شبكة الإمامين الحسنين عليهما السلام للتراث و الفکر الإسلامي

 

الوقاية الصحية

 

بين تشريع الطهارة والعلم

 

د. زهير حسن العاملي

 

المطهرات والتطهير :

إن إزالة التلوث تقتضي وسائل معينة ، ولقد وجدنا في ما سبق من البحث بأن التشريع إنما يسن لما هو عام وشامل في أثره ، وكذلك سنجد هنا أنه يشرّع في وسيلة إزالة التلوث ما هو عام وشامل التوفر والاتاحة في الطبيعة لكل الناس ، لذلك كانت المطهرات الرئيسية في تشريع الطهارة هي الماء والشمس والاستحالة . وسنجد في العرض التالي أن شروط التشريع في تحقيق الطهارة بهذه الوسائل ، تتوافق مع المعطيات التي تقدمها الكشوف العلمية الحديثة رغم سبق الشريعة الإسلامية لها زمنياً . ويجب الانتباه إلى أن الطهارة لا تهدف إلى تحقيق التعقيم الطبي الذي له مكانه الخاص عند الحاجة إلى ظروف من الطهارة الطبية ، التي ليست من ضرورات الحياة اليومية كما هو واضح ، بل تهدف إلى النظافة العامة والخاصة والوقاية الصحية . لذلك كانت توجّه إلى اتّباع الأساليب الصحيحة في استعمال الوسائل المتاحة للناس كافة في إزالة القذارات والتلوث بها . ومن الجدير بالذكر أن استعمال المحاليل الطبية المعقّمة القاتلة للميكروب لا يغني في حالة النظافة والوقاية عن إزالة المادة الملوثة وأثرها ، وهذا لا يتحقق إلا بالماء . فغسل اليدين بالكحول لا يغني أبداً عن إزالة البراز عنهما بالفرك بالماء ثم إزالة أثره به أيضاً. بل وإن الغسل في الحياة اليومية يغني عن استعمال الكحول ويكفي عملياً لتحقيق هدف النظافة والوقاية . لذلك يجب التأكيد هنا على أن شرط الطهارة هو تحقيق إزالة النجاسة عن العضو أو الشيء ثم إزالة أثره بالماء، فيما يمكن غسله به ، وبالماء والشمس فيما لا يمكن غسله الاعتيادي بالماء . هذا الأسلوب من الطهارة بالشرط المذكور يخلّص الانسان من القذارة الحاملة للميكروب .

إن استعمال المواد المحلّلة للشحوم مثل الصابون يزيد من سهولة ونسبة التخلّص من القذارة والتلوث خاصة في الحالات التي تقتضي عناية خاصة في غسل الأيدي ، من وجود احتمال تلوث هام . ومن الواضح أن استعمال الصابون في أيّة حال إنما يهدف إلى تخليص المغسول مما علق به من الأثر فهو في ذاته ليس قاتلاً للجراثيم بل أثره هو في المساعدة على إزالة الأثر الذي لا يتم حينئذ إلا بالماء ، ويلاحظ هنا أن التشريع كما قلنا سابقاً يتعامل مع ما هو عام ومتاح لكل الناس ، ولذلك كانت المطهرات الأساسية ، في نظر الإسلام هي الآتية :

الماء : هو المطهر الرئيسي والأهم في الطبيعة للأسباب الآتية :

1- متوفر حيثما كان فهو متاح للجميع .

2- غير ضار مهما تكرّر استعماله ، على عكس المحاليل الطبية التي قد لا يحتملها الجسم أو الثوب إذا كثر استعمالها .

3- ذو أثر شامل في إزالة كل ما قد يصيب الإنسان من قذارات . وفي استعماله نلاحظ جملة أمور :

أولاً : تحقيق هدف الطهارة المذكور دون هدر ، فهدر الماء لا يجوز ومنه قول الإمام علي (ع) بما معناه : لا تهرق الماء ولو كنت على الفرات .(وفي هذا ما لا يخفى من فائدة في حفظ الثروة المائية) .

