شبكة الإمامين الحسنين عليهما السلام للتراث و الفکر الإسلامي

 

الصحابي جابر بن عبد الله الأنصاري

 

محمد عبد المنعم

 

 ليس من قبيل المصادفة ـن تصبح صفة "الأنصاري" ملازمة لاسم جابر بن عبدالله ، فيشتهر بها ويعرف ربما أكثر من غيره من المسلمين الذين آووا رسول الله (ص) ونصروه من أهل المدينة .. وهي صفة من أجمل الصفات وأحبّها إلى قلب جابر ، الفتى الذي تميَّز عن اقرانه من فتيان يثرب بحظٍّ لم يحالفهم مثله ، إذ سبقهم لمطالعة أنوار الرسول (ص) وتنسُّم شذى الرسالة ، حينما اصطحبه والده عبد الله إلى مكة فحضر بيعة العقبة الثانية وكان أصغر من شهدها سنّاً .

وامتدَّ بجابر العمر فكان آخر من توفي بالمدينة من الصحابة الذين شهدوا العقبة الثانية.. وفي سجل حياته المديدة نقرأ صفحات ناصعة من الحدب على الاسلام والرسول وآل البيت، ونطالع مواقف فيها من الذبّ عن الرسالة التي نذر نفسه لها ، تنمُّ عن الجرأة في قول الحق والوقوف إلى جانبه . وفي الكرامات التي خصّه بها الرسول (ص) خير ما يشهد على سمّو مكانته وعلوّ درجته في الايمان .. هذا فضلاً عن كونه عالماً ومفسّراً من أجلّ المفسِّرين ومحدّثاً نقل عنه الكثيرون .

نسبه : هو جابر بن عبدالله بن عمرو بن حرام السلمي ، ويشترك في الاسم ذاته مع قريب له ، هو جابر بن عبدالله بن رباب السلمي وكلاهما سَلَميان أنصاريان . وكان الثاني أول من أسلم من الأنصار قبل بيعة العقبة الأولى . ولكن الأبرز والأشهر هو الأول أمه نسبية بنت عقبة وتجتمع هي وأبوه في حرام .

وفاته : توفي سنة 74 للهجرة وقيل سنة 77 هـ وهو آخر من مات من أصحاب الرسول (ص) بالمدينة ممن شهدوا بيعة العقبة الثانية .

إسلامه وجهاده :

فتح جابر عينيه على الاسلام قبل الهجرة الشريفة وهو فتى ، فوالده عبد الله كان من السابقين في الاسلام من أهل المدينة ، شهد بيعة العقبة الأولى ، وكان فيما بعد من المنافحين عن الرسول والرسالة . وقد قتل في موقعة "أُحد" . في كنف هذا الوالد المجاهد وفي مجالس مصعب بن عمير مبعوث الرسول (ص) إلى المدينة المنوّرة ، نشأ جابر وتربّى ، ولثقة أبيه به ونضجه ، اصطحبه معه إلى مكة المكرمة لملاقاة النبي (ص) ، وهناك اجتمع جابر لأول مرّة بالرسول وبايعه في العقبة الثانية ، وكان كما ينقل الرواة أصغر من شهدها سناً . ولقد خلط بعض المؤرخين بينه وبين قريبه جابر بن عبدالله بن رباب ، فعدّه هؤلاء ممن شهدوا العقبة الأولى وهو ليس كذلك . وفي هذا يذكر "زرارة" محدّثاً عن أبي جعفر الباقر (ع) ، كما ينقل "الكشي" في رجاله ، قوله " كان عبدالله أبو جابر بن عبدالله في السبعين وفي الاثني عشر وجابر في السبعين وليس في الإثني عشر" أي أنه من السبعين الذي بايعوا الرسول (ص) في العقبة الثانية وليس من الاثني عشر الذين التقاهم الرسول وبايعوه في العقبة الأولى .. ويؤكد ذلك ابن الأثير في أسد الغابة و"الحاكم" في المستدرك .

