شبكة الإمامين الحسنين عليهما السلام للتراث و الفکر الإسلامي

 

تاريخ التدخين

أضراره وسبل مكافحته عالمياً 

د. محمد خليل رضا* 

تمتد جذور التدخين إلى زمن قديم. ويبدو أن الدخان لعب دوراً في الحياة اليومية للإنسان، حيث امتزجت تلك الظاهرة بطقوس واعتقادات مختلفة زمناً طويلاً. وقد أظهرت التنقيبات التي جرت في القرن السادس عشر، أسطوانة أشورية تعود إلى القرن السابع قبل الميلاد، تمثل ملكاً يمج من أنبوب في موقد صغير، كما أن البحث في الآثار، أظهر رسماً يمثّل نسوة يدخنّ الغليون وجد منقوشاً على عظيمة مستخرجة من الأرض.

ويبدو أن هناك صلة بين التبغ وبعض بلدان أميركا الجنوبية مثل هندوراس وغواتيمالا والمكسيك وكذلك جزر الأنتيل وأميركا الشمالية. وذلك منذ أكثر من عشرة قرون. أما بالنسبة إلى ما تبقى من العالم، فقد أكمل الملاح الجنوي كريستوف كولومبس مسيرة التبغ ومعه تبدأ قصة التدخين، حيث نقل شتلة التبغ إلى العالم بعد اكتشافه القارة الأميركية عام 1492م. وكان قد لاحظ أن سكان جزيرة سان سلفادور يحرقون نوعاً من النباتات ثم يجتمعون حوله ويتنشقون دخانه بلذّة وشغف. في حين أن بعضهم كان يمضغ بعض تلك النباتات التي سميت لاحقاً بالتبغ. ويبدو أن هذه اللفظة مشتقة من كلمة توباكو سان دومينغو الإسبانية، فمنها اشتقت الكلمة الفرنسية cabaT. ويروى أن الرحالة الإسبان من حملة كولومبوس قد نقلوا معهم نبات التبغ، حيث بدأ الأثرياء الإسبان يزرعونه في حدائقهم للزينة والتمتع بزهوره الجميلة. ومنها انتشر في البرتغال والهند وروسيا واليابان وأوروبا بأكملها ثم بلاد فارس وتركيا التي فتحت أبواب آسيا.

وفي سنة 1560م أرسل السفير الفرنسي في البرتغال بتلك النبتة إلى ملكة فرنسا كاترين مدسيس sicideM enirehtaC كعيِّنة طبية لكي تعالج من ألم الشقيقة eniargiM، التي كانت تعاني منه، وينصح باستعماله نشوقاً، ومن اسم هذا السفير اشتقت المادة السامة من التبغ المعروفة بالنيكوتين enitociN.

ويروي بيار كريكنون في كتابه «لؤلؤة الكون» في سنة 1525م، أنه شاهد بحاراً طاعناً في السن يملأ غليونه بأوراق سمراء فيشعلها وينفخ الدخان من فمه، ومن ذلك يستنتج أن التبغ كان معروفاً عند البرتغاليين وقد أخذوه من الهنود المكسيكيين.

وانتشر التبغ انتشاراً واسعاً في أنحاء أوروبا منذ القرن السادس عشر الذي ما قارب نهايته حتى كان التبغ قد عرفته معظم بلاد العالم، في هذه الفترة استفاد التدخين رواجاً من توفر عود الثقاب مع التقدّم السريع في تقنية المقداح، علماً بأن ماكينة لف السجائر عرفت أواخر عام 1800م.

وقد اختلف موقف الأدباء من التبغ، ففي حين رأى فيه موليير الفرنسي شيئاً ذا قيمة يبعث على الشعور بالعزة يرى موباسان أنها «عادة لذيذة قاتلة».

تاريخ مكافحة التدخين

في العهد الصفوي كان الشاه عباس الأول يقطع أنف وشفاه من يتنشق السُّعوط (تبغ يستخدم عن طريق الأنف).

أما في القسطنطينية فكان السلطان عميرات الرابع يخيِّر المدخن بين الشنق والغليون في فمه أو أن يحرق بأوراق التبغ.

في موسكو كانت الكنيسة الأرثوذكسية تعاقب المدخن بالجلد ستين جلدة على أخمص القدم؛ وكان البابا أوريان السابع يحرم المدخن كنسياً. وقد منع التدخين في الكنائس في العام 1575م.

وفي العام 1589م منع الأكليروس من التدخين قبل القداس، وكذلك فعل العلمانيون أثناء المشاركة في الاجتماعات. وكان الملك لويس الرابع عشر بناءً على وصية الطبيب يمنع التدخين في حضوره وذلك في العام 1670م.

ومن العام 1809م اكتشف ÷وكلان nileuquaV مادة النيكوتين وهي سم شديد في التبغ.

وفي العام 1851م استعمل النيكوتين كسم nosiop ودخل في محاضر الجريمة في بروكسل  بلجيكا.

وقد حدّد تاريخ 31 من أيار من كل عام يوماً عالمياً لمكافحة التدخين. وابتداءً من سنة 1976م شرعت فرنسا في سنّ قوانين للحد من انتشار التبغ وتدخينه في الدعاية والإعلان.

وفي سنة 1992م صدر مرسوم يتعلّق بالامتناع عن التدخين في الأماكن العامّة لا سيما المغطاة والمغلقة التي يستعملها الجمهور وهذا الحظر يشمل مؤسسات العمل التي تضم مراكز التعليم والعناية، والنقل المشترك وأماكن الرياضة، وكذلك يحدد القرار أماكن معيّنة للمدخنين يجب تنظيفها باستمرار وقد أقر هذا الخطر سنة 1993م إذ نص على منع التدخين في الأماكن العامة. ومن مطلع العام 2003م يطبق قانون منع التدخين أثناء العمل مع تغريم كل مخالف وتعيين مفتشين للتأكد من ذلك. 

