شبكة الإمامين الحسنين عليهما السلام للتراث و الفکر الإسلامي

 

المكاسب المحرّمة

 

الشيخ محسن عطوي

 

الرابع  :

صناعة السحر وألعاب الخفّة  :

م-1- يقصد بألعاب الخفة ما يعتمد على الحركة السريعة وعلى بعض الحيل الميكانيكية.. والتي يدخل فيها السحر القائم على هذه الالعاب أو الذي يستخدم فيه بعض القوى الخفية، ويعتبر من الكبائر التي يعاقب عليها بالخلود في النار ، وحدّ الساحر في الشرع القتل . وسبب التحريم على ما يبدو .. خطورة هذا النوع من الاعمال على عقل الانسان وأفكاره، حيث يحرص الاسلام على عدم العبث بالفكر من خلال مثل هذه الاعمال الخادعة والمزيفة، ويحث الإسلام على صيانة الحقيقة من التلاعب بها ، وعلى استعمال الوسائل الجادة والمنطقية في الاستشفاء أو في اللهو والأنس ، مضافاً إلى أن العديد من أنواع السحر يعتمد على وسائل محرمة وشيطانية وموجب للأذى في صحة الإنسان وعقله ونفسه .

م-2- يحرم تعلم السحر وتعليمه ، ويحرم التكسب به ، ويشمل جميع أنواعه وألوانه مما يقوم في جوهره على خداع البصر والتأثير على الحواس بنحو يرى غير الواقع .

م-3- تحرم الشعبذة .. وهي الأعمال التي تعتمد على الخفة وسرعة الحركة .. فيرى المشاهد غير الحقيقة .. بنحو يستوجب هذا العمل الإضرار بالمؤمنين .

م-4- يحرم التنجيم بالنحو الذي يجعل المنجم يعتقد أن النجوم تؤثر حقيقة على أوضاع الناس وأرزاقهم وسلمهم وحربهم ، فيتوقع من خلال حركة النجوم والأبراج حدوث وباء أو حرب أو زواج أو نحو ذلك ، حيث يعتقد الإسلام أن الكواكب ليس لها علاقة بهذه الأمور .. إلا ما لها من أثر على المناخ الذي له قواعد علمية يمكن على أساسها توقع متغيراته .

م-5- يحرم التنبؤ المتعارف في هذا الزمان والذي كان يسمى قديماً بـ(الكهانة) ، والذي  يدّعي فيه العرّاف أو الكاهن العلم بالغيب عن طريق بعض القوى الخفية ، ولا يعتبر من الكهانة التوقعات السياسية أو الاقتصادية ونحوها مما يكون قائماً على قرائن معينة لا يدركها جميع الناس .. فإنه لا يعدّ من نوع الإخبار بالغيب .

ومن نوع الكهانة قراءة الكف وضرب "المندل" ونحوها .

م-6- يرى بعض الفقهاء أن استخدام الجن وتسخير الإنسان بالتأثير على قواه وإخضاعه محرم لا يجوز القيام به سواء أضرّ بالآخرين أو لم يضرّ بهم ، ولكن البعض الآخر لا يرى حرمته إلا في حال إضراره بالناس وإيقاعهم في الأذى .

تعقيب :

وعلى كل حال فإن الذي يظهر أن الإسلام ينفر من هذه الوسائل ولا يشجعها .. حتى لو رأى الفقهاء أن بعضها غير محرم ، والإسلام - في المقابل - يحث الانسان على اعتماد العقل والعلم في نشاطه وأعماله مهما تنوعت مجالاتها، ولو كانت مثل هذه العلوم ضرورية لعرّفنا الله تعالى عليها ومكّننا منها .. في الوقت الذي أبى ربنا عز وجل لأنبيائه وأوليائه إلا أن يستخدموا الوسائل الطبيعية في الوصول إلى غاياتهم ، ولو كان الجن ينفع لنفع النبي محمد (ص) في محاربة المشركين وكشف مؤامراتهم ، ولنفعنا نحن في مواجهة الباطل والمتجبرين ، ولوفّر على المسلمين الكثير من الآلام والشهداء .. في الوقت الذي نرى أن أعجز الناس وأفقرهم هم الذين يمارسون مثل هذه الأعمال ، وإذا استغنى بعضهم فإنه يصبح غنياً بالحيلة والخداع والكذب .. وليس عن طريق مثل هذه الأعمال السخيفة .

لذا فإن الأفضل تجنب هذه الأعمال جميعها .. حتى لو لم يحرمها الشرع .. فإنها لا تعدو أن تكون نوعاً من اللغو يجب أن يترفع عنه المسلم الواعي .

