شبكة الإمامين الحسنين عليهما السلام للتراث و الفکر الإسلامي

 

استطلاع المسلمون في غانا أغلبية محرومة

 

تبحث عن هويتها ومستقبلها

 

د. السيد خليل الطباطبائي

 

حطّت بنا الطائرة في مطار أكرا المتواضع ظهيرة يوم دافىء . وبعد الإجراءات الروتينية المعتادة ، انتقلنا بالسيارة إلى الفندق الكائن في وسط العاصمة .. وعلى الطريق كانت مظاهر الفقر تطالعنا في الغالب حيثما التفتنا .. في الشوارع والأسواق والمؤسسات الحكومية ، والمدارس وشتى المرافق العامة .

وفي حديث مع السائق ، قال : إن راتب الموظف يتراوح بين 5000 سيدس و 15000 سيدس شهرياً ، وهو ما يعادل من 15 إلى 50 دولارا . ( فسعر الدولار الرسمي هو 90 سيدساً ، أما سعره غير الرسمي فيبلغ 250 سيدساً ) .

إنه لأمر مثير حقاً . أن يسود الفقر في بلاد الذهب والماس !

ولكن ليست "غانا" هي وحدها التي تشكّل مثالاً صارخاً لهذه المأساة ، بل إنها تشترك في ذلك مع معظم البلدان التي تعرف "بالعالم الثالث " .

فقد قضت مشيئة الرجل الأوروبي "الأبيض" ، وفقاً لمنطق القوة الذي تفرضه شريعة الغاب ، أن يبسط نفوذه "الحضاري" على الشعوب الأخرى منذ قرون ، وينهب خيراتها وثرواتها ، ليبقيها في حالة من التخلف والفقر والجهل ، لا لشيءٍ إلاّ تحقيقاً لمصالحه، وإرضاءً لجشعه وأنانيته .

وهكذا وقعت غانا تحت هيمنة الاحتلال الانكليزي منذ سنة 1874 م وإلى عهدٍ قريب . وذنبها أنها تضمّ في ترابها احتياطياً من الذهب والمعادن الأخرى . ولذلك اشتهرت سابقاً باسم مستعمرة ساحل الذهب .

أما اسمها الحالي "غانا" الذي عرفت به مؤخراً ، فهو اسم مملكة قديمة قامت وسط النيجر بين القرنين الرابع والثالث عشر الميلادي .

وإلى جانب الذهب تنتج غانا الكاكاو بكثرة ، حيث تعتبر في مقدمة البلاد المنتجة له على الصعيد العالمي . وكذلك تنتج الماس والمنغنيز والبوكسيت .

ثمة ميزة أخرى ، جَرَّت على هذا البلد الأفريقي المستضعف الويلات ، وسهّلت سيطرة الاستعمار عليه ، وهي ارتباطه بخطوط الملاحة البحرية . فغانا تطلّ من جهة الجنوب على خليج غينيا المتصل بالمحيط الأطلسي .. أي أنها ترتبط بأوروبا عن طريق البحر .

في حين تحدّها من جهة الشمال فولتا العليا ، ومن الغرب ساحل العاج ، ومن الشرق التوغو.

وتبلغ مساحة غانا حوالي الـ 240 ألف كيلومتر مربع ، وعدد سكانها يصل إلى 13 مليون نسمة ، يشكل المسلمون 46% منهم ، أما الباقون فهم من المسيحيين والوثنيين وغيرهم .

نسبة المسلمين هي الأعلى :

ونسبة المسلمين هي الأعلى قياساً إلى أتباع الديانات الأخرى ، كما يؤكد الأستاذ عبد الحكيم آل تمدي مدير مركز البحوث الدينية والدعوة الاسلامية في أكرا ، وقد انتشر الاسلام في غانا -كما يقول- منذ قرون . وهو بالتالي ، أسبق زمنيا من المسيحية التي دخلت البلاد مع دخول الإستعمار الانكليزي .

