شبكة الإمامين الحسنين عليهما السلام للتراث و الفکر الإسلامي

 

جابر بن حيان

شيخ الكيميائيين المسلمين 

روبرتا كوراني 

إذا كنا نترجم لسيرة علماء أضاؤوا سماء العالم بعلومهم وتجاربهم، وأعانوا البشرية في تقدّمها وتطوّرها، فهذا لا يعني أننا نقرأ سيرة أولئك الكبار كمجد من الزمن الغابر، بل نقرأها ونعيها كحافز لاستنهاض الهمم، وننظر إليهم كمثال يحتذى بهم، ثقةً منّا أن في هذه الأمة مبدعين تحتاج إليهم أوطانهم في شتى مجالات الحياة، ولا سيما في مجالات التنمية التي هي من أكبر تحديات الشعوب الإسلامية ومجتمعاتها. 

المولد والنشأة

كان حيان عطّاراً في الكوفة، وبلغ في تجواله  محرّضاً على الأمويين  مدينة طوس شمال شرقي إيران حيث ولد ابنه جابر في العام 102 ه/ 737م. وكان جابر يلازمه ويسأله عن طبيعة الأشياء منذ صغره، وكان كثير التأمل ويؤثر الوحدة متفكراً بما حوله، ولطالما تساءل: لمَ كان الرصاص رصاصاً، والفضة فضة والذهب ذهباً والحجر حجراً؟ ولمَ كان الذهب أثمن المعادن؟ فطن حيّان لذكاء ابنه وقال له: الذهب في عقلك يا ولدي، وإني لأرجو لك شأناً بين العلماء. 

التوجه إلى الكوفة

نصح حيّان ولده بالتوجّه غرباً لتلقي العلم، وبعد موته في دائرة الصراع بين الأمويين والعباسيين في نهاية العصر الأموي، عمل الابن بنصيحة الوالد، فاصطحب أمه ونزلا الكوفة، وتزوّج من فتاة تدعى ذهب أنجبت له ثلاثة أولاد: عبدالله وإسماعيل وموسى.

عكف جابر على ما كان يدرس من الطبيعيات والرياضيات آنذاك، وهناك تعرّف إلى صديق والده الإمام جعفر الصادق (ع) الذي كان في زيارة للكوفة، وسأل الإمام (ع) جابراً ما غايته من العلوم، فأجابه: الكيمياء، وقد علمت أن لك فيها باعاً مثلما أنت في الفقه عالم. فابتسم الإمام (ع) وراح يحدّث جابراً عن الكيمياء عند المصريين واليونانيين والفرس والهنود والصينيين، وكيف أن الكثير من الكيمياء ما زال يشوبها السحر والشعوذة. 

انكبابه على العلم

نصح الإمام جعفر الصادق (ع) جابراً بمطالعة كتب الأولين في علوم الكيمياء، وظل جابر على تواصل معه ينهل من علمه وإرشاداته، فنال منه الرعاية والتوجيه، وكان في علومه وتجاربه يردد دائماً «أستاذي جعفر» تكريماً لأستاذه الإمام واحتراماً وتبجيلاً. انكب جابر على علوم الأولين، كما بحث عن الكيمياء لدى أصحاب الحرف من زجاجين وحدادين ونحاسين ليقع على طبيعة الأشياء عن كثب، كما قصد غاسلي الثياب للوقوف على طبيعة الأصباغ.

ولكي لا يكون عالة على أحد، فقد فتح داخل سور منزله حانوتاً للعطارة مثل حانوت والده، فكان يعمل فيه نهاراً مستنزلاً الرزق، وفي الليل ينصرف إلى كتبه وأوراقه وتجاربه. 

معمل جابر الكيميائي

أراد جابر أن يقرن أبحاثه النظرية بتجارب عملية، فبنى معملاً للكيمياء، وأعدّ له من الآلات والأدوات والتجهيزات ما كان متداولاً آنذاك، فجهّزه بأجهزة التقطير والتكثيف والتصعيد، وبأحواض زجاجية، وهاونات للطحن، ومراجل ومناخل وموازين ذات أشكال متعدِّدة، كما استعان بمساعدين لإدارة ذلك المعمل. وأمام انشغاله الكبير بهذا المعمل الذي أخذ يرد عليه نوعاً من المردود المادي، تخلى جابر عن حانوت العطارة لأحد أصدقائه. 

