شبكة الإمامين الحسنين عليهما السلام للتراث و الفکر الإسلامي

 

في رحاب مؤسسة الإمام الخوئي الخيرية 

في وسط المدينة وعلى تقاطع شارعين رئيسين ) ( يرتفع مبنى مؤسسة الإمام الخوئي الخيرية بطوابقه الأربعة.

يطل علينا المشرف الديني للمؤسسة فضيلة الشيخ علي الفتلاوي مستقبلاً ومرحباً وبعد السلام والاستراحة، دار بيننا حديث لا ينتهي عن شؤون المسلمين وشجونهم في بلاد الاغتراب وكندا على وجه الخصوص، وكان لنا أسئلة عديدة حول هذه المؤسسة الناهضة في خدمة الجالية المسلمة في مونتريال: تاريخها، وأهدافها، ونشاطاتها.

فضيلة الشيخ:

 متى تأسست مؤسسة الإمام الخوئي في مونتريال؟

 في العام 1992 اشترت المؤسسة الأم  في لندن  هذا المبنى ليكون فرعاً جديداً لفروعها المنتشرة في بلدان عديدة من العالم، ودفعها إلى ذلك تواجد المسلمين بنسبة كبيرة في مونتريال وحاجتهم الماسة إلى مركز إسلامي يفي بمتطلباتهم الدينية والثقافية ويحل مشاكلهم الاجتماعية في بلاد الاغتراب.

 ما هي أهداف المؤسسة؟

 رأينا أن الجالية الإسلامية بحاجة ماسة إلى مكان مناسب لممارسة الشعائر الدينية ولممارسة مختلف الأنشطة التربوية والثقافية والاجتماعية والرياضية وغيرها، فأخذنا على عاتقنا تلبية رغبات الجالية في ذلك.

 هذا بالنسبة إلى المكان، ماذا عن الأهداف الأخرى؟

 تهدف المؤسسة إلى نشر تعاليم الإسلام وإحياء شعائره ومتابعة أحوال أبناء الجالية وحل مشاكلهم الاجتماعية والتربوية، وتوثيق كل الروابط الأخوية والدينية بين أوساط الجالية وتوحيد صفوفهم والحفاظ على هوية أبناء الجالية وخصوصاً جيل الشباب وتوعيتهم وتثقيفهم بثقافة الإسلام وتحصين عقائدهم وتسديد مسلكيتهم.

 ألا تخشون من انعزال المسلمين في مجتمعات ضيّقة داخل المجتمع الكندي؟

 في هذه المؤسسة نعمل جاهدين على الانفتاح على مختلف الشخصيات والمؤسسات الحكومية والمدنية في المجتمع الكندي وإعطاء الصورة الحقيقية عن الإسلام والمسلمين وتمتين العلاقة معها لخدمة أبناء الجالية، كما نساعد هؤلاء على الانخراط الواعي والمدروس في المجتمع الكندي بما يحفظ الهوية الإسلامية لأبناء الجالية، وإعطاء الصورة المشرقة عنهم وعن الإسلام.

 كيف يجري الاهتمام بالشؤون الدينية؟

 أنشأت المؤسسة ضمن هيكليتها مكتباً للشؤون الدينية من مهماته الرد على استفتاءات الإخوة والأخوات وذلك من خلال استقبال الاستفتاءات الشفوية والتحريرية والإجابة عنها باللغات العربية أو الفارسية أو الإنكليزية أو الفرنسية. والإجابة على الاستفتاء المطلوب يجري حسب رأي المرجع الديني الذي يقلّده المتّصل.

كما يجري المكتب عقود الزواج ومعاملات الطلاق الشرعية ودراسة الأمور المترتبة عليها.

كما أخذ المكتب على عاتقه تنظيم وصايا المسلمين وكتابتها وضبطها من الناحية الشرعية مع ملاحظة القوانين السارية في البلاد.

 ألا يقوم المكتب الديني بإعطاء الدروس الفقهية والعقائدية للراغبين؟

 بلى، يعطي المركز دروساً في الفقه الإسلامي ودروساً في العقائد والتربية الإسلامية وفي الأخلاق والتفسير الموضوعي. وهناك محاضرات إسلامية متنوعة عامة وذلك يتم بشكل يومي. كما يجري تهيئة الإخوة والأخوات الراغبين في أداء فريضة الحج، حيث يتصدى المرشد الديني في المكتب لتوضيح ما يتعلق بأمور الحج من مناسك وآداب ومستحبات، كما يحيي المركز ذكرى ولادات الرسول (ص) وأهل بيته الأطهار (ع) وذكرى وفياتهم، وتكثر النشاطات في المركز في موسم عاشوراء حيث نستقدم الخطباء الحسينيين، فتقام مجالس العزاء والخطابة والمواعظ طيلة شهري محرم وصفر.