ويضيف الاستاذ تمدي "أن المسلمين يعانون رغم تفوقهم العددي من الغبن والاجحاف على الصعيدين السياسي والاجتماعي . والسبب في ذلك أنهم كانوا ، بادىء ذي بدء ، ينظرون بحذر إلى كل علاقة "بالحكومة الكافرة" التي تمثّل الاستعمار . وهذا ما أدى إلى ابتعادهم عن الوظائف الحكومية التي احتلها غيرهم .

وزاد في تفاقم الأمر تأثير المخطط الاستعماري الهادف إلى إبقائهم في حالة من التخلف والضعف .. وقد وصلت إستهانة الحكومة بهم إلى حد أنها لا تعترف بالزواج الإسلامي كزواج قانوني ، بينما نجدها تعترف بالزواج الكنسي".

وفي مقابلة لنا مع الدكتور محمد جمبرز وكيل وزارة الخارجية قال :" لقد عرضت على المسؤولين في الحكومة الغانية ضرورة توظيف المسلمين في مختلف وظائف الدولة وعدم إحتكارها من قبل المسيحيين . وكان الجواب : هو أن عدد المسلمين المثقفين والمؤهّلين لمثل هذه الوظائف محدود فأكثرهم لم يحصل على شهادات عالية " .

قلة عدد المثقفين المسلمين :

هذه الملاحظة ، تفتح أعيننا على حقيقة مرّة .. حيث يقال بأن في غانا حوالي 12 طبيباً مسلماً فقط من بين ألف طبيب .. بالإضافة إلى عدد يسير من المهندسين ، أما عامة المسلمين فهم من العمال والفلاحين والباعة بالمفرد على أرصفة الشوارع أو في المحلات الصغيرة ، وذوي الأعمال الاقتصادية الدنيا . وتصل نسبة الأميّة لديهم إلى حدود 80% أو أكثر ، والباقون منهم قد أكملوا الدراسة الابتدائية فقط ، ما عدا حوالي الـ5% من الطلاب الذين يوفّقون لدخول الجامعة . ولذلك يندر وجود مدرّس مسلم يمكنه تدريس مواد العلوم كالفيزياء والكيمياء والرياضيات وعلم الحيوان أو النبات في المدارس الخاصة بالمسلمين .

ويغادر البلاد سنوياً عدد يسير من الطلاب يقدر بحدود المائة طالب إلى مصر والسعودية وليبيا والاردن وغيرها من الدول العربية ، من أجل دراسة اللغة العربية والعلوم الاسلامية في الجامعات الاسلامية المختلفة . وربما يوفّق عدد قليل جداً من الطلاب المسلمين لاكمال دراستهم في الكليات العلمية مثل كليات الطب وطب الاسنان والصيدلة أو كلية الهندسة (بفروعها المختلفة) أو كلية العلوم .

وكذلك الحال بالنسبة للكليات الانسانية مثل الحقوق والاقتصاد والآداب إن حصلوا على منح دراسية لمتابعة التحصيل في جامعات الهند أو الباكستان أو الدول العربية .

وقد أرسلت الحكومة عدداً كبيراً من الطلاب يقدّر بالآلاف إلى دول أوروبا الشرقية لإكمال دراستهم الجامعية في كلياتها العلمية والإنسانية المختلفة . وأكثر هؤلاء الطلاب من المسيحيين ولا تخفى الآثار السيئة والفساد الأخلاقي والفكري الذي يعيشه الطالب في الجامعة هناك والذي يحمله معه إلى بلده ، بعد تخرجه .

الوضع التعليمي للمسلمين :

ما ذكرناه آنفاً من إحصاءات مؤلمة ، يقودنا إلى الحديث التفصيلي عن واقع التعليم لدى المسلمين ، والذي يرتبط بشكل وثيق بوضعهم السياسي . فنظراً لسيطرة المسيحيين على  معظم أجهزة الدولة حيث أن غالبية الوزراء والمدراء  العمين هم من المسيحيين ،  فقد أصبحت المدارس والجامعات مسخّرة للتبشير المسيحي . والمدارس الابتدائية والثانوية الحكومية تعتمد اللغة الانكليزية في التدريس وعلى الطالب أن يحصل على درجة (       OLEVEL AND A LEVEL  ) المشابهة لشهادة الثانوية العامة في بريطانيا ليكون بإمكانه دخول الجامعة . وعدد المدارس الحكومية قليل جداً لا يفي بحاجة البلاد . ولكن عدد المدارس الخاصة التبشيرية المسيحية كثير . وهذه المدارس مخصصة للمسيحيين . ويُقبل المسلمون فيها بشرط أن يغيّروا أسماءهم إلى أسماء مسيحية وأن يحضروا إلى الكنيسة لأداء الصلوات تماماً كما يفعل المسيحيون مما يعني تنصيرهم تدريجياً . ونرى العديد من الخريجين مسيحيين ولكن اسم الأب يدل على أنهم كانوا من المسلمين مثلاً طوني عبد الله وجون محمد ... الخ .

