شبكة الإمامين الحسنين عليهما السلام للتراث و الفکر الإسلامي

 

«النبوءة الأخيرة»

في «الحسين لغة ثانية» للشاعر جواد جميل 

بقلم السيد حسن الخليفة 

بات من المؤكد لدى مؤرِّخي الأدب العربي ودارسيه أن لثورة الحسين (ع) في الوجدان الشيعي حضوراً كمياً ونوعيّاً لا يدانيه أي حضور، وأن الشعر الذي أنتجته قرائح شعراء تلك الثورة الخالدة أصبح يشكل ظاهرة، بحيث إن أي دراسة للأدب العربي لا تضع تلك الظاهرة الشعرية العاشورائية في المكانة التي تستحقها تُعدّ دراسة منقوصة، ولا تَتّسم بالمنهجيّة والعلمية.

وفي ما يخص شعرية الحدث الكربلائي بالتحديد، هناك من يرى أن للأفق المكاني كربلاء، في محيطه الحضاري  العراق، له مسيس العلاقة في تلقّف البعد الملحمي في تلك الفاجعة  المأساة، وفي إعطائها الشعريّة الخالدة. 

العراق والعمق الحضاري:

إن علاقة التماس الحضاري بين كربلاء الواقعة، وكربلاء الموقع حاضرة في المنتج الشعري، أو ينبغي أن تكون حاضرة فيه رؤيوياً وبنيوياً وأن أي ضمور أو توارٍ لا بد من قراءة أسبابه والوقوف عنده.

* على صعيد الرؤيا:

للنفّري (ت 354ه) مقولة شهيرة تربط بين الرؤيا والنص، وتخلق بينهما علاقة عكسية «إذا اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة» مقولة استفاد منها المتصوّفة والعرفانيون، وأخذ يردِّدها الكثير من الشعراء والأدباء والنقاد الحداثيين.

* مكان مسكون بالإرث:

ما كان النفّري إلا أحد الكوفيين الذين استلهموا التراث الذي صنعه أهل البيت عليهم السلام، وأرسوا دعائمه في تلك المدينة.  

زمان يلتهب بالإبداع:

في القرن الرابع الهجري تحديداً، أخذ يتبلور ذلك الإرث الحضاري الذي تركه أهل البيت (ع) في بلاد الرافدين تبلوراً جديداً اتسم بالتصنيف، والعلمية، والمنهجية، وبالتأجج الوجداني على الصعيد الإبداعي، فكأن ذلك الزمن في ما عاشه المبدعون الذين كانوا يعيشون لحظة اكتمال الأشياء بشكل مدهش لما فيه من عطاءات واحتدامات ثقافية لا تزال تشغل الدارسين إلى الآن. 

المثير والاستجابة:

ما قصدته، ورميت إليه، هو أن استشهاد الإمام الحسين (ع)، كان له الدور الفعّال في إلهاب العقول، والقلوب، وفي تنبيه النفوس من الغفلة، وفي إعادة تفعيل النص كتاباً وسُّنة في الواقع الإسلامي، الأمر الذي أسّس له حدث الاستشهاد العظيم، فأثار ما أثاره مشتغلاً على إعادة تحريك الوجداني والبرهاني والبياني بما يكون له الدور الفعّال في إعادة تشكيل وبناء الرؤيا الإسلامية للعالم والوجود.

* على صعيد النص:

يظل قبر الحسين (ع) منارة تشع في بلاد السواد، إنه كما يشير الجواهري:

تعاليتَ من مُفزِعٍ للحتوفِ

وبوركَ قبرك من مَفْزَعِ

تَلوذُ الدهورُ فَمِنْ سُجَّدٍ

على جانبيهٍ ومن رُكَّعِ

إنه الدليل إلى الله، ذلك القبر الشريف، والمفزع الذي يلجأ إليه كل قاصدٍ ناهلاً منه آيات العزّة والكرامة، لتشرق أنواره في ذاته؛ لأنه كذلك، كان عنصر تخصيب لما في الضمائر من ميت وجديب:

