شبكة الإمامين الحسنين عليهما السلام للتراث و الفکر الإسلامي

 

حول خطبة الرسول (ص) في استقبال

 

شهر رمضان المبارك

 

السيد محمد نجيب الحسني

 

إن شهر رمضان المبارك يشكّل مع سابقيه - رجب وشعبان - موسماً عبادياً ينبغي تجديد العهد فيه مع الله عبر تربية روحية مكثّفة وخاصّة . أي بتعبير آخر لا بد من الاستنفار الكلي في أفكارنا وجوارحنا وحواسّنا للتزوّد منه بما ينفعنا في الدنيا والآخرة . وتبلغ ذروة هذا الموسم وحركيّته التجارية -  ثواباً - مع الله تعالى في شهر رمضان المبارك حيث يحاول النبي (ص) أن يهيئ المسلمين لاستقباله وإحياء مناسباته وبالأخص ليالي القدر التي تمثل قمة المناجاة والتوجه إلى الله عزّ وجلّ .

وإنك لتكتشف بسهولة صحة ما ذكرناه بمجرد قراءة خطبة النبي (ص)  في استقبال الشهر المبارك والتي نقلها أحد أئمة أهل البيت (ع) حيث تشعر أنك حقيقةً أمام زمان غير عادي .. وفيه من الإغراءات والترغيبات ما يجعل عملك يساوي أضعاف أجره في أيام أخر .

أمّا عظمة الخطبة فتبرز من خلال النصائح والتعاليم الخاصة . المضافة إلى الصوم بما يمثله من جهاد أكبر للنفس عبر ترويضها وتقوية الإرادة فيها . ولن نغفل عن أن شهر رمضان هو شهر الجهاد بقسمَيه الأكبر والأصغر . وقد تعرّض المسلمون فيه -  وفي سَنة تشريع الصوم والقتال بالأخص –تعرضوا لأقصى حالات التعب مما ساهم في صياغة الشخصية المؤمنة صياغة متينة ، فأضحى المؤمن لا يعبأ بالمصاعب ولا بالأزمات ، إذ غدا يملك إرادة أصلب من الجبال : " إن الجبل يستقل منه ، والمؤمن لا يستقل من دينه شيء " كما في الحديث الشريف .

ونحن سوف نحاول إلقاء بعض الضوء على الخطبة الجليلة في محاولة للاستفادة منها . ويمكننا تقسيمها إلى مقدمة وفصول ثلاثة وخاتمة ، وملحق لا يقلّ أهمية عن الخطبة نفسها.

مقدمة الخطبة : في بيان فضل شهر رمضان المبارك :

يدعو النبي (ص) عباد الله ليستغلوا هذه الفرصة الثمينة عبر تركيزه (ص) على النقاط التالية :

- إن أيّ عمل يؤديه المؤمن إنما يهدف إلى كسب رضا الله تعالى ومغفرته . وهذه المغفرة التي يجدّ للوصول إليها نراها تهدى إليه في شهر الله ، وهذا هو سرّ بركة شهر رمضان المبارك .

- إن أيّ عمل يتبرّع به المؤمن هو مضمون القبول في هذا الشهر ، بل إن كرامة هذا الشهر لتحوّل أنفاس المؤمنين الى تسبيح ، وتجعل نومهم عبادة ، وذلك حينما يكون النوم مقدمة للتقوّي على العبادة : عبادة الصيام والقيام .

- " عملكم فيه مقبول ودعاؤكم فيه مستجاب " ، مع هذه الضمانة ضمانة قبول الدعاء والعمل ، بشرط صدق النية وطهارة القلب .. يدعو النبي (ص) لتوجيه الدعاء للتوفيق في أمرين : التوفيق لصيام الشهر وقيام لياليه ، والتوفيق لأمر آخر مهم وهو تلاوة الكتاب الكتاب ، الذي أنزل في هذا الشهر المبارك هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان .

- ويحذر النبي (ص) أيضاً من تضييع الفرصة الذهبية ، من التهاون في الاستفادة من مغفرة الله لأن الشقي الأوحد من حرم غفران الله في هذا الشهر العظيم .

وبعد هذه المقدمة للخطبة نجد - فيما نفهم - أن النبي (ص) بدأ بتفصيل البرنامج العملي للصائم المؤمن ، وذلك بكشفه (ص) عن أسرار الصوم وفوائده وأبعاده .

ونقسم هذا البيان إلى فصول ثلاثة كما ذكرنا :

الفصل الأول :  الاهتمام بالجانب الفردي في تربية النفس : حيث أنّ النفس بالسوء أمّارة، وإلى اللهو مسارعة ،.. وللجمها عن ذلك لا بدّ من برنامج تربوي خاص لها . وقد ركز (ص) على نوعين من الاهتمام بتربية النفس .

