شبكة الإمامين الحسنين عليهما السلام للتراث و الفکر الإسلامي

 

استطلاع

المسلمون في ألمانيا

الواقع والتطلعات

تعود (نور الإسلام) لتتابع جولتها من جديد على دول أوروبا مستطلعة وجود المسلمين فيها، مسلطة الضوء على انتشارهم وأوضاعهم الدينية والاجتماعية والاقتصادية والتربوية، وكاشفة عن صعوباتهم وانجازاتهم وآمالهم.

وهي بعد أن جالت في أعداد سابقة على عدد من دول القارة الأوروبية، تجعل محطتها في هذا العدد دولة ألمانيا، التي تأتي في الدرجة الرابعة من حيث عدد المسلمين في أوروبا، بعد روسيا ودول يوغوسلافيا السابقة وفرنسا، حيث يقدّر عدد المسلمين فيها ما بين ثلاثة إلى أربعة ملايين مسلم حسب اختلاف التقديرات.

ويعكس هذا الاستطلاع على إيجازه الجذور التاريخية للإسلام والمسلمين في ألمانيا، وحيوية أبناء الجالية المسلمة فيها، وتطلعاتها نحو المستقبل.

ألمانيا

* تقع ألمانيا وسط أوروبا، ويحدّها من الشمال: الدانمارك وبحرا البلطيق والشمال، من الشرق: بولونيا، تشيكيا والنمسا، ومن الجنوب: النمسا وسويسرا، ومن الغرب: هولندا، بلجيكا، لوكسمبورغ وفرنسا.

* تبلغ مساحتها 358 كلم2، وعدد سكانها (80.1) مليون نسمة طبقاً لإحصاءات 1991.

* في 3 تشرين الأول سنة 1990، أعاد الألمان توحيد شطري ألمانيا الشرقي (الاشتراكي) والغربي (الرأسمالي) بعد أن قسّمها الحلفاء إثر هزيمة النازيين في الحرب العالمية الثانية، وعادت كما وحّدها بسمارك سنة 1871م، كما عادت برلين عاصمة لها منذ حزيران 1991، بعد أن كانت بون عاصمة ألمانيا الغربية وبرلين الشرقية عاصمة ألمانية الشرقية.

* تعتبر ألمانيا اليوم ثالث قوّة اقتصادية في العالم (بعد الولايات المتحدة الأميركية واليابان) والقوّة الأولى في أوروبا، وذلك على الرغم من المشاكل الاقتصادية التي تتخبّط فيها اليوم نتيجة الوحدة، مما أدّى إلى ارتفاع نسبة البطالة والتضخّم، وانخفاض مستوى المعيشة وازدياد الحركات العنصرية.

* وألمانيا هي أول دولة صناعية في أوروبا عامة، وتتميز بميزانها التجاري الرابح دائماً، نتيجة تفوّق صادراتها على وارداتها، وتعتبر ثاني مصدّر في العالم بعد الولايات المتحدة، إذ تصدّر 13% من صادرات العالم، وأبرز صادراتها هي الصناعات المعدنية (الثالثة في العالم في صناعة السيارات) والكهربائية والكيماوية والألبسة والمنسوجات. وأبرز وارداتها: البترول والمعادن، والمواد النسيجية بالإضافة إلى الواردات الزراعية.

محطات تاريخية

يعيد الغربيون الاحتكاك الأول للألمان بالإسلام والمسلمين إلى القصص المشهورة حول بعثات هارون الرشيد وهداياه لإمبراطور ألمانيا شارلمان (أهدى له ساعة مائية غاية في الدقة، وفيلاً عجيباً!!)، وتنقل كتب التاريخ العربية الحديثة ذلك عن المصادر الغربية، بينما لا توجد مصادر تاريخية إسلامية موثّقة حوله.. ويربط الغربيون هذه القضية بأن المسلمين في الأندلس سعوا عام 777م للتحالف مع شارلمان.. فسارع هارون الرشيد لتطويق هذا التحالف بالتفاهم معه!

وبغض النظر عن الإحتكاك العسكري في فترة الحروب الصليبية التي شارك فيها الألمان بفعالية، ثم لدى وصول المسلمين في العهد العثماني إلى أبواب (فيينا) عاصمة النمسا، فيبدو أن أول تواجد للمسلمين في ألمانيا يعود إلي مطالع القرن الثامن عشر في عهد الدولة البروسية، إذ قامت بين بروسيا والدولة العثمانية في عهد السلطان محمد الثاني (1730 ـ 1754م) علاقات دبلوماسية، واستعان البروسيون بالمدربين المسلمين على الفروسية، حتى بلغ تعداد هؤلاء في الجيش البروسي حوالي الألف فارس في نهاية القرن الثامن عشر من التتار والألبانيين والبوسنيين. وتروي المصادر أن أول مصلّى سمح بإقامته في ألمانيا كان لبعض المسلمين العثمانيين في عهد ملك بروسيا (فريدريك فيلاهلم) سنة 1831م، وفي سنة 1915م بني القيصر مسجداً للأسرى المسلمين في الحرب العالمية الأولى، وذلك في معسكر ونسدورف قرب برلين، وكانت مئذنته ترتفع 23 متراً، وقد أزيل هذا المسجد سنة 1924 لضعف بنائه.

وكانت الموجة الأولى لانتشار أعداد كبيرة من المسلمين داخل ألمانيا قد تكوّنت من هجرة كثير من المسلمين في بداية القرن العشرين، من الذين فرّوا من آسيا الوسطى وأوروبا الشرقية بعد انتشار الشيوعية في تلك البلدان، فوجدوا في ألمانيا الملاذ والمأوى. وقد بلغ عدد الأتراك والسلافيين المسلمين في برلين وحدها في مطلع عام 1940م حوالي ثمانية آلاف، التحق عدد كبير منهم بالجيش الألماني في عهد هتلر وقضي على الكثيرين منهم في الحرب.

ونتيجة للحرب العالمية الثانية بدأت الهجرة الإسلامية الثانية من دول روسيا وبلغاريا ورومانيا وبولندا، وأقام الوافدون في مدن ميونيخ وهامبورغ، وأنشأوا جمعيات إسلامية ومسجدين في كلتا المدينتين، وبدأت الجالية الإسلامية تنهض حينذاك بعد انهيار وتفكك.

