شبكة الإمامين الحسنين عليهما السلام للتراث و الفکر الإسلامي

 

المرجع الأعلى العلاّمة

السيد أبو الحسن الأصفهاني

نبذة عن مكانته وشخصيته المتميّزة 

حسن معتوق 

حين كان الآخوند الشيخ كاظم الخراساني يتصدر حلقة الدرس في النجف الأشرف، والذي اقترن اسمه بكتاب الكفاية في الأصول وبنظرية المشروطة المعينة للسلطة، وفي حدود سنة 1308ه وهي السنة التي رحل فيها المجتهد الكبير الشيخ محمد حسين الكاظمي، نزل إلى النجف الأشرف اثنان من طلبة العلم، أحدهما قادم من أصفهان والآخر قادم من لبنان وكان الاثنان في مطلع الشباب، تربين متوافقين في ميلادهما وفي مدّة عمرهما، جمعتها زمالة الدرس والبحث في حلقة الآخوند، عاد أحدهما إلى لبنان ليؤلف «أعيان الشيعة» وليترجم لصاحبه ترجمة العارف البصير عمن يتحدث عنه أو يصفه وليتسلم الآخر سدة المرجعية في النجف الأشرف.

ولئن اتسع الوقت لأحدهما أن يؤلف ويكتب مستعيناً بما أتيح له من فرص السياحة والسفر وما أوتيه من سيالة قلم؛ إلاّ أن تربه وأعني به السيد أبو الحسن الأصفهاني قد جعل من أنامله يراعاً ومن فكره مصباحاً ومن نفسه سراجاً وجعل من قلوب الناس طروساً. فكتب ونقش عليها سفره النفيس الذي يحق لنا أن نسميه «أعيان الفضيلة» الذي كتبه بمدادٍ من سيرته العطرة التي لن يخبو لها شعاع ولتكون المعيار والفارق فيمن أهّلته مواهبه بحق لتبؤ سدة المرجعية الشيعية العليا. 

تحصيله العلمي:

تلقى السيد أبو الحسن تعليماً أولياً في مسقط رأسه بهبهان، وهي البلدة التي شهدت ولادته 1284ه، ثم ارتحل إلى مدينة أصفهان، فقرأ على علمائها حتى أتم السطوح، ودرس الحكمة العقلية على الشيخ محمد الكاشي، ثم هاجر إلى النجف الأشرف حيث اختصّ بالشيخ كاظم الخراساني وحضر عليه في دروس الفقه والأصول حتى وفاته 1329ه. فاستقل السيد بالتدريس. وقد تخرّج على يديه كثير من العلماء من مختلف المناطق الإسلامية، منهم بعض مجتهدي جبل عامل في جنوب لبنان.  

مكانته العلمية ومرجعيته العليا:

بدأت شهرته بالظهور، وأخذ نجمه يتألق منذ أن لفت الأنظار إليه، الشيخ محمد تقي الشيرازي. وهو الناهض بالثورة العراقية، وأحال إليه بعض الأمور الشرعية، وفي تلك الأثناء ارتفع صوت الشيرازي وشيخ الشريعة مطالبين بالاستقلال؛ وتلاهم صوت السيد أبو الحسن، وقد بدأ اجتهاده الخاص يبرز في المسائل الدينية، ويتجلى رأيه المستقل في الأمور الاجتماعية، وبدأ يدنو من المرجعية العامة، ليصبح بعد وفاة شيخ الشريعة، واحداً من كبار المراجع إذ تقاسم والشيخ حسين النائيني، وهو من أعلام المدرسة الأصولية، سدة المرجعية إلى أن توفي الشيخ النائيني 1355 ه فأسندت إليه المرجعية المطلقة.

وكانت ترد على السيد أبو الحسن استفتاءات المقلّدين له من مختلف أقطار العالم، فيجيب عليها بنفسه، ولم يسمح له انشغاله بالتدريس، وشدة اهتمامه بإصلاح المجتمع وما تفرضه عليه مسؤوليات المرجعية، من مهام تبليغية وتخريج العلماء، بالتأليف، إذ كان منهجه الإصلاحي والتربوي قائماً على التثقيف والحكمة العملية واتباع منهج الحوار المباشر والتعليم بالقدوة والسَّمت والسيرة، في مرحلة تأسيسية، تحتاج إلى وضع اللبنات الصالحة وبناء الأعمدة الداعمة للنهضة، في مجتمع كان يعاني من أدواء الجهل والتخلف الذي أشاعته ظروف الاحتلال وبقايا العهد العثماني.