منهج جابر العلمي

كان جابر بن حيان قد أخذ على نفسه التثبت من صدق ما قاله الأولون بالتجربة والممارسة، لذلك كانت تجاربه في كثير من الأحيان تكذّب أوهامهم ودعواهم. فكان ينصح مساعديه في المعمل بهذه القاعدة: أوصيكم بالتجريب، فإن من لا يجرّب لا يصل إلى أدنى مراتب الإتقان، فعليكم بالتجربة طريقاً صحيحاً للمعرفة. وكان يقول: ما افتخر العلماء بكثرة العقاقير، ولكن بجودة التدبير.

تواصله المستمر مع الإمام الصادق(ع)

توجّه جابر لأداء فريضة الحج بصحبة أمه وزوجه وأولاده، ومرّوا بالمدينة المنوّرة لزيارة الرسول (ص). ثم توجهوا إلى منزل الإمام جعفر الصادق (ع). ودار بين الإمام وجابر حوار عن طبيعة العناصر والمعادن فقال له الإمام (ع) «إنك تتقدم بعلم اليونان ومصر قدوماً يا أبا موسى، ولكن كيف ترى هذه المعادن تتكوّن في باطن الأرض؟ فأجابه جابر: كان أرسطو يعتقد أنها تتكوّن نتيجة البخار والماء، ولكن عقلي يحدّثني بأنها تتكوّن في باطن الأرض نتيجة لاتحاد الكبريت والزئبق والأملاح، وهذا الأمر يشغلني وسوف أسبر غوره بالتجربة إن شاء الله». 

وصية الإمام (ع) لجابر

عاد جابر بأهله إلى الكوفة، وبعد أيام وصلته رسالة من الإمام (ع)، ومما جاء فيها: «واتخذ يا جابر تلاميذ يحملون علمك من بعدك، ويعون من علمك ما تقصر الأوراق عنه، فعلمك يا جابر علم ممارسة قبل أن يكون علم كتب... واختبر من يتعلّم على يديك يا جابر مثلما تفعل مع المواد والعناصر، فالناس معادن، ولا أحد من الزراع يغرس نبتة في صخرة، ولا حيث ينعدم الماء... واعلم يا جابر أن العلم ليس ثمرة رجل واحد، فلا تبقَ في الكوفة فتأسن مثل ماء يفسده طول الركود. العلم يا جابر كحبوب اللقاح تحملها الرياح في كل فجّ، فترحّل في طلب العلم ومخالطة العلماء، وابتعد عن السلطان ما وسعك الجهد، واحذر أن يسخّر أحد علمك في الشر، ولا تفصح حتى لا يفهم عنك إلا عالم، ولا يعرف سرّ الصنعة إلا العلماء، واعلم يا جابر أنك ستجد من يسيء العمل بالعلم مثلما تجد من يسيء العمل بالدين، فدعك منه فهو مسؤول عن عمله أمام الناس في الدنيا وأمام الله في الدنيا والآخرة...».

حفظ جابر وصايا الإمام ونقشها في صدره وعمل بها... وتركها أثراً خالداً في كتاب يشتمل على ألف ورقة تتضمّن رسائل الإمام الصادق (ع) له وهي خمسمائة رسالة طبعت في أوروبا ومصر. 

بعض اختباراته ونتائجها

1  تحضيره حمض الهيدروكلوريك بتقطير مخلوط من ملح الطعام والزاج القبرصي (كبريتات الحديد) ولم يعرف حمض الهيدروكلوريك في أوروبا حتى أواسط القرن السابع عشر الميلادي عندما حضّره العالم الألماني غلوبر في العام 1648م.

2  تحضيره حمض الكبريت من الزاج الأزرق (كبريتات النحاس) وأسماه زيت الزاج أو زيت المذيب.

3  تحضيره حمض النيتريك بمزج رطل من الزاج القبرصي (كبريتات الحديد) ورطل من ملح الصخر (نترات البوتاسيوم أو ملح البارود) وربع رطل من الشب اليماني ثم قطّر المزيج بنار شديدة. وقد عرّفه بأنه نوع من المياه الحادة واستخدمه في إذابة الفلزات، ولم يذكر هذا الحمض أحد قبله.

4  تحضيره حمض الخلِّيك، وذلك بتقطير الخل المصنوع من عصير العنب بعد تهويته حتى يتم التخمر والتحول الكامل إلى خل. وتقطير السائل المحتوي على الخل مرّات حتى يحصل في النهاية على الحمض المركز، وقد أسماه الخل المصعّد أو روح الروح.

