شبكة الإمامين الحسنين عليهما السلام للتراث و الفکر الإسلامي

 

الإلحاد ... وتهافت الدوافع اليه

 

عبد الله شرارة

 

بعدما بيّنت بحوث علماء تاريخ الأديان ، عمق الاتجاه الديني وأصالته ومصاحبته للإنسانية منذ فجر تاريخها السحيق ... أصبح من اللازم التساؤل عن سر الاتجاه اللاّديني الذي يسلكه القلّة من الناس ، الذين يخالفون الإتجاه البشري العام ، ويشكّلون حالة مَرَضية منحرفة عن الفطرة الانسانية الموحِّدة .

والاتجاه المادي الإلحادي ، الذي يطلق من إنكار الوجود اللامادي ، ويحصر الوجود الواقعي في العالم المادي وحده، ويستهدف بالتالي إنكار وجود الله تعالى ، ليس من مختصات العصور المتأخرة وإن كان قد استفحل خلالها ، بل هو قديم في ظهوره ، وكانت له على الدوام دوافع مصطنعة تدفع بإتجاهه وتمهّد له .

ويحدّثنا القرآن الكريم في آيات عديدة عن بعض المفكرين والدوافع التي قادتهم إلى الإلحاد بالله تعالى ، فيذكر فرعون الذي قال : { أنا ربكم الأعلى } ، و يتحدث عن  { الذي حاجّ إبراهيم في ربه } ، وعن { الذي مرّ على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنّى يحي هذه الله بعد موتها } . كما يعرض "للدهريين" المعاصرين للبعثة الشريفة { وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلاّ الدهر } 45/25 .

وفي العصور الاسلامية ، وفي مناخات الحرية الفكرية ، جهر كثير من المفكرين والملحدين بآرائهم ، وراحوا يناقشون بها ويجادلون .. ولقد اتسع صدر الرسول (ص) وكذلك صدور أئمة أهل البيت (ع) لمناقشة هؤلاء من أجل إبطال حججهم وتسفيه طروحاتهم ، وتورد لنا كتب العقائد والسيرة كثيراً من المناظرات والمناقشات التي أجراها الرسول الأكرم (ص) والإمام علي (ع) وبقية الأئمة الأطهار وكذلك علماء المسلمين ، مع الملاحدة والزنادقة "الدهريين" ، للشيخ "الصدوق" وبحار الأنوار للعلامة المجلسي وغيرهما .. فهذا هو الزنديق "ابن ابي العوجاء" ، يجاهر بإلحاده في مسجد الرسول(ص) ، فيتألم تلميذ الإمام الصادق (ع)، المفضل بن عمرو لدى سماعه إياه ويواجهه بأعنف القول ، ويأتي الإمام الصادق (ع) فيهوّن عليه ويعلّمه كيف يواجه حجج الملحدين ، وذلك في جلسات مطوّلة ، وكانت نتيجة ما أملاه عليه كتاب "توحيد المفضل" المعروف .

 دوافع الإلحاد حسب القرآن الكريم :

تبين آيات القرآن الكريم ، من خلال بعض التلميحات ، أن وراء الالحاد المادي غالباً دوافع نفسية ثانوية وأهواء ومصالح ذاتية ، لا شبهات عقلية أو شكوك موضوعية ..

ومنها :

1-الاستكبار ، ويدفع إليه الغرور المرضي ومزعة الإستعلاء عند بعض الناس ونتيجته كفر بالله وتنكّر للرسل .. قال تعالى :

{ إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون } (الصافات-35) ، {إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين} (البقرة-34) ، { إلى فرعون وملئه بآياتنا فاستكبروا} (يونس-75) ، { فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا وتولوا} (التغابن-6) .

1-     الإستغراق في اتباع الأهواء والشهوات والمصالح المادية .. قال تعالى: { وإنّ كثيراً ليضلّون بأهوائهم بغير علم } (الأنعام-119) ، { ذلك بأنهم استحبّوا الحياة الدنيا على الآخرة } (النحل-107) .

