شبكة الإمامين الحسنين عليهما السلام للتراث و الفکر الإسلامي

 

القرآن الكريم
أساس التشريع في الإسلام

السيد محمّد الغروي

 

يعتقد المسلمون على مختلف مذاهبهم في أصول الدين من الأشاعرة والمعتزلة ومذهب أهل البيت (عليهم السلام) أو اتجاهاتهم في فروع الدين من أتباع أئمة المذاهب الأربعة (الحنبلية ، والشافعية ، والحنفية ، والمالكية ).
وأتباع مذهب أهل البيت (عليهم السلام)  ـ الشيعة ـ .

 يعتقدون جميعاً بأن القرآن الكريم الذي أوحى به الله سبحانه على قلب نبيه العظيم محمد بن عبد الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) ، والذي يتداوله المسلمون بين أيديهم هو المصدر الأول الأساسي لتشريع وتقنين القوانين والأحكام الإسلامية في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربويّة والعبادية و... ( وَنَزّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلّ شَيْ‏ءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى‏ لِلْمُسْلِمِينَ ) النحل / 89 ، (  لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) فصلت / 42.
مذكورة في القرآن الكريم بصورة واضحة ومفصّلة ومنصوصة مثل قوله تعالى: (
وَلاَ تَقْتُلُوا النّفْسَ الّتِي حَرّمَ اللّهُ إِلّا بِالْحَقّ ) الأنعام / 151.

وقوله تعالى:( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلّكُمْ تَتّقُونَ ) البقرة /182.

 وقوله تعالى:( أَحَلّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرّمَ الرّبَا ) البقرة / 275.

 فإن حكمَ كلٍ من قتل النفس المحترمة والصيامِ في شهر رمضان والمعاملةِ الربوية واضح وجَلِيّ.
وقد بُيّنت في القرآن بشكل عام في صياغة كلية مثل قوله تعالى: (
ولاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ ) البقرة / 188.

وقوله تعالى: ( وَيُحِلّ لَهُمُ الطّيّبَاتِ وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ) الأعراف/157.

وقوله تعالى: (  يَا أَيّهَا النّاسُ كُلُوا مِمّا فِي الْأَرْضِ حَلاَلاً طَيّباً )  البقرة / 168.
حيث أن أكل المال بالباطل، والطيبات، والخبائث، وما هو حلال في الأرض من المفاهيم المرِنة الكلية الشاملة.
وعلى أي حال فإنّ الآيات التي تتصدى لبيان الأحكام والقوانين في مختلف الجوانب الحياتية للإنسان تنوف على ستمائة آية.

والمجتهد يبذل الجهد من خلال النص القرآن ومسترشداً بالسنة لاستكشاف الحكم الشرعي الموجود في الكتاب العزيز.
ولأجل هذا يعتبر القرآن المقياس والميزان لمعرفة الأحاديث الصحيحة والباطلة.

 فعن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) أنه قال: (( خطب النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) بمنى فقال: أيها الناس ما جاءكم عني يوافق كتاب الله فأنا قلته ، وما جاءكم يخالف كتاب الله فلم أقله ))(1).
وعن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): (( الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة ، إنّ على كلِّ حقٍّ حقيقةً وعلى كل صواب نوراً فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فدعوه ))(2).
إذن ، فالقرآن هو المصدر الرئيسي والمقياس الصحيح في شريعة الله سبحانه لأنه كلام الله وحديثه جلّ وعلا ، ألفاظاً ومعاني وأسلوباً، ولا يكون للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دخل في انتقاء ألفاظه أو صياغته باتفاق وإجماع آراء المسلمين.


السُنّة:
إن السُنّة لدى الأصوليين المتبعين لمذهب أهل البيت (عليهم السلام) عبارة : عما صدر عن المعصوم (عليه السلام) من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن خلفائه الأئمة الاثني عشر(عليهم السلام) من قول أو فعل أو تقرير .

 فإن حديث المعصوم دليل وحُجّة ، كما أن سلوكه وعمله أيضاً سندٌ وحجّة؛ وكذلك الموافقة على فعل يصدر من شخص والرضا به مع التمكن من زجره ونهيه لو كان ذلك العمل مخالفاً للإسلام تعتبر حجّة.


السُنَّة النبوية:
والكلام حول حُجِّية السُنَّة النبوية المأثورة بسند معتبر وصحيح أو موثوق لا جدال فيه لدى أيّ مسلم لأن معالم الدين الإسلامي قد اتضحت بفضل السنة النبوية فتكون حُجِّيتها من ضروريات الإسلام وقد نطق القرآن بذلك في آيات كريمة:
أ ـ (
أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرّسُولَ )  النساءِ / 59 , وقد تكررت هذه الآية أكثر من اثنتي عشرة مرة في مناسبات مختلفة من القرآن الكريم.
ب ـ (
لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ )  الأحزاب / 21 .
ج ـ (
وَمَا آتَاكُمُ الرّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) الحشر/ 7 .
د ـ (
وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلّا وَحْيٌ يُوحَى‏ ‏)  النجم / 3ـ4 .
وهذه الآيات الكريمة واضحة الدلالة والمفهوم على حُجِّية السُنَّة النبوية المنقولة للمسلمين ولا يرتاب في دلالتها أحدٌ أبداً. 

