شبكة الإمامين الحسنين عليهما السلام للتراث و الفکر الإسلامي

 

رحمة سيد المرسلين (ص)

موقفه من سارة وحاطب نموذجاً 

حسن إبراهيم عيسى 

يصادف في الثامن والعشرين من صفر عام 11 ه/632م ذكرى وفاة سيد المرسلين وخاتم النبيين محمد بن عبد الله (ص)، وإذا كان بموته، قد انقطع الوحي، فإن صدى رسالته الخالدة تردّد في أرجاء المعمورة، وسطعت أنوارها الإلهية، وظلّت سنّته الشريفة، قدوة للمسلمين، ينهلون من معينها، ويتمثلونها في حياتهم اليومية، حتى قيس سلوك المؤمن بميزان تعاليمه ووصاياه ومواقفه (ص).

وتستوقفنا مواقف الرسول (ص) في مواقع عديدة، حيث تجلّت رحمته بأبهى صورها، إذ تحفظ لنا كتب التاريخ والسيرة إلى جانب كتب تفاسير القرآن الكريم تلك المواقف التي يعجز القلم عن وصف أثرها النفسي والاجتماعي في مجتمع المسلمين، ولا سيما أنه (ص) كان قادراً على القصاص والانتقام بكل أشكاله المعروفة آنذاك.

ومن جملة مواقفه (ص) موقفه من سارة وحاطب. 

من هي سارة؟ من هو حاطب؟

كانت سارة  تذكر بعض المصادر أن اسمها صفية  مغنية بمكة في الجاهلية، إذ كانت تغني وتطرب أهل مكة، ولا سيما سادات قريش وعلية القوم أملاً بمعروفهم، وفي الوقت نفسه كانت تنوح على الأموات نظراً لصوتها الجميل، فكانت تعين أهل العزاء على ميتهم، وفق طقوس وتقاليد بالنوح في المجتمع الجاهلي.

وفي معركة بدر في العام الثاني للهجرة/624م، فقدت قريش الكثير من رجالها وفرسانها، على رأسهم، «أبو جهل» (عمرو بن هشام المغيرة المخزومي القرشي) فعمّ الحزن مكة، ولم يعد من المناسب أن تغني لهم سارة. وبالنسبة إلى النواح، فإن أبا سفيان (صخر بن حرب بن أمية، ت 31ه /652م) كان قد منع النواح على قتلى بدر كي لا تبرد قلوبهم، وكي يبقى الحقد يملأ قلوبهم طلباً للثأر من النبي محمد (ص) ومن أصحابه في المدينة المنوّرة.

وأمام هذا الواقع، وجدت سارة نفسها بلا عمل، فتركت مكة بعد عامين من غزوة بدر، وقدمت المدينة، وعندما علم الرسول (ص) بقدومها، سألها: هل أسلمت: فقالت لا، فقال لها (ص): ولمَ أتيت المدينة؟ فقالت: إني مولاتكم (تقصد أنها أمة قريش) وقد أصابني الجهد وأتيتكم أتعرّض لمعروفكم. فأمر رسول الله (ص)، فكُسيت وحُملت وجُهّزت، ولم يجبرها النبي (ص) على الإسلام ولم يُكرهها على ذلك.

ومع كل ما أتحفها به المسلمون فإنها حاولت خيانتهم عبر إيصال خطة النبي (ص) والمسلمين لفتح مكة في العام الثامن للهجرة 630م، في رسالة كتبها حاطب. 

من هو حاطب؟

ولد حاطب بن أبي بلتعة اللخمي عام 35 قبل الهجرة/586م. عاش في مكة وكانت له تجارة واسعة. أسلم في مكة وهاجر إلى المدينة المنورة خوفاً على دينه وحياته، إلا أنه لم يستطع اصطحاب أسرته التي بقيت في مكة تحت رحمة قريش.

كان حاطب ذا تجارة واسعة، كما كان من أشدّ الرماة، فشارك مع النبي (ص) في غزوة بدر وأبلى بلاءً حسناً. ولم يعرف عنه إلا كل صدق وتقوى بين صفوف المسلمين في المدينة، لكن الشيطان استطاع غوايته عبر نقطة ضعفه، ألا وهي أسرته التي حاصرتها قريش، تارة بالترغيب، وطوراً بالترهيب. وكانت قريش تحسّ أن المسلمين سيتوجهون لفتح مكة بعد نقض صلح الحديبية الذي وقعه النبي (ص) مع قريش في السنة السادسة للهجرة/ 627م. 

خطة الفتح

كانت قريش قد وعدت عيال المسلمين الذين بقوا في مكة بحسن معاملتهم إذا أمدهم أقاربهم في المدينة بمعلومات حول الفتح، أهو واقع أم لا؟ وغير ذلك من المعلومات حول تحرّك الجيش الإسلامي إذا توجّه إلى مكة.

أرسلت أسرة حاطب رسالة إليه تطلب منه مدّ قريش بمعلومات حول الأمر. واضطرب حاطب وتحير، وأمام ضغوطات نفسية وخوفه على عياله قرّر إرسال كتاب لقريش يخبرهم بعزم المسلمين بقيادة النبي (ص) فتح مكة.