لكن الهجرة الأوسع للرعايا المسلمين إلى ألمانيا تمثلت أولاً بتدفق مئات الألوف من العمال المسلمين الأتراك إليها، وذلك منذ بداية الخمسينات من هذا القرن، بغية العمل في مصانعها التي أُعيد تعميرها بعدما تهدّمت في الحرب العالمية الثانية، وازدادت موجات هذه الهجرة التركية في الستينات، ووصلت الذروة في أوائل السبعينات.

ومع تواصل توافد العمّال الأتراك وعائلاتهم، وانتشارهم في المناطق الألمانية، فإن عدد أفراد الجالية التركية المسلمة في هذه البلاد قد قارب رقم المليوني نسمة أو تجاوزه بكثير حسب العديد من التقارير، وبذلك يمثل الأتراك حالياً ما نسبته أكثر من 80% من مجموع المسلمين في ألمانيا، يأتي بعدهم البوسنيون (حوالي 400 ألف) ثم العرب (خاصة من بلدان شمال أفريقيا ولبنان)، ثم الإيرانيون والأفغان والأندونسيون، بحيث أن عدد أفراد الجاليات الإسلامية في ألمانيا أصبح يتجاوز رقم الثلاثة ملايين إلى أربعة ملايين نسمة حسب اختلاف التقديرات، ولعدم إمكانية تحديد عدد المهاجرين الداخلين بشكل غير قانوني.

الانتشار

وينتشر المسلمون في مختلف ولايات ومدن ألمانيا، إلاّ أنّ تجمعاتهم الكبرى توجد في ولايات ليدرسكن، هامبورغ، ستافلن، هسن، رينانيا، روتنبرغ، بافاريا، وبرلين الغربية.

ويتجاوز عدد المسلمين المقيمين في بعض الولايات النصف مليون شخص (وستفاليا)، وفي بعض الولايات يصل عددهم إلى أكثر من ربع مليون مسلم (روتنبرغ، دورتموند، بافاريا) وفي بعضها يقيم عشرات الآلاف منهم في أحياء وتجمعات خاصة بهم.

وبما أن معظم المسلمين في ألمانيا من الأتراك لذلك فإن المذهب السنّي الحنفي هو الأكثر انتشاراً، ثم هناك الأتراك من الشافعية، وبالإضافة إليهم يوجد أيضاً أكثر من 200 ألف مسلم شيعي أكثرهم من الإيرانيين، كما تضم الجالية التركية أكثر من 600 ألف تركي علوي، ولهؤلاء جميعاً مؤسساتهم ومساجدهم ومراكزهم الثقافية والاجتماعية الخاصة بهم، والتي يحرصون على إقامتها في أماكن تواجدهم.

وضع المسلمين في ألمانيا بين السلطات والهيئات الشعبية

تختلط المشاعر والنوايا والتوجهات والممارسات تجاه الإسلام والمسلمين في ألمانيا، سواء من قبل السلطات العليا أو سلطات المقاطعات، أو الجهات الدينية والسياسية والشعبية.. وتتراوح النظرة إليهم بين القبول المتحفظ الذي يضمن حق التعبير المقبول عن الهوية، وبين سياسة الإحتواء والتذويب، وبين نظرة العداء وإبداء السخط.

والمجتمع الألماني بطبعه مجتمع منغلق على ذاته، إلاّ أنه وبحكم التجارب يرفض (بتفاوت) العنصرية والعصبيات الدينية والمذهبية، وهو في هذا يتمايز بعض الشيء عن بعض الشعوب الأوروبية الأخرى.

وإذا كان الإسلام يشكّل ثاني ديانة في ألمانيا بعد ديانة الأغلبية المسيحية (البروتستانت 47% والكاثوليك 44.6%) ورغم أن الدستور الألماني يكفل حرية الأديان والعبادة لكل مواطن على الأرض الألمانية بصرف النظر عن ديانته، ورغم أن المسلمين في ألمانيا يسمعون باستمرار كلاماً طيباً من المسؤولين الألمان حول نظرتهم للإسلام والمسلمين، وضرورة التقاء وتعاون الحضارتين الإسلامية والمسيحية، رغم كل ذلك لا تظهر أيّة رغبة حقيقة بالاعتراف بالإسلام كديانة رسمية، بحيث يتاح للمسلمين الألمان الحق العام الذي يتمتع به أتباع الديانات الأخرى الذين نالوا هذا الاعتراف، رغم أنهم يقلّون بكثير عن المسلمين. فاليهود البالغ عددهم 50 ألفاً فقط، والمسيحيون الأرثوذكس وحتى شهود يهوه والبهائيون والقاديانيون، كلهم حصلوا على هذا الاعتراف والرعاية القانونية من الدولة. وفقدان هذا الاعتراف من شأنه أن يحرم المسلمين من حقوق كثيرة، ويرتّب عليهم مشاكل مع الإدارات الرسمية والجهات الكنسية وحتى الشعبية، ويبقى الجمعيات والمؤسسات والمراكز الإسلامية تحت رحمة نظام وقانون الجمعيات الأجنبية، والتي يمكن حلّها في كل لحظة، وفي هذا يقول البعض من الكتّاب الألمان أن الإسلام ما زال يعتبر في ألمانيا مسألة تتعلق بالسياسة الخارجية والعلاقات مع تركيا. ولا يستبعد في هذا الشأن الضغوطات التي تمارسها الكنيسة للحيلولة دون هذا الاعتراف، رغم أن بعض رجال الدين المسيحيين الألمان يبدون مرونة تجاه المسلمين على الصعيد الواقعي، ذلك أن هاجسهم الأول هو الإلحاد الذي يسود نسبة 25% من سكان ألمانيا، بينما لا يشكّل المسلمون سوى 3%.

وفي غياب هذا الوضع القانوني يلاحظ عموماً ـ بالرغم من بعض التعقيدات ـ أن السلطات الألمانية خاصة في بعض الولايات تتعامل بمرونة وتسامح مع المؤسسات التعليمية والثقافية الإسلامية القائمة هناك، خلافاً لفئة قليلة نسبياً من دعاة النازية الحديثة والتعصّب القومي. ففي هذا المجال أتاحت حكومة دوسلدورف المجال لاعتماد حصص التعليم الديني في المدارس الرسمية لمن يرغب من الطلبة المسلمين حيث يقوم مدرسون أتراك بهذه المهمة في المرحلة الإبتدائية على أن تستكمل في المرحلتين التكميلية والثانونية فيما بعد.