كما أنّ الآية الأخيرة ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى  * إِنْ هُوَ إِلّا وَحْيٌ يُوحَى‏ ) ، تدل على أن السُنّة النبوية مستقاة من الوحي، ومن الواضح أن الوحي النازل على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هو القرآن النازل على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هو القرآن الكريم فيكون مدلول هذه الآية أن السنة النبوية تستوحي مضمونها ومحتواها من القرآن الكريم ، ولا تستمد حُجِّيتها من مَعين آخر.

 

سنة أهل البيت (عليهم السلام):

وأما سنة خلفاء الرسول الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام) فمحلّ أخذٍ ورد بين السنة والشيعة .. حيث أن الشيعة يستدلّون بالقرآن الكريم وبالسنة النبوية القطعية على حُجِّية سنة أهل البيت (عليهم السلام) ، ويعتمدون عليها.
أما دليلهم من القرآن الكريم فهو قوله تعالى : (
إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) الأحزاب / 33 ، وكلمة  ( إِنّمَا ) التي هي أقوى أدوات الحصر ، وكلمة  ( يُرِيدُ ) بما تعنيه من استحالة تخلّف المُراد عن الإرادة الإلهية ، وكلمة ( الرّجْسَ ) الدالة على الذنوب والأخطاء والانحراف .. خير إشعار على أن الله سبحانه قد أراد لأهل البيت (عليهم السلام) العصمة والطهارة، والابتعاد عن الذنب والرجس وبالتالي يكون حديثهم وسلوكهم صحيحاً ومصيباً لما يريدُه الله سبحانه .. ففي التمسك بهم إبراءٌ للذمة أمام الله في يوم تشخص فيه الأبصار.

 ويستدلون بآيات أخرى من القرآن الكريم لا يتسع المجال للإفاضة في ذكرها.
وأمّا الأحاديث الدالة على لزوم متابعة أهل البيت فكثيرة وصريحة، منها:
أ ـ حديث الثَقَلَين : حيث روى زيد بن أرقم عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (( إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله حبلٌ ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهلُ بيتي، ولن يفترقا حتى يَرِدَا عَلَيَّ الحوض، فانظروا كيف تخلفونني فيهما )).
وهذا الحديث متواتر لدى الفريقين: السنة والشيعة، ودال على لزوم التمسك بأهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .. فكما أنّ التمسك بالقرآن هو الأخذ بتعاليمه والسير حسب أوامره ونواهيه، فكذلك التمسك بأهل البيت (عليهم السلام).
ب ـ حديث الغدير: المتواتر لدى المسلمين جميعاً عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وفيه : (( يا ِأيها الناس إنّ الله مولاي وأنا مولى المؤمنين وأنا أولى بهم من أنفسهم فمن كنت مولاه فهذا مولاه )) ـ يعني علياً ـ إلى أن قال (صلى الله عليه وآله وسلم): (( وإني سائلكم حين ترِدُونَ عليَّ عن الثَقَلين كيف تخلفونني فيهما ، الثقل الأكبر كتاب الله عزّ وجل ، سببٌ طرفُه بيد الله تعالى وطرفُه بأيديكم فاستمسكوا به لا تضلّوا ولا تُبدّلوا ، وعترتي أهل بيتي ))(3).
وما ذكرناه يوجّه الإنسان المسلم نحو الالتزام بأقوال أهل البيت (عليهم السلام) والانتهاج لمنهجهم.
ومن الواضح بأن التمسك بسنة أهل البيت (عليهم السلام) هو التمسك بسنة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، لأن أهل البيت (عليهم السلام) لا يروون ولا يفعلون إلا حسب ما ورد في القرآن الكريم وبيّنه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).
ففي كتاب حسن بن محبوب بإسناده قال: قلت لأبي عبد الله ـ أي الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) ـ : أسمعُ الحديثَ فلا أدري منك ، سماعه، أو من أبيك؟ قال: (( ما سمعته مني فاروِهِ عن رسولِ الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ))(4).
وعن جابرعن الإمام الباقر(عليه السلام) قال: (( يا جابر إنا لو كنا نحدّثكم برأينا وهوانا لكنا من الهالكين ، ولكنا نحدثكم بأحاديث نكنزها عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كما يكنز هؤلاء ذهبَهم وفِضّتهم ))(5).
وعن الفضيل عن الإمام محمد الباقر (عليه السلام) قال: (( لو أنا حدّثنا برأينا ضلََلْنا كما ضلّ من كان قبلنا ولكنا حدّثنا ببينة من ربنا ُبيّنها لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) فبيّنها لنا ))(6).
وعن جابر قال قلت للإمام الباقر(عليه السلام): إذا حدّثتني بحديثٍ فأَسْنِدْهُ لي. فقال: (( حدّثني أبي عن جدي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن جبرائيل عن الله ، وكل ما أُحدثك بهذا الإسناد ))(7).
وعن حماد بن عثمان وهشام بن سالم وغيرهما قالوا سمعنا الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) يقول: (( حديثي حديثُ أبي، وحديث أبي حديثُ جدي، وحديثُ جدي حديثُ الحسين، وحديثُ الحسين حديثُ الحسن، وحديثُ الحسن حديثُ أمير المؤمنين ، وحديثُ أميرِ المؤمنين حديثُ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وحديثُ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قولُ الله عزّ وجلّ ))(8).
وقد بيّنا بأن سنّة الرسول تعود إلى القرآن الكريم فسنّة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل البيت (عليهم السلام) تفسير وتوضيح للقرآن الكريم لأنها تنبعث وتنبثق من كتاب الله المجيد.

 

الإجماع:

إن الإجماع لدى أهل السنة هو اتفاق الأمة أو العلماء المجتهدين المعاصرين ، ولدى الشيعة اتفاق مجموعة من العلماء الكبار بحيث يستكشف من اتفاقهم رأي المعصوم (عليه السلام), وعلماء الشيعة جميعاً.
ومعظم علماء السنة يقولون بحُجِّية الإجماع لحكايته عن الحكم الشرعي الثابت في الإسلام ولا أصالة له أبداً(9).
والإجماع ينقسم إلى:

 إجماع منقول: وهو ما ينقل إلينا عبر الخبر الواحد من اتفاق العلماء على حكم شرعي في موضوع من دون أن يقوم العالِِم المنقول له بالفحص والبحث عن آراء وفتاوى العلماء.
إجماع مُحَصَّل: وهو حين يقوم الإنسان بنفسه بالتفتيش عن أقوال العلماء الكبار وفتاواهم ثم يجد تطابقهم على حكم واحد فيُستنتج الإجماع المُحَصَّل.

وقد قلنا بأن الإجماع بقسميهِ يكون حجّة لكشفِه عن أقوال المعصوم (عليهم السلام)، ففي تقريرات أبحاث آية الله السيد محمد باقر الصدر (رضي الله عنه): (وبالالتفات إلى روح كاشفية هذا يتبيّن معنى ما استقر عليه رأي المتأخرين من الأصوليين بحسب ارتكازهم من أن الإجماع بالملازمة الاتفاقية يكشف عن قول المعصوم (عليه السلام) فإن هذا مدركه الغني ما ذكرناه من أن كاشفية الإجماع إنما هي بنكتة حساب الاحتمالات)(10). وعليه يعود الإجماع إلى السنة المعصومة والسنة تعود إلى القرآن الكريم كما تقدم في بحث السنة.

 

العقل:

وباختصار لابدّ وأن نقول بأن مقصود العلماء من جعل العقل دليلاً لاستكشاف الحكم الشرعي هو أن حكم العقل النظري بالملازمة بين الحكم الثابت شرعاً أو عقلاً، وبين حكم شرعيّ آخر، كحُكمِهِ بالملازمة بين (ذي المقدمة) و(المقدمة) ففي فرض وجوب (ذي المقدمة) تكون المقدمة واجبة أيضاً بحكم العقل بالملازمة بينهما.
(فأحكام العقل النظري قد تستقلّ في إثبات حكم شرعي، وأما العقل العملي فهو وحده لا يكفي لإثبات حكم شرعي ما لم يضمّ إليه حكم عقلي نظري سواءً كان حكماً منطبقاً على فعل العبد كحكم العقل بقبح الكذب مثلاً فإنه بحاجة إلى ضمّ حكم العقل النظري بالملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع، أو كان متعلقاً بفعل المولى كحكمه بقبح تكليف العاجز مثلاً فإنه لا يستنبط من حكم شرعي إلا بضمّ حكمه النظري باستحالة صدور القبيح من المولى)(11).

وعلى أيّ حال فإن حكم العقل يستكشف الحكم الشرعي، والحكم الشرعي إمّا مذكورٌ في السنّة المعصومة أو القرآن الكريم، والسنة المباركة أيضاً تعود إلى القرآن الكريم.
فنستنتج من جميع ما تقدم أنّ السنّة والإجماع والعقل تعود إلى القرآن الكريم الذي يُعتبر الأساس في التشريع الإسلامي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـ الوسائل: ج15، الباب 9 من أبواب صفات القاضي.

2 ـ الوسائل: ج35، الباب 9 من أبواب صفات القاضي.

3 ـ المراجعات، ص435.

4 ـ البحار: ج2، ص161، ج16 من باب 21 كتاب العلم.

5 و6 و7 ـ البحار: ج2، ص172 و178، من باب 21 كتاب العلم.

8 ـ البحار: ج2، كتاب العلم، باب 33 ج28.

9 ـ أصول الفقه المقارن للسيد محمد تقي الحكيم، بحث الإجماع.

10 ـ تقريرات أبحاث آية الله السيد الصدر للسيد محمود الهاشمي، ج4، ص311.

11 ـ المصدر السابق، ص121، ج4.