شبكة الإمامين الحسنين عليهما السلام للتراث و الفکر الإسلامي

 

الإسلام محمدي الوجود

حسيني البقاء

السيد عبد الكريم فضل الله 

لم يكن عبثاً القول المشهور بين المحققين والمؤرخين والمفكرين من أنّ الإسلام محمدي الوجود حسيني البقاء، أي أن الإسلام بعقائده وتشريعاته وأخلاقياته قد نزل به الوحي الأمين على سيِّدنا محمد رسول الله (ص) الذي جاهد وأبلى في سبيل الرسالة ونشر الدين، وأن هذا الإسلام العظيم كاد يزول وينتهي ذكر النبي الأعظم (ص) والقرآن الكريم، بل حتى الأذان ما كنَّا لنسمعه لولا حركة الحسين (ع) وثورته ونهضته، ولا أجد في هذا القول مبالغة. إن من ينظر إلى ما أحدثه معاوية بن أبي سفيان عندما تمّت له السلطة على البلاد الإسلامية، يرى الانحراف الكبير في جوهر الدين وجوهر التشريع، حيث اخترع هو وزبانيته فكراً ينافي الإسلام، منحرفاً عما جاء به محمد بن عبد الله (ص)، بحيث أصبح الإسلام في مفهوم ذلك العصر ينافي العقل والفطرة البشرية والوجدان، فلا يقبله إنسان لم تُمْسَخ فطرته بعد على وجه الأرض؛ وعندما يرفض الناس الإسلام كدين ومنهج للحياة، يصبح بعد ذلك أثراً بعد حين.

هذا الذي كان سيحصل لولا استشهاد الحسين (ع). وأما كيف فسأختصر البيان لذلك ما أمكن:

غاية معاوية والأمويين من الحكم:

لقد حارب معاوية بن أبي سفيان الإسلام منذ بداية البعثة النبوية الشريفة وحتى فتح مكة، أي حوالي واحد وعشرين عاماً، مع مشركي قريش، حرباً شعواء يؤلبون ذؤبان العرب ووحوش الصحراء وكفَّار الدنيا، في الجزيرة وخارجها على الإسلام والمسلمين، ولكن الله أبى إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون. وبعدها استطاع معاوية وبالسياسة والدهاء والخداع أن يتستّر بالإسلام وأن يغشي عيون المضللين حتى تسنّى له بعد حين أن يستولي على السلطة ويسمّي نفسه خليفة رسول الله (ص).

معاوية يريد أن يعيش على هواه ونزواته وشهواته ويريد بنو أميّة أن يعيثوا في الأرض فساداً كما يشاؤون، من سفك دماء مسلمة بريئة، وسلب أموال وانتهاك لشرع الله وحرماته إرضاء لأهوائهم، وانظر كتب التاريخ كم هي مليئة بقصصهم وحكاياتهم وفظاعاتهم. وكانت المشكلة أن الإسلام الذي يحكمون الناس باسمه يرفض كل هذه المظالم والممارسات.

وفكَّر معاوية... وفكَّر. وانتهى إلى فكرة شيطانية!

فلماذا لا يستعبد الناس عن طريق رسول الله (ص)، أوليس هو يحكم باسم رسول الله (ص)، ألم يَنْطَل على الناس ذلك؛ فليجعل الناس يعتقدون وجوب طاعة الحاكم ولو كان ظالماً، بل وجعل طاعة الظالم والصبر على ظلمه عبادة.

إلا أن الإسلام يرفضها، فهذا القرآن فيه أكثر من أربعمائة آية ترفض الظلم كما في قوله تعالى: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسَّكم النار} كذلك مئات الأحاديث الشريفة، «أفضل الجهاد كلمة حق أمام سلطان جائر». لكن كي يمضي معاوية وبنو أميّة على نزواتهم، لا بد من نشر هذه الفكرة التي تناقض جوهر الدين:

«يجب طاعة الحاكم ولو كان جائراً شرعاً».

الوسائل:

ولصعوبة نشر هذا الإسلام المنحرف استخدم معاوية وسائل عديدة منها: اختلاق الأحاديث واختراع المذاهب كمذهب الإرجاء، وتفسير الآيات القرآنية بما يخدم مصالحه، واستخدام بعض الألفاظ الموهمة للفظ المشيئة وغير ذلك.

وقد بيَّنتُ ذلك موثقاً وموضحاً في كتاب:

«لو بايع الحسين»(1).

وأتطرق الآن لذكر إحدى الوسائل.

اختلاق الأحاديث

ولضيق المقام سأذكر حديثين مخْتَلَقَين مكذوبين على لسان رسول الله (ص)، وعلى هذه فقس ما سواها:

عن حذيفة بن اليمان قال: قلت يا رسول الله إنا كُنَّا بشرٍّ فجاء الله بخير فنحن فيه، فهل من وراء هذا الخير شر؟ قال: نعم. قلت: وهل وراء هذا الشر خير؟ قال: نعم. قلت: فهل وراء ذلك الخير شر؟ قال: نعم. قلت: كيف يكون؟ قال: يكون بعدي أئمة (أي حكّام) لا يهتدون بهداي ولا يستنّون بسنّتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس، قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع للأمير، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع(2). ومن الواضح أن هذا الحديث مكذوب على لسان رسول الله (ص)، بل عن لسان حذيفة بن اليمان لأنه يخالف القرآن والسنّة النبوية الشريفة والفطرة البشرية، ولكنه يخدم مصالح بني أميّة لأنه يُعبِّد الناس لحكمهم، إذ يطيع الناس بني أميّة رغم ظلمهم وانحرافهم ظناً منهم أنهم يطيعون الرسول (ص) أخذاً بهذا الحديث.

وإليكم حديث آخر:

عن أم سلمة عن النبي (ص) قال: إنه يستعمل عليكم أمراء، فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع؛ قالوا: يا رسول الله ألا نقاتلهم؟ قال: لا، ما صلّوا. (الجامع لأحكام القرآن للقرطبي الجزء الأول في تفسير سورة البقرة الآية 30). أخرجه أيضاً مسلم:

أي من كره بقلبه وأنكر بقلبه  والمعنى إذا فعل الأمير المنكر، فأنكر بقلبك، وأما قتال هذا الأمير فغير جائز ما دام يصلِّي، حتى لو ظلم وفسق وفجر وانتهك الأعراض والحرمات.

بمثل هذه الأحاديث التي اخترعها بنو أميّة فكذبوا على الله ورسوله استطاعوا أن يضلّلوا الأمّة ويطوِّعوا الناس عقائدياً بعد أن طوَّعوهم عسكرياً.

وحُرِّف الدين، بحيث لا يقبله بعد ذو لُبّ، وخدِّرت الأمّة بذلك، ورأى الحسين(ع)، أن دين جدِّه الأكرم رسول الله (ص) وكل جهاده سيذهب وسينتهي أمام هذا الزيف والتضليل الكبير فكان لا بدّ من المواجهة ولو كانت النتيجة القتل، كي تستفيق الأمّة، ويعلم الناس أن ما يلبسه بنو أميّة ليس هو الإسلام الصحيح، ولتصوِّب البوصلة من جديد تنفيذاً لأمر الله تعالى في وجوب بقاء الدين وأن الدين لا بدّ له من حَمَلة.

فكانت الشهادة، وكان الإسلام محمدي الوجود حسيني البقاء.