لقد تنّبه المسلمون إلى خطورة المدارس الانكليزية ودورها في تنصير أبنائهم ، لذلك قاطعوها بشكل كامل تقريباً وأسسوا مدارسهم الخاصة التي تدرّس باللغة العربية بدلاً من الانكليزية ، ويتحمّل العلماء والأساتذة المؤسسون لهذه المدارس مجمل نفقات المدرسة من بناء وأثاث ورواتب للمدرّسين ، ويجمعون التبرعات اللازمة من المسلمين. وعدد المدارس الاسلامية قليل جداً قياساً إلى عدد الطلاب ، إذ لا يستوعب أكثر من 10% منهم.

بناء المدارس متواضع جداً ، حيث أن أكثر المدارس تُبنى من القش أو الصفيح أو الخشب حيث لا تمنع الجدران اختلاط أصوات المدرس والطلاب في الصفوف المختلفة . ونادراً ما نجد مدرسة إسلامية مبنية بالاسمنت . بعض المدارس تقام في ساحة المسجد حيث لا توجد فواصل بين الصفوف المختلفة ، كما هو الحال في مدرسة أنصار أهل البيت في تيما، وبعضها تكون تحت ظلال الأشجار حيث يفترش التلاميذ الأرض . وتفتقر الصفوف إلى المقاعد الدراسية بل إن الطلاب في أكثر المدارس لا يملكون الدفاتر أو الأقلام للكتابة. ويتعلم الطلاب القراءة والكتابة مما يكتبه المعلم على السَّبّورة أثناء الدراسة ، وما يبقى من ذلك في ذاكرتهم فقط . ويندر وجود الكتاب الدراسي في حوزة المعلمين .. فضلاً عن الطلاب .

ويستعين المعلم في ممارسة التدريس بأي كتاب مدرسي عربي يحصل عليه ، وقد شاهدت بعض الكتب المعتمدة في مدارس مسقط وقطر والكويت والسعودية ومصر وليبيا ، وإيران (مناهج المجمع العلمي الاسلامي العربية) في أيدي المدرّسين يستخدمونها في التدريس . ومراحل الدراسة في المدارس العربية هي 6 سنوات للابتدائية وخمس سنوات للمتوسطة و7 سنوات للثانوية وبذلك يكون مجموع سنوات الدراسة 18 سنة . والسبب في ذلك هو أن مستوى الطلاب ضعيف جداً وهو أمر متوقع لعدم توفر المستلزمات الضرورية . لذلك ينبغي أن يدرس الطالب عدة سنوات في المتوسطة ليكون بإمكانه اجتياز الامتحان الرسمي للانتقال إلى المرحلة الثانوية . وهناك بعض الطلاب الأذكياء الذين استطاعوا الانتقال من الابتدائية إلى الثانوية مباشرة وعددهم ضئيل ، حيث أن أكثر الطلاب يجب أن يدرسوا من 2 إلى 5 أعوام في المتوسطة ليتمكنوا من النجاح في الامتحان الرسمي الذي يؤهلهم للوصل إلى المرحلة الثانوية . وفي ذلك مضيعة واضحة للوقت .

مواد التدريس في المدارس الاسلامية تشمل اللغة العربية وقواعدها ، وتعلّم القرآن الكريم (جزء عم وجزء تبارك) . أما المواضيع العلمية مثل الحساب والهندسة والفيزياء والكيمياء والجبر ، واللغة الانكليزية وغيرها من الدروس فإنها تدرّس في مدارس قليلة نظراً لعدم توفر الكتاب وعدم توفر المدرّس المسلم لتدريس هذه المواضيع .