2-     النظرة المادية في التعامل مع الله تعالى ، كمن يقول إذا شفاني الله من مرضي ، وإذا قضى لي حاجتي ، سوف أؤمن به وأطيعه ، { لئن أنجيتنا من هذه لنكوننّ من الشاكرين} (يونس-22) .

تحول الإلحاد إلى مدرسة فكرية :

ظاهرة الإلحاد ليست جديدة ومستحدثة كما مر ، ولكنها قديماً كانت مجرد حالات فردية ومواقف شخصية للمنكرين ، ولم تصبح في يوم تياراً فكرياً واسعاً .. ولكن الإلحاد مع بدء عصر النهضة العلمية الحديثة في أوروبا ، راح يأخذ شكل مدرسة فكرية شاملة ، وأصبح تياراً يواجه إتجاه الإيمان بشكل سافر خاصة خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر . ويحاول الماديون جاهدين ، أن يؤكّدوا الترابط والتلازم بين التقدم العلمي وما قاد إليه من عقلية تجريبية حسّية وبين الإلحاد ، الذي يدّعون مباركة العلم له . يقول "هكسلي": "تعتبر التطورات العلمية التي حدثت في القرن الماضي ، إنفجاراً معرفياً في وجه جميع الأساطير الإنسانية عن الآلهة والدين ، كما تفجّرت الأفكار القديمة عن المادة ونسفت بمجرد تفجير الذرة " .

فلقد بهرت التجربة ، عندما كان العلم الحديث في مراحله الطفولية الأولى ، كثيراً من عقول العلماء والمفكرين الغربيين ، فراحوا ينظرون للإلحاد على أنه نتيجة لازمة لتطور الانسان العقلي والمعرفي .. فهذا "أوغست كونت" يقرر ، بأن البشرية قد مرّت في حياتها بثلاث مراحل:

-                    المرحلة الإلهية : وهي التي كانت تنسِب فيها الحوادث الطبيعية بشكل ساذج إلى قوى خارجية .

-        المرحلة الفلسفية : وفيها بدأ الانسان يفلسف قضاياه ، فاستخدم مبدأ العلية للوصول إلى الله بوصفه العلة الأولى.

-        المرحلة الثالثة : ساد فيها التفكير العلمي التجريبي ، حيث تبين حسب "كونت" أن مبدأ العلّية لا أساس له ، لأن الحوادث الطبيعية مترابطة لا على أساس مبدأ العلية ، وإنما على أساس قانون الطبيعة نفسه الذي يقضي بترابط الأشياء وتعاقبها .. فتصبح قضية الايمان بالله بعد سقوط مبدأ العلية غير ذات فائدة ‍!

-       ولقد ناقش المفكرون المؤمنون "كونت" وأمثاله ، وبيَّنوا عدم صحة استنتاجاته أو ارتباطها بتطور العلم ، فمبدأ العلّية لم يسقط ولا زال العلماء التجريبيون والمفكّرون يسلمون به ويعتمدونه ، والايمان بالله تعالى خالقاً ومدبراً ، لا يقتصر على عامة الناس فقط .. بل يشكل قناعة راسخة لدى كبار المفكّرين وأكثر العلماء المشتغلين بالعلوم التجريبية ذاتها ، أمثال أنشتاين وإلكسيس كاريل ، ممن لا يدانيهم في مجال العلم والايمان به أيّ من دعاة الإلحاد. والحقيقة أن النزعة المادية التي طغت في القرنين الماضيين بدأت تتراجع لصالح الايمان بالله مع بداية هذا القرن . فقد كتب " ادوارد لوثر كيسيل " يقول : " لقد عمّت امريكا في السنوات الاخيرة موجة من العودة إلى الدين ، ولم تتخطَّ هذه الموجة معاهد العلم لدينا . ولا شك أن الكشوف العلمية الحديثة التي تشير الى ضرورة وجود إله لهذا الكون ، قد لعبت دوراً كبيراً في هذه العودة إلى رحاب الله والاتجاه إليه" .