.. لِتُبدلَ منه جديبَ الضمير

بآخر معشوشب مُمْرِعِ

ولأنه كذلك أيضاً، رآه دعبل الخزاعي درساً في الإنسانية والأخلاق والجمال، ذلك الدرس الذي أخذ يفوح عليه:

مدارس آيات خلت من تلاوة

ومنزل وحي مقفر العرصاتِ

ثم تأتي النوبة للشريف الرضي الموسوي ، فكيف يهاب الرحيل نحو الكمال وهو ناشده، من رحيل لا بُدّ آتيه، وإن بعد حين، يرتقي الشريف إلى شرفة الطف مطلاً منها على مصير الإنسان في مطلع لاميته المهيب:

رَاحلٌ أنتَ والليالي نزولُ

ومُضُرٌّ بكَ البَقاءُ الطَويلُ

هذا هو هاجس الشريف أما الوضعاء من أمثال يزيد بن معاوية فإن مجداً زائفاً هو كل طموحه، ذلك المجد الذي سخر منه السياب الباحث عن الخلود في قراءته لظِلال الطفِ وأطيافها التي لا تزال، مخاطباً يزيد:

قم فاسمع اسمك وهو يغدو سُبَّةً

وانظر لمجدك وهو محض هباءِ

وهكذا، تستمر وتتواصل القراءات الشعريّة للحدث الكربلائي على مرّ العصور، ولا سيما في بلاد الشعر والشهادة، في أرض الجنائن المعلّقة والإبداع المتواصل في بلاد الحضارات بأرض الرافدين. فإنه لا يخلو ديوان شاعر عراقي من قصيدة في الإمام الحسين (ع)، حتى وإن كان ليس شيعي المذهب كما هو الحال مع بدر شاكر السيَّاب، فالحسين كما خاطبه مظفر النواب بقصيدته (في الوقوف بين السماوات ورأس الإمام الحسين): «ما أنت طائفةٌ..، إنما أمَّةُ للنهوض..»، وحتى أن بعض الشعراء من خصص ديواناً كاملاً في الإمام الحسين (ع) وثورته الخالدة، كما هو الحال مع الشاعر العراقي الشيخ حسن بن مصبح الحلي  على سبيل المثال لا الحصر  ومن الشعراء المعاصرين مَنْ انتهج هذا المسلك، شاعر الفرات الأوسط جواد جميل في ديوانه (الحسين لغة ثانية). 

الحسين لغة ثانية:

تحت هذا العنوان المغاير أراد الشاعر العراقي جواد جميل أن يبني نصاً شعريّاً مغايراً يقرأ به جراحات الحسين (ع)، قراءات ثانية.

وكان بناء هذا العمل الشعري على الصعيد التقني بناءً يسعى لتشكيل معمار شعري واحدٍ للنص/ الديوان، في وحدة تتجاوز وحدة النص/ القصيدة، إلى وحدة النص/ العمل الشعري كله في هذا الديوان.

والشاعر  هنا  يخاطب القارئ المثقف، ويشتغل على النص والهامش، على الشخوص والمرايا، على الوجوه والأقنعة، وعلى الحدث والنبوءة...،  سأقرأ  في هذه المساحة المتاحة  نبوءته الأخيرة مرجئاً ما يأتي إلى ما يأتي..، ومركزاً  في قراءاتي هذه  على جدلية الرؤيا/ العبارة (النص)، والنبوءة الأخيرة قصيدة قصيرة مكثّفة من شعر التفعيلة، تعي دلالات تضيق بها العبارة. 

«النبوءة الأخيرة.»

 القصيدة كاملة: «لغة واحدة/ كيف تلغي المسافاتِ/ بين التوهُّج واللحظةِ الباردة؟/ لم تزلْ بين جرح الحسينِ/ وبين قصائدنا/ مُدنٌ قانية/ ولكي نقرأ الجرحَ، لا بُدَّ من لُغَةٍ ثانيَة». 