كما قرّرت ولاية نوردراين وستفالين التي تحوي أكبر نسبة من المسلمين والتلامذة المسلمين (12% من تلامذة المدارس الرسمية في الولاية) ادخال مادة الدين في المناهج التعليمية منذ سنتين استجابة لنداء مطران روتنبرغ الذي دعا فيه الولايات الألمانية إلى إدخال مادة الدين الإسلامي في المناهج، أملاً في إعداد تلامذة مسلمين بعيدين عن التطرف والأصولية المتنامية في ألمانيا! كما صرّح بذلك المطران والمسؤولون في الولاية المذكورة، لذلك اشترطوا أن يكون معلمو مادة التربية الدينية خاضعين لانتقاء وإشراف الجهات الرسمية التركية العلمانية المولجة بهذا الأمر، وهذا ما تمّ بالفعل. في حين أن ولايات أخرى ترفض التعليم الديني في مدارسها بحجة عدم المساعدة على تنامي الأصولية الإسلامية التي يخوّف بها الإعلام الموجّه صهيونياً فئات الشعب الألماني!

وقد ازدادت في ألمانيا في السنوات الأخيرة الدعايات والبرامج الإعلامية المسيئة للإسلام، والتي تدعو إلى القلق والخوف من الأنشطة الإسلامية.

ويمكن القول أن المسلمين في ألمانيا لا يجدون عنتاً كبيراً في بعض ممارساتهم الدينية والاجتماعية، كما هو الحال في فرنسا مثلاً، رغم أنها تعترف رسمياً بالإسلام كدين رسمي، فموضوع الحجاب على سبيل المثال غير معقد، فلم تطرد تلميذة من المدارس بسببه، ولكن وزارة الثقافة والتربية الألمانية أعلنت بأنها لن تسمح للمعلمات المسلمات بارتداء الحجاب في المدارس الألمانية، لأن ذلك يخيف التلامذة حسب وصفها وزعمها! والدولة تسمح بإعطاء هوية شخصية أو جواز سفر بالحجاب إذا قدّمت المرأة المسلمة ما يثبت إسلامها، كما أن الدولة تعترف بأحكام الطلاق الصادرة من دول إسلامية.

في موازاة ذلك يواصل تيار النازية الحديثة في ألمانيا صعوده الواضح، موجهاً سهامه إلى المسلمين عامة والعمّال الأتراك خاصة، متهماً إياهم بانتزاع فرص العمل واسباب الرزق من أيدي سكان البلاد الأصليين، وشهدت ألمانيا في هذا السياق حوادث مأساوية غامضة، كانت ضحيتها أسر تركية عديدة مات أفرادها حرقاً على أيدي عصابات ترفع شعارات (النقاء العرقي) وتدعو إلى طرد الملايين من العمّال الأجانب وخاصة الأتراك.

مساجد ومؤسسات ومراكز إسلامية

تبرز حيوية أبناء الجالية الإسلامية الكبيرة في ألمانيا، من خلال سعي الغيورين فيها لأجل المحافظة على الهوية الإسلامية، وحماية الأجيال المسلمة الناشئة من تأثيرات المجتمع الغربي المادية والإباحية، كما في المحافظة على الروابط الاجتماعية، والعمل من أجل تعزيز مكانة أبناء الجالية الإقتصادية والثقافية، ولإحداث تأثيرات إعلامية وسياسية تخدم مصالح المسلمين المشتركة وقضاياهم العامة.

والمظهر البارز للصحوة الإسلامية والعودة إلى أحضان الدين بين أبناء الجالية المسلمة في ألمانيا يتجلّى من خلال إقامة حوالي ألفي مكان للعبادة والتجمّع للمسلمين في أنحاء ألمانيا، منها المصلّى الصغير الذي هو عبارة عن غرفة أو أكثر والمسجد الكبير المقام أو المبني حسب الأصول والهندسة الإسلامية. وهناك حوالي ثلاثين مسجداً في ألمانيا من هذا النوع الأخير. هذا بالإضافة إلى عشرات المراكز الثقافية والاجتماعية والتربوية والإعلامية. وفي المدينة الواحدة قد يجد المرء العشرات من هذه المساجد والمصليات والمراكز المنتشرة في الأحياء، مثلاً في منطقة كولونيا هناك مئة مركز، وفي برلين 40 مركزاً وفي دورتموند 30 مركزاً وهكذا.. وهذه المراكز والمؤسسات يتبع كل منها منظمات وجمعيات إسلامية لها حضورها وتواجدها على مستوى مناطق ومدن ألمانيا كلها. وبما أن معظم المسلمين في ألمانيا هم من الأتراك، فإن جمعية (الإتحاد الإسلامي التركي لهيئة الشؤون الإسلامية) – DITIB- الموجّهة من قبل الحكومة التركية العلمانية في أنقرة، هي التي تشرف على أكثر هذه المساجد والمراكز، وتعيّن أئمتها ومسؤوليها.

وتدّعي أنها تسيّر أكثر من 700 مسجد ومصلّى ومركز ومؤسسة وهي تقوم بنشاطاتها بالتنسيق والتفاهم مع السلطات الألمانية. في مقابل ذلك فإن (الجمعية المستقلة للرؤية الحديثة نحو العالم) (ِِANGT)، والتي يطلق عليها الاتجاه الوطني ـ تأسست سنة 1975، وهي قريبة الصلة من حزب الرفاه الإسلامي التركي ـ تقول بأنها تشرف على نحو 600 من هذه الجمعيات والمصليات والمراكز. والمقر الرئيسي لهذه الجمعية هو المركز الإسلامي في كولونيا.

إضافة إلى هاتين المنظمتين الكبيرتين، هناك الحركة الإسلامية لآكراد تركيا، وتملك العديد من المصليات والمراكز، وهناك أتباع حركة العالم التركي الشيخ قبلان، ولديهم مساجد ومراكز خاصة بهم أيضاً.