5  تحضيره الماء الملكي )aigeR auqA( وذلك بمزج حمض الهيدروكلوريك والنيتريك، هذا الماء الذي يذيب الذهب، فبعد أن وضع خاتماً من الذهب في المحلول فتحوّل إلى سائل، هتف قائلاً: «إنه ماء الذهب، أذابه الماء... الماء الملكي» فكان بذلك يسجل اكتشافين: الماء الملكي الذي سوف يظل الاسم الذي خلعه عليه يتردّد من بعده، وماء الذهب الذي يستخدم على مرّ العصور في صناعات كثيرة.

6  تحضيره بعض المركبات الكيميائية الأخرى، مثل: الصودا الكاوية )HOaN(، وكربونات الرصاص القاعدية )2)HO(bP ,3OCbP( وأسماه أبيض الرصاص  الأسفيداج) وكبريت الزئبق وأسماه الزنجفر.

كما درس خواص بعض المواد كالفضة والزئبق والسموم، ووصف العمليات الكيميائية المعروفة في عصره، وبيّن أهمية كل منها.

كما اختراع ورقاً غير قابل للاشتعال وذلك بطلب من الإمام جعفر الصادق (ع) الذي اراد أن ينسخ كتاباً له لا يتأثر بالنار. واختراع نوعاً من الطلاء التي تقي الثياب من البلل وتمنع الحديد من الصدأ. واكتشف جيراً مضيئاً من كبريت الأنتيمون، استخدمه في كتابة المخطوطات الثمينة وزخرفتها بدلاً من الذهب الخالص باهظ الثمن. واختراع أصباغاً جيدة لصبغ الجلود ولدباغتها.

واستخلص الكثير من العقاقير الطبية: النباتية والحيوانية والمعدنية. وما ذكرناه يعد قليلاً مما توصل إليه جابر بن حيان في علوم الكيمياء. 

إلى طوس مجدداً

كان جابر بن حيان قد عمل بنصيحة الإمام جعفر الصادق (ع) فترك الكوفة قاصداً بغداد التي أخذت العلوم تتقدم فيها زمن هارون الرشيد. وكان على علاقة جيدة بالبرامكة الذين قدّروا علمه وأعانوه على ذلك. وعندما نكب الرشيد بهم، خاف جابر على نفسه، فخلف على معمله في بغداد تلميذه عز الدين، ورحل إلى طوس، فأقام بيتاً جديداً مكان منزله القديم الذي تهدم، كما أقام معملاً أكثر كمالاً.

وبعد عشر سنوات ينتقل الرشيد إلى طوس ويمرض هناك ثم يموت فيدفنه ابنه المأمون فيها. صحب المأمون عز الدين لزيارة جابر وهو شيخ في الثالثة والتسعين وقال له مداعباً: هربت منا يا شيخنا فسعينا نحن إليك، ولو بقيت معنا في بغداد ما مسّك أحد بسوء.

قال جابر بوهن: الفتن لا تبقي على سلامة أحد يا بني... وفي الفتن يلوذ العلماء بالفرار وهو الأسلم، فالعلم هو ما يبقى من الأمم. ولولا هروبي لما كانت هذه الكتب: 112 مقالة في صناعة الكيمياء، و70 بها مذهبي في الكيمياء وهي خير ما كتبت، و140 في علم الموازين...

ثم كانت وفاته في العام 198ه/ 813م. 

كلمة أخيرة

كان جابر بن حيان قد ألَّف في مجالات كثيرة كالطب والرياضيات والفلسفة حتى بلغ تأليفه 360 كتاباً ورسالة، لكن شهرته في الكيمياء غلبت كل ذلك، لأنه ثبت دعائمها كعلم وهذّب حواشيه وبيّن منهجه الصحيح، بعد أن كانت الكيمياء صناعة وخبرة تستخدم في التعدين والتحنيط والنسج والصباغة وعمل الزجاج وتحضير الزيوت والعطور ما إليها. ومن كتبه فيها: كتاب الأسرار، وكتاب التراكيب، وكتاب الخواص، وكتاب الأحجار، وكتاب الموازين، وكتاب الملاغم، وكتاب الأصول، وكتاب السموم، وكتاب التنقية، وكتاب كشف الأسرار وهتك الأسرار، وغيرها الكثير من الكتب القيّمة التي ترجمت إلى لغات مختلفة، واستفاد منها علماء الغرب في القرون الوسطى وطوّروا علومهم في الكيمياء على أساسها.

