شبكة الإمامين الحسنين عليهما السلام للتراث و الفکر الإسلامي

 

الفوائد الطبية للصوم

 

د. أحمد عبد الرؤوف هاشم

 

للصوم عدد لا حصر له من الفوائد الصحية للجسد ، وبخاصة الفوائد العلاجية لبعض الأمراض والوقاية منها والفوائد التي تعود على الجسم في صورة زيادة الحيوية والنشاط وكفاءة الأعضاء .

ونظراً لهذه الفوائد فقد قام عدد كبير من مشاهير الأطباء العالميين بانشاء مصحات علاجية للعديد من الأمراص في أوروبا وأمريكا ، وهذه المصحات تعتمد أساساً على الصوم وإن اختلفت أساليبه – كوسيلة أساسية للعلاج – وقد حققت هذه المصحات نتائج علاجية طيبة .

من الفوائد الفسيولوجية والوقائية للصوم :

إن الصوم بما يقوم به من تقليل كمية الطعام وإنقاص عدد الوجبات يساعد على تنظيم معدل مرات التنفس ، وذلك لأن الأمعاء بما فيها من قليل الطعام لن تضغط على الصدر   – القلب والرئتين – فيحدث التنفس بصورة مريحة وتتمدد الرئة دون عائق ، وكذلك فإن عضلة القلب سيكون عملها مرتاحاً وتقل عدد مرات دقات القلب ومرات التنفس ، لأن الجسم ليس بحاجة لبذل مجهود كبير أو كمية كبيرة من الدم المضخوخ للمساعدة في هضم كمية كبيرة من الطعام مثلاً .

والصوم يساعد الجسم على تنشيط وظيفة طبيعية موجودة فيه ، وهي وظيفة التعوّد على تناول كميات أقل من الغذاء ، مع مزاولة الحياة العادية .

ونظراً لأن الجسم يستهلك اثناء الصوم كمية أقل من الغذاء كمصدر خارجي لتزويده بالطاقة الحرارية ، فإن هذا معناه إراحة الجهاز الهضمي وغدده المساعدة كالكبد والبنكرياس مّما يساعد على تجديد ما تلف من خلايا وأنسجة، أضف إلى هذا تقليل العبء الملقى على الجهاز الدوري – القلب والأوعية الدموية والدم – إذ تقل كمية الطعام المهضوم الممتص والذي يحمله الدم عبر الأوعية الدموية إلى جميع أجزاء الجسم كل حسب نوعه كما أن نواتج التمثيل الغذائي وفضلاته تكون أقل وبالتالي فلن ترهق الكليتان في طرح نفايات الغذاء وكذلك ترتاح الأجهزة الأخرى الهامة في الجسم ويكون الصوم فرصة ذهبية لكي تقوم هذه الأعضاء بتجديد حيويتها وتعويض ما تلف منها .

والصوم يقي المسلم البدانة وأخطارها ، فإذا صام المرء واتّبع آداب دينه في طعامه وشرابه ومارس عمله بصورة عادية ، وحيث أن كمية الغذاء هي أقل من المعدّل اليومي المطلوب ، وبالتالي فلن تكون كافية لإمداد الجسم بالطاقة الحرارية اللازمة ، فإن أجهزته ستلجأ بغية تعويض هذا الفرق في الطاقة إلى مصدر آخر هو الدهون المترسبة تحت الجلد والعضلات وسائر الأنسجة . وبذا يكون الصوم صيانة دورية ، ومانعاً متجدداً من حدوث السّمنة .

وللسمنة أسباب كثيرة منها الوراثة ودور الغدد والاستعداد الشخصي والحالة النفسية ، لكن أهم عامل فيها هو كمية الغذاء ونوعه ، فكثرة تناول المواد الدهنية والسكرية مع قلة المجهود من أخطر هذه الأسباب .

والموقف الصحي للبدين موقف سيء ، فكل كيلو غرام زيادةً عن الوزن المثاليّ يعني مزيداً من إيجاد أوعية دموية يبلغ طولها حوالي ثلاثة كيلومترات ، يجب أن يصل إليها الدم ، أي مزيداً من العبء على القلب وشرايينه ، فضلاً عن زيادةٍ في معدل الوفيات بنسبة 3% عن المعدل العاديّ بين سن 40 و45 عاماً ، وتشكل البدانة عاملاً هاماً في الاصابة بتصلب الشرايين ، وما يعقبه من أمراض القلب كالسكتة القلبية والجلطة والذبحة الصدرية وارتفاع ضغط الدم ..الخ ، وتزداد نسبة الإصابة بحصى المرارة بين ذوي الأوزان الكبيرة بنسبة عالية ، كما تشكّل البدانة عاملاً هاماً في الاصابة بمرض السكر وأمراض المفاصل ، وبخاصة مرض تآكل المفاصل سيّما مفصل الركبتين ، وكذلك نجد أن تراكم الدهون تحت الجلد يجعلها في طبقات وطيات تسهّل حدوث تسلّخات وتشققات ثم أكزيما وقروح .. الخ، وأكثر المناطق تعرضاً هي ما بين الفخذين وتحت الثديين وجلد البطن .

والبدانة تعوق صاحبها عن سهولة الحركة كما تجعله يتعب لأقل مجهود مع عسرٍ في التنفس واضطرابٍ في عمل القلب ، وهذه النقاط بعض من كثير ، ولعلنا نفهم لماذا تقوم شركات التأمين بالفحوص الطبية الشاملة لأصحاب السمنة من زبائنها عند التامين على حياتهم .

