شبكة الإمامين الحسنين عليهما السلام للتراث و الفکر الإسلامي

 

طول الأمل

السيد نجيب خلف

في العدد السابق تحدثنا عن الشقّ الأول من حديث رسول الله (ص): ((إن أخوف ما أخاف عليكم اثنتان: اتّباع الهوى وطول الأمل، أما اتباع الهوى فيصدّ عن الحق، وأما طول الأمل فينسي الآخرة)). وذكرنا سبب خوف الرسول (ص) على أمته من اتباع الهوى والنتائج المترتبة على هذه الخصلة التي تصدّ عن الحق فينتشر الفساد في الدنيا ويعمّ الباطل فتفسد الآخرة بعد ذلك، وهل بعد الحق إلا الضلال؟!

ذاك هو الشق الأول.

وأما الشق الثاني من الحديث وهو طول الأمل فقد حذّرنا منه الرسول (ص) بسبب تأثيره السيء على الآخرة؛ ونلاحظ ـ سريعاً ـ أن الشّق الأول كأنه ينظر إلى نتيجة دنيوية حيث الصدّ عن الحق وانتشار الظلم، بينما الشق الثاني ينظر إلى الآخرة مباشرة، وإن كانت نتيجة كلا الشقين في نهاية المطاف هو التأثير على الآخرة. وذاك هو سبب هذا الخوف الهائل ـ ((أخوف)) ـ عند رسول الله (ص) حيث خسران الدنيا والآخرة.

ليس من تنافر بين الأمل بذاته وبين عقيدة المؤمن أو تربيته الإسلامية، إذ إن هذا الأمل حالة نفسية مريحة ينظر من خلالها المرء نحو المستقبل بقلب منفتح فيتجاوز حالة الضيق التي تعتريه والانقباض الذي يضغط عليه لتحل محل ذلك دغدغة الأماني بغدٍ مشرق وضّاء يحمل من الخير أكثر من الماضي. وهذا ما يفسّره حديث رسول الله (ص): ((الأمل رحمة لأمتي، ولولا الأمل ما أرضعت والدة ولدها ولا غرس غارس شجراً)).

وليلاحظ أن الحديث عبّر عن الأمل بالرحمة! إذ لولاه لكان المرء فريسة سهلة لليأس والقنوط والاستسلام للمصائب والمآسي والأزمات التي تنتابه؛ فلا خصومة مع الأمل بحدّ ذاته إذن.

على أن هذه الرحمة قد تنقلب إلى نقمة وبلاء إذا تحوّل الأمل إلى أداة للتسويف وتمنّي النفس بالعيش طويلاً والتلهّي عن الآخرة، فيهتم بدنياه على حساب آخرته. والحديث عن الدنيا والآخرة هو حديث العدل في الإسلام حيث شبّهتا في بعض كلمات أمير المؤمنين (ع) بالضرّتين اللتين ينبغي أن يعدل بينهما لا بمعنى أنهما لا يمكن التعايش معهما سوية لوجود التنافر بينهما بل باعتبارهما كالزوجتين اللتين ينبغي العدل معهما فلا يميل كل الميل لإحداهما ويذر الأخرى معلّقة رغم ميله القلبي لتلك. وهذا المعنى يؤكده الحديث المشهور والمروي عن رسول الله (ص) وعن أمير المؤمنين (ع) والذي يقول: ((اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا)). وفي حديث آخر: ((ليس منّا من ترك دينه لدنياه وليس من ترك دنياه لآخرته)).

فالدنيا والآخرة إذن ظرفان لواجبين ليسا منفصلين ومستقلين بل بينهما ارتباط شديد وتوازن مهم، وأي اهتمام بأحدهما أكثر فسوف يكون ولا شك على حساب الآخر وسوف يتحوّل التوازن إلى طغيان يلغي المعادلة الدقيقة بينهما.

وضمن إطار المعادلة هذه كانت الآية المباركة التي ذمّت الرهبانية وهي الاهتمام بالآخرة فقط والتي ابتدعها النصارى (ما كتبناها عليهم)، وكانت في المقابل الأحاديث الكثيرة التي ذمّت الدنيا وشدّة التعلق بها أكثر مما ينبغي، وذلك ما سوف يكون على حساب الآخرة كما قلنا.

فليست الدنيا بذاتها مذمومة إلا بمقدار ما تكون سبباً للابتعاد عن الآخرة، وهي ممدوحة بمقدار كونها سبباً لحسن الآخرة، وهذا ما يشير إليه أمير المؤمنين (ع) في حديثه في نهج البلاغة: ((بالدنيا تحرز الآخرة)). وهكذا.. بمقدار ما تتعادل هاتان الضرّتان في الاهتمام بمقدار ذلك تكون النتيجة سليمة والعكس صحيح أيضاً، إذ بمقدار ما يخلص المرء لإحداهما أكثر فسيكون ذلك لا محالة على حساب الأخرى. ولعل شدّة الاهتمام بالدنيا وتأمين مستقبل دنيوي مريح والأمل في البقاء فيها طويلاً سوف يجعل المرء في حالة انشداد إليها ونسيان للآخرة، وهذا ما سيؤدي إلى هجران هذه الأخيرة وذاك شيء مذموم لأن المؤمن يعتبر آخرته هي الحياة الحقيقية وليست الدنيا سوى دار مجاز إليها وممر ((فخذوا من ممرّكم لمقرّكم)).

