .
(5) التوقل : الصعود .
( 170 )
النظراء ، إلا بلوغه إلى ما [ لم ]
(6) يبلغ (7) إليه أحد ممن نحل اسم الوزارة ،
واجري مجراه في مقعد الرئاسة ، من تدبير هذا الامر أربع دفعات متغايرات ، وتلك
منزلة ما وصل إليها أحد من الوزراء على سوالف الاوقات وخوالفها ، لكفى وبذلك فضيلة
غراء ، ومنقبة علياء ، فكيف وقد جمع الله سبحانه فيه من شرف الضرائب ، ويمن النقائب
، وكرم الطبائع ، وطيب الغرائز ، وسلامة العقائد ، واحتصاد (8) المعاقد ما هو بمنزلة الكمال الذي يتفرق في الاشخاص ولايجتمع في أحد من
الناس ، وقد علم القريب والبعيد والشريف والمشروف ، أن هذه المنزلة كانت ثلمة
لاترأب إلا به ، وفرجة لايسدها إلا شخصه ، وأن لهذا الامر بابا لايفتحه إلا من
أغلقه ، وسترا لا يرفعه إلا من أسدله ، وثغرا لايسده إلا من داوسه
(9) ، وجدا لايصبر عليه إلا من مارسه .
وسيدنا الوزير ـ أدام الله عزه ـ هو كفؤه وكافيه ، وطبيبه وآسيه ، فالله تعالى يتمم
ما خوله ، ويعينه على ما قلده ، ويجريه على أجمل ما عوده، إنه على ذلك قدير ، وبه
جدير .
ولست أدل على شدة ارتياحي وابتهاجي ، وانبساط رجائي وآمالي ، ما يجدد له ـ أدام
الله تمكينه ـ بأكثر من اطلاعه على حقائقه ووقوفه على ظواهره وبواطنه ، فإن رأى
سيدنا الوزير ـ أدام الله علوه ـ أن يأمر ـ أعلى الله أمره ـ بإجابتي عن كتابي هذا
بما أعلم معه أن موضعي من حسن رعايته محروس ، ومكاني من مكين رأيه مكين في ذلك على
عوائد إنعامه وعوارف إحسانه ، التي لم أخل بالشكر لها ، ولم أذهل عن الاشادة بها ،
على بعد الدار وقربها ، وتغير الحال ورجوعها ، فعل إن شاء الله تعالى .
|
وما أحـدث
الـدهر من نبوة
فإن الـنفـوس إليـكم تشاق
وتسفـر أرحـامنا بيــننا
فإنـا نرى لجـوار الديـار |
*
*
*
*
|
وقطع ما بيننا من سبـب
وإن القلوب عليكم تجـب
فتعلي طوائلنا أو تــهب
حقوقا فكيف جوار النسب |
____________
(6) زيادة يقتضيها
السياق .
(7) في الاصل : يبلغه ، وما أثبتناه أنسب .
(8) حبل محصد : محكم مفتول ، والمعاقد : هي معاقد الازار ، ويراد بها قرب المنزلة
واستحكامها . انظر : ( الصحاح ـ حصد وعقد ـ ) .
(9) داوسه : أرسل إليه الجند والخيل يتبع بعضها بعضا ولم يفتر عنه .
( 171 )
(4)
من المخمس (1)
فصول الشريف الرضي
فصل : وأما فلان فما عندي أنك تقرب عرضه إلا شاما صادفا (2)
وذائقا باصقا ، فأما أن تجعله لوكة لفيك وعرضة لقوافيك ، فتلك حال أرفعك عن الاسعاف
إليها والرضا بها ، واجل سهمك أن يصيب غير غرضه وحدك أن يطبق غير مفصله ، فما كل
رمية تصرد (3) فيها النبال ولا كل فريسة تنشب فيها
الاظفار .
فصل : قد كاد الرسول يا أخي وسيدي ـ أطال الله بقائك ـ من كثرة الترداد تتظلم قدماه
، وكاد المرسل من امتداد الطرف لانتظاره تزور عيناه ، فلا تجعل للوم طريقا إليك ولا
للعتاب متسلقا عليك ، وكن مع مواصلتك إلبا على مقاطعتك وأحمل لمفارقتك كثيرا على
مباعدتك ، فان ذلك أحصف لمعاقد العهود وأعطف لتالف القلوب .
فصل : إن رأى الشريف ـ أطال الله بقاءه ـ أن يلقي إلي طرفا من حال سلامته ، وما
جدده الله تعالى من حسم شكايته ، فحرام على جنبي الهدوء إذا نبا جنبه ومحصن عن عيني
الرقاد إذا سهر طرفه ، لان النفس واحدة وإن اقتسمها جسمان واستهم فيها جسدان ، ولست
أشك في هزيمة الداء ونقيصة الالم لما أجده من سكون النفس وطمأنينة القلب ، ولو كان
غير ذلك لقلقت نفسي لقلق قسيمتها وتألمت مهجتي لالم مساهمتها ، والله يقيه ويقيني
فيه الاسواء بمنه وقدرته إن شاء .
فصل : وراودت نفسي في إنفاذ رسول إليه يسأله الحضور ، ثم أضربت عزيمة الرأي خوفا من
إزعاجه في مثل هذا الوقت ، ولئلا ينسبني إلى نقض الشرائط وفسخ العهود اللوازم ،
لانه يشارطني في ليلة يومنا هذا في داره ، وكان عزمي في الانفاذ إليه بين رأيين ؛
جاذب إلى أمام ، وممسك إلى وراء ، فالجاذب يحضه السوق ويحرضه النزاع إلى رؤيته
____________
(1) المخمس : يعني
به الفصل المشتمل على خمس سجعات .
(2) صادفا : معرضا .
(3) صرد السهم : نفذ حده في الرمية .
( 172 )
فيجذب دائباً ، والممسك يمنيه الوفاء بعهده والمحافظة على وده فيقف هائباً ، والذي
أمكنني عند غيبته أني حرمت القراءة على نظري ، وصرفت مستأذن الحديث عن دخول سمعي ،
وفزعت إلى المضجع وإن كان نابياً لنبوه ، والنوم وإن كان نائباً لنأيه ، فإن رأى ـ
أدام الله عزه ـ أن يجعل شخصه الكريم جواباً عن هذه الاحرف لينشر من نسائمي ما
انطوى لفراقه ، ويطفئ من حناني ما اضطرم من نار أشواقه فعل إن شاءالله .
فصل : وان اتسق الامر الذي إلى الله أرغب في تمامه ، وأسأله العون على لم شمله
وتأليف نظامه ، كان فلان عندي في المنزلة التي إن أشرف منها وجد الناس جميعاً تحته
، والمكان الذي إذا طمح فيه بطرفه لم ير أحداً من الرجال فوقه ، والله يعين على
مشاطرته كرائم النعمى ويجعل الرشد مقروناً بصحبته في الدين والدنيا ، إنه ولي ذلك
والقادر عليه .
فصل : قرأت ما كتب به مولاي الاستاذ ـ أطال الله بقاءه ـ وملكني الابتهاج بما وقفت
عليه من علم خبره ، واقتسمتني أيدي الارتياح لما أنست به من دوام سلامته ، والله
يقيه الهم ويكفيه المهم بمنه وقدرته ، وأما خبري فأنا الان في منزلة من العافية بعد
أن كنت في نازلة من المنزلة (4) وتحت ظل من السلامة
بعد حصولي في هجير من عارض العلة ، ولله الحمد على الابتلاء بالاول والانعام في
الاخر ، ولولا شغلي بما ذكرت وانغماسي فيما وصفت ، لم أقنع لنفسي بالتأخر عنه طول
هذه المدة ، مع السرور الذي يهفو بي إليه ، والجواذب التي تسرع بي نحوه ، والله
يحرسه ويحرسني فيه بمنه ، إنه ولي ذلك والقادر عليه .
فصل : فإن رأى ـ أطال الله مدته ـ أن يجيبني إلى ما التمسته ، ويحتمل ما اقترحته ،
فإنه أهل لنزول الحوائج به ، وموضع لتكاثر المسائل عليه، فما يسأل إلا باذل ، ولا
يحمل إلا حامل ، فعل إن شاء الله .
فصل : أخلف ميعاداً وصدق بعاداً ، اعيذك ـ أطال الله بقاءك ـ من ذلك ، وعدتني أنك
تصير النصب فيه على قولك أحشفا وسوء كيله ؟ والمعنى يجمع هذا وذا ، إلي فأخلفت ،
وأوعدتني أنك تجازيني على ما فعلته بالقطيعة فقدمت وأسلفت ، [ وعادة ]
____________
(4)
في الاصل : ( المنزلة ) ، ولعل ماأثبتناه هو المناسب لما قبل الفقرة وما بعدها .
والنزلة : مرض الزكام .
( 173 )
الكريم إنجاز الوعد وإخلاف الوعيد ، فإن لابد فالصدق في كليهما ليتوارد الفعلان
ويعتدل الامران ، ولا يكون الشر أغلب الطبعين عليك ، والخير أبغض الحظين عندك ،
والذي أسالك ـ أدام الله عزك ـ أن تسرع النهضة إلي ، وتعجل الطلوع علي ، إن شاءالله
.
فصل : فلو شئت ـ أطال الله بقاءك ـ لالتثمت الخجل من قبيح ما ترتكبه وقعة بعد اخرى
، وأنا دائب أتلافاك بالصعب والذلول والدقيق والجليل ، وأستميلك استمالة النافر ،
وأستعطفك استعطاف الشارد ، واداريك مداراة الولد الوالد ، بل مداراة الناظر الرمد ،
وأنت ماض على غلوائك في البعد، وجار على سننك في القطعية والهجر ، ولو رمت شرح
جميع اموري منك لطال الكلام ، وكثر الخصام .
والان فالذي أسالك ـ أدام الله عزك ـ أن تخرج من لباس الخلق الجافي ، وتشرع في غدير
الود الصافي ، فانه أولى بك وأشبه بمثلك ، إن شاء الله .
فصل : إذا كان إنعام سيدنا الوزير ـ أطال الله بقاءه ـ عريض الاكناف ، بعيد الاقطار
والاطراف ، ينال المحروم والمرزوق سجله (5) ، ويسع
القاضي والداني فضله ، كان أحق من ضرب فيه بسهم ، واخذ منه بنصيب وقسم ، من سبقت
منه خدمة ، وتوكدت له حرمة ، وقد شمل أفضال سيدنا الوزير ـ أدام الله عزه ـ أشكالي
وأمثالي من أهل هذا البيت ، وأنا أعوذ بغامر فضله أن يعزبني الزمان من ملابس طوله ،
فإن رأى ـ حرس الله مدته ـ أن ينعم علي بالتوقيع في معنى كيت وكيت فعل إن شاءالله .
* * *
____________
(5)
السجل : الدلو إذا كان فيه ماء .
( 174 )
(5)
فصل من رسالة الشريف أبي الحسين الموسوي رحمة الله عليه :
وإذا كنت ـ أدام الله عزك ـ لا ترع العلائق الواشجة ، ولا تجيب الارحام المناشدة ،
ولا تتعطف بالاسباب العواطف ، ولا تهتز للاعراق الضوارب، وأنت أنت في كمال البصائر
والتجارب ، وسداد الاراء والعزائم ، فأين موضع السكن التي عسا
(1) عودها ، ونبا (2)
على العواجم عمودها ، واعتقبتها الايام رافعة وخافضة ، وتداولتها الخطوب رائشة
(3) وناهضة (4).
وإنما تكون آراء ذي السن الغالب أسد وأصوب ، وعزائمه أنفذ وأدرب ، وأفعاله مستضيئة
لشعاع الحزم الثاقب ، ومتنكبة عن ظلم الهوى الغالب ، لان الزمان قد يجده
(5) بطول صحبته ، وأخلصه بطوارئ خيره وشره ، وغالبه
ثم دان له ، وخاشنه ثم لاينه ، فأفاده ارتياء في المشكلات ، ووقوفاً عند الشبهات ،
واستشفاء للعواقب ، ونظرا من الموارد إلى المصادر ، اطلاعاً على مجاني الغروس قبل
إيراقها ، ومحاصد الزروع قبل إطلاعها ، فهو أبدا مغالب عزمه بحزمه ، ومستعبد هواه
لرأيه ، وأخلق به ألا تنشط عقاله الحوادث ، ولا تزلق قدمه النوائب ، ولا يسري إلا
على منار ، ولا ينقاد إلا بأزمة الاستبصار ، ولا يرمي إلا على إشارات التوفيق ، ولا
يحذو إلا على مثال الرأي الانيق (6) .
____________
(1) عسا : يبس واشتد
وصلب ( الصحاح ـ عسا ـ 6 | 2425 ) .
(2) نبا : عسر وتباعد ( الصحاح ـ نبا ـ 6 | 2500 ) .
(3) راشه : أصلح حاله ( الصحاح ـ ريش ـ 3 | 1008 ) .
(4) ناهضة : ظالمة ( الصحاح ـ نهض ـ 3 | 1112 ) .
(5) كذا .
(6) في الاصل كلمة غير واضحة ، ولعل الصواب ما أثبتناه .
|