شارك جابر مدافعاً عن الرسول والاسلام في أغلب حروب النبي (ص) وغزواته . ولولا أن منعه أبوه من المشاركة في بدر وأُحُد ، لأنه كان يخلّفه على شقيقاته السبع لإعالتهن، لكان قد رافق النبي (ص) في كل غزواته .. وينقل أبو الزبير كما جاء في أسد الغابة وغيره عن جابر قوله : لم أشهد بدراً ولا أُحُداً ، منعني أبي ، فلما قتل يوم أُحُد لم أتخلف عن رسول الله (ص) في غزوة قط . وورد عنه أنه شهد مع الرسول (ص) ثماني عشرة غزوة كما شارك في صفين مع الإمام علي (ع) .

كرامات خصّه النبي (ص) بها :

حظي جابر بمحبة وعطف خاصّين من النبي (ص) وذلك عائد للمكانة التي تبوّأها في نفسه (ص) بسبب طيبته وعمق إيمانه واندفاعه الرسالي .. ومن كراماته عند النبي (ص) ما رواه ابن كثير في البداية والنهاية وما أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق في سنده عن جابر أنه قال : " انطلقنا من غزوة تبوك فمرَّ بي النبي (ص) بالليل وجملي قد قام (لضعفه) وأنا أحطُّ عنه فقال : من هذا ؟ قلت : جابر قال : ما لك ؟ قلت: جملي قد قام وأنا أحطُّ عنه، فقال : اردد عليه متاعك واركبه ، فَدَنا منه فمسَّه فقام بي الجمل فجعلت لا أضبطه في السير .." وفي حادثة أخرى روى ابن عساكر أيضاً بسنده عن جابر بن عبد الله قال لي رسول الله (ص) : يا جابر ما فَعَل دَينُ أبيك ، قلت : يا رسول الله ، هو عليه أنتظر أن نجذَّ نَخْلَهُ . فقال : إذا جذذت نخلهُ فأحضرني واعزل العجوة على حدتها وألوان التمر على حدتها ، وقال : من صاحبُ دين أبيك قلت أبو الشحم اليهودي ، له على أبى تبعة (بقية) من تمر ، فجعلت الصيحاني على حدة وأمهات الحداديق على حدة والعجوة على حدة ، ثم عَمَدتُ إلى جماع من التمر على اختلاف أنواعه وهو أقلّ التمر فجعلته جبلاً واحداً . فلما نظر رسول الله (ص) إلى التمر مصنفاً ، قال : اللهم بارك له ، ثم انتهى إلى العجوة فمَسّها ومَسّ أصناف التمر ، ثم قال : أدع غريمك ، فجاء أبو الشحم فاكتال حقه كلّه من جبل واحد وهو العجوة ، فقال يا جابر هل بقي على أبيك شيء ؟ قلت : لا وبقي سائر التمر فأكلنا منه دهراً وبِعْنا منه حتى أدركت التمرة من قابل . ولقد كنت أقول لو بعت أصلها أي – النخل - ما بلغت ما على أبي من الدين ، فلقد رأيتني والنبي (ص) يقول لي : ما فعلت في دين أبيك ، فقلت قد قضاه الله .

فقال : اللهم اغفر لجابر فاستغفر لي في ليلة خمساً وعشرين مرّة" .

وأخرج ابن عساكر عن جابر ،  "قال عادني رسول الله (ص) فوجدني مريضاً لا أعقل فدعا بماء فتوضّأ ثم رشّ عليّ منه فأفقت" .

علاقته بأهل البيت (ع) :

كان لجابر ارتباط شديد بأهل البيت (ع) وتَعَلّق لم تزده طول سنينه إلا شدّة وحرارة ، فلقد امتدّ به العمر حتى أدرك الامام محمد الباقر ابن الامام علي بن الحسين عليهم السلام ولقد عدّه المؤرخون وذكروه في أصحاب وأنصار الأئمة الذين عاصرهم من أهل البيت .. فقد روى أبو الخير في طبقات المفسرين والسيوطي ، أنه كان منقطعاً إلى أهل البيت كما روى الفضل بن شاذان حسبما أورده "الكشي" في رجاله ، أنه من السابقين الذين رجعوا إلى أمير المؤمنين علي عليه السلام . وروى ابن الزبير المكّي قال : سألت جابر بن عبدالله فقلت : أخبرني أيّ رجل كان عليّ بن أبي طالب ؟ قال : فرفع حاجبيه عن عينيه وقد كانا سقطا على عينيه قال : أما والله إن كنا لنعرف المنافقين على عهد رسول الله ببغضهم إياه. 