وعلاج البدانة هو بتجنب أسبابها وضبط كمية الطعام ونوعه ، والصوم يوفّر الجو النفسي الملائم ، مع كونه أسلوباً ممتازاً تقلّ فيه كمية الغذاء وتضبط نوعيته فيضطر الجسم لسحب الدهون من تحت الجلد والعضلات والأنسجة ، ويقل الوزن بالتدريج ، دون الحاجة إلى الأدوية التي تضاد الشهية أو المدِراّت والتي لها آثار جانبية خطيرة .

من الفوائد العلاجية للصوم :

 يرى أطباء أمراض القلب أن الصوم مفيد جداً لحالات عديدة مثل ارتفاع ضغط الدم- غير النوع الخطر – وهم ينصحون مرضاهم بالصوم حتى في غير شهر رمضان ، وهم يرون أن تقليل كمية الغذاء يصحبها هبوط نسبة كلسترول الدم وقلة كمية الملح التي يتناولها الفرد ، كما أن الجهد الملقى على القلب يقلّ ، لأن كثيراً من أعضاء الجسم كالجهاز الهضمي وملحقاته في حالة راحةٍ نسبية وتحتاج لكمية قليلة من الدم الذي يضخه القلب .

وكذلك مريض الذبحة الصدرية يرتاح لنفس الأسباب ، ومثله مرضى قصور الدورة التاجية ومرضى قصور الشرايين الطرفية وبعض  حالات مرضى هبوط القلب .

والجو النفسيّ للصوم يريح المرضى بمرض عصاب القلب ، وكذلك المصابين باضطرابات دقات القلب نتيجة أسبابٍ نفسية وعصبية .

ولا حرج في صوم مرضى هبوط الدم ، ما لم يصابوا بنوبات من الاغماء أو الهبوط العام، والمرجع في تقدير حالات المرضى وإمكان صومهم هو الطبيب المسلم الثقة ، كذلك فمرضى التجلط لا يجب أن يصوموا لتعارض نظام الصوم مع جفاف الجسم النسبي إذ المطلوب لمثل هذه الحالات هو إيجاد سيولة في الدم .

* ويفيد الصوم الجهاز الهضمي ما لا يفيده لجهاز آخر فهو يريحه مدة طويلة كلّ يوم ويجدد من كفاءته ونشاطه هو وملحقاته كالكبد والبنكرياس ، وصوم النوافل يعطي الأثر نفسه ، ويفيد الصوم الكثيرين من مرضى "المصران الغليظ" كالمصابين بالقولون العصبي والتشنجات والالتهابات القولونية أو الدوسنتاريا المزمنة ، كما يفيد حالات التلبك المعويّ والانتفاخات وعفونة الامعاء والاضطراب الهضمي الوظيفي .

والجو النفسي المفرح للصوم يعين على الهضم عكس الجو المحزن أو الغضب الذي ثبت علمياً أنه يبطىء من معدلات الهضم أو قد يوقفها تماماً . ولذلك فإن ارتفاع الروح المعنوية من أهم العوامل في علاج أمراض الجهاز الهضمي الناتجة عن أسباب عصبية ونفسية .

وإن كانت هناك حالات مرضية لا يصوم أصحابها لتعارض أسلوب العلاج مع توقيت الصوم مثل مرضى قرحة المعدة والنزلات المعدية والتسمم الغذائي .

* والصوم – بما يؤدي إليه من تقليل الوزن وتقليل كمية الاملاح في الجسم وطرد النفايات السامة – من أهم العوامل المساعدة في علاج أمراض المفاصل وبخاصة مرضى النقرس –( داء الملوك )- وهناك عدة مدارس طبية لعلاج الأمراض المفصلية بالصوم ، منها مدرسة دكتور آلان وكذلك مدرسة دكتور ماك فادون الأمريكي .

* ويستفيد الكثيرون من المصابين بالأمراض الجلدية من الصوم ، كمرضى البشرة الدهنية والصدفية وحبّ الشباب وقشور الرأس ، لأن تقليل كمية الغذاء والمواد الدسمة والتوابل هي التي تساعد على تقليل متاعب هؤلاء المرضى.

كذلك فمرضى الحسّاسية كالأوتيكاريا والاكزيما يفيدون من الامتناع عن الطعام وبخاصة الصنف الذي يسبب ظهور الحالات أو تهيّجها ، فضلاً عن أن قلة التوابل والملح وغيرها أمر مطلوب في علاج هذه الحالات .

وحالة الجفاف النسبيّ وقت الصوم تفيد مرضى الالتهابات الجلدية كالدمامل والبثور والتسلخات ، لأن الجراثيم لا تجد في الانسجة كمية كبيرة من الماء ، والماء بالنسبة لها هو الوسط المناسب لانتشارها ، فضلاً عن أن الصوم يجعل الجسم يهدم الانسجة ذات الأهمية الأقل للحصول على الطاقة ومنها الانسجة الضعيفة والمحتقنة ، وبذا يتكون مكانها أنسجة قوية نشطة تقاوم محاولات الجراثيم لغزو الجسم.

* ويفيد الصوم مرضى السكر البالغين ، وخاصة الحالات المصحوبة بزيادة الوزن . والصوم هنا جزء هام في العلاج لخفض الوزن .

أما مرضى  السكر أثناء الطفولة فلا يصومون لصغر السن ولحاجتهم  المستمرة للحقن بمادة الأنسولين على فترات متقاربة وتناول عدة وجبات يومية .

ولو أحببنا أن نكتب عن فائدة الصوم الطبية وقائية كانت أو علاجية لاحتجنا لوضع كتب عديدة ، ولكننا أوجزنا واخترنا نماذج هامة تكاد تكون معروفة لكل انسان .