وبالطبع هناك مساجد ومراكز إسلامية خاصة بالجاليات العربية التي تدعمها أحياناً الحكومات والجهات العربية.

وبالإضافة إلى المنظمات والرابطات الإسلامية الكبيرة، هناك حوالي20 رابطة وجمعية يُنشط كل منها بشكل مستقل أو بالتعاون مع الآخرين، ومنها: (رابطة المراكز الثقافية الإسلامية)، (اتحاد الجمعيات الثقافية الإسلامية)، (اتحاد العمّال المسلمين في أوروبا)، (اتحاد الطلبة المسلمين في أوربا)، (بيت الإسلام) (الجمامعة الإسلامية في ألمانيا)، (الجماعة الإسلامية في برلين)، (اتحاد الطلبة المسلمين في ألمانيا)، مركز الدراسات الثقافية في ألمانيا (الحركة الإسلامية).

وفيما يلى نسلط بعض الوضوء على أهم المراكز والمساجد، ويأتي في طليعتها المراكز الإسلامية في هامبورغ وآخن وميونيخ.

المركز الإسلامي في هامبورغ

تقع هامبورغ شمالي ألمانيا على شاطيء بحر الشمال، وهي من أهم الموانيء ومن أكبر المدن الألمانية، ويوجد فيها جالية إسلامية كبيرة من مختلف جنسيات البلاد الإسلامية، وقد أسس أبناء الجالية في هذه المدينة وضواحيها العديد من الجمعيات والمراكز والمؤسسات الإسلامية التي ترعى شؤون المسلمين فيها، ويأتي في طليعة المراكز الإسلامية الناشطة في هذه المدينة (المركز الإسلامي) في هامبورغ وهو من أقدم المراكز الإسلامية في أوروبا حيث تم أفتتاحة سنة1964م، وقد ذكر لنا العلامة الشيخ محمد باقر الأنصاري المشرف الحالي على المركز، أن بداية التفكير بإنشاء هذا المركز كانت عام1953 حيث طلب عدد من المسلمين المقيمين في هامبورغ من المرجع الديني الأعلى للمسلمين الشيعة في إيران، المرحوم آية الله العظمى السيد البروجردي، تأسيس مسجد للإيرانيين وللمسلمين بشكل عام، فوافق رحمه الله، وخصص مبلغاً كافياً لبناء المسجد، الذي تحوّل في عهد رعاية العلامة الشهيد الدكتور بهشتي له إلى مركز إسلامي هام، وذلك بعد إضافة أبنية أخرى ملاصقة للمسجد، وتوسيع دائرة إهتمامية، وقد تابع بعده حجّة الإسلام الدكتور محمد خاتمي الرئيس الحالي للجمهورية الإسلامية الإيرانية عندما تولي أمر الإشراف عليه، أعمال التجدد فيه وتوسيع نشاطاته. وها هو اليوم قد أصبح بفضل الله من أهم المراكز الإسلامية في أوروبا من حيث حركته في إقامة الشعائر الدينية وإحياء المناسبات الإسلامية، ورعاية المسلمين دينياً واجتماعياً وثقافياً، وخاصة الناشئة، ومن حيث دوره في التقريب بين المذاهب الإسلامية، وتوطيد العلاقات مع أتباع الأديان السماوية، وخاصة المسيحية منها.

وفي جولة على أقسام المركز يلفت نظرنا أولاً كما يشدّ انتباه كل مشاهد، جمال التصميم والهندسة الإسلامية الرائعة الخاصة بالمسجد المسمّى بمسجد الإمام علي عليه السلام. والجزء الأساسي للمسجد الذي يتّسع لمئات المصلين، عبارة عن بناء دائري تعلوه قبّة كبيرة يبلغ قطرها 13.5م، وقد كُسيت القبّة بغلاف خارجي من النحاس المطلي باللون الأخضر، مما يضفي على المسجد روعة وجمالاً خاصين.

أما الجدران الداخلية فمكسوة جميعها بنقوش وكتابة من الكاشي الأزرق تتضمن آيات قرآنية كريمة بخط النسخ الجميل مع ترجمتها باللغة الألمانية، وأكثر ما يبرز جمال هذه النقوش والكتابة في المحراب البديع الصنع، وقد استغرق تحضير وإعداد زخرفة الكاشي فترة أربع سنوات، وذلك في مدينة مشهد المشرّفة في إيران، لتنقل وتركّب في غضون أربعة أشهر. وعلى جانبي القبّة ترتفع منارتان مميزتان بعلو 18 متراً، وقد تمت كسوتهما بقطع السيراميك ذات اللون البني، وهذا المسجد تؤدّى فيه الصلوات والعبادات وتقام فيه حلقات تدريس العلوم والأخلاق الإسلامية.

وإلى جانب المسجد، يقوم بناء مؤلف من ثلاثة طوابق يتضمن قاعة للمحاضرات والندوات مجهّزة بأجهزة الترجمة المباشرة، وتنعقد فيها المجالس والملتقيات على مدار السنة، ويشارك فيها مسلمون من شتى الأعراق والأجناس. ويضم هذا المبنى أيضاً مكتبة كبيرة تحتوي مصادر ومراجع مهمة في اللغات العربية والفارسية والألمانية والإنجليزية، كما يضم قسم الضيافة، وفيه مطبخ مجهّز لإعداد الولائم العامة في المناسبات، ولمن يرغب من أصحاب النذور مما يوثق عرى المحبة والأخوة بين المؤمنين، وذلك كله بالإضافة إلى غرف الإدارة حيث تجري مراسم عقود الزواج وإجراء الطلاق، كما يضم المبنى غرف الإستقبال وتدريس التربية الإسلامية للأطفال والفتيان (خاصة)، حيث تعقد العائلات الألمانية المسلمة التي اهتدت عن طريق المركز، جلسات أسبوعية لأطفالها لقراءة القرآن الكريم والتعرّف على أسس العقيدة الإسلامية.

ويصدر المركز نشرة اسمها (الفجر)، ومعها ملحق للأطفال يسمى (سلام كيندر) باللغة الألمانية، كما يعمل المركز ما وسعه على طبع ونشر الكتب الإسلامية المترجمة إلى اللغة الألمانية والبوسنية.. ويستقبل المركز مئات الزوار الألمان سنوياً ممن يرغبون في الاطّلاع على فن عمارته ونقوشه أو يودّون معرفة شيء عن الإسلام، خاصة من مجموعات تلامذة المدارس الألمانية.

