شبكة الإمامين الحسنين عليهما السلام للتراث و الفکر الإسلامي

 

الحجاب

فرض لا رمز

قضية قديمة جديدة 

زينب طحان 

منذ تفكك الدولة العثمانية، وتقسيم العالم الإسلامي إلى دويلات، برزت قضايا سياسية واجتماعية وثقافية، أخذت تتفاعل على ساحة النقاشات الخاصة والعامة، وفي المنتديات العلمية والفكرية.

وإذا كان الغرب، العلماني والمسيحي، قد حسم رأيه بخصوص سفور المرأة وحرية كشف جسدها أو تغطيته، فإن موضوع الحجاب تفاعل في العالم الإسلامي بين مدّ وانحسار، ودارت النقاشات حوله وامتدّت إلى حيث وجود المسلمين خارج أوطانهم في بلاد الاغتراب، مع بروز قوانين في الغرب تسمح بارتدائه في دول عديدة وتمنعه في دول أخرى (على مستوى المؤسسات الرسمية). ومع حظر فرنسا ارتداءه في مدارسها ومؤسساتها الرسمية عادت قضية الحجاب تتفاعل في الساحتين الإسلامية والغربية، مع ردود أفعال تنقلها وسائل الإعلام المختلفة.

النظرة إلى الحجاب

أثناء الاستعمار الأجنبي للدول الإسلامية والعربية، برز اتجاه في الغرب والشرق يحثّ المرأة المسلمة على خلع الحجاب باعتباره رمزاً لتخلّفها، فالمفكرين الغربيين، ومن مشى من العرب والمسلمين في ركب الحضارة الغربية، فكراً وسلوكاً، حاولوا التأكيد أن حجاب المرأة المسلمة يرادف تخلّفها، وتمسكّها به يعني تحجّرها وعدم مسايرتها التطورات الاجتماعية، ساعدهم على ذلك سوء الأوضاع التي سادت في البلاد زمن الإمبراطورية العثمانية وما وصلت إليه أوضاع المسلمين من تخلّف، وسبق الغرب على مستوى العلوم والتكنولوجيا. كل ذلك أدّى إلى قرن الحجاب بالتخلّف. ولم يكن همّ كل هؤلاء الإمساك بيد المرأة وانتشالها من الظلم والتخلّف والجهل، بل كان منهم من يهدف إلى تغريب المرأة المسلمة التي تُعد نواة الأسرة، فإذا أصيبت، تفكك المجتمع، ومن هنا يسهل اختراق المجتمعات الإسلامية وخلخلة قيمها وتقاليدها ومسخ ثقافتها، تسهيلاً لاستعمارها غير المباشر، بعد انقضاء مدة الانتداب الأجنبي ونيل البلاد استقلالها الظاهري.

ولا ننس الدافع الاقتصادي وراء المناداة بخلع الحجاب، حيث يصبح جسد المرأة سلعة لرواج البضائع، وتصبح هي ذاتها أداة استهلاكية لتصريف الملبوسات وأدوات التجميل ومستحضرات العناية بالشعر وما شابه ذلك.

كل ذلك يصب في جيوب أصحاب المعامل والمصانع ودور الأزياء التي لا تفتأ تفتن العقول الضعيفة وتغزو الأسواق وتحث النساء على مواكبة «الموضة» سعياً وراء الأرباح الفاحشة.

وبموازاة ذلك هدف أصحاب هذا الاتجاه إلى زعزعة القيم الإسلامية وخلخلتها تمهيداً لإقصاء الإسلام عن مسرح الحياة والمجتمع، مروّجين أن فرض الحجاب كان لنساء النبي (ص) دون سائر المؤمنات، أو أن فرض الحجاب كان في زمن نشوء الإسلام دون أن ينسحب إلى بقية الأزمنة، داعين المرأة إلى خلع الحجاب باعتباره ليس فرضاً، موحين للعالم أن المحجبات في العصور الإسلامية التالية وفي عصرنا اليوم، إنما أقدمن على ذلك تحت ضغوطات عائلية أو اجتماعية.