ثانياً : أن يكون الماء مطلقا أي لا تشوبه شائبة تخرجه عن الطبيعة كأن يصبح ماء زهر أو ما أشبه .

ثالثاًً : أن تزال عين النجاسة ، ثم أثرها بالماء . وهذا يتم إمّا بالصبّ مع ما يتطلب ذلك من فرك وحك أو أي فعل إضافي لازالة عين النجاسة ، ثم صب الماء مجدداً لازالة الأثر . أو أن يتم بالرمس بالماء الكثير أو الجاري بعد إزالة عين النجاسة .

والجهد المطلوب لتحقيق الطهارة يختلف حسب شدتها ونوعها ، فالبول يحتاج بعد إزالة العين إلى صبّ الماء مرة أو اثنتين على الأحوط لازالة الأثر  " وأما التطهير من الكلب والخنزير فيحتاج إلى المزيد ، من إضافة الأثر "الميكانيكي" للتراب وما يستدعيه هذا من مزيد من الفرك وصبّ الماء بكثرة لازالته .

الشمس : هي المطهر الثاني العام . وتطهّر ما لا يتاح عملياً تطهيره بالماء ، كالأرض والأجزاء الثابته كالأبنية والنباتات والأشجار وما عليها . ويشترط حسب شريعة الطهارة لحصولها :

أولاً : زوال عين النجاسة عن الجسم .

ثانياً : أن يحصل جفاف المتنجس بالشمس بعد البلل بالماء . فالماء يزيل أثر النجاسة الباقي إما بالذوبان أو الجرف وبتمديد وانقاص كثافة الأثر وتوزيعه على مساحة أكبر من الأرض بانتشار الماء وجريانه عليها ، فإذا حصل بعد ذلك الجفاف بالشمس حصلت جملة أمور : قتل الميكروبات القابلة للهلاك بالجفاف كما هو الحال في الغالبية العظمى منها ، أو توزيع ما لا يتلف منها مع توزيع أثر النجاسة على مساحة كبيرة بحيث تصبح ضعيفة الكثافة وقدرتها بالتالي على التلوث شبه معدومة عملياً . وهكذا فإن الطهارة بالشمس بالشروط الإسلامية هذه إنما تحقّق درجة عالية من الوقاية الصحية .

الإستحالة إلى جسم آخر :

وهذه الوسيلة هي من المتاحات لكل إنسان في أي زمان ومكان . فاستحالة النجس أو المتنجس من حالة إلى أخرى كالتحول إلى رماد أو دخان بالنار ، أو إلى بخار بالنار أو غيرها ، فالحاصل هو طاهر . وهذا مطابق للمفهوم العلمي الفيزيائي والطبي .

الأثر الواقعيّ للطهارة :

إن الطهارة تشمل ثلاث مساحات .

المساحة الأولى : البدن واللباس وما يستعمله الإنسان من أوان أو أدوات وما حوله من مكان يعيش فيه ، ويتم تطهيرها بالماء من النجاسات المذكورة واثارها التي وجدنا سابقاً أنها السبب الرئيسي والأهم في القذارة وتلويث الإنسان وبيئته .