وإذا كان توافر المال يشكل أحد عوامل قوة المرجعية، فإن السيد أبو الحسن كانت تجبى إليه الأموال الكثيرة، من الأقطار الإسلامية، ما وفّر له إمكانيات في سد حاجات المعوزين وأهل الفاقة، والإنفاق على طلبة العلم، والقيام بمشاريع عمرانية، وقد ترافقت مرجعية السيد أبو الحسن الأصفهاني، بأحداث أدّت إلى رفعة قدره وعلو درجته، منها ما هو السياسي والاجتماعي ومنها ما هو الأخلاقي التربوي.

ففي الجانب السياسي، وقف السيد مندِّداً بالاحتلال الإنكليزي، رافضاً مبدأ الوصاية والانتداب، ما أدّى إلى نفيه إلى إيران هو وأحد أبرز أقرانه الشيخ النائيني، اللذان عادا بعد مدة. ثم ازداد تعلّق الناس بالسيد أبو الحسن، واتسع ميدان تقليديه في العالم الإسلامي.

دوره الإصلاحي والتربوي:

لم يكن السيد أبو الحسن مصلحاً عن طريق الكلمة والموعظة فحسب، بل كان هو بنفسه وأخلاقه مدرسة وجامعة؛ فهو حفيد الإمام علي (ع) القائل: «من نصّب نفسه للناس إماماً، فليبدأ بتأديب نفسه قبل تأديب غيره وليؤدِّب الناس بسيرته قبل تأديبهم بلسانه، ومعلم نفسه ومؤدبها أحق بالإجلال من معلّم الناس ومؤدِّبهم».

وفي هذا الإطار، كان السرّ في غنى شخصية السيد أبو الحسن. فمن أي الجهات ازدلفت إلى تلك الشخصية، وجدته عظيماً، يتجلى فيه مبدأ التطابق بين القول والعمل، وبين الفكر والممارسة؛ فهو معْلَم من معالم الأخلاق، لا سيما في حيازته ملكة الصبر، حيث احتمل برباطة جأش، مقتل نجله السيد حسن، ذات ليلة وهو في محراب الصلاة، ولم يحل ذلك الحادث المفجع الذي يفطر الأكباد، دون متابعة السيد صلاة الجماعة والإيعاز إلى من حوله بتطهير بعض سجاد المسجد من أثر الدم المراق، ليضرب أروع مثل في ضبط النفس والصبر على المكاره، وتلك لعمري من سجايا النبلاء والأولياء؛ بل إن السيد حينما زاره حاكم النجف، بادر إلى طلب العفو عمن قتل ابنه، كل ذلك لم يثنه عن المضي في تحمّل مسؤولياته بعيد الحادثة؛ ففي مجلس فاتحة أقيم في ذكرى ولده، كان حاضر الذهن يبذل المال لهذا أو يقضي حاجة ذاك وكأن شيئاً لم يكن... ولا يتسع المقام لذكر ما يتعلّق بتلك الشخصية الفذّة، وإنما هو غيض من فيض وبعض القطر ينبي عن الغمام، فقد ورد الكثير عن سخائه وسماحته وأريحيته، وكان هذا الخلق متمكناً فيه، منذ زمن فاقته وقبيل غناه.

أما فيما يروى عن حكمته واتِّساع وعيه الاجتماعي، فمن ذلك أن رجلاً من أهل الحلّة، من مقلّدي السيد أبو الحسن، شكا إليه يوماً رئيس الشرطة، الذي كان يعيث فساداً في القرى التابعة لإدارته، فطلب السيد من صاحب الشكوى استدعاء ذلك الرجل ليتعرّف إليه، وعندما عاد الحِلّي التقى رئيس الشرطة وذكر له رغبة السيد في التعرّف إليه، فتعجّب الرجل من طلب السيد ولكنه وافق أن يصطحب الحلي إلى دار السيد الأصفهاني في النجف الأشرف إذا سنحت الفرصة خلال إحدى الزيارات إلى العتبات المقدسة.