المركز الإسلامي في آخن (مسجد بلال)

آخن مدينة تاريخية تقع وسط طبيعة خلاّبة على الحدود الألمانية مع بلجيكا وهولندا، وكما لهذه المدينة شهرة علمية واسعة نظراً لجامعتها المتقدمة ومعاهدها العالية المتعددة، فلها شهرة صناعية أيضاً حيث تقوم فيها صناعات دقيقة مثل معامل الأدوية والعطور والزجاج والنسيج والكمبيوتر والأغذية، وقد استقطبت هذه الصناعة أعداداً كبيرة من العمّال المسلمين منذ أواخر الخمسينات، كما استقطبت جامعة آخن أعداداً مهمة من الطلاب المسلمين أيضاً. وكان من الطبيعي أن تنصبّ إرادة نسبة مؤثرة من هؤلاء المهاجرين المسلمين على إيجاد مسجد ومركز إسلامي يلبّي حاجاتهم الروحية والثقافية والاجتماعية، ونظراً للسمعة الطيبة للطلبة المسلمين الجامعيين وتفوقهم الدراسي، فلم تمانع إدارة جامعة آخن في منح جمعية الطلبة المسلمين قطعة أرض تابعة للجامعة ليقوم عليها فيما بعد مسجد بلال وملحقاته.. ففي قلب جامعة آخن يقوم إذاً مسجد بلال، وكل من يزور الحي الجامعي تطالعه مئذنة المسجد الشامخة والمزينة بكلمات (الله أكبر) المنقوشة حولها.

لقد ولدت فكرة إنشاء هذا المسجد سنة 1958م، وتمّ وضع الحجر الأساس في أجواء إيمانية احتفالية حضرها ضيوف مسلمون من أنحاء أوروبا وموفدون عن جامعة آخن، وقد افتتح المسجد سنة 1967م، وكان يتألف من بناء ذي مظهر إسلامي أنيق، يتضمن قاعة للصلاة للرجال وأخرى للنساء، وقاعة للمحاضرات، وقد أضيف إليه قاعة أخرى سنة 1979 وغرف إدارية ومكتبة بالإضافة إلى أماكن الضيوف وغرف تدريس اللغة العربية والتربية الإسلامية، ولدى المركز مشروع للتوسعة يتضمن إنشاء دار للحضانة ومدرسة وقاعات للمحاضرات والندوات ومساكن للشباب والعائلات المسلمة.

وهذا المركز الذي يشرف عليه السيد عصام العطار السوري الجنسية، يقوم بأعمال ومهام واسعة ومتعددة من أجل توثيق عرى الجالية الإسلامية في ألمانيا وربطها بإسلامها وتراثها الحضاري، كما يقوم بتعريف غير المسلمين بواقع الإسلام وحقيقته، فبالإضافة إلى صلوات الجمعة والجماعة تقام فيه حلقات لإعطاء دروس اللغة العربية والثقافة الإسلامية وتفسير القرآن والعلوم الحديثة والفقه الإسلامي وغير ذلك من العلوم الإسلامية لمختلف المستويات والأعمار للذكور والإناث، كما يولي المركز عناية خاصة بالأطفال والفتيان فيوفر لهم إلى جانب الثقافة والتربية الإسلامية برامج ترفيهية وفنية إسلامية هادفة. ويُعدّ المركز أيضاً الدراسات والبحوث الإسلامية بالتعاون مع أصحاب الفكر، ويعمل من أجل مدّ يد العون للمسلمين الألمان ورعايتهم، وقد عمل على نقل كثير من الكتب والدراسات الإسلامية إلى اللغة الألمانية. وإلى جانب هذه المهام يقوم المركز بإجراء عقود الزواج الشرعية، ويشرف على تجهيز الموتى ودفنهم، ويشرف على الذباحة لدى شركات تصدير اللحوم إلى البلدان الإسلامية.

المركز الإسلامي في مدينة ميونيخ

تقع مدينة ميونيخ ذات المركز الصناعي والاقتصادي والعلمي المهم جنوبي ألمانيا، ويبلغ عدد المسلمين فيها أكثر من أربعين ألف شخص، جلّهم يعمل في مصانعها ومرافقها الأخرى. وتلبية لحاجاتهم الدينية والتربوية والاجتماعية أقام المسلمون فيها عدداً من المساجد والمراكز، أبرزها المركز الإسلامي الذي يقع في وسط المدينة، ويقصده الكثيرون حتى من أنحاء ألمانيا وأوروبا عامة نظراً لنشاطه الإسلامي الواسع، وقد افتتحت (الجماعة الإسلامية) هذا المركز منذ 24 عاماً أي سنة 1973، وهو يقوم على أرض مساحتها 3000م2، ويحتوي ثلاثة طوابق تتضمن قاعة صلاة للرجال وأخرى للنساء، ومكتبة إسلامية وغرف الإدارة والتدريس إلى جانب بيت للضيافة، كما يضم المركز روضة للأطفال ومدرسة، وهي أول مدرسة إسلامية في ألمانيا تعترف الحكومة الألمانية بشهادتها، مما سمح لتلامذتها بمتابعة الدروس في الثانويات الألمانية، وتستقطب هذه المدرسة تلامذة من خارج ميونيخ وقد عمد المركز إلى إيوائهم في مسكن مناسب. وقد أنشأ المسلمون المشرفون على المركز الإسلامي اثني عشر مركزاً إسلامياً آخر.