هنا نذكر أن التنجس على وجهين : إما النجاسة العينيّة وهي بتلوث العضو بأي من أعيان النجاسة أو بأجزائها كالغائط أو ما يرشح منه من ماء ، أو أن يكون التنجس غير مباشر وذلك بملامسة المتنجس بالأعيان دون حمل عين النجاسة . مثلاً الإناء المتنجس بالبول والذي أزيل عنه بغسلة واحدة بالماء دون إزالة الأثر بتكرار صبّ الماء، فهذا الإناء لا يحمل عين النجاسة بل أثرها . فإذا لامسه الإنسان بيد رطبة تنجست يده نجاسة غير عينية بسريان أثر النجاسة من الاناء إلى اليد بواسطة الرطوبة دون نقل عين النجاسة. وهنا يكفي صب الماء أو الرمس لتحقيق الطهارة ، وفي إطار هذه المساحة من الطهارة تدخل نظافة الإنسان اليومية من مفرزاته في التبول والتغوّط وخروج المني أو ربما التلوث بالدم . وتستدعي هذه الطهارة أن تبقى أعضاء الإنسان المعرّضة يوميا لهذه التلوثات نظيفة بالمعنى المادي الواقعي بتخليصها منها ومن آثارها ، وكذلك ملبوساته وما حوله من أشياء يستعملها أو يتجاور معها .

إن هذه الطهارة واجبة على المسلم فضلاً عن أنها شرط ضروري لصحة عبادته في الوضوء والصلاة ، مما يضاف أثره إلى التوجيه النفسي في التربية الهادف إلى البعد عن النجاسة وإلى توخي الطهارة والتطهر مما يولد عنده حسّاً عامّاً بالطهارة وسلوكاً حذراً يجنّبه التنجس . وحسّ الطهارة لدى المسلم يمنحه وقاية ذاتية من القذارات وأسباب سريانها ، وحالة من السلوك تتوخى النظافة العامة ذات أثر كبير في الوقاية الصحية .

المساحة الثانية : تشمل الصلاة والوضوء والأغسال .

الصلاة والوضوء: لئن كان المفترض أن ينظر بالدرجة الأولى من الزاوية العبادية إلى الصلاة والوضوء ، فهما رغم ذلك ، لهما أثر واقعي في النظافة بما يتضمنانه من شرط تطهير الجسم والثياب ، ثم ما يتضمنه الوضوء من غسل مباشر للاعضاء بالماء . الأمر الذي يتكرر مراراً في اليوم الواحد محقّقاً كحد أدنى درجة الزامية من النظافة اليومية للأعضاء الأكثر تعرضاً للقذارة .

الغسل : الأغسال الواجبة في الجنابة والحيض والاستحاضة ومسّ الميت تستدعي غسل جميع البدن بالماء بعد إزالة عين النجاسة وأثرها ، وهذا الفعل يفصح عن ذاته في أثره الواقعي بتحقيق نظافة البدن بإزالة النجاسات والقذارات وآثارها بالطهارة المباشرة .

ومن الجوانب الهامة في الوضوء والأغسال أنها تفرض على المسلم ممارسة إلزامية دورية تتكرر عدة مرات يومياً في الوضوء ، ولا بدّ أن تتكرر مراراً خلال الأسبوع أو الشهر في الأغسال الواجبة أو المستحبة بما يحقق درجة من النظافة العامة الإلزامية التي لا بدّ منها كحد أدنى .

المساحة الثالثة : هي وقاية بيئة الإنسان من النجاسات .

إن أحكام الطهارة السابقة الذكر وما يترتب عليها من حس عام بالطهارة لدى المسلم ، كل ذلك يخلق واقعاً في حياة المجتمع بما يفرضه على المسلم من سلوك خاص حيال النجاسات ، مؤداه حرصه على عدم تلوث بيئته الخاصة والعامة بكل ما من شأنه أن يسبب له حرجاً في طلب الطهارة ، لضمان صحة عبادته المطلوب أداؤها تكراراً خلال اليوم الواحد .

إن الحرص على عدم التلوث بها يدفع المسلم إلى عدم تنجيس الأماكن العامة كالطرقات ومساقط الأثمار والمشارب ونزل القوافل وموارد المياه كي لا يحمل وزر من تنجس بها . وفيما يلي جملة من الأخبار الواردة في السنّة النبوية الشريفة وفي آثار أهل بيت النبوة التي تقيم حدوداً وقواعد للتخلص من النجاسات لو تم مراعاتها لوفرت قدراً هاماً من وقاية البيئة لا يمكن تحقيقه إلاّ بها .