أما شهر رمضان المبارك فله جوّه الخاص في مونتريال حيث يكون مناسبة لاجتماع المؤمنين في جو من الإلفة والتعارف لا سيما بعد الإفطارات العامة وما يتبعها من تلاوة آيات قرآنية وقراءة بعض الأدعية المختصة، وشرح مسائل فقهية متعلِّقة بالصوم بالإضافة طبعاً إلى إحياء ليالي القدر.

 هل لديكم برامج ومجالس دينية للمسلمين الذين لا يحسنون العربية؟

 نعم لدينا مجالس أسبوعية باللغة الفارسية للإخوة الإيرانيين. ولدينا دورات دينية مكثّفة بالفقه والعقائد والمفاهيم الإسلامية العامة باللغة الإنكليزية للإخوة الكنديين المسلمين. ويدرّس هذه البرامج الدكتور السيد خليل الطباطبائي حيث يحاضر بثلاث لغات أعني العربية والفارسية والإنكليزية.

كما أن الإخوة الباكستانيين لديهم برامجهم الدينية باللغة الأردية.

 هل هناك برامج خاصة للفتية والفتيات؟

 ينظم المركز دورات لتعليم تلاوة القرآن الكريم وإقامة مسابقات في هذا المضمار للراغبين، إلا أن اهتمامنا بهؤلاء يجري في مدرسة الهدى.

 هل هي مدرسة نموذجية كبقية المدارس؟

 مدرسة الهدى تقع هنا في هذه المؤسسة حيث خُصّص لها طابق يحتوي على ثمانية صفوف وتعد هذه المدرسة «مدرسة أسبوعية» إن صحّ التعبير أي أنها تفتح أبوابها كل نهار سبت بدءاً من شهر أيلول/ سبتمبر إلى 31 أيار /مايو من كل عام بمعدل خمس ساعات، لتعليم القرآن الكريم والتربية الدينية واللغة العربية، كما أن هناك ساعة كاملة للصلاة والغداء والاستراحة، وهذا يتم وفق ثماني مراحل على الشكل التالي:

الروضة، والتمهيدي، والأول، والثاني، والثالث، والرابع، والخامس والسادس.

 ما هي مشاريع المؤسسة الأخرى؟

 افتتحنا هذا العام مدرسة الهدى الأكاديمية، حيث جرى تأمين المبنى وأجرينا بعض الترميمات والتغيرات عليه بحيث أضحى مؤهلاً ليكون مدرسة حسب المواصفات القانونية لوزارة التربية والتعليم في «كيبك»، وجرى تجهيزه بأحدث التجهيزات التي تساعد الطلاب على طلب العلم في مناخات المدارس الحديثة.

وقد تمّ إعداد المدرسة بحسب طلبات الوزارة الفنية والمالية والتربوية.

 بماذا تختلف مدرسة الهدى عن غيرها من المدارس الكندية؟

تتبنى مدرسة الهدى البرنامج الكندي الرسمي واللغة الفرنسية هي اللغة الرسمية للتعليم، لكنها تعتمد مناهج لتعليم اللغة العربية ومبادئ الدين الإسلامي والشريعة السمحاء، كما تؤمن أجواء تربوية واجتماعية وأخلاقية سليمة لأبناء الجالية، الأمر الذي سيؤمن انخراطهم في المجتمع الكندي على نحو سليم دون الذوبان بعادات وتقاليد لا تمس إلى ثقافتنا بصلة.

 ما هي مشاريعكم المستقبلية؟

نسعى لبناء قاعة كبيرة تصلح أن تكون قاعة للرياضة لطلاب المدرسة وأبناء الجالية الإسلامية، وكذلك لإقامة المجالس والندوات فيها، لأن القاعة الحالية بدأت تضيق بالحاضرين.

كما نسعى لفتح المدرسة الثانوية للطلاب والطالبات. 

جولة في رحاب المكتبة

مكتبة صغيرة، لكنها متنوّعة وما زالت في طور الإنشاء والتقدّم لتضم المزيد من الكتب العلمية والفكرية والثقافية باللغات العربية، الفرنسية والإنكليزية التي تثري الباحث وتغنيه. يجد الزائر في هذه المكتبة ما يسد رمقه من الغذاء الفكري، فالكتب مرتبة على الرفوف تبعاً لاختلاف العلوم، كعلم التفسير وعلم الفقه وعلم الأصول وعلم التاريخ، كما أفرد حقل للكتب الثقافية العامة والمختلفة، وقام القائمون عليها بفهرسة هذه الكتب، كما أن هناك قسماً خاصاً لبيع الكتب بأسعار تشجيعية للراغبين. 