وحول نشاطات المركز يذكر مديره فيقول: بالإضافة إلى المدرسة الإسلامية والمدرسة القرآنية التي تستقبل الأبناء الذين تخطّوا المرحلة الإبتدائية يومي السبت والأحد من كل أسبوع ليتعلموا فيها اللغة العربية والتربية الإسلامية، فإن للمركز مجالات أخرى في التبليغ حيث يقدّم المحاضرات والندوات الأسبوعية والشهرية التي يشهدها أخوة من أنحاء ألمانيا مع تأمين المبيت لهم لتكامل التعارف. وتترجم المحاضرات فورياً إلى الإنجليزية، الألمانية، التركية والعربية. كما يقوم المركز بزيارة تجمعات المسلمين طلاباً وعمالاً وموظفين لتقديم المشورة لهم، كما استقبل المركز خلال السنوات الماضية آلاف المواطنين الألمان الذين اهتدوا بحمد الله إلى الإسلام وجرى تعليمهم أصول الإسلام ومعارفه. وإلى جانب الخدمات الاجتماعية والإنسانية كأمور الزواج وغسل ودفن الموتى، فإن المركز يصدر مجلة (الإسلام) باللغة الألمانية كما ترجم وطبع عشرات الكتب الإسلامية باللغة الألمانية.

المركز الإسلامي بمدينة فرانكفورت

تعدّ فرانكفورت من أكبر وأهم مدن ألمانيا، فهي العاصمة التجارية والمالية الأولى فيها، وبها جامعة (غوته) العريقة، كما أن بها أكبر أرض للمعارض الصناعية والزراعية الدولية، لذلك كانت مصدر جذب لجالية إسلامية كبيرة تبلغ زهاء 100 ألف مسلم من العمّال والطلاب والتجار وأصحاب الإختصاصات، وبعد معاناة استمرت عدة سنوات ـ كان يعمد خلالها أبناء الجالية إلى استئجار أماكن غير مناسبة وبشروط قاسية لإقامة الشعائر الإسلامية ـ . قامت الجماعة الإسلامية في ألمانيا بشراء مقر جديد للمركز الإسلامي بفرانكفورت، وذلك بعقد مرابحة مع البنك الإسلامي في الدانمارك، الذي قدّم مبلغ 1.3 مليون مارك ألماني يجري تسديده خلال ثلاث سنوات، والبناء مقام على أرض مساحتها 2938م2، والمساحة المبنية فيها تبلغ 2260م2، ويحتوي المركز بعد التعديلات والإضافات على مدرسة من عدة فصول وصالة للرياضة البدنية ومصلى للرجال يتسع لـ 400 شخص وقاعة صلاة للنساء وقاعة محاضرات وقاعة استقبال وصالة طعام ومتجر لبيع المأكولات واللحوم، كما يتضمن غرف الإدارة ومقر الإتحاد الإسلامي للطلاب.

* كما يوجد في فرانكفورت أيضاً معهد إسلامي لا مثيل له في العالم، وهو معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية، الذي يدرّس العلوم الإسلامية الرفيعة، وقد أسسه سنة 1928م العلاّمة التركي فؤاد سيزكين، الخبير الشهير في مجال الكتب والتراث الإسلامي، وقد أصبح هذا المعهد فيما بعد جزءاً من جامعة فرانكفورت، وقد أسهمت الدول العربية الخليجية في تكاليف إنشائه وهي تؤمن أيضاً ميزانيته السنوية.

مركز رابطة المسلمين في برلين

تعتبر رابطة المسلمين في برلين من أوائل الجمعيات الإسلامية المرخصة التي أسسها المسلمون العرب في مدينة برلين ـ التي عادت العاصمة الموحدة لألمانيا منذ 20 حزيران 1991 بعد توحيد شطري ألمانيا ـ وهي رابطة ذات صلة بتوجّهات إحدى الجمعيات الإسلامية اللبنانية، وقد أقيم المركز سنة 1978 على أرض مساحتها بحدود 400م2، ويتضمن مصلى يتسع لأكثر من 500 شخص وقاعة داخلية وغرفة للنساء وأخرى للإدارة، بالإضافة إلى مكتبة كبيرة ومطبخ، ويشرف على إدارة المركز مجلس إدارة يتبع أعضاؤه لعدة جنسيات عربية، وبالإضافة إلى إقامة الشعائر وإحياء المناسبات الإسلامية، يجري في المركز تدريس العلوم الإسلامية وإعطاء دروس في اللغة العربية وإقامة الندوات واللقاءات الأسبوعية والشهرية، لمختلف جنسيات أبناء الجالية الإسلامية.

أكاديمية الملك فهد في بون

تتميّز هذه الأكاديمية (المدرسة) بفخامة بنائها وبطرازها المعماري الشرقي المتآلف مع نمط العمارة الأوروبية، بما تضمّه من مسجد يتّسع لنحو 700 شخص وتعلوه مئذنة متوسطة الطول، عليها قبّة ذهبية مزينة بالفسيفساء الأزرق، وهذه المدرسة التي افتتحت سنة 1995 أقيمت بتبرع من الملك السعودي على ضفاف الراين في بون العاصمة الألمانية الغربية السابقة، وهي تتكون من ثلاثة طوابق تضم فصولاً دراسية لنحو 700 طالب وطالبة، يتلقون فيها العلم حتى المرحلة الثانوية، وهي تتبع مناهج التعليم السائدة في العربية السعودية، إضافة إلى تعليم اللغة الألمانية، إذ أنها مخصصة لتعليم أبناء الجالية العربية، وبالإضافة إلى ذلك فإن الأكاديمية تقيم دورات لتعليم اللغة العربية للراغبين من الألمان، وتنظم معارض ومحاضرات للتعريف بالعرب والمسلمين.

مسجد السلطان سليم في مانهايم

إنه المسجد الحديث الذي افتتح منذ أقل من سنتين في مدينة مانهايم الصناعية الواقعة في جنوبي غربي ألمانيا، وقد أتمت بناءه وتجهيزه الجالية الإسلامية في المدينة البالغة حوالي عشرين ألف نسمة، باشراف الإتحاد الإسلامي التركي، متجاوزة معارضة سكان حي (يونغ بوش) الذي أقيم فيه، بعدما تجاوبت سلطات المدينة وسمحت بإقامته، فارتفع المسجد شامخاً بهندسته الإسلامية الجميلة على الطراز التركي، وبمنارته التي ترتفع 32 متراً، وهو يعدّ أكبر مساجد ألمانيا من حيث السعة، إذ يتسع لـ 2500 مصل. والمسجد ذو بناء دائري فيه جناحان يضمّان شققاً سكنية وثلاث قاعات للاجتماعات وغرفاً للإدارة، وتعلو رواق المسجد الذي تبلغ مساحته 1500م2 قبّة زيّنت بزخارف خطّية رائعة، ومنذ شهر رمضان سنة 1416هـ بدأ المسجد يستقبل أبناء الجالية والزوار الألمان الذين خصصت لهم ثلاثة أيام في الأسبوع للراغبين بالاطلاع على معالمه والتعرّف على الدين الإسلامي، وإقامة حوارات دينية تهدف إلى التفاهم ونبذ التعصّب.