ويوجد اليوم أكثر من 300 كتاب عربي في الكيمياء محفوظة في مكتبات أوروبا ودار الكتب المصرية، منها 50 مؤلفاً لجابر وحده.

كان جابر، بحق شيخ الكيميائيين العرب والمسلمين.إذا كنا نترجم لسيرة علماء أضاؤوا سماء العالم بعلومهم وتجاربهم، وأعانوا البشرية في تقدّمها وتطوّرها، فهذا لا يعني أننا نقرأ سيرة أولئك الكبار كمجد من الزمن الغابر، بل نقرأها ونعيها كحافز لاستنهاض الهمم، وننظر إليهم كمثال يحتذى بهم، ثقةً منّا أن في هذه الأمة مبدعين تحتاج إليهم أوطانهم في شتى مجالات الحياة، ولا سيما في مجالات التنمية التي هي من أكبر تحديات الشعوب الإسلامية ومجتمعاتها.  

إلى متى الهروب..؟!

رجاء محمد بيطار 

  إلى أين؟...

  إلى المجلس العاشورائي.

  الآن؟... ولكني أراك متعبة!...

  لا بأس، فالمكان ليس ببعيد.

... وتابعتُ وأنا أسوّي عليّ ثوباً أسود، أكثر اتساعاً بقليل من الثوب الذي كنت أرتديه:

  ثم أنها أيام عشرة، وقد كادت تنقضي، وأنا لم أتمكّن من المشاركة كما يجب بعد، فوقتي لا يسمح كما ترى!

ثم تناولت وشاحاً أسود، كنت أستعمله دائماً في المناسبات المماثلة، لففته حول عنقي،... استدرتُ نحو المرآة، رفعته على رأسي للحظة، لم أدرِ لماذا، ولكني سرعان ما عدت أرخيه، أعيده إلى وضعه السابق وأنا أطرد فكرة مفاجئة. امتدت يدي تسوّي ما تناثر من خصلات شعري في حركة تلقائية، ثم استدرتُ لأمضي نحو الباب، دون أن أنظر إلى وجه زوجي المرهق، الذي كان مستلقياً على السرير أمامي، يحادثني تارة ويغالب النوم أخرى. أظنني ما كنت لأنظر إليه، بعد أن لم يكن ليبدي أي انعكاس أو انفعال تجاه طريقة لباسي، لا سلباً ولا إيجاباً. مضيت نحو الباب وأنا ألقي التحية، هتف وهو يستدير إلى الناحية الأخرى مغمضاً عينيه في محاولة للنوم:

  مع السلامة،... لا تتأخري،... حاولي العودة قبل الغروب، أنا معتمد عليك لإيقاظي، فلدي موعد عمل مع سكرتير التحرير عند السابعة.

  لا تحمل هماً،... سأعود إن شاء الله في الوقت المناسب.

... أغلقتُ الباب خلفي وأنا أسارع نحو درج المبنى المؤلف من طابقين أسكن وزوجي أعلاهما. ألقيت نظرة خاطفة نحو ساعتي لأتأكد من عدم تأخري عن موعد المجلس، ثم تابعت الطريق.