مسألتان عامتان :

الأولى : يحرم بيع المواد الخام التي تصنع منها تلك الأشياء التي سلف ذكرها ، فيحرم بيع العنب بشرط أن يصنع منه الخمر ، والخشب من أجل صنع الصلبان وآلات الموسيقى بحيث يكون صنع المحرم قد أخذ شرطاً في بيعها وغاية له ، وكذا إجارة الحانوت أو وسيلة النقل لغرض صناعة الحرام ونقله ، والأفضل أيضاً عدم البيع في حال العلم بأنه سوف يفعل فيه الحرام .. مع عدم الاتفاق بينهما على فعله ، حيث الهدف من هذا الحكم عدم مساعدة من يريد القيام بهذه الأعمال بأي شيء .

الثانية : يجب على القادر تحطيم آلات اللهو وتغيير صورتها إذا انحصر استعمالها في الحرام .. وأما إذا لم ينحصر.. وأمكن استعمال آلة الحرام في أمور محلّلة فإنه لا يجب تغييرها عند ذلك .

الخامس :

صناعة الرسم والنحت :

م-1- ذهب بعض الفقهاء إلى حرمة رسم ونحت الحيوانات سواء الانسان وغيره بصورته الكاملة ، من دون فرق بين أن تكون الصورة مجسمة تماماً ، أو نصف مجسمة، أو غير مجسمة أبداً ، وأما إذا لم تكن الصورة كاملة .. بنحو يصوّر نصف الحيوان مثلاً فإنه لا مانع منه مجسماً كان أو غير مجسم ..

ويذهب آخرون من الفقهاء إلى أن الذي يحرم هو التصوير المجسم أو نصف المجسم مع كون الصورة كاملة ، وما عداه ليس حراماً .

وسواء قلنا بحرمة التصوير أو بعدم حرمته فإنه يجوز اقتناء الرسوم والمنحوتات في البيوت كما يجوز بيعها وشراؤها .

ولا يشمل هذا الحكم التصوير الفوتوغرافي المتعارف في هذا العصر ، كذلك لا يشمل الحكم رسم ونحت غير الحيوانات وذوات الأرواح من المناظر الطبيعية .

ومن الواضح أن الهدف من ذلك إستئصال مظاهر الشرك وعبادة الأصنام .

السادس :

ما يحرم من الأقوال والأفكار :

م-1- يحرم الارتداد عن الإسلام كله أو بعضه ، ويعاقب المرتد بالقتل .

م-2- يحرم نشر الأفكار المنحرفة والترويج لها .. بالكلام أو الطباعة ، ولا يجوز اقتناء كتب الضلال وحفظها إلا بهدف الرد عليها .

م-3- يحرم التلفظ بالألفاظ النابية القبيحة التي يستهجن الناس ذكرها في المجالس المحتشمة ، وهي من قبيل ألفاظ العورات والعملية الجنسية وما يتعلق بذلك . ويستثنى من ذلك محادثة الزوجة بهذه الألفاظ فإنه غير محرم .. عند الخلوة معها ، كذلك لا يحرم كتابتها في شعر أو نثر .

م-4- يحرم الكذب بنحو يكون إخباراً بغير الواقع .. حتى ولو كان بصورة المزح ، إلا إذا لم يكن في واقعه إخباراً.. بحيث يفهم منه أن المتحدث في مقام اللغو والمبالغة ونحو ذلك مما لا يعد إخباراً .

ومن الواضح أن تحريم مثل هذه الأمور وتحريم الاكتساب منها .. سيما بعدما شاع تحول الكذب في الاعلام الحديث إلى صناعة وفن ، وبعدما فشا طبع الكتب المنحرفة .. سواء الجنسية منها أو الفكرية والأدبية .. بحيث أصبح المجتمع الإسلامي عامراً بألوان من الإنحراف والفساد تؤثر على سلامته الاخلاقية والعقائدية ، من الواضح أنه يستهدف صون المجتمع عن مثل هذا الانحراف لتبقى الفضيلة هي الخالدة .

وفي إطار الكذب – أيضاً -  نلاحظ أنه يوجد شعراء "ونوّاحات" يمدحون الأموات ويندبونهم بغير ما كانوا عليه حال حياتهم أو يمدحون الأحياء بخلاف واقعهم بنحو يكون من الكذب الصريح ، وهذا من مظاهر الباطل ومن المحرمات في شريعتنا ، ويستثنى من ذلك حالة وجود صفات جيدة ويبالغ فيها المادح .. فهذه لا تعتبر محرمة .. وإن كان ينبغي تجنب الإفراط في مثل هذا المديح .. لأنه ليس من الخلق الإسلامي .. وإن كان جائزاً.

السابع :

معاونة الظلمة :

م-5- يحرم على المسلم معاونة الظالم في إيقاع الظلم على الآخرين والدخول في جماعته وأنصاره وتولي المناصب والمسؤوليات من قبله بحيث يكون هذا الدخول وهذه المعاونة مستوجبة لتأييده وبقاء ظلمه .

م-6- يستثنى من ذلك الدخول في المناصب النافعة للناس مثل التعليم والزراعة ونحوها مما يكون في الدخول فيه صلاح الناس ودفع الأذى عن المؤمنين .