المدارس الاسلامية عادة ابتدائية ، وقليل منها يشمل المرحلة المتوسطة ، وليس للمسلمين في كل غانا إلى عهد قريب سوى مدرسة ثانوية واحدة فقط . ونظراً إلى أن التدريس هو باللغة العربية ، فإن غالبية الطلاب يحرمون من دخول الجامعة في بلادهم ، ولا بدّ لهم من الحصول على قبول في جامعات البلدان العربية المختلفة لاكمال دراستهم، وفي العلوم الانسانية فقط ، حيث أن الطلاب المسلمين غير مؤهلين لدخول الكليات العلمية البحتة مثل الطب والصيدلة والهندسة بل وحتى كلية العلوم .

لقد بدأت حديثاً مدرسة واحدة في مدينة "تمالي" شمالي غانا (وهي عاصمة المنطقة الاسلامية) بتدريس اللغتين العربية والانكليزية معاً حيث تدرّس العلوم باللغة الانكليزية، وهكذا يصبح الطالب مؤهلاً لاجتياز امتحان الثانوية العامة ودخول الجامعة في بلده . ولم يكن من السهل سابقاً إقناع الناس بتعلم الانكليزية نظراً لحساسيتهم من "لغة الكفار" وخشيتهم من أن تكون هذه خدعة لتنصير ابنائهم مستقبلاً . ولكن مدارس ثانوية أخرى في مدينتي أكرا وكوماسي وغيرها بدأت مؤخراً بتدريس اللغة الانكليزية إلى جانب العربية..

لقد التقيت العديد من المسلمين المعنيين بشؤون التعليم .. وقد أجمعوا كلهم على أن الحاجة الملحّة لديهم قبل غيرها ، هي توفير الكتاب المدرسي .

يقول الأستاذ باداموشي مدير التربية والتعليم في المنطقة الشمالية لغانا (وهي المنطقة الاسلامية) : " إن عدد المدارس الثانوية في المناطق الاسلامية ضئيل للغاية . ويوجد مئتا ألف طالب تقريباً في المرحلة الابتدائية ، وخمسة وعشرون ألف طالب في المرحلة الثانوية " .

وفي معرض إشارته إلى الكتاب المدرسي ، يضيف : " لقد كتبنا رسائل عديدة إلى سفارات الدول العربية ووزارات التربية والتعليم فيها ، ورجوناهم أن يزوّدونا بالكتب الدراسية المقررة في بلادهم . ولكن مع الأسف لم نحصل على أي رد إيجابي " .

ويقول مدير مدرسة أنصار أهل البيت في تيما : " يمكن للطلاب أن يدرسوا في ظل أسوأ الظروف المكانية ولو مع افتراشهم الأرض ، ولكن لا يمكن لهم الاستغناء عن الكتاب المدرسي المفقود لدينا تماماً . وإننا نتمنى أن يمد لنا إخواننا المسلمون يد المساعدة وذلك بتوفير الكتاب العربي لمدرستنا ولسائر المدارس الاسلامية في غانا ".

ويؤكد المعنى نفسه الأستاذ يحيى أمين ، وهو مدير لسبع مدارس إسلامية ، يبلغ عدد طلابها الثلاثة آلاف : " نحن نريد المساعدات المالية لبناء المدارس الاسلامية ، فبإمكاننا أن نعتمد في ذلك على أنفسنا .

ولكن ما لا نستطيع أن نتحمّله هو نفقات طباعة الكتب الدراسية العربية وتوزيعها على هذا العدد الكبير من الطلاب".

الوضع الديني للمسلمين :

هذا الوضع المؤسف الذي يعيشه المسلمون على الصعيد السياسي والاقتصادي والتعليمي، يمتدّ ليشمل سائر الحقول بما فيها حقل الشؤون والخدمات الدينية .