المجلس الأعلى لمسلمي ألمانيا

كان إنشاء هذا المجلس الحديث العهد ضرورة حتمتها الحقوق المهدورة للجالية الإسلامية في ألمانيا، والتي لا يمكن الحصول عليها بدون وحدة الكلمة وتضافر الجهود.

وعن نشأة هذا المجلس وأهدافه يتحدّث رئيسه الدكتور نديم عطا الله إلياس السعودي الأصل فيقول: (كانت البداية عام 1986 حيث اجتمع ممثلو أكبر المنظمات الإسلامية في حلقة من أجل نيل حق الذباحة والتذكية وفق القواعد الشرعية، ثم تطور نشاط الحلقة إلى أن تحوّلت إلى مجلس أعلى للمسلمين، يضم فى عضويته اليوم ممثلي سبع عشرة منظمة كبرى، بما فيها كبريات الروابط التركية والمراكز الإسلامية المهمة... ويهدف المجلس منطلقاً من احترامه لنظام ألمانيا وقوانينها إلى تمثيل الجالية الإسلامية أمام الجهات الرسمية والشعبية، والمطالبة بحقوقهم ورعاية مصالحهم، كما يهدف إلى التعريف بقضايا المسلمين وتوعية الرأي العام بمواقفهم..) ويضيف الدكتور عطا الله: (إن هناك لجان عمل متخصصة يشارك فيها مندوبون من المنظمات الأعضاء، منها لجنة الأهلّة ولجنة التعليم الإسلامي التي تفاوض الدولة من أجل إدخال مادة التعليم الديني الإسلامي في المدارس النظامية، وكذلك لجنة رياض الأطفال التي تفاوض الدولة لإنشاء رياض أطفال إسلامية على غرار ما تتمتع به الطوائف الأخرى، ثم لجنة لاسترداد حق التذكية والذباحة الشرعية عن طريق القضاء، وأخيراً اللجنة الإعلامية..

وفي السنة الماضية استقبل رئيس جمهورية ألمانيا، رومان هرتزوك ممثلي المجلس الأعلى، واستمع إلى طلباتهم وفي طليعتها منح المسلمين وضعية قانونية تعطيهم شرعية الاعتراف بهم كمجموعة دينية أسوة بباقي المجموعات الدينية، وما يترتب على هذا الاعتراف من حقوق في التعليم الديني وإنشاء المساجد والمدارس والمساعدات التي تقدمها الدولة وسواها.

المسلمون الألمان

منذ أمد بعيد وجد الإسلام صدى طيباً وإعجاباً شديداً لدى الكثير من المفكرين والأدباء والرحّالة الألمان، ويأتي في طليعة هؤلاء شاعر ألمانيا ومفكرها الكبير (جوته) (1749ـ1832) الذي دافع بحرارة عن الإسلام، وكتب بإعجاب كبير عن القرآن الكريم وعقيدة الإسلام، ونظم أجمل القصائد بالنبي (صلّى الله عليه وآله) وآله (عليهم السلام)، التي ضمّنها ديوانه (الديوان الشرقي) والذي ذكر في مقدمته قوله: (إنني لا أكره أني قال عني مسلم) بل نقل عنه أنه كان يحتفل بخشوع بذكرى تنزّل القرآن على النبي (صلّى الله عليه وآله) وأنه كان يمجّد الذكريات الإسلامية.

ويذكر أن القس (مارتن لوثر) الذي ثار على الكنيسة الكاثوليكية كان قد درس القرآن الكريم وتأثر به، ورغم تراجم معانيه المحرّفة ـ آنذاك ـ فقد توصّل إلى أفكار جعلت من المذهب البروتستانتي ديناً أقرب إلى الإسلام من المذهب الكاثوليكي.

وممّا يدلّ على اهتمام الألمان بالشؤون الإسلامية عامة، وجود عدد كبير من المراكز والمعاهد العلمية التي تهتم بالدراسات الإسلامية، بالتخصص في فرع من فروع العلوم الإسلامية، وتاريخ الحضارة الإسلامية. ولا توجد جامعة كبرى إلاّ وفيها مركز أو معهد للدراسات الإسلامية، وعددها أكثر من خمس وعشرين جامعة، أهمها: هامبورغ، ميونيخ، برلين، بون، كولن، فرانكفورت، ليبزيخ... الخ. كما يتركّز اهتمام هذه الجامعات باللغات العربية والفارسية والتركية.

وقد عرف الألمان الإسلام بشكل مباشر منذ قرون عدة، بعد ترجمة معاني القرآن إلى الألمانية، وفي هذا يقول المسلم الألماني المشهور السفير (مراد ويلفرد هوفمان): (اتضحت رغبة الألمان بالإسلام وإقبالهم على اعتناقه من خلال ترجمات القرآن الكريم، فقد تمّت أول ترجمة له عام 1616م، ووصل عددها إلى 22 ترجمة). كما أن المستشرقين الألمان أكثروا من البحث في الإسلام، وصنّفوا المؤلفات الكثيرة عنه، وإن كان كثير من أعمالهم لا يخلو من التجنّي والتشويه، إلاّ أن بعضهم لم يجانب الإنصاف والنزاهة، فشهد للحق وبيّن حقيقة الإسلام الناصعة لبني قومه.

ويجدر بنا في هذا المجال أن نشير باحترام إلى واحدة من أبرز المستشرقين المعاصرين، السيدة (آن ماري شميل) صاحبة المؤلفات العديدة عن الإسلام والمسلمين، التي تجيد اللغة العربية منذ الصغر، والتي كان لها دور كبير في تعريف الشعب الألماني والأوروبيين عامة بحقيقة الدين الإسلامي. وهي من دعاة الحوار البنّاء بين الإسلام والغرب، وقد نالت تقديراً لجهودها أرفع الأوسمة من مصر وباكستان، كما حصلت عام 1995 على جائزة السلام من اتحاد الناشرين الألمان، وهي جائزة لها أهمية كبيرة في ألمانيا، وقد تمّ منحها إياها رغم المعارضة الواسعة ممن يضمرون العداء التقليدي للإسلام في ألمانيا وأوروبا.