كما يستثنى حالة الاكراه .. فإذا أجبر الحاكم الظالم المؤمن على الدخول في جماعته وهدده بالقتل أو انتهاك العرض أو مصادرة الأموال ونحوها .. فإنه يجوز له الدخول شرط أن يحرص على تجنب ظلم الناس .. وخصوصاً القتل في مطلق الأحوال كما هو رأي أغلب الفقهاء .

وعند ابتلاء المؤمن بمثل ذلك فالأفضل مراجعة علماء الاسلام العدول ليرى ماذا يجيزون له في مثل هذه الحالات .

الثامن :

في أمور مختلفة :

1-الإحتكار :

يحرم إحتكار السلع بحبسها والإمتناع عن بيعها .. بهدف ارتفاع قيمتها وزيادة أسعارها.. في حال حاجة المسلمين إليها .. وعدم توفرها في الأسواق بما يكفي حاجة المشترين . وتختص الحرمة بالحنطة والشعير والتمر والزبيب والسمن والزيت ، والأفضل ترك الإحتكار في كل سلعة ضرورية لمعاش المسلمين وحياتهم ، ويرى بعض الفقهاء حرمة الإحتكار في كل ما يحتاج إليه المسلمون .

ويجبر المحتكر على البيع ، وإذا كان السعر الذي حدده مضراً بالناس أجبره الحاكم على البيع بالأقل .

2-الغش :

وهو مزج الصنف الجيّد بالصنف الرديء ، أو بغيره من الأصناف مثل مزج الحليب بالماء، أو طلي الحديد بالذهب ، ثم بيعه على أنه جيد أو حليب أو ذهب ، وهو من المحرمات الكبيرة.

فقد ورد في الحديث الشريف عن النبي (ص) : " من غشّ أخاه المسلم نزع الله بركة رزقه وسدّ عليه معيشته ووكله إلى نفسه " .

وهذا العمل إنما يعتبر حراماً عند جهل المشتري به ، فإذا أعلمه البائع بنوع البضاعة وصفتها لم يعتبر غشاً وأصبح جائزاً .

3-أوراق اليانصيب :

يحرم بيع أوراق اليانصيب وشراؤها .. إذا كان بذل المال بهدف تحصيل الربح المحتمل ، إلا في حال بيعها لإنعاش مشروع خيري وبهدف جمع التبرعات .

وعند الربح يجوز تملك المال إذا كانت الجهة المصدرة لأوراق اليانصيب جهة شعبية ، وأما إذا لم تكن أهلية فلا بد من مراجعة الفقيه العادل من أجل استئذانه في التصرف بهذا المال .

4-حلق اللحية :

لا يجوز حلق اللحية على الأحوط وجوباً ، ولا يجوز حلق لحية الآخرين بالأجرة حتى لو رضي الآخرون ، ويستثنى من حرمة الحلق الحالة التي يستوجب فيها إطلاق اللحية السخرية والاستهزاء والمهانة الشديدة .. فيجوز حلقها حينئذ .

5-يحرم على الإنسان أن يزيد في ثمن السلعة في المزادات العلنية مثلاً دون أن يكون قاصداً شراءها .. بل بهدف أن يسمعه الآخرون فيرغبوا بشرائها بالزيادة ، وهذا العمل حرام حتى لو لم يكن عن اتفاق مع مالك السلعة .

6-الرشوة :

تحرم الرشوة على القضاء سواء بالحق أو بالباطل ، ويجوز للمظلوم دفع مال للظالم من أجل تحصيل حقه منه .. وإن حرم على الظالم أخذ المال .

7-بيع السلاح :

يحرم بيع السلاح لأعداء الدين وقطّاع الطرق ونحوهم ممن تؤدي قوته وتمكنه من السلاح إلى الإضرار بالمسلمين وإيذائهم ، ويختلف هذا الأمر باختلاف الظروف والأحوال.. فلا بد من مراجعة الفقيه لإعطاء الحكم المناسب .

جملة ممن آداب التجارة :

هذا وقد وردت في الفقه الإسلامي جملة من آداب التكسب ومكروهاته نذكر بعضها فيما يلي :

1- يستحب التفقه في أحكام التجارة وغيرها من أنواع الكسب من أجل أن تقوم معاملاته على أصولها وأحكامها الشرعية .

2- يستحب أن يساوي بين المتبايعين فلا يزيد على شخص .. ولو كان مساوماً وينقص لغيره

3- يستحب أن يستجيب لرغبة المشتري إذا أراد فسخ البيع ورد السلعة .

4- يستحب الإقتصار على الربح المعقول .

5-يكره أن يمدح البائع سلعته .. مثلما يكره للمشتري أن يذم فيها .

6-يكره أن يخفي العيوب التي في السلعة .. وأن يبيع في المكان المظلم من أجل أن لا تظهر العيوب .

7- يكره التبكير إلى السوق .. لما فيه من الحرص المذموم .. ومن استباق السعر قبل استقراره .

8- يكره استعمال الموازين والمكاييل لمن لا خبرة عنده .

9- يكره بيع الأكفان .. وأخذ الأجرة على ضراب الفحل .