التواصل والحوار

فضيلة الشيخ.. كيف تجري سبل التواصل والحوار مع الآخرين؟

 تنفتح مؤسسة الخوئي في مونتريال على المسلمين كافة وتؤسس لحوار مع الكنديين غير المسلمين وذلك من خلال الندوات الشهرية والفصلية والمؤتمرات السنوية من خلال مجلة الأنوار التي تصدر عن المؤسسة. 

المركز الإسلامي اللبناني 

من مؤسسة الإمام الخوئي الخيرية انتقلنا إلى المركز الإسلامي اللبناني، والذي يقع في وسط المدينة بالقرب من شارع )tneruaL - tniaS( وهو الشارع الرئيس الذي يفصل مدينة مونتريال بين شرق وغرب. والمركز كناية عن طابق واحد مساحته ثمانية عشر ألف قدم مربع يتضمن مكاناً للصلاة يتسع لأكثر من مائتي مصلٍ، مع مرافقه الخاصة، وقاعة اجتماعات كبرى مع منبر بمنزلة مسرح صغير. وهذه القاعة تتسع لألف ومائتي كرسي. ومكتبة ناشئة، ومدرسة لتعليم اللغة العربية في نهاية الأسبوع تتضمن ست غرف، ومطبخاً مجهزاً بآلات حديثة لإعداد الطعام ذاتياً، وصالة للاستقبال تتسع لأكثر من سبعين شخصاً، ومكتباً شرعياً لاستقبال المراجعين.

وكان باستقبالنا المشرف العام على المركز سماحة السيد نبيل عباس الموسوي. 

البذور الأولى

سماحة السيد، تفتح المركز الإسلامي اللبناني براعم قبل اكتماله في العام 1993، حبذا لو تطلعنا على مسيرة المركز.

 تأسست فكرة المركز في بداية السبعينيات على يد ثلة من الرواد الأوائل الذين هاجروا إلى هذه البلاد واستقرّوا في مونتريال، وكانت السهرات والاجتماعات تعقد في البيوت بهدف تنظيم أمر الجالية اللبنانية والاهتمام بشؤونها، ثم ارتأى الإخوة استئجار مكان لتجمع الجالية فتنقّل المركز في عدّة أماكن قبل عام 1983، ثم اشتري بناء في العام نفسه وعمل الإخوة في خدمة الجالية من خلاله حتى العام 1987 حيث اضطروا لبيعه تحت وطأة الظروف الصعبة المادية وغيرها على أن يشتروا غيره بعد فترة. وفي نهاية سنة 1990 قدمنا إلى هذه البلاد بصفة وكيل للمرجعية والتي كانت تتمثل آنذاك بالمقدس السيد الخوئي (قدس) ثم بعد وفاته حصلنا على وكالة من المراجع المرتحلين قدس الله أسرارهم السيد الكلبيكاني والسيد السبزواري والسيد الروحاني واليوم نحمل وكالة كل من آية الله العظمى السيد علي السيستاني وآية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم موجهة إلى المؤمنين في كندا إضافة إلى تمثيل كل من المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان والمحكمة الشرعية الجعفرية في كندا. قدمنا في ذلك الوقت وشاهدنا المعاناة المريرة التي تلم بأبناء الجالية حينما كانوا يلوذون في مناسباتهم ببعض الكنائس أو الأماكن المستأجرة، فاستأجرنا مكاناً تحت اسم المركز وعملنا من خلاله مدة سنتين ونصف كانت فرصة رأت الجالية من خلالها أنموذج عمل كامل يجمع ما بين إحياء المناسبات الدينية ومناسبات الناس الاجتماعية وسائر الأنشطة العامة. حتى جاءت الظروف الملائمة بتوفيق الله تعالى وجهد المؤمنين ووجد المركز ببنائه الحالي الذي اشتري ورمّم وأصبح صرحاً لخدمة الجالية. وفي العام 1993 أضحى هذا البناء ثابتاً للمركز الإسلامي اللبناني ووقفاً للجالية اللبنانية، وهو يعد صرحاً من صروح الوطنية والعروبة والإسلام، فالمسيحي يجد فسحة فيه إلى جانب المسلم، والعربي إلى جانب غير العربي من المسلمين وغير المسلمين أيضاً.