وكان أن التقى السيد برئيس الشرطة ودار بينهما حوار كان يصغي إليه الحلي وهو مرتبك. وكم كان السيد فطناً وحازماً في حديثه مع رئيس الشرطة، إذ كان استقباله له بحرارة وكأنه يعرفه من عهد بعيد، وسأله عن أحواله وعن راتبه الذي يتقاضاه من الحكومة، فأخبره بذلك، ثم قال له السيد: إنك رجل ذو وجاهة ومسؤولية وبيتك مفتوح للزائرين، وراتبك الحكومي لا يكفي مصاريفك الشخصية والاجتماعية، ووعده بأن يكتب إلى وكيله في الحلة ليعطيه راتباً مماثلاً لما يتقاضاه من الدائرة. ووعده أن يبقى الأمر سراً بينهما. وبيَّن له الفرق بين راتبٍ يدفعه السيد وهو مال حلال، وبين ما يتقاضاه، وهو مال مختلط بالحرام. وكم كانت دهشة رئيس الشرطة من أريحية السيد وسماحته ودماثة خلقه ما أحدث انقلاباً في نفسه، فبدَّل بسوء سيرته حسن سيرة، وباستهتاره طيب خلق وفضيلة، بل إنه اعتنق التشيع وهدى إليه زوجته وأمر أهل بيته بالتزام الصلاة وطلب من بناته أن يرتدين الحجاب. هكذا تفعل الأخلاق والحكمة ما تعجزه عن فعله الأقوال والكلمات.

من مواقفه المشرّفة

* عندما التقاه الملك عبد الله الأول ملك الأردن وكان في زيارة إلى العراق، حيث رغب في زيارة مقام أمير المؤمنين علي (ع) في النجف الأشرف، ومقابلة المرجع السيد الأصفهاني بعدما سمع نبذةً عن شخصيته ومكانته. في المقام نفسه حصل اللقاء، وبعد التحيات والكلمات الجانبية، سأل السيد الأصفهاني الملك قائلاً: من أين تؤمن الموارد المالية للأردن؟

تفاجأ الملك بالسؤال ولكنه أجاب، نحن دولة صغيرة لا بد لتأمين وضعنا سياسياً واقتصادياً أن نعتمد على الدول العظمى، وقد تكفّلت بريطانيا العظمى بتزويدنا بالمياه الصالحة للشرب وتأسيس محطة كهرباء. وقد شكر الملك هذا الصنع لها. فردّ عليه السيد أبو الحسن (قده) أليس مؤسفاً أن نمدّ نحن المسلمين أيدينا إلى الأجانب مما يعرِّضنا للإهانة.. إنني مستعد أن أمدّكم بالمال قدر ما تحتاجون لتعتمدوا على أنفسكم وتستغنوا عن الدعم البريطاني المشروط!

فأبدى الملك عندئذ إعجابه الشديد بالسيد واحترامه الكبير لوعيه السياسي ونظرته المبدئية، وقال أثناء عودته لمرافقه وزير التشريفات العراقي السيد باقر بلاط... كل ما ذكرته عن عظمة هذا السيد كان قليلاً... إنه في اعتقادي أعظم مما ذكرت، وكان الوزير قد بيّن للملك أثناء الطريق جانباً من صفات وخصال السيد الأصفهاني الحميدة.

* حادثة أخرى جرت للسيد الأصفهاني مع مندوب بريطاني خاص، حيث أصرّ هذا المندوب على نوري السعيد رئيس وزراء العراق آنذاك أن يصحبه إلى النجف الأشرف لمقابلة السيد.. وبالفعل فقد استقبلهما السيد بعد إلحاح كبير من نوري السعيد لحصول هذا اللقاء، وذلك بحضور كبار علماء النجف، وكان غرض المندوب البريطاني أن يقدّم كما زعم مساعدة مالية للمرجعية، هي عبارة عن وفاء لنذر نذرته الحكومة البريطانية  كما قال  لمساعدة المعابد وكبار رجال الدين في العالم! إذا هي انتصرت في الحرب على ألمانيا... وشكراً لله على نعمة الغلبة على العدو!! باشرت الحكومة البريطانية بتوزيع هذه المساعدات المالية، التي قُدّمت أولاً إلى بابا الفاتيكان. وبعدما سأل المندوب السيد عن قبوله هذه المساعدة أجاب لا مانع.. فاستغرب العلماء الحاضرون قبول السيد هذه المنحة البريطانية، حيث أن المعهود من المرجعية الشيعية رفض هذه الأمور جملة وتفصيلاً.. أسرع المندوب وقدّم للسيد صكاً بمائة ألف دينار عراقي مساعدة وهو مبلغ كبير في ذلك الوقت، إلا أن السيد الاصفهاني فاجأ الجميع بأخذه الصك والاطلاع على محتواه ثم كتابة حوالة قدرها مائة ألف دينار عراقي قدّمها مع الصك إلى المندوب البريطاني قائلاً: هذه مائتا ألف دينار عراقي منا إلى أهالي الجنود المسلمين الهنود الذين جنّدتهم بريطانيا من بلاد الهند وقتلوا في العراق (أثناء ثورة العشرين ضد الإنكليز التي قادها علماء النجف) فالرجاء إيصالها وصرفها عليهم في الهند... عندها نكس أعضاء الوفد رؤوسهم دقائق ثم خرجوا مودّعين وسط انبهار الحاضرين بحنكة السيد ونبله.