1- عن جعفر الصادق (ع) عن آبائه (ع) قال : نهى رسول الله (ص) أن يتغوّط على شفير بئر ماء يستعذب منها أو نهر يستعذب ، أو تحت شجرة فيها ثمرتها .

2- عن علي (ع) : لا تبل على المحجة (الطريق) ولا تتغوط عليها .

3- عن جعفر بن محمد عن آبائه (ع) قال : قال رسول الله (ص) : من فقه الرجل أن يرتاد لبوله ، ومن فقه الرجل أن يعرف موضع بزاقه في النادي . (ولعل المقصود بذلك التأكيد على ضرورة تجنب تلوث الأماكن العامة )

.. فلو أمعنا النظر في هذه القواعد لوجدنا أنها تهدف إلى جملة أمور هامة في الوقاية العامة :

- المحافظة على نقاء ونظافة وطهارة الأماكن العامة التي يرتادها الناس والتي سبق ذكرها والهدف من ذلك عدم تعريض الناس إلى التلوث من خلال ضرورة ارتيادهم هذه الأماكن العامة .

- المحافظة على نقاء ونظافة المياه بشكل عام بمنع التبول والتغوط في الماء ومنعه عند شفير الآبار والأنهار مما قد يتسرب إلى مائها ، ويحمل هذا المنع على وقاية المياه من التلوث بالمعنى المعروف في الطب الوقائي ، وفي هذا سبق عظيم في التشريع الإسلامي في حقل الوقاية الصحية العامة للمجتمع وليس خافياً أن التقيد بهذه القواعد إنما يوفر ليس فقط وقاية المياه من التلوث بل كذلك وقاية الحياة الحيوانية والنباتية سواء التي تعيش في الماء من أسماك وغيرها ، أو الحيوانات البرية التي تشرب منها أو النباتية التي تروى بها . في ذلك إذن وقاية الثروة المائية والغذائية للانسان .

خلاصة : تشريع الطهارة الإسلامي لا بدّ منه لكل مجتمع .                              إن الإسلام تقدم على الشرائع التي يمارسها البشر في أنه قد وضع تشريعاً خاصاً بانظافة الشخصية والعامة مؤداه الواقعي تحقيق إطار أساس من الوقاية الحصية للفرد والمجتمع. إن تشريع الطهارة يتميّز بشموليته في معالجة سلوك الفرد والجماعة ، على عكس ما هو معروف من أحكام في الوقاية العامة في النظم الوضعية ، التي تتعامل مع الموضوع من زاوية واجبات الدولة وما يدخل في حدود سلطتها ، دون العناية بالمساحة الفردية من المشكلة ودون معالجة سلوك الفرد مع ذاته ومع المجتمع ، إلا من خلال العقوبة التي تمارسها الدولة في حال الاخلال ببعض الحدود العامة ’ بينما يشكل هذا الجانب المدماك الأساسي في موضوع النظافة والوقاية ، فموقف الفرد وسلوكه هو الذي يحدد نجاح أي خطة وقائية . فإذا لم يكن موقف الفرد مما نعتبره قذارات موقف نفور ليقي ذاته منها ، فكيف نتوقع منه أن يقي الآخرين ؟ لذلك فالتشريع الصحي الأجدى هو الذي يبني واقعاً اجتماعيا ابتداء من تصحيح مفاهيم الفرد وسلوكه فالتشريع الذي يصوّب سلوك أفراد المجتمع لا يخلق سلوكاً فردياً فحسب ، بل في النتيجة حالة جماعية وواقعاً اجتماعياً ، أي يخلق صوابية في مفاهيم وموقف وسلوك المجتمع كوحدة حياتية ، هذه إحدى مزايا التشريع الإسلامي ككل ، فهو يعالج الموضوع التشريعي في علاقته بدور الدولة وواجبها وبذات القدر في علاقته بدور الفرد وواجبه لضمان الانصياع وتكامل الهدف .