سماحة السيد هل يهتم المركز بتعليم اللغة العربية؟

 في أروقة المركز مدرسة تضم أكثر من مائة طفل لتعليم اللغة العربية والقرآن الكريم والتربية الدينية نهار السبت من كل أسبوع بإشراف نخبة من الإخوة والأخوات من أصحاب الاختصاص، والهدف الرئيسي ربط الجيل الجديد بهويته.

ما هي نشاطات المركز الأخرى؟

  يحتضن المركز مناسبات الجالية العامة والخاصة وأفراحها وأتراحها إلى جانب بقية المراكز الموجودة في مدينة مونتريال. وتقام فيه صلاة الجمعة وخطبتاها وبعض الدروس والحلقات المتسلسلة لشرح المفاهيم الإسلامية وتعليمها للناشئة، كما يركز المركز على حسن التواصل مع الناس من خلال المناسبات الإسلامية، لا سيما في ذكرى عاشوراء وشهر رمضان المبارك حيث يؤم آلاف الناس من أبناء الجالية حرم المركز ويجدون دفء الأجواء الروحية وسط الصقيع القارص في هذه البلاد. وتتميز ذكرى عاشوراء في المركز الإسلامي اللبناني بسمةٍ خاصة حيث يشكل مجلس العزاء الذي يقيمه المركز نقطة مهمة في عملية التواصل مع أبناء الجالية والاهتمام بتنشئتهم روحياً كما يتميز مجلس المركز بحضور المئات من النسوة المسلمات اللواتي يصطحبن أولادهن الذين يولدون في هذه البلاد للتواصل مع هذه الأجواء الروحية التي يحتاجون إليها، كما يقيم المركز مناسبات أهل البيت (ع)، ويجيب على أي استفتاء أو سؤال شرعي يوجه إليه سواء بالمقابلة الشخصية أو عبر الهاتف أو الفاكس أو البريد العادي والالكتروني.

كيف يساعد المركز الجالية في حل مشاكلها وتوجيهها دينياً وثقافياً؟

 يوجد في المركز مكتب للقضايا الشرعية (إجراء معاملات الزواج والطلاق..) ويستقبل المراجعين في شتى الشؤون والمجالات الدينية والاجتماعية الثقافية وقد أبرم المكتب أكثر من ألفي وثيقة لأبناء الجالية في مختلف شؤون الأحوال الشخصية والاجتماعية خلال عقد ونصف من وجودنا في هذا البلد، وفي المناسبات الإسلامية تقام المحاضرات والندوات، يتخلّلها حوارات ومناقشات حول القضايا العامة. وفي أروقة المركز أيضاً مكتبة ناشئة حديثة التكوين تمكّن أبناء الجالية من استعارة الكتب لمطالعتها، تتضمن أكثر من ألف مجلد في التفسير والتاريخ والسيرة والفلسفة وعلوم الحديث والفقه وغيرها، كما أصدر المركز مجلة دينية ثقافية اجتماعية شهرية تحت اسم «صراط» يوزع منها كل شهر أكثر من ألفي نسخة في مدن الشرق الكندي، وفيها مقالات باللغتين الإنكليزية والرئيسية، إضافة إلى مواضيع فقهية وعقائدية وتاريخية وأدبية وشؤون المرأة والطفل باللغة العربية، وهي تؤمن مادة فكرية تصل إلى البيوت وتوفر على الناس حتى عناء السعي للحضور إلى المراكز. 

كلمة أخيرة عن المركز

يُعدّ المركز الإسلامي اللبناني تاريخاً لهذه الجالية، يوصل صوتها إلى المجتمع الكندي باعتدال وحكمة كما يعالج همومها وشؤونها ضمن إمكاناته وقدراته المتاحة، وقد استقبل المركز في قاعته شخصيات عديدة كندية وعربية غير إسلامية وإسلامية غير عربية وذلك انسجاماً مع سياسته التي تقوم على أساس الانفتاح الإيجابي الذي يحفظ الشخصية والهوية ولا يفرط بهما، ويحاول المركز أن يتابع لأبناء الجالية بعض مصالحهم في المجتمع الكندي من خلال العلاقات مع السياسيين الذين ينشئون العلائق معنا لأجل مصالحهم كما يوفر المركز لأبناء الجالية الكرام المجال لممارسة دورهم ضمن الموقع اللائق بهم في الحياة الوطنية اللبنانية والعربية والإسلامية العامة.