شبكة الإمامين الحسنين عليهما السلام للتراث و الفکر الإسلامي

 

من صفحات " الحروب الصليبية ":

 

العلاقة بين  " فرنج الشام " و" فرنج اوروبا "

 

للسيد حسن الأمين

 

لاحظت خلال تتبعي لما عرف في تاريخنا بالحروب الصليبية أموراً جديرة بالإشارة إليها : من ذلك محاولة الفرنج احتلال دمشق ، وإصرارهم على هذه المحاولة غير مرة ، وفشلهم في كل مرة .

وكانت القوى المهاجمة من الضخامة بحيث يخيل إليها – وإلى من يراها – انها ناجحة لامحالة! لكن إرادة الصمود والتصميم على حماية دمشق كانت دائماً ترد الفرنج خائبين .

وسقوط دمشق كان يعني للفرنج شيئاً خطيراً ، فإذا كانت القدس هدفهم الاول ، فإن في احتلال دمشق دلالة كبرى على سيادتهم المطبقة وانتصارهم المعنوي الساحق ، لذلك كانوا حريصين على حشد أعظم القوى لتحقيق ذلك الحلم!

وإذا كان احتلال دمشق يعني للفرنج ما يعني ، فإنه كذلك لأبنائها وحماتها ، لما تمثل دمشق عندهم من معانٍ ، وما تدل عليه من رموز ..

وأود أن أشير إلى واحدة من تلك الوَقَعات التي استطاع فيها الفرنج النفاذ إلى أبواب دمشق ، حتى خيل إليهم وإلى غيرهم أنّ دمشق انتهت شر انتهاء .. وفي هذه الوقعة دلالات عدة ، والشيء الكثير عن تطورات الأوضاع الفرنجية ، والتحولات التي صار إليها  الذين استقروا منهم في البلاد ، مما جعلهم ينظرون إلى الفرنج القادمين نظرة الغريب إلى الغريب ، لا القريب المتحد في الهدف مع القريب .

ففي سنة 543 هـ (1149م) أراد الألمان أن يكون لهم فعل في تلك الحروب ، وأن يحققوا ما عجز غيرهم عن تحقيقه ، فيستولوا على دمشق استيلاء نهائياً . ونترك هنا تعابير المؤرخين العرب كما هي ، لبيان واقع الحال يومذاك ، فابن الأثير يقول : " في هذه السنة (543) سار ملك الألمان من بلاده في خلق كثير وجمع من الأفرنج ". إلى أن يقول : " وهو لا يشك في ملكها بأيسر قتال لكثرة جموعه وتوفر أمواله وعدده".

وابن خلدون يقول :" سار ملك الألمان في جموع عظيمة ...  لا يشك في الغلب والاستيلاء لكثرة عساكره وتوفر أمواله ".

والواقع أنّ الطريق إلى دمشق كانت مفتوحة أمام الالمان وظلوا في زحفهم حتى نزلوا عند النيرب . والنيرب مفتاح دمشق ، من يحتله يطمئن إلى دخول المدينة . فنشبت هناك معركة حامية تضعضعت فيها قوى الدمشقيين ، وتأخروا نحو البلد ، واستطاع الالمان الوصول إلى "الميدان الأخضر" . والميدان الاخضر هو المكان الذي يقوم فيه المعرض الدولي الآن .

ولنعرف قوة العزيمة عند القتال لدى المسلمين ، نذكر أنه ساهم في القتال منهم حتى الشيوخ الهَرِمون . وحفظت لنا الرواية قصة أحدهم ، وهو الفقيه يوسف بن ذي ياس الغندلاوي الذي خرج مع من خرج للدفاع عن دمشق .. فقال له بعض الناس : يا شيخ انت معذور لكبر سنك ، وسألوه أن يعود ، فلم يفعل وقال : لقد بعت واشترى ، فوالله لا أقلته ولا استقلته " . ويقصد ما جاء في الآية :{ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة } . وكان هذا الشيخ في اول من استشهد في معركة النيرب .

وكان الدمشقيون قد توقعوا هذا الغزو ،  فأرسلوا يستنجدون بقوى أخرى من العراق وحلب ، وكانت هذه القوى في طريقها إليهم حتى بلغ بعضها مدينة حمص ، ولكن شيئاً جديداً حسم الموقف لمصلحة دمشق ، وهذا من أهم ما يعنينا في بحثنا ، ذلك أنه يظهر لنا ما طرأ من تحول في نظرة الفرنج إلى ما في أيدي بعضهم من بلاد محتلة ، وإلى من هو قادم لاحتلال جديد .