ولا تقتصر دعوات هذا الاتجاه على مفكِّرين أو باحثين، بل عملت دول إسلامية أو عربية على حظره في مدارسها وجامعتها ومؤسساتها الرسمية كتركيا مثلاً التي انتهجت هذا النهج منذ تأسيس كمال أتاتورك الدولة التركية الحديثة. وهذا ما فعلته أيضاً تونس. وفي لبنان تلجأ بعض المدارس والمؤسسات الخاصة إلى منع الحجاب دون غيره من الرموز الدينية.

وهناك مؤسسات إعلامية عربية ما زالت تمنع المرأة المحجّبة من الظهور على شاشاتها لتقديم نشرات الأخبار وغيرها...

الإساءة إلى الحجاب

إلى جانب الذين ساروا في ركب الحضارة الغربية، فكراً وسياسة، نجد جماعات من المسلمين أساؤوا إلى الحجاب أيضاً دون قصد، نظراً لقصور أنظارهم فيما يتعلّق بقضايا الإنسان وتحديداً المرأة. فاعتبر هؤلاء أن حجاب المرأة يعني حجبها عن المجتمع وبالتالي عزلها ومنعها من حقها في العلم والعمل وممارسة الأنشطة الاجتماعية والسياسية والثقافية تحت دواعي انتشار الفساد والاختلاط الذي شاع في المدارس والجامعات، من دون أن يؤمّنوا لها البديل الذي يكفل تعليمها وتهذيبها ورقيها.

فتفشّت الأمية بين نساء المسلمين، وإن آخر الإحصائيات العربية تشير إلى أن ثلثي الأميين في الوطن العربي هم من النساء. وقد اعتمد في ذلك على فهم مجزوء لأحاديث وروايات منسوبة إلى الرسول (ص) وأهل بيته(ع).

ولقد شاهدنا وبشكل صارخ  في السنوات المتأخرة  نماذج لهذا الفهم المغلوط بالنسبة إلى تعليم المرأة، في إحدى الدول الإسلامية التي حكمت مسؤوليها مثل هذه النظرة للمرأة وأكثر ما امتدت الأمية إلى القرى والأرياف، وشاعت أفكار حول المرأة وتعليمها حتى اتخذ كثير من الآباء قرارات بمنعها من الذهاب إلى الكتاتيب مبالغة في هذا الفهم المتشدد.

النهوض بعد الكبوة

بالرغم من كل الضغوطات الإعلامية والنفسية التي مارسها الغرب، وبالرغم من الواقع المتخلّف الذي عاشه المسلمون في القرون المتأخرة، فإن فئات واسعة من المسلمين نظروا إلى الحجاب وإلى دور المرأة المسلمة المحجبة في الحياة نظرة موضوعية شاملة، فالحجاب هو فرض أوجبه الله تعالى على كل نساء المسلمين، في كل مكان وزمان، ولبس المرأة الحجاب والثياب الساترة لجسدها، لا يعني ضرورة وجوب حجبها عن المجتمع وحرمانها حقها في التعلّم والعمل والمشاركة في الحياة العامّة ضمن الضوابط الشرعية والسعي إلى الحفاظ على سمعة ذلك الحجاب من خلال السلوك الحسن والأخلاق الحميدة، لأن المحجبّة أكثر من غيرها، تصبح تحت المجهر الاجتماعي، وأي تصرّف خاطئ يصدر عنها يسيء إلى الحجاب نفسه.

وهنا رأينا الكثير من النساء أقدمن على الحجاب بإرادة واعية وفهم مسبق عن هذه الفريضة، وساعدهن على كسب ثقتهن بأنفسهن الفرص التي أتيحت لهن في التعليم وفي تبوء المراكز العِلمية والاقتصادية.