-        وهذا يكشف أن الإلحاد ، لا يملك مبررات علمية ومنطقية وإنما دوافع نفسية وردود فعل قاصرة تتغطى بالعلم والعقل . وسنعرض فيما يلي لبعض الدوافع التي ساهمت وقادت إلى طغيان النزعة المادية وظهور الإلحاد بشكل كبير لم يكن معهوداً من قبل، وذلك منذ بدء "عصر النهضة" في البلاد الاوروبية ، التي شهدت ظهور وتنوع المدارس الفكرية الإلحادية ، بعدما مهّدت لها أوضاع وظروف فكرية واجتماعية خاصة بالمجتمعات الاوروبية .

دور الكنيسة :

ساهمت الكنيسة بدور رئيسي وإن غير مباشر في دفع الناس إلى أحضان الإلحاد والتنكر للدين في الغرب وخصوصاً بين المثقفين ودعاة الاصلاح . فهي بسبب ما تبنَّته وأشاعته من مفاهيم وتعاليم خاطئة وساذجة ، وبسبب العنف الأعمى والتنكيل الذي مارسته ضد من خالف عقيدة الكنيسة وآراء آبائها ، وبسبب تحالفها غير المقدس مع رجال الإقطاع وتبريرها لظلم الملوك ، قد أوجدت حالة عداء للدين ، جاءت كردة فعل على تفكير الكنيسة وسلوكها .

ففي الجانب الفكري والعقيدي ، فإن الصورة البشرية الساذجة والمليئة بالتناقض التي أعطتها الكنيسة عن الله تعالى ، كانت مسؤولة عن رفض فكرة الله من الأساس لدى الكثيرين في الغرب . وقد كتب العالم الأميركي " وولتر لندبرج " في هذا الصدد قائلاً:

" ففي جميع المنظمات الدينية المسيحية تبذل محاولات لجعل الناس يعتقدون منذ طفولتهم بإله هو على صورة الإنسان ، بدلاً من الإعتقاد بأن الإنسان قد خلق خليفةً لله على الأرض . وعندما تنمو العقول بعد ذلك وتتدرب على استخدام الطريقة العلمية ، فإن تلك الصورة التي تعلّموها منذ الصغر، لا يمكن أن تنسجم مع أسلوبهم في التفكير أو مع أي منطق مقبول ، وأخيراً عندما تفشل جميع المحاولات في التوفيق بين تلك الأفكار الدينية القديمة وبين مقتضيات المنطق والتفكير العلمي ، نجد هؤلاء المفكرين يتخلصون من الصراع بنبذ فكرة الله كلية . وعندما يصلون إلى هذه المرحلة ويظنون أنهم قد تخلصوا من أوهام الدين وما ترتّب عليها من نتائج نفسية ، لا يحبّون العودة إلى التفكير في هذه الموضوعات ، بل يقاومون قبول أية فكرة جديدة تتصل بهذا الموضوع وتدور حوله " .

واضطهاد الكنيسة للعلماء والمفكرين المخالفين لتعاليمها ، أدّى بدوره فيما بعد إلى ردة فعل سلبية قوية تجاه الكنيسة والدين ومفاهيمه بشكل عام ، فتاريخ اوروبا لا ينسى محاكم التفتيش التي أنشأتها الكنيسة للتحقيق في عقائد المتهمين بإخلاصهم لتعاليمها ، والتي طالت بأحكامها التعسفية أعداداً هائلة من الناس، واستهدفت رجال العلم، ووصلت إلى حد إصدار أحكام بإحراق بعضهم أحياء أمثال " جون هس" و"برونو" و"فانيني" الإيطالي ، وإلى سجن وتشريد المئات منهم أمثال "روجر بيكون" و" جاليلو" ، وإلى إحراق مؤلفاتهم التي تتضمن آراء وجدت فيها المحاكم الكنسية خروجاً عن الدين وهرطقة ، كالقول بدوران الأرض حول الشمس . ولقد أدّى تحالف الكنيسة مع الإقطاع والملوك (تحالف العرش والمذبح) ، إلى إساءة استغلال فكرة الله ، لتبرير الظلم والإستبداد الذي كان يمارسه هؤلاء على الناس ، حين اعتبر ملوك اوروبا أنفسهم ظل الله على الأرض بمباركة الكنيسة ، وكان هذا من أسباب النفور من الدين والإتجاه للتنكر له وصولاً إلى الإلحاد .