وعلى هذا فإن تشريع الطهارة يسنُّ الحدود التي تتعلق بسلوك الفرد لأن هذا أساسي فيها، ولا يمكن لسلطة المجتمع أن تراقبه في لحظات حياته ، فيصوغ هذا التشريع صياغة سليمة الوحدة الأساسية للنسيج الاجتماعي ، التي هي الفرد في خصوصياته وفي علاقته بالأفراد الآخرين ، مما ينجم عنه صياغة سليمة لنسيج المجتمع الكامل، ليأتي بعد ذلك دور الحكومة الإسلامية في توفير شروطٍ للحياة العامة مطابقة لهذا التشريع . فهي على سبيل المثال حين تتقيد بمضمونه لا تجيز لنفسها القاء القذارات المتجمعة من القرى والمدن في المياه ، بل تحرقها للتخلص من التلوث بنجاساتها ، فهي إذ تضطر بحكم الواقع الاجتماعي إلى أن تأخذ هذا الأمر على عاتقها ، تسلك سلوكاً مطابقاً لشروط الطهارة كما يسلك أي فرد حيال ما هو مسؤول عنه من طهارة ذاته وعدم تلوث ما حوله ومن حوله أي بيئته ، فهذا التشريع للفرد والمؤسسات كل في نطاق مسؤوليته هو تشريع لكل مكلف بالطهارة.

إن تشريع الطهارة الإسلامي يمتلك ضمانة تطبيقه والالتزام به على صعيد المجتمع مهما اختلف مستوى الفرد أو الجماعة في الفهم والعلوم لأنه لا يعتمد على مستوى استيعاب الغرض فحسب كما هو الحال في منهج الارشاد الصحي ، بل أيضاً وفي نفس المستوى ينبثق من وجدان الفرد والجماعة بدافع ذاتي . وموضوع التجاوب الوجداني هنا يختلف فيه الوضع في الإسلام عن الوضع في التشريعات الوضعية وعن الوضع القائم على الارشاد الصحي ، وذلك لاختلاف البنية العقائدية والاخلاقية والتشريعية . ففي الإسلام يرتبط التشريع بالعقيدة وهو مترجم للاخلاق وله مضمون وجداني دوماً ويرتكز إلى العلاقة بالخالق تعالى ، فالوجدان مرتبط بالله لا بالمجتمع ، وتلك حالة عامة تميز التشريع الإسلامي عموماً عن الشرائع الأخرى . ويضاف إليها في حالة التشريع الخاص بالطهارة ارتباط العنصر الوجداني هنا بالعبادة التي يسعى إليها المرء ذاتياً اختيارياً دون دافع خارجي ، فالطهارة شرط في صحتها وقبولها ، وهي كذلك وجه من أوجهها لذلك كانت ممارستها ذاتية وتلقائية لا من رقيب خارجي .

إن غياب التشريع الاجتماعي الشمولي للطهارة بالطريقة الإسلامية يترك الأمر خاضعاً للعرف الاجتماعي وكما في المجتمعات المعاصرة التي استفادت من تقدم العلوم ، فرغم ما سنته من قواعد للنظافة العامة والوقاية الصحية على مستوى واجبات الدولة تبقى المساحة الأهم المتعلقة بالافراد مهملة على النحو الذي تم إيضاحه في السطور السابقة والتي تحاول هذه المجتمعات تغطيتها بالارشاد الصحي ، وهذا في ذاته لا يعدو كونه توجيهاً ونصحاً لا يصل إلى مرتبة التشريع الالزامي .