غير أن إقبال الألمان على الإسلام ظهر بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، مع وصول أعداد كبيرة من المسلمين وانتشارهم في الأراضي الألمانية، وإقامتهم المساجد والمراكز الثقافية والتبليغية، وترجمتهم الكتب الإسلامية إلى الألمانية واللغات الأوروبية الأخرى، مما أسهم في تعريف الإسلام لشرائح واسعة من المجتمع الألماني. وإذا كان لعامل الزواج من النساء الألمانيات دور واضح في إدخال أعداد كبيرة منهن في الإسلام، فإن اطّلاع المثقّفين المباشر على الأفكار والنصوص الإسلامية واقتناعهم بها كان السبب الأبرز في هداية أعداد متزايدة منهم.

وتختلف المصادر المتعددة في تقدير عدد المسلمين من أصل ألماني، حيث تتراوح التقديرات ما بين 50 ألف إلى 100 ألف مسلم، وتتحدّث المصادر الرسمية الألمانية عن رقم الـ 50 ألف، ممن أعلنوا في دوائر النفوس عن تحوّلهم إلى الإسلام، وعن رقم ألـ 100 ألف الذي يجمعهم مع الذين حصلوا على الجنسية الألمانية من المسلمين أصلاً. ولكن رقم ألـ 50 ألف ـ الآنف الذكر ـ يرتفع بالتأكيد إذا ما علمنا حقاً أن هناك الكثير من المسلمين الألمان، لا يرون ضرورة التصريح عن إسلامهم في الدوائر الرسمية، ولكنهم يمارسون التزامهم الديني كغيرهم من المسلمين.

والمسلمون الألمان وإن كانوا لم يقيموا مساجد ومراكز إسلامية خاصة بهم حتى الآن، حيث يقصدون مراكز ومساجد الجاليات الإسلامية أو يشاركون بها، إلاّ أنهم أنشأوا بعض الروابط والجمعيات المختلفة، ومنها: (رابطة المسلمين الألمان في هامبورغ) وكان يرأسها الأخ عبدالله بوريك، وهو اليوم يعمل قنصلاً عاماً لبلاده في البحرين، و(جمعية الإسلام والحداثة) وهي تحظى بدعم الحكومة الألمانية، و(الجمعية الإسلامية النصرانية) وهي تنادي بالتعايش بين أهل الديانتين. وهناك عدد من المسلمين الألمان يمتلكون مواقع مميزة في الدولة الألمانية، ومن هؤلاء الدكتور مراد هوفمان الذي يشغل منصب سفير ألمانيا في دولة المغرب، والذي كان محط اهتمام وسائل الإعلام والسياسيين في ألمانيا خلال السنتين الماضيتين بعدما ظهر في مقابلة تلفزيونية وهو يصلّي في دار السفارة الألمانية بالرباط، وقد تحدّث خلالها عن مبادئ الإسلام ومنها عدم المساواة بين الرجل والمرأة على صعيد الدور الاجتماعي، مما أثار حفيظة رجال السياسة والإعلاميين المناهضين للإسلام واعتبروا أن في إشهار السفير إسلامه أمراً يتناقض مع توجهات الدولة الألمانية، وأن كلامه عن المرأة مخالفة للدستور، ولذلك حثّوا الخارجية الألمانية على طرده من منصبه، لكن الخارجية الذي سبّب لها السفير الإحراج لم تتخذ بحقه أي إجراء لأنها لم تجد في تصرفاته أي مخالفة. وكان السفير مراد قد أشهر إسلامه منذ سنة 1985، وأصدر كتابه الأول (يوميات مسلم ألماني) الذي بيّن فيه كيفية اعتناقه الإسلام، ونعت فيه المجتمع الأوروبي بمجمتع الكحول والنيكوتين ولحم الخنزير والجنس الحيواني والإجهاض والاستهتار والفساد. ثم أصدر كتابه الثاني منذ سنتين وهو (الإسلام هو البديل) أكّد فيه: (أن فكرة النهوض والتجديد في الإسلام سوف تنطلق من أوروبا في القرن الواحد والعشرين، وأن ألمانيا هي على طريق دولة الله الإسلامية).

ومن وجوه المسلمين الألمان الأخ عبدالهادي هوفمان، وقد كان الناطق الرسمي للحزب الديمقراطي المسيحي في ألمانيا قبل أن يشهر إسلامه، ومنهم أيوب كولا في (كولان) والأخ أحمد فونيور نائب رئيس المركز الإسلامي في ميونيخ ومحمد أمان قضم، وهو مدرس جامعي... وغيرهم كثيرون.

والمسلمون الألمان المتمسكون بدينهم ينظرون بحسرة وتساؤل إلى التصرفات المخالفة للإسلام والمسيئة له التي تصدر عن كثير من أفراد الجالية الإسلامية في ألمانيا، أو تلك التي تحدث في البلاد الإسلامية، وقد عبّر عن ذلك الإحباط أحد وجوه المسلمين الألمان في برلين محمد هرتسوغ بقوله: (تعرّفت على الإسلام بجهدي الذاتي، ولو أنني عرفت المسلمين بواقعهم المؤسف قبل أن أعرف الإسلام لا أظنني سأجد الحماس للإسلام). وقال: أنه (يشعر أنه يعيش في ألمانيا كمسلم أفضل من بعض الدول الإسلامية، وأننا لو استطعنا تطبيق الإسلام بصورته الحقيقية لقطعنا شوطاً كبيراً في مجال الدعوة الإسلامية، والتأثير على الآخرين). وحول دور الجالية الإسلامية في ألمانيا يقول الأخ عبدالله بوريك: (إنّ على المسلمين أن يمثّلوا أنفسهم كمسلمين وليس كمجموعات عرقية، وأن يسعوا لتعليم الإسلام باعتباره ديناً عالمياً موجهاً إلى الناس جميعاً، وليس ديناً خاصاً بدول العالم الثالث).