الاهتمام الأول : " تربية النفس خلقياً ":

وهنا يدعى المؤمن لبناء إرادة قوية من خلال الصوم الذي يساعد على ضبط النفس ومنعها من الانجرار وراء شهواتها . وفي الخطبة تذكير بكثرة الذنوب وآثارها وسوء عاقبتها ، وبالتالي يتضمن هذا التذكير دعوة للاقلاع عنها وعن موجباتها . وعليه فالمؤمن " الصائم " يعيش ذلك الهمّ وآثاره ، ويحاول جاهداً إصلاح هذا الواقع السيء والعودة بنفسه إلى حظيرة الايمان والصلاح . ونلاحظ التشديد الدائم على طهارة القلب وصدق النية لا في الدعاء فقط بل ليتحول هذا إلى خلق ثابت لدى الصائم . إنها دعوة -ليس في الخطبة فقط بل في سائر الأحاديث الشريفة - للتحلّي بالأخلاق الكريمة حيث يصبح المؤمن زيناً للاسلام لا شيناً عليه ...

الاهتمام الثاني : " تربية النفس روحياً ":

وقد شددت الخطبة على عدة أمور مهمة لها أثرها في هذا الجانب . وأول ذلك الأمور التوبة : " ... وتوبوا إلى الله من ذنوبكم .." والتوبة تستدعي الاعتراف بالذنوب وعدم تجاهلها ، والاعتراف أول خطوة لتطهير النفس والتوبة تلي الاعتراف بالذنب . بل قد يقال إن نفس الاعتراف توبة .. إذ لو لم يعترف المرء فممّ يتوب ؟ وعندما يعيش المرء مع ذنبه فإنه يحمل همّ الاستغفار ويعاهد الله على عدم العودة إليه . بل إن صورة العقوبة على الذنب تردع المرء عن تكراره .

وقد دعت الخطبة أيضاً إلى الاعتماد على الدعاء ، الرابط الأساسي بين العبد وربه . وفي الدعاء يظهر المرء على حقيقته في ضعفه أمام خالق الكون وعظمته واللجوء إليه أو الهروب منه ..

حيث "لا ملجأ منه إلا إليه .." وللدعاء أثره الكبير في تربية النفس حيث يمارس المؤمن النقد الذاتي وتصويب الأعمال ... إذ بالدعاء وبالصلاة التي هي من أبرز مصاديق الدعاء... ينتهي المرء عن الفحشاء والمنكر . ولذا دعت الخطبة إلى استغلال فترة الصلاة للدعاء " ..لأنها أفضل الساعات ينظر الله عز وجل فيها بالرحمة إلى عباده ويجيبهم إذا ناجوه ويلبيهم إذا نادوه ، ويستجيب لهم إذا دعوه ".

الفصل الثاني : الاهتمام بالجانب الاجتماعي في تربية النفس :

لا شك أن حب الذات هو طبيعة متأصلة في النفس . وهذا قد يمنع المرء من أداء كثير من الواجبات الاجتماعية التي تتطلب شيئاً من الترفع عن المصلحة الخاصة . والرسالة الإسلامية في عملية إصلاحها للنفس تتكفل بعملية تفضيل المصلحة العامة على المصلحة الخاصة . وقد حثّت المسلم على أن يعوّد نفسه على دفع الضريبة المالية سحقاً لشهوة حب المال . وهكذا مسألة الصوم تعوّد المؤمن على تحمّل الجوع والعطش والابتعاد عن اللذة الجنسية اختياراً .. كل ذلك ليكون سيدَ نفسه ، لا عبداً لشهوته  .

والأهم في المسألة أن يشعر عملياً بمآسي مجتمعه التي لا يخلو منها الزمن . ففي حديث الصادق (ع) : " إن العلة في الصيام أن يستوي به الغني والفقير ، وذلك لأن الغني لم يكن يجد مسّ الجوع فيرحم الفقير ، لأن الغني كلما أراد شيئاً قدر عليه ، فأراد الله عز وجل أن يسوّي بين خلقه ، وأن يذيق الغني مسّ الجوع وإلاّ لم يرقّ على الضعيف ويرحم الجائع".

وهكذا نجد الشريعة السمحاء قد عالجت من خلال الصوم مشكلة إجتماعية هامة : مشكلة الفقر واليتم وتواصل الأفراد وتكافل المجتمع . وإلى هذا تشير الخطبة التي نحن بصددها في أحد مفاصلها : " واذكروا بجوعكم وعطشكم فيه جوع  يوم القيامة وعطشه ، وتصدقوا على فقرائكم ومساكينكم ، ووقّروا كباركم وارحموا صغاركم ، وصلوا ارحامكم، واحفظوا ألسنتكم ، وغضّوا عما لا يحلّ النظر إليه أبصاركم ، وعما لا يحلّ الاستماع إليه أسماعكم ، وتحننوا على أيتام الناس يتحنن على أيتامكم .." .

هكذا نفهم أهمية العلاقات الاجتماعية القائمة على مبدأ الاحترام والاهتمام بمشاكل الآخرين..