وقد غيرت الصحوة الإسلامية عموماً وفي إيران خصوصاً نظرة الناس إلى الحجاب والمحجبات، ولا سيما بعد مشاركة المرأة في كل ميادين المجتمع، ولم تعد المرأة المحجبة تُقرن بالتخلّف والرجعية، وهي تنافس زميلاتها في الجامعات والمعاهد ومراكز العمل. ونجد أكثر من ذلك؛ ففي الوقت الذي كان الأهل، أحياناً، يفرضون الحجاب على فتياتهم فرضاً دون مناقشة، فإن الفتيات المقتنعات بالحجاب يتمسّكن به مع اعتراض ذويهم أو مدارسهم أو مراكز عملهم على ذلك. ففي الدول التي تحظر على الفتيات لبس الحجاب وتعاملهن بالعنف بسببه، نجد، هؤلاء يرفضن التخلّي عنه بالمطلق، فما أن تخرج الفتاة منهن من المدرسة أو الجامعة أو المؤسسة الرسمية حتى تُخرج حجابها من محفظتها، ولجأت بعضهن إلى ارتداء القبعات الساترة، وهذا يعني تمسّكها بمبدأ رفض السفور الذي تفرضه تلك الحكومات الجائرة دون مراعاة نسيج البلد الاجتماعي.

حرب متجدِّدة

إن قضية السماح بلبس الحجاب أو حظره، قضية قديمة جديدة وقد انسحبت على الدول الغربية وتأخذ اليوم منحى تصاعدياً في فرنسا بعدما أقر برلمانها حظر الحجاب والرموز الدينية الأخرى في المدارس والمؤسسات الرسمية.

وهذه القضية آيلة للتطور في المجتمعات الغربية، الأوروبية منها تحديداً، وفق سياسة كل دولة منها ورؤيتها الحضارية وموقفها من الإسلام وحقوق الإنسان.

لقد أخطأت فرنسا في اعتبار الحجاب رمزاً دينياً كبقية الرموز الدينية الأخرى، وتجاهلت أو جهلت أن الحجاب فرض إسلامي، نزل وجوبه في القرآن الكريم، وأقرّته السنّة النبوية الشريفة، وساعدها على ذلك فتاوى مستهجنة ومستنكرة من علماء الدين المسلمين الذين أيّدوا قرار فرنسا في حظر الحجاب في مؤسساتها الرسمية. وأمام هذا القرار، يتبادر السؤال التالي: هل أصبح الحجاب فعلاً، خطراً على العلمانية في فرنسا، فحظرته؟ هل هو صراع حضاري بين عالمين؟ هل القرار يأتي حفاظاً على مكتسبات الثورة الفرنسية التي أبعدت سلطة الكنيسة والشؤون الدينية عن أطر الدولة وعملها؟

وهل تخشى فرنسا من أسلمة المجتمع الفرنسي بتزايد عدد المسلمين؟ وماذا يعني وجود النساء المحجبات في مؤسساتها الرسمية؟ ألا يتنافى منعهن مع مبادئ الحرية الشخصية وحرية ممارسة الشعارات الدينية باعتبار الحجاب فرضاً وليس رمزاً.

إن قيام فرنسا بهذه الخطوة ستكون له تأثيراته على الساحتين الفرنسية والأوروبية، ففي فرنسا سوف يلجأ المسلمون الذين يصرّون على تطبيق أحكام الشريعة، إلى عزل أنفسهم في مجتمعات داخلية في المجتمع الفرنسي نفسه، وهذا يعني عدم اندماجهم الفعلي في المجتمع الفرنسي لتكون النتيجة عكس ما تسعى إليه الحكومات الفرنسية. أما على الساحة الأوروبية، فإن الأمر مرشح بحذو دول أوروبية عديدة حذو فرنسا. ولا سيما أن أبواق كثيرة معادية للإسلام، تنفخ محذرة من تنامي الإسلام في أوروبا، علماً أن الإسلام دين يلتقي مع الأديان السماوية الأخرى ولا يلغيها، وهو يدعو إلى حوار الحضارات لا إلى صراع الحضارات وأن أولئك الذين يكيلون التهم جزافاً للإسلام بأنه دين لا يقبل الآخر، فإنهم يقيسون ذلك على مستوى جماعات محدودة لا تمثّل الوجه الصحيح للإسلام، وهم لم يلجأوا إلى منابع هذا الدين الحنيف الذي يدعو أتباعه إلى التعايش مع الآخر في وئام وسلام ما داموا يبادلونهم المشاعر ذاتها.