وهنا يتحوّل الأمل ((الرحمة)) كما قلنا إلى أمر باطل ينتج عن إهمال للاستعداد للآخرة فإذا هو في غفلة لاهٍ عنها كما عبّر الحديث الشريف: ((الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا)) ويشير أمير المؤمنين علي (ع) إلى هذا الأمل الباطل فيقول محذّراً منه: ((اتقوا باطل الأمل فربّ مستقبلِ يومٍ ليس بمستدبِرهِ ومغبوطٍ في أول ليل قام بواكيه في آخره)). وقبل هذا يقول القرآن الكريم: (ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون).

وهكذا نجد فرقاً بين الأمل الذي هو نعمة من نعم الله تعالى ورحمة وبين طول الأمل الذي يعيش معه المرء على أساس أنه يعمّر ما شاء في الدنيا فيحاول الاهتمام بتأمين مستقبله الدنيوي بأي طريق كان ـ من حلّ أو حرام ـ دون الالتفات والاهتمام بمستقبله الأخروي وتأمين رضا الله تعالى (يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم).

وفي مقابل طول الأمل هذا نرى الأحاديث قد اهتمت بقصر الأمل وطول العمل الذي ينفع للدنيا ويؤمّن حسن الآخرة. فقد ورد عن رسول الله (ص) أنه قال: ((والذي نفس محمد بيده ما طرفت عيناي إلا ظننت أن شفريّ (جفنيّ) لا يلتقيان حتى يقبض الله روحي)). وفي حديث آخر يوصي (ص) ابن مسعود فيقول: ((قصّر أملك فإذا أصبحت فقل إني لا أمسي وإذا أمسيت فقل إني لا أصبح، واعزم على مفارقة الدنيا وأحبب لقاء الله)). وفي حديث ثالث: ((خذ بالثقة من العمل وإياك والاغترار بالأمل، ولو أخليت قلبك من الأمل لجددت في العمل)). وعن الإمام علي (ع): ((من أيقن أنه يفارق الأحباب، ويسكن التراب، ويواجه الحساب، ويستغني عما خلّف، ويفتقر إلى ما قدّم كان حرياً بقصر الأمل وطول العمل)). إلى غير ذلك من الأحاديث التي تذم طول الأمل وتمدح قصر الأمل.

على أن ما يهمنا من سرد هذه الأحاديث هو التأكيد على أن طول الأمل ليس ممقوتاً إلا لأنه يسوّف في العمل، ولذا كان الحث على العمل وطوله وكثرته هو البديل عن الأمل بطول البقاء الذي يستدعي تأمين مستقبل دنيوي زاهر وشدّة اهتمام به وهذا لابد أن يكون على حساب الآخرة.

على أن هذه المسألة لم تبق في نطاق الذم النظري فقط بل تعدّته الشريعة والأخلاق الإسلامية إلى حث المؤمن على ممارسة بعض الأمور العملية التي تستوجب دائماً الاهتمام بالآخرة والتفكّر بها وتذكرها وبالتالي الاستعداد لها عبر مطالبة المؤمن بالعمل وصدقه وإخلاصه لله تعالى. ولذا رأينا هذه الأحاديث تركز على عناوين ثلاثة: 1ـ نبذ الأمل بالبقاء حياة طويلة. 2ـ تقصير الأمل واستعداد الإنسان دائماً للقاء الله. 3ـ حسن العمل الذي هو ذخيرة المؤمن وزاده عن ذلك اللقاء الذي لابدّ منه.

أما الأمور التي حثّت عليها الشريعة الأخلاقية فتصبح مدعاة للعمل الصالح فأهمها (ذكر الموت). وقد اعتبرته روايات كثيرة أنه من أفضل العبادات ومن الصفات المهمّة للمؤمن، فقد ورد في بعضها عن رسول الله (ص): ((أفضل العبادة ذكر الموت، وأفضل التفكر ذكر الموت، فمن أثقله (اشتدّ تفكيره) ذكر الموت وجد قبره روضة من رياض الجنة)). وعن أمير المؤمنين (ع): ((اذكروا هادم اللذّات، ومنغّص الشهوات)). وقيل في حديث آخر: يا رسول الله (ص) هل يُحشرُ مع الشهداء أحدٌ؟ فقال (ص): ((نعم، من يذكر الموت في اليوم والليلة عشرين مرة)). وفي حديث رابع عنه (ص): ((اكثروا من ذكر هادم اللذّات)). فقيل: يا رسول الله (ص) فما هادم اللذّات؟ قال (ص): ((الموت فإن أكيس المؤمنين أكثرهم ذكراً للموت وأشدّهم له استعداداً)). وفي وصية للإمام علي (ع) كما ورد في نهج البلاغة: ((يا بني أكثر من ذكر الموت وذكر ما تهجم عليه وتفضي بعد الموت إليه، واجعله أمامك حيث تراه حتى يأتيك وقد أخذت منه حذرك وشددت له أزرك ولا يأتيك بغتة فيبهرك)).

