شبكة الإمامين الحسنين عليهما السلام للتراث و الفکر الإسلامي

 

شبهات حول عصمة الأنبياء (ع)

عصمة النبي يوسف

ونقض الشبهة المثارة حولها 

إعداد: عبد الله محمد أمين 

لقد سرد القرآن الكريم قصّة النبي يوسف (ع) وأسماها بأحسن القصص، وأظهر فيها براهين واضحة على طهارته، ونزاهته وعصمته من الذنوب وصيانته من المعاصي، بعدما ابتلاه تعالى بلاءً حسناً، فوجده صابراً، متمالكاً لنفسه عند الشهوات والمحرَّمات التي لا ينجو منها إلا من عصمه الله سبحانه. ولولا المحبة الإلهية التي ملأت كيانه وشغلت قلبه، لما كانت نجاته ممكنة من شرك غواية امرأة العزيز.

هذا واقع الأمر، غير أن المخطّئة لعصمة الأنبياء (ع) لم يرتضوا ليوسف (ع) هذه المكارم والفضائل الثابتة، لذلك راحوا يستدلون على عدم عصمته بما ورد في سورة يوسف في حق امرأة العزيز، حيث قال سبحانه: {وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلّقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون}.

{ولقد همّت به وهمّ بها لولا أن رأى برهان ربّه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين} (يوسف: 23 24).

ومحل الاستدلال قوله تعالى: {وهمّ بها} أي همّ بالمخالطة، وأن همّه بها كان كهمّها به، ولولا أن رأى برهان ربّه لفعل، وقد صانته عن ارتكاب الجريمة بعد الهمّ بها رؤية البرهان... هذا ما تستقربه المخطّئة لعصمة الأنبياء من معنى ودلالة هذه الآية الكريمة، وهو معنى يجرح ولا شك في عصمة يوسف وينزل من قدره العظيم.

ولأجل استجلاء المعنى الحقيقي لهذه الآية، علينا أن نعرف أولاً معنى «الهمّ» في قوله تعالى: {ولقد همّت به وهمّ بها} وما هو جواب {لولا} في قوله تعالى {لولا أن رأى برهان ربه}؟ وهذا هو العمدة في تفسير هذه الآية، وكذلك ما هو معنى البرهان؟ لنخلص من ذلك إلى دلالة هذه الآية الواضحة على عصمة يوسف (ع) لا على سواها.

أولاً: يأتي الهمّ في اللغة بمعنى النيّة والإرادة والعزم، كما فسّره ابن منظور في لسان العرب، وهذا المعنى تؤيده كثير من الآيات الوارد فيها لفظ الهمّ ومنها هذه الآية، التي تشير إلى همّ امرأة العزيز، الذي تحقق فعلاً بمراودتها يوسف عن نفسه، أما همّ يوسف فلم يتحقق أصلاً لأنه كان مشروطاً بعدم رؤية برهان ربّه، وبما أنه رأى البرهان فعلاً، كما تنصّ الآية، لم يتحقق الهمّ من يوسف (ع).

ثانياً: هذا المعنى يتوضّح أكثر عندما نعرف جواب {لولا أن رأى برهان ربه} إذ أن {لولا} حرف شرط، فلا تدخل إلا على المبتدأ، ومما لا شك فيه أن {لولا} الابتدائية تحتاج إلى جواب، وجوابها إما أن يكون مذكوراً، كما في القول «لولا علي لهلك عمر» وإما محذوفاً لفهمه من السياق، أو لدلالة كلام متقدم عليه، كما هو الحال في قوله سبحانه، وهو محل الشاهد: {ولقد همّت به وهمّ بها لولا أن رأى برهان ربه} فهذه الآية تنقسم إلى جملتين، الأولى مطلقة وهي: {ولقد همّت به} حيث تدل على تحقّق الهم من امرأة عزيز مصر بلا تردد، والثانية مقيّدة مشروطة وهي {وهمّ بها لولا أن رأى برهان ربه} وتقديره لولا أن رأى برهان ربه لهمّ بها، فيدل على عدم تحقق الهمّ من يوسف (ع) كونه رأى برهان ربه، وأما الجملة المتقدِّمة على {لولا} أي {وهمّ بها} فلا تدل على تحقق الهمّ لأنها ليست جملة منفصلة عما بعدها، وإنما هي قائمة مكان الجواب.

ثالثاً: وإذا ما أدركنا معنى «البرهان» الذي رآه يوسف (ع) وصدّه عما تدعوه إليه امرأة العزيز، لعلمنا أن الآية تدل فعلاً على عصمة يوسف (ع) وذلك عكس ما ذهبت إليه المخطّئة، الذين استعانوا لتوضيح معنى البرهان المرئي، بأوهام من نسج الخيال ساقوها من الإسرائيليات الموضوعة بهذا الشأن.