الرؤيا  العبارة:

المسافة شاسعة جداً بين حالة التوهُّجِ وما تدل عليه من حياة وحيوية، ومن إرادة لتفعيل عناصر الفعالية في الإنسان حتى يرتقي بذاته في عروج نحو المطلق  وبيان حالة البرود والموات التي تظل بليدة في إحساسها تجاه الأشياء، وفي مواجهتها للعالم من حولها.

طباق نفسي شديد التوتر، وقديماً دقَّ على وتره المتنبي  لاحظ التداعي بين النبوءة/ المتنبي  الذي قال:

«ما لجرحٍ بِمَيّتِ إيلامُ» تعليلاً لصدر البيت: «مَنْ يهن يسهل الهوان عليه» بَيْدَ أن جرح الشهادة جرح حي، بل إنه أشد منّا حياة، شعرنا بذلك أم لم نشعر، إنه  أعني جرح الشهادة  إدانة إلى الموات/ البرود؛ لأنه شاهد عليه في ما فيه من توهّج دائب لا يخبو ولا تنطفئ جذوته أبد الوجود.

إذاً، لماذا، والشعلة المتوهّجة  شعلة الشهادة  أمام أعيننا نحن ولا نستفيد من نورها، أين كل القصائد التي في التراث، وأين التي في الحداثة، أين قلاع اللغة التي بنيناها، هل أصابها الخثر، وهل خبا بريقها..؟؟ أم أننا لم نعد نقوى على وعي إشاراتها..!!؟

ما الذي يريده جواد جميل من اللغة، من المادة التي يصنع منها عَالَمهُ الشعري الذي يريد به قراءة جرح الحسين (ع)...؟

كم مدينة قانية، ومحترقة، وملتهبة بالتضحيات اللامنتهية عليه أن يعبر ويجتاز لكي يجوز بقصيده المنشود إلى مشارف الرؤيا الكربلائية التي تجسَّدت بجراحات الحسين (ع)، والثلة من أهل بيته وأنصاره الخالدين...؟؟

إن هناك إرادة تخلق، ويتخَلَّقُ بها الوجود متجدداً على التقادم لا تهرم أو تشيخ، إرادة معصومة، إرادة عاصمة، تعصمنا إنْ كنّا حقاً مؤهّلِين لوعيها واستلهام عطاءاتها، والتجدّد بها، كي لا نبلى، ولا يجرفنا تيار الانهيار أمام بهارج الدنيا الدنيّة.

إن عالماً أراده صمود الحسين(ع)، واستشهاده، ونريد أن نستلهمَه لا بُدَّ له من لغة ثانية، من لغة تجدد ذاتها لتبقى حيّة لا تموت عصية على التهالك والجمود، لكي تكون مؤهلة لقراءة جراحات الحسين (ع).

لغة مقتدرة على تغييرنا من الأعماق، لكي نكون بمستوى ذلك الحدث الكربلائي العملاق، إنها النبوءة الأخيرة، إما أن تكون أو لا تكون، إما أن تلتحق بركب الحسين التحاقاً متوهجاً توهجاً ثقافياً متصلاً برسالة الدم الذي انتصر على السيف، أو نقر السكون ونقر عليه، نبوءة أخيرة، في قلقها الخلاَّق الباحث عن ذلك التواصل المستنير والمقتدر على اجتراح لغة تمتلك من الثراء الذي يبدل جديب الضمير بالمعشوشب الممرع..، اللغة الثانية التي تنفتح على آفاق قرائية لا حصر لها ولا حدّ، لغة يطمح بها كل شاعر، وكل مبدع يشعر بانسداد أفق الوعي الإبداعي أمام طاقة الفعل الاستشهادي المتوهج. إنه طموح أن يتغيّر النص كواقعة ملتحمة بواقعة كربلاء إدهاشاً وإبداعاً في اقتدار على قراءة جرح الحسين قراءة تتجاوز القراءات اللامنتجة إلى قراءة تبني لغتها من ذلك الجرح المقدّس لتقرأه بلغة أنتجها ذلك الجرح المفتوح على الجمال كله...، فإلى أي عَالَمٍ جميلٍ بتلك النبوءة تَسير بنا صَهوةُ جواد..!!؟؟