على أن ذكر الموت هذا ليس المقصود منه هو الهروب من المسؤولية الشرعية والواجبات الاجتماعية والفردية التي يحتاجها الفرد والمجتمع بل هي تحمّل لتلك المسؤولية والاستعداد للوقوف أمام الحساب يوم القيامة لتقديم جدول أعماله الصالحة والطالحة حيث يتقرر مصيره نتيجة تلك الأعمال، فالمسألة إذن تستبطن الدعوة إلى فعل الخير وتكثير رأس ماله منه وعدم الركون إلى آمال الحياة الطويلة، وهذا ما تشير إليه الآيتان الكريمتان: (سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض). (فاستبقوا الخيرات)، حيث نجد دقة التعبير بالمسارعة والمسابقة خوفاً من فوات الوقت والعمر ـ و((إنما يَعْجَلُ من يخاف الفوْت)) ـ، إذ أن المسارعة للمغفرة إنما هو إلى سببها وسبب الجنة وهو الأعمال الصالحة، والمسابقة أيضاً ليس بين إنسان وآخر فقط بل بينه وبين فوات الوقت، وهكذا الآية المباركة الثالثة: (وتزودوا فإن خير الزّاد التقوى).

وبهذا المضمون وردت روايات كثيرة تحثّ الإنسان للاستعداد للموت فقد ورد عن الإمام الحسن العسكري (ع) ـ وهو الإمام الحادي عشر من أئمة أهل البيت عليهم السلام ـ انه قال: ((قيل لأمير المؤمنين (ع) ما الاستعداد للموت؟ فقال (ع): أداءُ الفرائض واجتنابُ المحارم والاشتمال على المكارم ثم لا يبالي أوقع على الموت أم وقع الموت عليه، والله ما يبالي ابن أبي طالب أوقع على الموت أم وقع الموت عليه)). وعن الإمام زين العابدين (ع): ((إنما الاستعداد للموت تجنّب الحرام وبذْلُ الندى في الخير)).

وهكذا نرى أن ذكر الموت إنما يؤدي إلى الاستعداد له فهو إذن مسؤولية لا هروب منها.

وقد حثّت الشريعة الإسلامية على بعض ما يوجب ذكر الموت وتقصير الأمل وعدم الوقوع في طول الأمل كزيارة القبور والحثّ عليها في بعض المناسبات والحثّ على المشاركة في تشييع الجنائز حتى يتخيّل المرء أنه هو المحمول وأنه مقدِمُ على لقاء الله تعالى وحسابه ثم يحمده سبحانه أن أبقاه حياً ليستعدّ لمثل هذه الساعة، وينجو بنفسه من الهلاك الأخروي:

كل ابن أنثى وإن طالت سلامته *** يوماً على آلة حدباء محمولُ

وقد وقد في بعض المستحبات أن يقول المؤمن حينما يرى جنازة: الحمد لله الذي لم يجعلني من السواد المخترم (أي الميت).

نستخلص مما مرّ شدة الارتباط بين طول الأمل والتعلق بالدنيا والركون إليها وبين نسيان الآخرة وعدم الاستعداد لها.

ونختم حديثنا بدعاء الإمام الرابع من أئمة أهل البيت عليهم السلام وهو الإمام زين العابدين (ع) في الصحيفة السجادية وهو يقول في دعائه عند ذكر الموت: ((اللهم صلّ على محمد وآل محمد واكفنا طولَ الأمل وقصِّره عنا بصدق العمل، حتى لا نؤمّلَ استتمام ساعة بعد ساعة، ولا استيفاء يوم بعد يوم، ولا اتصال نَفَسٍ بنَفنَس، ولا لحوق قدم بقدم، وسلّمنا من غروره، وآمنّا من شروره، وانصب الموت بين أيدينا نصباً، ولا تجعل ذكرنا له غبّا.

واجعل لنا من صالح الأعمال عملاً نستبطئ معه المصير إليك، ونحرص له على وشك اللحاق بك، حتى يكون الموت مأنسنا الذي نأنس به، ومألفنا الذي نشتاق إليه، وحامّتنا التي نحبّ الدنوّ منها، فإذا أوردته علينا وأنزلته بنا فأسعدنا به زائراً، وآنسنا به قادما، ولا تشقنا بضيافته، ولا تحزنا بزيارته، واجعله باباً من أبواب مغفرتك، ومفتاحاً من مفاتيح رحمتك.

أمِتْنا مهتدين غير ضالّين، طائعين غير مستكرهين تائبين غير عاصين ولا مصرّين، يا ضامن جزاء المحسنين، ومستصلح عمل المفسدين، يا أرحم الراحمين)).

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.