فرغم أن علماء المسلمين في غانا يبذلون جهدهم لتثقيف المسلمين وتربيتهم ولبناء المدارس ، والمساجد التي تكتظّ عادة بالمصلّين ، خصوصاً في يوم الجمعة إلا أن الوضع الديني مأساوي بشكل عام ، نظراً إلى أن عدد العلماء قليل ومستواهم الثقافي ضعيف . ويندر أن نجد فيهم من يحسن إلقاء خطبة الجمعة ارتجالاً .إذ تكون الخطبة مكتوبة باللغة العربية التي لا يحسنها أكثر المصلين . وقد زرت المسجد الأعظم – وهو من أكبر المساجد وأهمها – في يوم الجمعة ، ولم استطع فهم كلام إمام المسجد حين ألقى خطبة الجمعة باللغة العربية لضعف صوته وتلجلج لسانه ، وفي مسجد آخر شاهدت خطيباً يشرح قبل صلاة الجمعة ، خطبة الجمعة السابقة باللغة المحلية نظراً إلى أن الامام تلاها باللغة العربية ولم يفهمها أكثر المصلين .  

ومن الآداب أن يجلس إمام المسجد أمام المصلين بعد انتهاء الصلاة للدعاء لهم ، ولكن صوته في الدعاء خافت جداً لا يكاد يسمعه أقرب المصلين إليه ، إلا أن مساعد الإمام يجلس بجانبه وبيده اللاقطة – المايكرفون – ويؤمّن على الدعاء فيسمع المصلون كلمة آمين فقط وإن كانوا لا يعلمون شيئاً عن فحوى الدعاء نفسه . هذه الحالة نلمسها في أكثر المساجد التي يكون أئمتها من كبار السن ، وقد تختلف في بعض المساجد التي يوجد فيها إمام جماعة شاب ومثقف .

ويبدو أن هبوط المستوى الثقافي العام في المدارس الابتدائية والثانوية هو الذي ادّى إلى هبوط مستوى المبلّغين الفكري فكثيرون منهم لم يكملوا الثانوية فضلاً عن الجامعة . فلا غرابة إذن في أن يكون أكثر المسلمين جاهلين بالاسلام ، ومن السهل تنصيرهم على أيدي المبشرين المسيحيين ، خصوصاً في المدارس المسيحية . وتذكر الكنيسة أن أعداداً كبيرة من المسلمين يعتنقون المسيحية سنوياً . وأحياناً تنشر الجرائد اليومية - أسماء وصور المسلمين الذين تم تنصيرهم ، وغالباً ما يكون السبب في اعتناقهم المسيحية اقتصادياً أو اجتماعياً .

ومع ذلك فإن عدداً كبيراً من الوثنيين والمسيحيين يهتدون إلى الإسلام سنوياً وذلك بفضل جهود العلماء والكتب الاسلامية التي توزع بواسطة الجمعيات الإسلامية المختلفة .

ومن المفيد أن نذكر من بين تلك الجمعيات الإسلامية :

جمعية "ديني إسلام ميشن " أي "جمعية الدعوة الإسلامية" في أكرا ، وجمعية "إمامية مسلم ميشن " أي "الدعوة الامامية الإسلامية" في تمالي ، و"مركز البحوث الدينية والدعوة الاسلامية " في ماموبي / أكرا ..

وقد قامت الجمعية الأولى بخطوة رائدة حين أسست مكتبة إسلامية عامة باسم مكتبة الامام علي (ع) في أكرا عام 1986 . وجدران مبنى هذه المكتبة – كما لاحظنا - هي مشيّدة بالخشب ، باعتباره أرخص من الإسمنت . وتحتوي على قاعة كبيرة وغرفتين للادارة . وتعد هذه المكتبة الوحيدة لدى المسلمين في غانا ، نظراً إلى أن المكتبات العامة الموجودة هي إما حكومية أو تابعة للجمعيات المسيحية . وإلى جانب المصاعب التي يكابد منها أغلب المسلمين على مختلف الاصعدة فقد كانوا - وما زالوا - عرضة لأخطار كبيرة تهدّد هويتهم الدينية .. وأبرز تلك الأخطار يكمن في حركة التنصير (المسيحية) ، وفي الحركة القاديانية .