ولقد ورد في مدح جابر عن الامام الباقر (ع) ما رواه زرارة عنه ، حيث قال : قلت لأبي جعفر عليه السلام : ما لنا ولجابر ، تروي عنه ؟ فقال يا زرارة إن جابر قد كان يعلم تأويل هذه الآية { إن الذي فرض عليك القرآن لرادّك إلى معاد } .

وأورد الخواجة نصير الدين الطوسي في رسالته المسماة " أوصاف الأشراف " : ان جابر بن عبدالله لما ابتلي في آخر عمره بالضعف والكبر ذهب الإمام محمد الباقر (ع) إلى زيارته وسأله عن حاله فقال أنا في حال الكبر أحَبُّ إليّ من الشباب ، والمرض أحَبُّ إليّ من الصحة ، والموت أحَبُّ إليّ من الحياة ، فقال الباقر عليه السلام : أما أنا فأحَبُّ إليّ الحالة التي يختارها الله لي من الشباب والكبر والمرض والعافية والحياة والموت ، فلما سمع جابر ذلك أخذ يد الباقر عليه السلام وقبّلها .

أما واقعة الطفّ واستشهاد الامام الحسين (ع) فيها ، فقد كان لها وقع أليم وصعب على جابر الشيخ الذي منعه ضعفه وكبر سنّه عن الالتحاق بالإمام الشهيد . لذلك خفّ عندما بلغه مصرع الحسين (ع) إلى زيارته متفجعاً .

قال ابن طاووس في كتاب الملهوف : ولما رجعت نساء الحسين وعياله من الشام وبلغوا إلى العراق قالوا للدليل : مر بنا على طريق كربلاء فوصلوا إلى موضع المصرع ، فوجدوا جابر بن عبدالله الأنصاري وجماعة من بني هاشم ورجالاً من آل الرسول قد وردوا لزيارة قبر الحسين عليه السلام فوافوا في وقت واحد وتلاقوا بالبكاء والحزن واللطم ، وأقاموا المآتم المقرحة للاكباد واجتمع عليهم نساء ذلك السواد وأقاموا على ذلك أياماً .. وعن كتاب بشارة المصطفى وغيره بسنده عن الأعمش عن عطية العوفي قال خرجت مع جابر بن عبدالله الأنصاري رضي الله عنه زائراً قبر الحسين عليه السلام فلما وردنا كربلاء دنا جابر من شاطىء الفرات فاغتسل ثم اتّزر بإزار وارتدى بآخر ثم فتح صرة فيها سعد فنشرها على بدنه ثم لم يخط خطوة إلا ذكر الله تعالى حتى إذا دنا من القبر قال : ألمسنيه فألمسته إياه فخرّ على القبر مغشياً عليه فرششت عليه شيئاً من الماء فلما أفاق قال : يا حسين ثلاثاً ثم قال : حبيب لا يجيب حبيبه . ثم قال : أنّى لك بالجواب وقد شخبَت أوداجك على أثباجك وفُرّق بين بدنك ورأسك ، أشهد أنك ابن خير النبيين وابن سيّد المؤمنين وابن حليف التقوى وسليل الهدى وخامس أصحاب الكسا وابن سيد النقبا وابن فاطمة سيدة النساء وما لك لا تكون هكذا وقد غذتك كفّ سيد المرسلين وربِّيت في حجر المتقين ورضعت من ثدي الايمان وفطمت بالاسلام فطبت حيّاً وطبت ميتاً غير أن قلوب المؤمنين غير طيّبة بفراقك ولا شاكّة في حياتك فعليك سلام الله ورضوانه ، وأشهد أنك مضيت على ما مضى عليه أخوك يحيى بن زكريا . ثم جال ببصره حول القبر وقال : السلام عليكم أيتها الأرواح التي حلت بفناء الحسين عليه السلام وأناخت برحله أشهد أنكم أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وجاهدتم الملحدين وعبدتم الله حتى أتاكم اليقين ، والذي بعث محمداً بالحق لقد شاركناكم فيما دخلتم فيه . قال عطية فقلت لجابر : فكيف ولم نهبط وادياً ولم نَعْلُ جبلاً ولم نضرب بسيفٍ والقوم قد فُرّقَ بين رؤوسهم وأبدانهم وأوتمت أولادهم وأرملت الأزواج ؟ فقال لي : يا عطية سمعت حبيبي رسول الله (ص) يقول : من أحب قوماً حشر معهم ومن أحب عمل قوم أشرك في عملهم والذي بعث محمداً (ص) بالحق إن نيتي ونية أصحابي على ما مضى عليه السلام وأصحابه قال عطية : فبينما نحن كذلك وإذا بسواد قد طلع من ناحية الشام ، فقلت يا جابر هذا سواد قد طلع من ناحية الشام ، فقال جابر لعبده انطلق إلى هذا السواد وأتنا بخبره فإن كانوا من أصحاب عمر بن سعد فارجع إلينا لعلنا نلجأ إلى ملجأ وإن كان زين العابدين فأنت حر لوجه الله تعالى . قال فمضى العبد فما كان بأسرع من أن رجع وهو يقول : يا جابر قم واستقبل حرم رسول الله هذا زين العابدين قد جاء بعمّاته وأخواته، فقام جابر يمشي حافي الأقدام مكشوف الرأس إلى اأن دنا من زين العابدين عليه السلام فقال الامام : أنت جابر؟ فقال نعم يا ابن رسول الله ، فقال يا جابر ههنا والله قُتِلَتْ رجالنا وذبحت اطفالنا وسبيت نساؤنا وحرقت خيامنا .