كانت الطرق المؤدية إلى مكة قد وضعت تحت رقابة المسلمين، كما روقب بشدة تردد المارة والمسافرين بواسطة الحرس. وأمام هذا الأمر لم يجد حاطب أفضل من سارة لتقوم بهذه المهمة فلن يشك الحرس بأمر امرأة، ولا سيما امرأة مثل سارة، فوافقت على تنفيذ المهمة لقاء مبلغ من المال.

فشل مخطط حاطب وسارة

أخبر الروح الأمين جبرائيل (ع) النبي (ص) بمخطط حاطب وسارة، فأرسل (ص) أمير المؤمنين الإمام علي (ع) والمقداد بن عمرو والزبير بن العوام ليدركوا سارة على طريق مكة لاسترجاع الكتاب منها، وبالتالي قطع الطريق على قريش، فلا تعلم بمجريات الأمور.

أدرك الرجال الثلاثة سارة في منطقة تدعى روضة الخاخ وقيل في منطقة تدعى الخليقة، فاستنزلوها وفتّشوا رحلها عن الكتاب فلم يجدوه، فسألوها عنه فأنكرت، فقال أمير المؤمنين علي (ع):

«إني أحلف بالله، ما كذب رسول الله صلى الله عليه وآله ولا كُذبنا، ولتخرجَنّ هذا الكتاب، أو لنكشفّنك».

نفع تهديد الإمام (ع) إذ أحسّت سارة أن علياً (ع) لن يتركها حتى ينفذ ما أمر به رسول الله (ص) فقالت: إعرض، فأعرض الإمام (ع) فحلت ضفائر شعرها، فاستخرجت الكتاب منه، ثم دفعته إليه، فأتى به رسول الله (ص). 

موقف رسول الله(ص)

إن ما قام به حاطب وسارة يعد خيانة عظمى في الأعراف العسكرية والأمنية، فلو وصل الكتاب إلى قريش، لفشلت خطة الفتح وانهزم المسلمون، وما قام أحد بما قام به حاطب وسارة إلا واستحق الإعدام أو السجن أو عوقب عقاباً شديداً، إن في العصور السالفة أو في عالمنا المعاصر، بحسب الأنظمة والمجتمعات وقوانين العقوبات المتَّبعة في كل واحدة منها.

لم يتعرّض الرسول الأكرم (ص) لسارة لعلمه أن دافعها للقيام بذلك كان حب المال، علماً أن المسلمين أبقوها بينهم منذ قدومها من مكة، وأحسنوا معاملتها. وبالنسبة إلى حاطب، فقد انزعج الرسول (ص) لما قام به وسأله عن سبب إقدامه على ذلك، وهو الصحابي الثقة الذي شهد بدراً. فحلف حاطب بالله وبرسوله إنه لم يقصد شراً، وقال: يا رسول الله، أما والله إني لمؤمن بالله وبرسوله، ما غيّرت وما بدّلت، ولكني كنت امرءاً ليس لي في القوم من أهل ولا عشيرة، وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل فصانعتهم عليه.

ومع أن هذا الاعتذار لا يبرر إفشاء أسرار المسلمين لأعدائهم، إلا أن نبي الرحمة (ص) صفح عنه، وخلى سبيله. فاعترض عمر بن الخطاب على ذلك وطلب من النبي (ص) أن يضرب عنقه، فقال النبي (ص):

«وما يدريك يا عمر لعل الله اطلع يوم بدر على أصحاب بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم».

كان بوسع الرسول (ص) أن يقتص من حاطب، لكنه (ص) رحمه لسابقته إلى الإسلام ولمشاركته في بدر ولمصالح معيّنة.

ولكي لا يتكرر مثل هذا العمل الخطير والأثيم، أنزل الله سبحانه آيات بهذا الشأن إذ يقول جلّ وعلا:

بسم الله الرحمن الرحيم

{يا أيها الذين آمنوا، لا تتخذوا عدوي وعدوّكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم المودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضلّ سواء السبيل...} إلى الآية التاسعة من سورة الممتحنة  على إجماع المفسرين 

رحم النبي العظيم هذين الشخصين في لحظة ضعفهما ولم ينسَ لحاطب إسلامه وجهاده، وكان حاطب في السنة السابعة للهجرة 628م سفير الرسول (ص) إلى حاكم مصر المقوقس الذي يدعوه إلى الإسلام ويعرفه به.

تُرى ماذا نفعل، نحن، إذ أخطأ الآخرون بحقّنا وكانت عندنا المقدرة على الاقتصاص منهم؟ هل نصفح عنهم، هل نسامحهم، أم نشفي غليلنا بالانتقام منهم؟! بل أكثر من ذلك ماذا يفعل المقتدر منا ذو الموقع في صنع القرارات بالذين لا يتفقون معه على مستوى الآراء الفكرية أو السياسية ألا يطاردهم دون رحمة وإشفاق، زجاً في السجون، أو نفياً من البلاد أو طرداً من الأعمال والوظائف. أين نحن من رحمة الرسول (ص)، وأين نحن من رحابة صدره وعدم نسيانه تاريخ أصحابه.