... ووصلت، كان مجلساً حافلاً كالعادة،... ألقيت السلام عاماً، واتخذت مجلسي في ركن منزوٍ شيئا ما... لم تلبث القارئة أن بدأت؛... تلاوة القرآن حملتني إلى بُعد آخر، والمجلس المؤثر أضفى على كياني قشعريرة ورهبة، وحمل إلى عيني دموعاً عصية، لم أدر في تلك اللحظة كما لم أدرِ قبلاً، لماذا كانت دموعي عصيّة! كان الحزن على سيد الشهداء يعتصر فؤادي، والأنين يسحق أعماقي، ولكن دمعي كان متحجراً ومقلتي مجدبة... ربما أكثر من العادة في ذلك اليوم. وتساءلت كما في المرّات السابقة: لماذا؟ ودموعي في الأصل غزيرة أذرفها لأتفه الأسباب؟!... قفزت إلى ذهني على حين غرّة صورة الوشاح الأسود وحادثة المرآة،... أقصيت الصورة والفكرة بإصرار، وتابعت الاستماع، ازدردت الغصّة مراراً، واعتصرت العبرة،... قرعت صدري بيدي على وقع الندبة التي راحت القارئة ترثي بها أبا الفضل العباس (ع). كان الصوت هادئاً شجياً، وكان للسيرة ذاتها، ولشخصية ذلك العظيم وقع خاص في فؤادي. رحت أحاول أن أرافق وقائع شهادته الزاخرة بكل صنوف التضحية والإباء،.. حاولت مراراً أن أتمثل الموقف، أن أندمج في ظلال الصورة وألوانها، أن أتنفّس عبقها العلوي، ولكن عبثاً،.. شعرت أكثر من أي وقت مضى بأني مُبعدة، مبعدة عن رحمة الله، وبركة هذا المجلس،.. وغمرني الحنق،.. على نفسي،.. على وضعي ربما،.. نظرت حولي،.. عادت صورة الوشاح تنسدل أمام ناظري،.. أشحت جانباً، وإذا بالموقف الخالد يتأزم،.. إذا بيد العظيم تمتد نحو الماء لتروي ظمأ الشفاه، وإذا بقلبه ينتفض، يرفض أن يسبق الوليّ بالري،.. ينفض الماء، يستعيذ منه كمن يستعيذ من شيطان.. لم تكن القصة جديدة، ولكن إيحاءها كان مختلفاً هذه المرّة،.. لم أدرِ لِمَ توقفت عند هذه الصورة.. تابعت بقية الأحداث.. لقد تهاوى الطود الشامخ،.. اصطبغت الصفحة الصافية بنجيع قان، وقفت منتصبة فجأة، وقد ضجّ المجلس حولي بالبكاء، لم أدرِ ماذا أصنع،.. لم يكن في مقلتي دمع لأذرفه، ولكن، كان في أعماقي انفجار لم أدرِ كيف أزفره،.. وخرجت على الفور مستجيبة لوقع الدوي الصامت،.. اندفعت نحو الخارج كالهاربة، كالمنبوذة،.. وفي ظنّي أن الحصار المحكم حولي سيتبدّد،.. ولكنه لم يفعل،.. كان نابعاً من الداخل، ولذلك لم يفعل. وطالعني في الخارج لون الشفق، تتداخل ألوانه في لون النجيع، تمثل لي حديث كنت قد سمعته في وقت سابق، ولكني لم أتدبّره، وفحواه: «إن ذكراه يحيي القلوب، وإن البكاء عليه يغسل الذنوب »، تململتُ ورفعت ناظريّ زاوية السماء، قد ألقت بهامتها الذهبية فوق عاتق الأفق القاني، ثم راحت تتجمّع بأنفاسها الناعسة خُمُر الغيم المتفرِّقة لتجعل منها وشاحاً شيئاً فشيئاً وهي ترمقني بأشعتها النفّاذة، على الرغم من السحاب والظلام المتسلّل، ثم لم تلبث أن توارت، لتترك لي بقايا وشاحها المخضب، تتسلّل إليه خيوط من وشاحي الأسود. كانت الصور تخترقني، وتنفذ إلى أعمق ذرّة في وجودي، نظرت حولي، استشعرت عمق خطيئتي وعجزت عن الهروب،.. لا، بل لم أعد أريد الهروب، وإلى أين الهروب لو أردت، والحق يحيط بي من كل جانب؟.. لا بل إلام الهروب؟!