من مواقفه الجريئة :

ذكر المسعودي في "مروج الذهب" أن جابراً قدم إلى معاوية بدمشق فلم يأذن له أياماً فلما أذن له قال : يا معاوية أما سمعت رسول الله (ص) يقول من حجبَ ذا فاقة وحاجة حجبه الله يوم فاقته وحاجته . فغضب معاوية وقال لقد سمعته يقول لكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تردوا علي الحوض ، أفلا صبرت قال : ذكّرتني ما نسيت وخرج فاستوى على راحلته ومضى فوجّه إليه معاوية بستمائة دينار فردّها وكتب إليه :

وإني لأختار القنوعَ على الغنى

                            وفي الناس من يقضى عليه ولا يقضي

وألبس أثواب الحياء وقد أرى

                            مكان الغنى أن لا أهين له عرضي

وقال لرسوله : قل له والله يا ابن آكلة الأكباد لا وجد في صحيفتك حسنة إنا سببها أبداً .

وقال زيد بن أسلم ، إن جابراً كُفَّ بصره ، فذُكر أمامه يوماً ما يلبسه السلطان من الخزّ والوشي وما يصنع فقال ليت سمعه قد ذهب كما ذهب بصره حتى لا يسمع من أحاديث السلطان شيئاً ولا يبصر .

وله مع عبد الملك بن مروان والحجاج مواقف جريئة في قول الحق والدعوة إلى إنصاف الناس ، ذكرها المؤرخون.

العالم والمحدّث :

كان جابر من أجلاّء المفسّرين كما جاء في طبقات المفسّرين لأبي الخير .

وعن مسند أحمد أنه روى عن جابر عن النبي (ص) " هلاك بالرجل يدخل عليه الرجل من إخوانه فيحتقر ما في بيته أن يقدمه له ، وهلاك بالقوم أن يحتقروا ما قرب إليهم " .

ومما روي عنه من الحكم ما جاء في تاريخ دمشق لابن عساكر : كان جابر يقول تعلّموا العلم ثم تعلّموا الحلم ثم تعلموا العلم ثم تعلموا العمل بالعلم ثم أبشروا .

وقد روى عنه أولاده عبد الرحمن وعقيل ومحمد وسعيد بن المسيب وأبو الزبير وعمرو بن دينار وأبو جعفر الباقر وابن عمه محمد بن عمرو بن الحسن ووهب بن كيسان والحسن بن محمد بن الحنفية والحسن البصري وأبو صالح السمان وسعيد بن أبي هلال وسليمان بن عتيق وعاصم بن عمر بن قتادة وعطاء بن أبي رباح وعروة بن الزبير ومجاهد والقعقاع بن حكيم وغيرهم .