الغرور العلمي :

حدث هذا بشكل كبير حينما كان العلم التجريبي لا يزال في مراحله الأولى ، وبعد أن توصل علماء الطبيعة عن طريق البحث والتجارب الحسية إلى معرفة بعض أسرار الأحداث والقوانين الطبيعية التي كان يربط حدوثها وعملها سابقاً بتدخل إلهي مباشر .. عندها تسرّع بعض العلماء واعتبروا عدم جدوى فكرة الله طالما أننا استطعنا ونستطيع اكتشاف جميع أسرار الطبيعة والكون .. فحدث لديهم تعصب للتفسير المادي ، رفضوا قباله وبشكل عشوائي كل تفسير عقلي وكل ما يمتّ لما وراء الطبيعة بصلة . وقد عبّر (سير جيمس جينز) عن هذا بقوله : " إن في عقولنا الجديدة تعصّباً يرجّح التفسير المادي للحقائق " وهذا التعصب والإغترار غير المبرر بالعلم جعل (سير آرثر) يرفض مجرد التفكير بالخلق المباشر للإنسان مع أن غيره ليس ثابتاً باعترافه ، حينما يقول : " إن نظرية النشوء والإرتقاء غير ثابتة علمياً ، ولا سبيل إلى إثباتها بالبرهان ، ونحن لا نؤمن بها إلا لأن الخيار الوحيد بعد ذلك هو الايمان بالخلق الخاص المباشر ، وهذا ما لا يمكن حتى التفكير فيه " . ولنترك للعالم الذري الأمريكي الأستاذ (بول كلارنس إبرسولود) ليروي لنا كيف يجنح المبتدىء بالعلم التجريبي للغرور وكيف يتخلّص منه حينما يصير عالماً بالفعل ! .

حيث يقول : " ولقد كنت عند بدء دراستي للعلوم شديد الإعجاب بالتفكير الإنساني ، وبقوة الأساليب العلمية إلى درجة جعلتني أثق كل الثقة بقدرة العلوم على حل أية مشكلة في هذا الكون ، بل على معرفة نشأة الحياة والعقل وإدراك معنى كل شيء !!.. وعندما تزايد علمي ومعرفتي بالأشياء من الذرة إلى الأجرام السماوية ، ومن الميكروب الدقيق إلى الانسان ، تبين أن هناك كثيراً من الأشياء التي لا تستطيع العلوم حتى اليوم أن تجد لها تفسيراً أو تكشف عن أسرارها النقاب ، وتستطيع العلوم أن تمضي مظفرّة في طريقها ملايين السنين ومع ذلك فسوف يبقى كثير من المشكلات حول تفصيل الذرة والكون والعقل كما هي ، لا يصل الإنسان إلى حلها أو الإحاطة بأسرارها . وقد أدرك رجال العلوم أن وسائلهم وإن كانت تستطيع أن تبين لنا بشيء من التفصيل كيف تحدث الأشياء ، فإنها لا تزال عاجزة كل المعجز عن أن تبين لنا لماذا تحدث الأشياء !؟ .. والحق أن التفكير المستقيم والإستدلال السليم يفرضان على عقولنا فكرة وجود الله ".

مسألة الحرية :

إنطلاقاً من تصور المفاهيم الفلسفية الغربية وعدم نضجها وغرورها ، ومن الإيمان المبالغ فيه بحرية الإنسان وجعلها نقطة محورية ، تصور كثير من مفكري الغرب بأن الانسان لن يكون حراً تماماً إلا إذا رفض فكرة الله وأنكره ! ، لأن الايمان بالله يلزم عنه الايمان بالقضاء والقدر الإلهيين ، هذه المسألة التي فهموا خطأً أنها تصادر حرية الانسان واختياره .. فهذا (جان بول سارتر) يقول : " لأني أعتقد وأؤمن بالحرية ، فإني لا أستطيع أن أكون مؤمناً معتقداً بالله ، لأنه لو قبلت الله فلا محالة من قبول القضاء والقدر ، ولو قبلت القضاء والقدر لم يمكنّي أن أختار حرية الفرد ، ولأني أريد اختيار الحرية واؤمن وأعتقد بها .. فلست مؤمناً بالله " !