وقد نقل نوري السعيد بعد ذلك عن لسان المندوب البريطاني قوله: «إن على رئيس وزرائنا تشرشل أن يستقيل من منصبه ويجلس مكانه هذا السيد العظيم، نحن نريد أن نستعمر الإسلام وقد غفلنا عن أن هذا السيد العظيم بعقله ودرايته، جعل بريطانيا مستعمرة للإسلام».

زهده وورعه:

لم ينسه تهافت الأموال عليه إبّان مرجعيته، أيام العوز والفاقة، فكان يتحسّس آلام الفقراء وذوي الحاجات، وبقي يعيش في منزل متواضع، حمل أحد زائريه على الدهشة والعجب إذ فوجئ ببساطة المكان الذي اتخذه السيد لسكناه، وكان هذا الزائر قد اصطحبه الشاعر مهدي الجواهري معه من بغداد، وكان يتوقّع أن يقع نظره على صرحٍ منيف أو قصر مشيد، فازداد إكباره وتعظيمه للسيد أبو الحسن الأصفهاني، وتلك لعمري صفة أهل العلم والاجتهاد الواقعيين، فلم يحط نفسه بمظاهر الأبهة والعظمة التي لا يحتاج إليها من هم أمثاله بل يترفعون عنها.

تشجيعه ودعمه لأهل العلم والثقافة:

أطلق السيد المبلغين في عشرات القرى التي كان يسودها الجهل والتخلّف وبعض الأفكار المنحرفة، وذلك بهدف نشر الوعي والفكر الصحيح بين طبقات المجتمع.

كما دعم السيد أبو الحسن (قده) الأقلام الحرّة والنزيهة، إذ أثر عنه على سبيل المثال، أنه دافع عن السيد صدر الدين شرف الدين حينما أغلقت حكومة نوري السعيد الموالية للاحتلال البريطاني جريدة الساعة التي كان يصدرها في العراق وكانت من أبرز الصحف الصادرة يومذاك، كما صادرت الحكومة مطبعته واعتقلته. عندها كتب السيد إلى هيئة الحكم هذه الكلمات: «السيد يطلق والكتاب يحرق وإلا على دولتكم السلام» وكان للسيد أبو الحسن ما أراد نظراً لنفاذ كلمته وقوة شخصيته واتساع مرجعيته.

وفاته:

لم يتوقف السيد عن العمل الدؤوب حتى زمن اعتلال صحته، فكان يباشر شؤون المرجعية وقراءة البريد الذي قيل بأنه يوازي نصف بريد النجف، وكان يجيب على مختلف الرسائل والاستفتاءات بنفسه. وظل متنبهاً إلى أدق التفاصيل من مجريات الحياة العامة حتى وفاته 1365ه، في الكاظمية، ليلة عرفة ودفن في النجف إلى جانب أستاذه، فكان أن فجع به العالم الإسلامي، من أدناه إلى أقصاه وشيع في موكب حاشد ومهيب لم تشهد له البلاد مثيلاً. وأقيمت مجالس الفاتحة عن روحه في مختلف البلاد الإسلامية، لا سيما إيران والعراق، وسوريا وجبل عامل.

* ورثاه كثير من العلماء والشعراء، ومما قاله فيه الشيخ عبد المهدي مطر:

(إيهاً فقيد الأمتين فيعربٌ)

بك مثل فارس للأسى تستاق

سلبتها أيدي النوائب حليةً

ترنو على شزر لها الأحداق

خلق كما وصف الكتاب وإنما

تدني وترفع ربّها الأخلاق

ويد كما اشتهت السماحة والندى

بيضاء يلمع سيلها الرقراق

بعدت به على من رامه

سبقاً فأجهد تابعيك سباق

لقد استطاع ذلك السيد القادم في مطلع شبابه من أصفهان إلى النجف الأشرف، في مطلع القرن الرابع عشر الهجري، وهو الذي لم يكن أبوه من أهل العلم بل جدّه، استطاع أن يبرز كواحدٍ من أفضل تلاميذ الآخوند الشيخ كاظم الخراساني، وأن يتأثّر بمنهجه وطريقته، فيتخرج على يديه كثير من العلماء، منهم بعض مجتهدي جبل عامل في القرن الماضي، واستطاع ذلك المرجع الكبير الذي عرف بسخائه ونبله وعلو همّته وقوّة إرادته ورجاحة عقله وسداد رأيه، أن يطبع المرجعية بطابع مميز، سيظل ماثلاً للعيان في نموذج فريد للشخصية الحيّة.