أمر آخر مهم في هذا الفصل تدعو إليه الخطبة المباركة حيث يحثّ النبي (ص) على كسر شهوة الطمع وتعويد المؤمن على إرادة العطاء وبذل المعروف ولو لم يكن المرء قادراً عليه : " .. اتقوا النار ولو بشق التمر ، اتقوا النار ولو بشربة من ماء ..." فنفهم من هذا - والله أعلم أن العزم على فعل هذا المعروف والتصميم عليه هو الذي يوجب العتق من النار كيف لا و" إنما الأعمال بالنيات " و" لكل امرىء ما نوى".
فعلى المؤمن أن يتعود على التضحية بكل شيء في سبيل الله ، وأولى درجات التضحية هي التضحية بالمال لتليها التضحيات الأخرى حتى تكون التضحية بالنفس ، وليس فوقها برّ .

الفصل الثالث : ثواب بعض الأعمال وعقاب البعض الآخر :

إن الانسان مجبول على أن ينظر إلى الأمور نظرة تجارية ، ويترقّب ثمن أعماله التي يؤديها ولو كانت في سبيل الله. ولذا سمّى أمير المؤمنين عليّ (ع) عبادتنا عبادة  التجار.

وفي الخطبة المباركة يبين النبي (ص) بعضاً من نتائج الأعمال ولكن بمنظور الآخرة .

ونلاحظ أن أول ما بدأت به هذه الفقرة هو تحسين الخلق الذي يقابله حسن الجزاء في الآخرة " أيها الناس من حسّن منكم في هذا الشهر خلقه كان له جوازاً على الصراط يوم تزلّ فيه الأقدام ".

والتركيز على هذه الخصلة الخلقية بدءاً سببه أنّ الصائم نظراً للتعب والارهاق في العمل والحرّ والجوع والعطش قد يعيش جوّا نفسياً متأزماً يصاحبه توتر في الأعصاب وضيق في المزاج وانقباض في النفس . كل ذلك قد ينعكس على حديثه وتصرفاته من حيث الغضب والعصبية والإثارة . وهنا تبرز أهمية مجاهدة النفس لتحسين الخلق ولين العريكة واطفاء جذوة الغضب وتجنّب مشاكسة الآخرين ، وبالتالي يظهر الصائم خلق الاسلام وأدبه فينال جزاءه يوم القيامة : رضاً من الله وجوازاً على الصراط يوم تزل فيه أكثر الأقدام .

ونلاحظ أن هذه الفقرة أيضاً تناولت مختلف الأعمال التي تنعكس على خلق الفرد والجماعة .. وضمن هذا الإطار نفهم معنى  صلة الرحم وقطيعته ، وإكرام اليتيم والتحنّن عليه ، وثواب الصلاة في الآخرة ، وكذلك تلاوة القرآن وما فيها من الثواب في الدنيا والآخرة ، لأن القرآن يمثل دستور المسلم وكتاب هدايته ، فلا بد من معرفته وتطبيقه وانعكاس ذلك لا بد أن يظهر في سلوك الصائم .

الخاتمة :

وهي تؤكّد ما مرّ في المقدمة من دعوة لاستغلال الفرصة في هذا الشهر المبارك ، مع اختلاف في الأسلوب ، حيث يذكر النبي (ص) ارتباط كل ما ذكر في الخطبة بمصير الإنسان في الآخرة .. فأبواب الجنة مفتحة ، وأبواب جهنم مغلقة .. إنها فرصة ذهبية ، وعلى الصائم -  وهو الأقرب إلى الله -  أن يستغلّها ليطلب الرضوان وحسن المصير، خاصة وان الشياطين مغلولة لا تستطيع إضلال المؤمن إلا إذا شاء هو ذلك ! وهذا هو الشقاء بعينه أعاذنا الله منه .

فمن ذا الذي يرفض هذه الفرصة السنوية ليجدّد عهده بالله وينظّف نفسه من أدران الحياة الدنيا التي علقت بها فأقلقت بال المرء ونغّصت عيشه ؟!

الملحق :

ويجد الإمام علي (ع) -راوي الخطبة- فرصة وهو يستمع إلى كلام النبي (ص) فيتلهّف لسؤال الرسول (ص) عن أفضل الأعمال في هذا الشهر ، ما دامت له كل هذه الفضائل والممّيزات ، وهذا الاهتمام منه (ص) .. فيجيبه  (ص):" إن أفضل الأعمال الورع عن محارم الله "

وفي هذا العمل – الورع - سرّ عظيم إذ أنّ في الشريعة واجبات ومحرّمات ، وقد ورد عن النبي (ص) : " ما من شيء يقربكم إلى الجنة ويبعدكم عن النار إلاّ وأمرتكم به ، وما من شيء يقربكم من النار ويبعدكم عن الجنة إلا ونهيتكم عنه " . فهما إذن إلزاميان على المؤمن . ومع ذلك يرى البعض أن ترك المحرّمات أولى من فعل الواجبات، والمهم في البدء الاجتناب عمّا نهى عنه المولى عز وجل . وترك المحرّمات أيسر من فعل الواجبات لأن الترك ليس فيه إعمال للجوارح ، ولا يحتاج إلى بذل جهد وتحريك عضلات .

وقد يكون لأجل هذا جعل رسول الله (ص) الورع عن المحرّمات وتنزيه النفس عنها خير الأعمال وأفضلها في هذا الشهر العظيم .

والله تعالى أعلم بواقع الأمر والحال . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .