|
العدد الخامس [ 5 ] السنة الاولى / خريف سنة 1406 هـ ق
كلمة العـددحول تحقيق نهج البلاغة
بسم الله الرحمن الرحيموفي هذا العام المبارك ـ 1406 هـ ـ ذكريات كثيرة رة رة رة للامة ، منها الذكرى الالفية لوفاة الشريف الرضي ، جامع الكتاب الخالد ـ نهج البلاغة ـ مما وصله من كلام أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام . والشريف ذلك الشاعر المبدع ، والاديب المتمكن ، والبليغ العارف بخفايا اللغة العربية وأسرارها ، المتذوق لها ، المعتني بها ، الذي يظهر ولوعه بها في مؤلفاته التي خصها بهذا الجانب مثل « تلخيص البيان في مجازات القرآن » و « المجازات النبوية » . وثلث هذين بجمعه مختارات تتسم بالبلاغة من كلام امام البلغاء ـ أمير المؤمنين عليه السلام ـ وكان نظر الشريف في جمعه قاصدا هذه الناحية من الكلام العلوي الكريم . هذه المختارات هي ما بقي مقرونا باسمه طوال القرون الماضية والى أن يرث الله الارض ومن عليها . وقد اعتنى العالم الاسلامي بهذه الذكرى ، فعقدت الندوات ، وجمعت المجامع ، وكتب الكاتبون ـ باحثين ودارسين ـ فيما يتعلق بالشريف الرضي . . . حياته . . . آثاره . . . ولم ينسوا نهج البلاغة ، الكتاب الذي خلد الشريف على مر العصور ، فشهدت الاوساط العلمية والاندية الثقافية والادبية عودة الى الحديث عن ضرورة القيام بتحقيق كتاب نهج البلاغة وتقويم نصه وتصحيحه على أقدم مخطوطاته الموثوقة ، المعتمد عليها ـ وما أكثرها ـ وطبعه طبعة فنية محققة ، تتلاءم وقد سيّته عند الشيعة ، ومكانته المرموقة في المكتبة العربية الاسلامية ، ومستواه الرفيع في النصوص الادبية . والشيعة ـ في هذا العصر ـ لابد أن يعترفوا بتقصيرهم تجاه هذا التراث العظيم والمجد الخالد ، فقد كان الواجب عليهم ـ قبل غيرهم ـ أن يتولوا تحقيقه واخراجه ـ كما يليق بشأنه ـ قبل يومنا هذا بعهد طويل . ومن المؤسف حقا ، أن كتابا بهذه الاهمية لم يطبع الى الان ـ رغم كثرة طبعاته ـ طبعة محققة تعتمد على مناهج تحقيق النص واسسه ، من عرضه على مخطوطاته الاصلية . . . وغير ذلك . والغريب العجيب أن محققا كمحمد محيي الدين عبدالحميد ، على الرغم من مكانته العلمية وكونه في حاضرة كالقاهرة من حواضر التراث العربي الاسلامي المهمة ، يعتمد في تحقيق كتاب نهج البلاغة ـ الذي له عشرات المخطوطات القديمة النفيسة ـ (1) على ثماني طبعات سابقة ، ذكرها في المقدمة ، وذكر نسخة واحدة خطية من شرح البحراني ، ولكنها لم تبق عنده الى نهاية المعارضة ! ! وطبعات « نهج البلاغة » المصرية والبيروتية ، وان كانت أجمل منظرا من الطبعات الايرانية الحجرية ، الا انها لا يعتمد شيء منها على نسخ مخطوطة معتبرة ، ولذلك لاتجد نسخة مطبوعة خالية من التصحيف والتحريف والسقط والاسقاط والتلاعب ، لان الايدي التي تولت نشر نهج البلاغة أيد غير مأمونة على مثله . ونذكر هنا نماذج من التصحيف والتحريف والسقط والزيادة التي مني بها النهج : (2) ____________ (1) انظر : « المتبقي من مخطوطات نهج البلاغة حتى نهاية القرن الثامن » ، السيد عبدالعزيز الطباطبائي ، المنشور في هذا العدد من النشرة . (2) انظر : « تصحيح نهج البلاغة » ـ بالفارسية ـ ، السيد جواد مصطفوي ، مجلة مشكاة ، العدد الرابع ، سنة = وفي جميع النسخ المطبوعة زيادة [ ومن جهله فقد أشار اليه ] ، بعد قوله عليه السلام : ومن جزأه فقد جهله . وهذا تحريف للنص وزيادة مستنكرة . 2 ـ في الخطبة ( 104 ) في جميع النسخ المخطوطة : « فهو أبلج المناهج ، واضح الولائج » . وفي النسخ المطبوعة ، ابدلت كلمة « واضح » بكلمة [ أوضح ] . 3 ـ في الحكمة ( 190 ) في جميع النسخ الخطية : « واعجباه ! أتكون الخلافة بالصحابة ولا تكون بالصحابة والقرابة !؟ » . وفي أكثر النسخ المطبوعة ، ومن جملتها نسخة محمد عبده ، ( وهي نسخة محمد محيي الدين عبدالحميد نفسها ، ونسخة صبحي الصالح : [ واعجباه ! أتكون الخلافة بالصحابة والقرابة ! ؟ ] . وعقب على هذه الحكمة الشريف الرضي بقوله : « وروي له عليه السلام شعر في هذا المعنى وهو : وان كنت بالقربى حججت خصيمهم * فغـيـرك أولـى بالنبي وأقرب » .
وهذا الشعر يناسب تمام المناسبة النسخ المخطوطة ، وجعله ذيلا لما حرفته النسخ
المطبوعة يفقده معناه ، ويخالف المعروف المشهور من مذهبه عليه السلام ومذهب
شيعته في الخلافة . وفي بعض النسخ المطبوعة ومنها نسخة صبحي الصالح ابدلت كلمة « وليد » بكلمة [ ولد ] . وهذا تحريف يفقد العبارة معناها ، فانه عليه السلام يقصد تربية النبي صلى الله عليه وآله منذ الصغر ، وكلمة [ ولد ] لاتدل على ذلك . 5 ـ في الحكمة ( 252 ) في النسخ المخطوطة : «فرض الله الايمان تطهيرا من الشرك . . . والامامة نظاما للامة ، والطاعة تعظيما للامامة». ولكن كلمة « الامامة » تحرفت في نسخة صبحي الصالح الى [ الامانة ] ـ بالنون ـ ، وفي نسخة محمد عبده ( وهي نسخة محمد محيي الدين عبدالحميد ) الى الامانات . وهذا غيض من فيض مما ابتلي به كتاب نهج البلاغة من محققيه وناشريه ، وطابعيه ، فقد دخل عليه منهم الذوق الخاص ، في زمان فسد فيه الذوق ، وماتت السليقة . ودخل عليه منهم ـ أيضا ـ الهوى والتعصب ، فحذفوا ما يخالف فرقهم ومذاهبهم ، ولو كان يخل بسياق النص ، الذي تولوا ضبطه وتحقيقه . ودخل الجهل ـ والعياذ بالله من الجهل ـ فبدل الجاهلون ما لم يفهموه. وأنى لهم أن يفهموا مطالب العرفان السامية ودقائق الفلسفة المتعالية ، التي لم يصل الفكر البشري الى بعض دقائقها الا بعد ألف من السنين أو يزيد . ونحن بهذه المناسبة نبتهل الى العلي القدير أن يقيض لنهج البلاغة من يأخذ بناصره ، ويجلو عن زجاج مشكاته سواد أيدي من تلاعب به . ولعل أهله يستفيقون من نومتهم ، ويأخذون عدتهم بأيديهم ، ويعطون القوس باريها ، وما ذلك على الله بعزيز . وعودا على بدء ، فاننا في « تراثنا » قد خصصنا هذا العدد من النشرة ـ الذي هو آخر أعداد سنتها الاولى ـ لاحياء ذكرى هذا العلم الفذّ ، متنقلين بين الشريف الرضي وبين آثاره الخالدة ، لما في الصلة بين الاثنين من اكمال صورة ذكراه الالفية . وقد عقدنا في آخر النشرة ملفا خاصا لتغطية البحوث العربية التي قدمت الى مؤتمر والحمد لله رب العالمين هيئة التحرير |