حركة التنصير :

فحركة التنصير نشطة جداً في غانا وذلك لكثرة عدد الكنائس التي تمتاز بضخامة بنائها وإمكانياتها المادية . وتتقاطر على البلاد اعداد هائلة من المنصّرين المسيحيين من أمريكا وأوروبا وهم يتنقلون في مختلف المدن والقرى داعين الناس إلى النصرانية . ويستعملون وسائل وإغراءات مختلفة ، فبعضهم يوزع الحليب للأطفال ، وبعضهم يوزع الحنطة والشعير والمواد الغذائية الأخرى ، وقسم يوزع الملابس الجديدة أو المستعملة ، وبذا يوقعون الناس في حبائلهم . ومن وسائلهم أيضاً استخدام العيادات الطبية المتنقلة وفيها بعض الادوية البسيطة وهم إلى جانب معالجتهم للمرضى ، يشرحون المفاهيم المسيحية. وقسم آخر يدخلون القرى ويعلنون عن تأسيس مدرسة تبنى بشكل بسيط وعن هذا الطريق يتنصر الاولاد أولاً ، ثم آباؤهم وأمهاتهم . والناس لا يفرحون بشيء كفرحهم بفتح مدرسة لابنائهم ، لأن نسبة الأمية عالية جداً . وكان أحد القساوسة الامريكيين في غانا صديقاً لاحد التجار المسلمين اللبنانيين ، وبعد عدة جلسات من اللقاء والحديث أقنعه التاجر بأن الدين المسيحي غير صحيح وبأن الاسلام هو الدين الحق . فكان جواب القس "إني مقتنع تماماً بما تقول ولكني أعيش الآن عيشة مرفهة ، فراتبي يبلغ ألفي دولار شهرياً ، وتتحمل الكنيسة نفقات سفري بالدرجة الأولى بالطائرة وأحضر سنوياً عدة مؤتمرات للكنيسة في أوروبا وغيرها مما يتيح لي زيارة عدة دول في العالم ، فلو أعلنت إسلامي لفقدت كل هذه الامتيازات والحياة المرفهة ، وسوف لن يتمكن المسلمون من تعويضي عن ذلك " . هذا نموذج واحد من مئات النماذج من المنصّرين المسيحيين الذين يرسلون إلى غانا من قبل الكنيسة .

القاديانيون في غانا :

وللقاديانيين أيضاً نشاط كبير ومنظّم في غانا ، كما في باقي الدول الافريقية . ويقدّر عددهم فيها بأكثر من نصف مليون نسمة وقد نشروا دعوتهم من خلال بناء عدد كبير من المدارس الابتدائية والثانوية في المدن المختلفة ، ومن خلال طلابهم الذين دخلوا الجامعات وأثّروا في زملائهم . وبمرور الزمن تخرّج عدد منهم من الجامعة ، مما أتاح لهم استلام مناصب مهمة في الدولة . وقد بنى القاديانيون مساجد متعددة في غانا . وهم يوزعون القرآن الكريم - المترجم من قبلهم إلى الانكليزية – بكثرة ، مما جعل بعض المسلمون يتوهّم بأن الاسلام يتمثل بالقاديانية.

وقد اتجه القاديانيون إلى الزراعة واستصلاح الأراضي بأسلوب علمي مدروس ، مما مكّنهم من نشر دعوتهم بين القبائل والفلاحين وكسبوا بذلك أعداداً مهمة من المسلمين وغيرهم .

كما أن القاديانيين يبنون العديد من المستشفيات . ويقدّمون الخدمات الطبية المنظمة . وتعتبر غانا أهم مركز للقاديانيين في غانا . والجدير بالذكر أن باكستان تعتبر القاديانيين من الأقليات الدينية غير المسلمة لأنهم لا يقرّون بأن النبي محمد (ص) هو خاتم الأنبياء .

فرص التبليغ الاسلامي في غانا :

مقابل هذه الصورة القاتمة التي قدّمناها لواقع المسلمين في غانا .. لا بد من التأكيد على جانب إيجابي هام .. وهو وجود فرص واسعة لقيام حركة تبليغ إسلامي نشطة في هذه البلاد .