منظمة الصحة العالمية والوصايا العشر

في العام 1975م أقرت تلك المنظمة وصايا بعد تقرير من الخبراء المختصين بالتدخين وآثاره. وزعت تلك الوصايا على الدول الأعضاء وتنص:

 الوصية الأولى: على كل دولة أن تنشئ منظمة تتصرف بالوسائل الضرورية للإشراف على البرامج المختصة لمحاربة التدخين والوقاية منه.

 الوصية الثانية: جمع العناصر اللازمة في برنامج عمل، من تمويل، ودراسة لسلوك المدخنين والجمهور مع مراعاة العلاقة مع الجسم الطبي.

 الوصية الثالثة: تطور العمل التشريعي والمؤسس على المعرفة.

 الوصية الرابعة: تقليص الدعايات تدريجاً والهدف هو إلغاؤها تماماً.

 الوصية الخامسة: إقرار تشريع يُلزم بذكر عبارة: التدخين خطر على الصحة وذلك على كل علبة سجائر مع ذكر نسبة المواد السامة كتوصية تنبّه إلى مخاطر التدخين بأسلوب سلس.

 الوصيتان السادسة والسابعة: على كليات الطب السهر والتأكيد على جمع الطلاب ليطلعوا على مخاطر التدخين في آن. على تلك الكليات أن تقوم بتعبئة الجسم الطبي ودعوة هؤلاء بأن يمتنعوا عن التدخين وأن ينصحوا مرضاهم وعائلاتهم وخصوصاً الشباب بالعدول عن التدخين.

 الوصية الثامنة: منع التدخين في المستشفيات والعيادات والمستوصفات، وإنشاء عيادات استشارية ضد التدخين.

 الوصية التاسعة: دمج مخاطر التدخين في برنامج المؤسسات التعليمية، والمدارس ودور المعلمين والجامعات.

 الوصية العاشرة: إشراك السلطات الصحية في مختلف الإدارات والقوات المسلحة والتجمعات الرياضية من أجل توضيح كل مخاطر التدخين.

وقد وضعت منظمة الصحة العالمية تقريراً يتعلّق بانتشار التدخين مبنياً على ثوابت سبعة ملخصها أن 59% من الناس هم مدخنون منهم 47% من الرجال و12% من النساء، مع ملاحظة تفاوت في هذه النسبة بين دول التنمية والدول النامية، على أن نسبة التدخين لدى الرجال هي دائماً أعلى منها لدى النساء إلاّ أن نسبة النساء المدخنات قياساً بنسبة الرجال تتراوح بين 3/1 في الدول النامية إلى 8/1 في دول التنمية.

إلا أن جدولاً حديثاً للمدخنين ممن تزيد أعمارهم عن ال 15 سنة، أجري في أوروبا الغربية والشمالية يظهر تفاوتاً في نسبة المدخنين من الرجال والنساء، أو في نسبة هؤلاء إلى مجموع السكان. وهي تتراوح بين 40% إلى 70% على امتداد التسعينيات من القرن الماضي، أما نسبة التدخين بين الرجال والنساء فهي دائماً أعلى لدى الرجال وقد تقارب تلك النسبة وربما زادت كما في سنة 1997 لدى نساء السويد من المدخنات.

وهكذا يتبين لنا أن التدخين آفة متأصلة منذ القدم ساعد على رواجها ميل الإنسان إلى هذا النوع من «التمتع» قبل أن يكتشف آثاره الضارة ومخاطره، وتعمل المنظمات الإنسانية لا سيما منظمة الصحة العالمية على الحد من انتشاره والدعاية له خصوصاً بعد أن تبين أن التدخين مسؤول عن وفاة ما يقرب من خمسة ملايين إنسان كل سنة في أنحاء العالم.

كما أن الإحصائيات تشير إلى أن 430 ألفاً يموتون سنوياً في الولايات المتحدة الأميركية جرّاء التدخين. إن الذي يدخن طيلة حياته لديه خطر بنسبة واحد على أربعة في أن يموت باكراً من مضاعفات التدخين.

فالتدخين يمثل السبب الرئيسي للوفيات التي يمكن تفاديها في البلاد المتقدِّمة.

وقد أثبتت الدراسة الحديثة عام 2000 أن هناك حوالي 80 ألف حالة وفاة سنوياً في فرنسا، لها علاقة بالتدخين ما يعني 10% من نسبة مجموع الوفيات.

وإذا لاحظنا الإحصاءات الأخيرة نكتشف حقيقة مرعبة بحسب التوقعات للأجيال القادمة.

فهناك مليار ومائة مليون مدخّن في العالم عام 2000م سوف يزيد هذا العدد إلى مليار وستمائة في العام 2030م.

كما أن عدد المتوفين بالتدخين سنوياً سوف يرتفع من 4 ملايين إلى عشرة ملايين في الفترة ذاتها. أما الأطفال المعرّضون للتدخين السلبي فسيرتفع عددهم من 700 مليون إلى 770 مليون في الثلاثين سنة القادمة، أما الخسائر الاقتصادية بالدولار أو باليورو 200 مليار في العام 2000م ولا يدري أحد كم تبلغ تلك الخسارة في العقود الثلاثة القادمة.

فما عسانا نقول ونبلغ من لغة الأرقام وكفى بذلك عبرة لمعتبر.