فأما العرف الاجتماعي ، فهو استنسابي وحصيلة ارث أو خبرة متراكمة لا يعتمد في العادة على الخبرة العلمية وقواعدها ، ففي موضوع النظافة مثلاً التي هي أساس الوقاية ، نجد أن النظافة العرفية لدى أكثر المجتمعات تطوراً في العلوم هي المظهر الجيد، والرائحة الذكية ، وهذه الحال ليست بالضرورة مما يعكس حالة من النظافة الواقعية، فالإنسان الأنيق الثوب العطر الرائحة قد يكون رغم ذلك على ثوبه أثر غير ظاهر من بول أو غائط أو يكون على جسمه فيما يستر سرواله الأدنى أثر الغائط أو البول أو المنيّ ، بحيث لو نزعه لظهرت رائحته . فهل هذا الإنسان نظيف واقعياً ؟ إنّه أنيق في الظاهر رغم أنه يحمل قذارات خطيرة غير ظاهرة للعيان ، وفي المقابل إنسان على ملابسه آثار من الغبار أو بقع ثابتة من كثرة الاستعمال . وتفوح رائحة عرقه لكن ما على ثوبه لا يعدو كونه غباراً من أرض نظيفة لا نجاسات عليها بالمعنى المذكور سابقاً وليس على جسمه أثر منها، فهذا الإنسان رغم أنه ليس أنيق المظهر – هو نظيف بالمعنى الواقعي لخلو جسمه من القذارات ، وهو بلا شك أقرب إلى واقع الوقاية الصحية ومتطلباتها ، فلا ثيابه ولا جسمه الظاهر والمستور يحمل من القذارات الضارة شيئاً ، وغبار ثيابه ورائحة عرقه وإن كانتا مزعجتين فإنهما مما لا ضرر منه ولا يحمل تلويثاً ميكروبياً بالمعنى الواقعي أو العلمي .. إذن نجد أن مفهوم النظافة الحاصل من التشريع الإسلامي للطهارة هو مفهوم واقعي في مقابل العرف الاستنسابي للنظافة ، وهو أقرب صدقاً لواقع الوقاية الصحية وضروراتها ، بالطبع لا نقلل من المظهر وطيب الرائحة وهما كما نعلم مما حضّ عليه الإسلام كثيراً ، لكن الأناقة شيء والنظافة الواقعية شيء آخر . وهنا يتضح فارق هام بين نتائج ترك الأمر للاستنساب العرفي وبين نتائج التشريع الإسلامي للطهارة .

وأما الارشاد الصحي فهو كما قلنا لا يشكل بالطبع تشريعاً اجتماعياً إلزامياً ويتوسل النصح الذي تعتمد نتائجه على مدى فهم الغرض وعلى التقدير الشخصي للظرف . ونحن بالطبع لا نقصد من كلامنا هذا التقليل من قيمة الارشاد الصحي ولا من ضرورته ولكننا نود أن نكشف للعيان بما لا يقبل الشك أنه وحده غير كاف وثغراته خطيرة ولا يشكل في أي حال تشريعاً اجتماعياً ولا يغني أبداً عن تشريع الطهارة الإسلامي ..

وخلاصة القول إن الإسلام وحده اختصّ بالتشريع الاجتماعي للطهارة والوقاية فسنّ تشريعاً شاملاً لحياة الفرد الخاصة وللوجه المجتمعي للموضوع .

يضمن انصياع الناس لمضمونه ذاتياً ، ولا يعتمد على شرط فهم الغرض ودرجة التقدم العلمي ، بل هو ممكن التطبيق لأي فرد ومجتمع مهما بلغا من درجة في هذين المضمارين. وإن تطبيق التشريع الإسلامي للطهارات يحقق قاعدة صلبة للنظافة والوقاية الفردية والاجتماعية لا بدّ منها لأي مجتمع بشري ، وما يكشفه الإنسان في العلوم من حقائق وتوجيهات وقواعد يصبح أكثر جدوى إذا ما تحقق انطلاقاً من ذلك الإطار وفي سياقه ، وإذا ما أضيفت نتائجه إلى معطيات ذلك التشريع وآثاره يغدو أكثر جدوى في تحقيق الغرض وارتقاء المجتمع .