إذ من السهل كسب الناس في غانا - كغيرها من الدول الافريقية - إلى الإسلام ، عند توفر العالم الديني أو المبلّغ الكفء . لأن معظم أهل البلاد ما زالوا على سجيّتهم ، ولم يتأثروا بالمفاهيم والمبادئ المادية الإلحادية . وإذا كان ثمة – بعد - نسبة كبيرة منهم من عبدة الأوثان ، فلأنهم لم يطّلعوا على الاسلام .

وأذكر في هذا السياق لقائي بأحد عمّال الفندق الذي أقمت فيه بأكرا .. حيث ابتدرني بالسؤال عن اتجاه القبلة (وكان من المسلمين) ، فأرشدته لذلك ، وسألته كيف عرف الاسلام ؟.. فقال إنه ابن رئيس عشيرة كبيرة تسكن في شمالي البلاد ، وتوفي أبوه وعمره 7 سنوات وصار أخوه الأكبر حاكماً للمنطقة .. ولكنه التقى بأحد المسلمين وتعلّم منه الاسلام وصار هو وأمه مسلمين دون قبيلته . واشتغل في احدى القرى المجاورة وعرف الاسلام من أهلها وحاول في إحدى سفراته إلى مدينته أن يدعو عشيرته إلى الإسلام فلم يستجيبوا له ، ربما لقلة ثقافته الإسلامية . ثم هاجر هو وأمه إلى أكرا للعمل، وعلى أمل أن يلتقي بمن يعرّفه بأمور دينه . ويتمنى لو تتاح له الفرصة لدراسة العلوم الدينية في أي مركز أو معهد ديني ليتفقَّه في الدين ولينذر قومه إذا رجع إليهم .

كما حدث لي أيضاً أن سألت سائق سيارة عن دينه ، فأجابني بأنه مسيحي . وعندما دعوته إلى الإسلام ، قال إنه يحب الإسلام ، ولكن تعلّم الصلاة واداءها باللغة العربية أمر عسير بالنسبة إليه . ولذلك يصعب عليه أن يصبح مسلماً ! فأفهمته أن تعلم الصلاة أمر سهل ، ويمكن أن يتم تدريجياً خلال مدة قصيرة ، فقبل الدعوة وطلب تزويده ببعض الكتب الدينية بالانكليزية ليتعلم أصول الدين وفروعه .

هذه بعض النماذج عن سهولة التبليغ الديني في غانا ، وإمكانية هداية الناس إلى الحق بيسر .

وهناك بعض المستلزمات والاحتياجات ، التي من شانها  – إن توفرت – تطوير وضع المسلمين ثقافياً ودينياً واجتماعياً .. وقد استخلصناها من خلال مقابلاتنا المختلفة :

1-تأمين منح لطلبة العلوم الدينية للدراسة في مختلف المعاهد الاسلامية في العالم...

وكذلك تأمين منح دراسية أخرى في حقول العلوم البحتة كالطب والهندسة والعلوم الطبيعية .. وهذا ما يؤكد عليه الشيخ عبد السلام .. أحد العلماء الذين درسوا في قم.

2-تأمين الكتب للمدارس الابتدائية والثانوية باللغتين العربية والانكليزية ، وتوفير القرطاسية اللازمة .

3-بناء المساجد وتجهيزها بما تحتاجه من أثاث وأدوات ضرورية .

4-تأسيس المدارس الجديدة في الأقاليم المختلفة ، ومراعاة المعايير الحديثة في بنائها وتأثيثها .

5-إقامة المكتبات العامة في مختلف المدن ، وفي المساجد والثانويات والجامعات .. لتكون منطلقاً لنشر الوعي الثقافي والاسلامي .

6-الاهتمام بتطوير الزراعة ، وفقاً لأحدث الطرق العلمية ، التي تقوم على تحليل التربة من أجل تحديد أنواع الخضر والفواكه الملائمة لها .

"ويمكن الاعتماد في هذا المجال على دعم البنوك الحكومية التي تعطي قروضاً لمثل هذه المشاريع إذا اقتنعت بجديّة القائمين بها وحسن إدارتهم" .. كما يقول المهندس محمد ، الموظف في الخطوط الجوية الغانية .