بعد انقضاء اكثر من نصف قرن على الحملات الأولى واستقرار من استقر في فلسطين والسواحل الشامية ، أصبح المستقرون يرون أنهم هم أصحاب الحق في البلاد ، وأنهم ينظرون نظر الناقم إلى حملات جديدة تأتي للتوسع في الفتح ، بل يرون الفتح الجديد هو في النهاية فتح لبلادهم واستعفاء لما في أيديهم ، هكذا بدت الأهداف الحقيقية للحروب الصليبية ، وأنها لم تكن حميّة دينية ، بل كانت سلطاناً وحكماً واستعباداً ولو كان الامر غير ذلك لرحّب الفاتحون السابقون بالفاتحين اللاحقين ، ولجمعتهم وحدة الغاية ووحدة الهدف . لكن الأمر تجلىّ في حرب دمشق على العكس تماماً .

فإن ملك الالمان عندما جاء بقواه الكثيفة استقبله من سمّاهم ابن الاثير " فرنج الشام" بالطاعة التي تبطن العصيان ، وبالقبول الذي يضمر الرفض ، وكانوا مرغمين على الترحيب به لقوته الكبرى .

وهكذا نرى لأول مرة تعبيراً جديداً في تاريخ هذه الحقبة هو تعبير " فرنج الشام " تمييزاً لهم عن غيرهم من الفرنج الاوروبيين . وهكذا قام تباين بين النوعين من الفرنج ، في الهدف وفي المصلحة . وغابت خلال ذلك فكرة الوحدة في الدين والوحدة في الفكرة ، وبرزت الحقيقة جليّة واضحة ، وهي أن الطمع وحده يقود النفوس ، وحب السيطرة وحده هو الذي يحفز العزائم ..

كان موقف فرنج الشام في جوهره ضد موقف فرنج أوروبا الألمان ، لكنهم لم يجرأوا على المجاهرة بحقيقة موقفهم، فكان لا بد لهم من استخدام الحرب المعنوية التي لا تظهر نياتهم .

كان القتال على أشده بين الدمشقيين والغازين ، ودمشق صامدة في القتال ، وهنا وجدت القيادة الدمشقية المخرج لفرنج الشام المشاركين في قتالها ، ففاوضتهم سراً منبّهة إلى الخطر المحيق بهم في حالة فوز الالمان .. وفي الحقيقة لم يكونوا بحاجة الى هذا التنبيه ، لكنهم كانوا يريدون المخرج الذي لا يثير الشبهات حولهم فوجدوه في تحذيرهم الألمان من النجدات القادمة لمعونة دمشق ، وهوّلوا الأمر على الألمان ، وأهمّوهم بما ينتظرهم على أيدي النجدات ، مضعفين بذلك روحهم المعنوية ، متفاهمين مع دمشق على التفاصيل ومنها الثمن الذي سيقبضونه لقاء تخذيل الألمان عنها ، وهو تسليم قلعة " بانياس " .

ونجحت الخطة نجاحاً تاماً وضعفت عزائم الالمان ، ولم تغنهم كثافة جيوشهم وضخامتها وانسحبوا لا من دمشق  وحدها ، بل من المعركة " الصليبية " كلها عائدين إلى بلادهم .

ويصف ابن الاثير هذه العودة :" وعاد الفرنج الألمانية إلى بلادهم وهي بزوراء القسطنطينية " .. هكذا كان مفهوم موقع " ألمانيا " عند ابن الاثير .

أما ابن خلدون فيصف ذلك قائلاً : " وعاد ملك الالمان إلى بلاده على البحر المحيط في أقصى الشمال والمغرب " وهو بذلك أدق من ابن الاثير في تحديد موقع   "ألمانيا" .

والعجيب هو هذا التخلي النهائي بعد الانسحاب من أبواب دمشق . فمع أن الجيش الألماني كان جيشاً كبيراً ومع أنه لم يهزم في القتال ، فإنّ مجرد التهويل عليه كان كافياً لأن يدفعه إلى بلاده دون توقف ودون تفكير في قتال جديد! .

فما ندري أكانت الهزيمة النفسية بلغت به هذا الحد من الهلع . أم أن ما لمسه من عناد الدمشقيين جعله يوقن بفشل كل محاولة للنجاح في هذه البلاد فآثر السلامة ورضي من الغنيمة بالإياب .

أما فرنج الشام فإنهم جيل جديد ولد وعاش في هذه البلاد ، وصار يرى في غيره من الفرنج قوما دخلاء عليه ، يزاحمونه في الملك والسلطة ، لذلك استحلّ خيانتهم، ورأى فيها دفاعاً عن أرضه ومستقره . وضاع الهدف المزعوم للحروب الصليبية!