صعقني السؤال، سكّن ثورتي،.. وتدافعت الأفكار نحوي، لم أحاول منعها كما تعوّدت دائماً أن أفعل،.. «الحجاب»، إنه أمر لم أقتنع يوماً بأنه خطأ،.. بل لم أشكّ يوماً في أنه صواب،.. ولكني كنت دائماً أتوارى وأتهرّب منه، أتوسّل الذرائع لتجاهله،.. تارة أرى فيه قيداً يحول دون حريتي في الحركة، وأخرى حاجزاً يقف بيني وبين الترقّي في حياتي العملية، ووظيفتي في مكتب المحاسبة الذي أصبح ترؤسي له قاب قوسين أو أدنى، وطوراً أتجاهل أهميته، لأقنع نفسي بالقول والعمل، إنه ليس ضرورياً، طالما أنني أصون نفسي بالتصرّف السليم المتّزن،.. وتضاحكت،.. أي تصرّف متزن ذاك، الذي يزج بي بين زملاء رجال ينهبون ما بدا من جسدي بأنظارهم، فأشعر وأتجاهل، وأتعلّل بالبراءة والأخوّة والزمالة؟!.. إنني مهما حاولت أن أمحي هذه الصورة فلن أستطيع، لأنها واقع لا مجال لإنكاره،.. تنهّدت تنهّداً خلت مع أن أنفاسي قد نفدت،.. أردت العودة إلى واقعي،.. إلى غفلتي السابقة،.. لم أستطع،.. ولكني عدت إلى واقعي الزمني على كل حال. رمقت ساعتي بنظرة عجلى وأنا أتذكّر كلمات زوجي،.. وجدتها تناهز السادسة،.. ما زال أمامي من الوقت ما يسمح بالوصول إلى المنزل لإيقاظه علّه يدرك موعده. غلّفت أفكاري بغلاف شفاف وحزمتها جانباً ريثما أنهي مهمّتي،.. وعدت إلى المنزل، أيقظته،.. تحمّلت امتعاضه المكبوت من تأخّري وخوفه من عدم إدراك موعده، طيبت خاطره ببضع كلمات، استشعرت برودتها الثلجية في أذني،.. لم أدرِ إن كان قد لمس شعوري، ولكني أدري أنه هدأ، وخرج من المنزل بابتسامة ربما يكتنفها بعض القلق والتوتر. على أن قلقي وتوتري أنا قد تبدّدا تماماً،.. لم أدرِ ماذا حدثّ.. كل أفكاري التي غلّفتها عادت إليّ حالما توارى، وخلوت إليها،.. مطمئنة،.. أجل، لقد عادت تلك الأفكار حرّة طليقة،.. تنسّمت عطر حريتها وأنا ألتفت نحو المرآة من جديد،.. أرمق بناظري الوشاح المستقر فوق كتفيّ، وأسال نفسي السؤال ذاته من جديد واضحاً، لا أحاول إقصاءه: «إلى متى الهروب؟.. لماذا الهروب أصلاً؟». وتعهدت لنفسي هذه المرّة أن أجيب، وأجبت: «لأنني ضعيفة لا أستطيع المواجهة!».

وثرت، كعادتي حين أرفض النقص والإهانة: «كلا... أنا لست ضعيفة، ربما كان الضعف قد طرأ عليّ يوماً، ولكنني لست ضعيفة، وهذا ما لن أتنازل عنه!».

.. ووجدتني أتخذ القرار،.. صائباً صارخاً، مدوّياً مفاجئاً،.. وجدتني ألمس الوشاح الأسود بأطراف أناملي،.. ثم أقبض عليه، أمسكه بعزم، أرفعه بيد ثابتة، وأغطّي به شعري. استطلعت مظهري الجديد في المرآة،.. هالني ما قدحت به عيناي من تصميم، وهزّني المنظر،.. خفق قلبي بشدة،.. دمعت عيناي وأنا أتذكّر مشهد العباس (ع) وهو ينبذ الماء كأنه ينبذ لعيناً،.. ترقرقت صفحة الماء أمامي من جديد، كان النجيع قد أخذ يستحيل إلى لون شفاف لازوردي، أشبه بلون الضياء،.. انحدرت دموعي على وجنتي وأنا أطبق أهدابي، أضمّها وأضمّ الصورة العلويّة في ثناياها،.. وتوجّهت بكلّي إلى خالقي،.. واستشعرت وجود ذاك العظيم في الأفق حولي، خاطبته،.. وأشهدت ربي:

«سيدي،.. بذلت مهجتك في سبيل إعلاء كلمة الهدى،.. حاربتَ الهوى في أصغر الأمور، فكيف أنصاع أنا لهواي، يقهرني بريق كاذب، ومنصب وجاه قد تعيرني إياهما الدنيا زمناً لتسلبنيها بعد ذلك إلى الأبد؟.. أأبيع الباقي بالزائل، والخلود بالفناء؟! لا والله لا أفعل ».

ورفعت كفّي ألتقط دمعي،.. أمسح به على فؤادي بوقع الندبة الحسينية،.. وتذكّرت الحديث،..،.. أجل: إن ذكر الحسين (ع) يحيي القلوب، والبكاء عليه حقاً يغسل الذنوب،.. وهل فوق ما أعيشه الآن دليل؟!