...وفي حين بيَّنت وجهة النظر الإسلامية من خلال القرآن الكريم ، عدم التنافي أو التناقض بين شمولية القضاء والقدر الإلهيين لكل الأشياء والحوادث ، وبين حرية الإنسان في اختياره ورفضه ، يقول تعالى : { إنّا هديناه السبيلَ إما شاكراً وإما كفوراً }(الدهر-3) فإن مسألة الجبر والاختيار التي أرادها "سارتر" وسواه مدخلاً للإلحاد ، لا ترتبط منهجياً بمسألة قبول الله أو رفضه . إذ مع قبول الله تعالى يمكن الإعتراف بحرية الإنسان وإرادته، كما أنه مع رفض القبول به تعالى يمكن وفقاً لمبدأ العلية العام ، الذي يؤمن به كل من الإلهي المؤمن والمادي المنكر على حد سواء ، الاعتراض على فرضية حرية الإنسان إذ أن جذور "الجبرية" موجودة أصلاً في نظام العلية القطعي ... فالاعتقاد بالله إذن لا يسبب نفي الحرية وإنكاره تعالى لا يثبت هذه الحرية ، وهناك من الماديين من يؤمن بالجبرية ونفي الحرية عن الإنسان .

* إستغلال رموز البطولة والثورة :

اتخذ كثير من الحركات السياسية المادية في عصرنا الحاضر لنفسه ، صفة الثورية ومحاربة الاستعمار والظلم ، وأدخل في روع العناصر الشابة خاصة ، أن الإنسان ، إما أن يكون مادياً متحرراً مناضلاً ومعادياً الاستعمار والاستبداد ، و إما أن يكون متديناً خانعاً مسالماً !.. وأصبح هذا المفهوم الذي ألبس الصفة العلمية والواقعية ، مسلَّمة لدى الكثيرين من هؤلاء ، وساعد في ذلك تصدّي الحركات والأحزاب المادية منذ مطلع هذا القرن لمقاومة مواقع الظلم والاستبداد ، ورفع شعارات التحرر والعدالة .. وبرز في هذا المجال أشخاص قدّمتهم الدعاية الإلحادية كرموز للبطولة والثورية المادية الساعية لنصرة الطبقات المحرومة والمسحوقة .. في مقابل حالة السلبية والجمود التي صوّر بها المتدينون تجاه هذه القضية .

ولئن كان هذا التوجيه والاتهام غريباً بالنسبة للإلهيين حيث ناصر الأنبياء (ع) وأتباعهم دوماً المحرومين والمظلومين ووقفوا ضد الجبابرة والمترفين كما يبين لنا القرآن الكريم في آيات كثيرة ، قال تعالى : { ونريد أن نَمنَّ على الذين استضعِفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكّن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون } ( القصص 5-7 ) .

.. فإن ترك مواقع القيادة في مقاومة الظلم ونصرة المستضعفين من قِبَل من ادعوا لأنفسهم القيادة الدينية في كثير من الحقب وخاصة في عصرنا الحاضر ، قد ساعد في ترويج هذه الأفكار المضللة .. وتبقى الكنيسة في الأساس وكما مر معنا ، العامل الأول الذي أعطى هذا الانطباع الخاطىء ، مما شجع المتضررين في الغرب ليتخذوا من الإلحاد والمادية طريقاً للنضال الاجتماعي والسياسي كردة فعل على تصرف السلطات الدينية " . وها نحن نرى اليوم، كيف انحسرت ، موجة الإلحاد والمادية في صفوف الشباب والمتعلمين في بلادنا الاسلامية بعدما أخذ المتدينون مواقعهم الطبيعية في قيادة مسيرة المستضعفين والدفاع عن حقوقهم .. مما استرد صفة البطولة والريادة من أولئك الماديين الذين استغلوهما طويلاً لحرف عقيدة الشباب وتضليلهم .