وحيث أن البرهان هو الحجّة اليقينية التي تجلي الحق، ولا تدع ريباً لمرتاب، فإن ما عليه جمهور المفسِّرين، هو أن البرهان المقصود هنا والذي رآه يوسف (ع) وأدركه بعين القلب والبصيرة لا بالبصر، هو العلم المكشوف واليقين المشهود بنتائج المآثم وعواقب المخالفة لله تعالى، هذا العلم الذي يجر النفس الإنسانية إلى طاعة لا تميل إلى معصية، وهو من أسس العصمة التي يتحلى بها الأنبياء (ع) وهو الذي صاحب يوسف (ع) وصدّه عما اقترحته عليه امرأة العزيز.

وفي رواية عن الإمام الصادق (ع) جاء فيها قوله: «البرهان النبوة المانعة من ارتكاب الفواحش، والحكمة الصارفة عن القبائح».

وهكذا بيّن سبحانه «همّ» امرأة العزيز على الإطلاق فقال: {وهمّت به} وبيّن همّ يوسف بنحو الاشتراط فقال: {وهمّ بها لولا أن رأى برهان ربّه} فالقضية الشرطية لا تدل على وقوع الطرفين، خصوصاً مع كلمة لولا الدالة على عدم وقوعهما... لذا يمكننا القول إن المحبّة الإلهية التي ملأت وجود يوسف (ع) وشغلت قلبه منعته عن الهمّ بالمعصية أو اقترافها.

وهذا مفاد الآية ولا يشك به من لاحظ هذه المقدمات. ومع ذلك فإن الآية المباركة نفسها أكدت وصرّحت بعدم إمكانية مقاربة يوسف (ع) للسوء والفحشاء أو الهمّ بهما كما تدّعي المخطئة للعصمة، حيث يقول سبحانه: {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء انه من عبادنا المخلصين} ويظهر من الآية أن عباد الله المخلصين الذين أخلصهم الله تعالى لنفسه لا يطيعون غيره من تسويل شيطان أو تزيين نفس، وهؤلاء من شأنهم أن يروا برهان ربّهم، وأن الله سبحانه يصرف كل سوء وفحشاء عنهم، فلا يقترفون معصية ولا يهمّون بها، لما يريهم الله تعالى من برهانه، وهذه هي العصمة الإلهية. 

معنى آخر للآية:

اختار هذا المعنى بعض أهل التفسير ومنهم الشيخ رشيد رضا صاحب تفسير «المنار» من المعاصرين. وهو تفسير يهدف كما سبق إلى تنزيه يوسف (ع) عن كل ما لا يليق بساحة الأنبياء من المعاصي أو التفكير بها.

ومفاد هذا التفسير  إن المراد من «الهمّ» في كلا الموردين، هو العزم على الضرب والقتل، مثل قوله سبحانه:{وهمّوا بما لم ينالوا} (التوبة: 74) حيث تشير هذه الآية إلى قصد المشركين وهمّهم بقتل النبي (ص) عند منصرفه من تبوك. فيكون المعنى أن امرأة العزيز همّت بضرب يوسف (ع) وجرحه عندما أخفقت في نيل ما تريد منه، حيث دفعها الشعور بالهزيمة والإخفاق وهي سيدة يوسف وهو عبدها، إلى الانتقام منه، وهذا هو معنى قوله: {ولقد همّت به} على الإطلاق وبلا تقييد.

وبطبيعة الحال لم يكن أمام يوسف إلاّ أن يدافع عن نفسه، ولكنه لما استشعر بأن ضرب العزيزة، سوف يتّخذ ذريعة ضدّه، وسبباً لاتهامه، اعتصم عن ضربها والهمّ بها، وسبقها إلى الباب ليتخلّص منها، وهذا معنى قوله:{وهمّ بها لولا أن رأى برهان ربه}. فيكون معنى الهمّ في كلا الموردين هو الضرب والانتقام، غير أنه من جانب امرأة العزيز بدافع ومن جانب يوسف (ع) بدافع آخر.

يبقى أن نشير في النهاية إلى شهادة امرأة العزيز نفسها بنزاهة يوسف عندما ظهرت الحقيقة، وقد نقلها سبحانه بقوله: {ما خطبكنّ إذ راودتنّ يوسف عن نفسه قلن حاشا لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين} (يوسف: 51) وشهدت في موضع آخر على طهارته واعتصام نفسه وقالت: {...ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين}. (يوسف: 32)

... وهكذا فقصّة يوسف الواردة في القرآن الكريم تدل على نزاهته من أول الأمر إلى آخره، وأنه لم يتحقّق منه عزم ولا همّ بالمخالطة مع امرأة العزيز، لا أنه همّ وعزمَ ثمّ انصرفَ عن همّه لعلّة خاصة.