شبكة الإمامين الحسنين عليهما السلام للتراث و الفکر الإسلامي

 

مجلة نور الإسلام العدد 2

العدد الثاني ـ السنة الاولى / شهر رمضان 1408هـ / نيسان / ابريل – ايار / مايو 1988م

تصدر عن مؤسسة الإمام الحسين عليه السلام

شهر رمضان في حياة رسول الله (ص) 

شهر رمضان هو شهر الله – وهنا يكمن السرّ الأول في فضله وتميّزه عن سائر الشهور.

إنه الشهر الذي أنزل فيه القرآن ، هدى للناس وبيّنات من الهدى والفرقان .

كما أنه الشهر الذي خصّه الله بليلة القدر ، التي هي خير من ألف شهر ، والتي ترسم فيها خطة حياة الإنسان لسنةٍ كاملة ، كما يستفاد من النصوص .

وكفى تبياناً لقيمة شهر رمضان ما ورد عن رسول الله (ص) من كلامٍ في حقه :

" لو يعلم العباد ما في رمضان – أي من الخير- لتمنّت أمتي أن تكون السنة كلها رمضان".

" أعطيَتْ أمتي في شهر رمضان خمساً لم تعْطَهَا أمة نبيٍّ قبلي :

إذا كان أول يومٍ منه نظر الله عز وجل إليهم فإذا نظر الله عز وجل إليهم لم يعذّبهم بعدها. وخلوف أفواهِهم حين يمسون أطيب عند الله من ريحِ المسْك . 

وتستغفر لهم الملائكة في كل يومٍ وليلةٍ منه ، ويأمر الله عزّ وجلّ جنَّتَه ، فيقول : تَزَيَّني لعبادي المؤمنين ، يوشَك أن يستريحوا من نَصَبِ الدنيا وأذاها إلى جنَّتي وكرامتي .

فإذا كان آخر ليلة منه غفر الله عزّ وجلّ لهم جميعاّ " .

ومن الطبيعي، على ضوء ذلك كله ، أن يكون لهذا الشهر المبارك مكانته الخاصة لدى رسول الله (ص) ، وهو صاحب الرسالة والتجسيد الحي الكامل لها .. فمن أوْلى منه بمعرفة فضل شهر رمضان ، وبتعظيم حرمته ؟

فيما يأتي ، سنحاول أن نعرض لبعض الجوانب من حياة وسلوك رسول الله (ص) خلال شهر رمضان ، حتى تكون أفعاله هذه (ص) قدوة ومثالاً أعلى للمسلمين الصائمين . التزاماً بقوله تعالى : { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة .. } (الأحزاب/21) .

ونحن نعتمد في محاولتنا على العديد من النصوص والروايات ، مع الإشارة إلى أن ضيق المجال يلزمنا بالاختصار:

1- كان (ص) حريصاً على تهيئة الناس لاستقبال شهر رمضان قبل حلوله . وقد أوردت كتب الحديث والسيرة العديد من خطبه (ص) في هذا الإطار ، وكلها تركّز على قيمة الشهر المبارك كموسم سنوي متميّز للعبادة وللتقرّب إلى الله تعالى بأعمال الخير .

من ذلك نشير إلى الخطبة المروية عن أئمة أهل البيت (ع) والتي أثبتناها في مكان آخر من هذا العدد ، بالإضافة إلى خطب أخرى ، نذكر هنا واحدة منها رواها سلمان الفارسي (رض) حيث يقول : خَطَبَ رسول الله (ص) الناسَ في آخر يومٍ من شعبان فقال :

" أيها الناس .. إنه قد أظلّكم شهرٌ عظيم مبارك . شهرٌ فيه ليلةٌ خيرٌ من ألف شهر.. جعل الله صيامه فريضةً ، وقيامَ ليله تطوعاً . من تقرّب فيه بخصلةٍ من خصال الخير ، كان كمن أدّى فريضةً فيما سواه . ومن أدّى فيه فريضةً كان كمن أدّى سبعين فريضةً  فيما سواه . وهو شهر الصّبر ، والصّبر ثوابه الجنّة . وشهر المواساة ، وشهرٌ يزاد فيه رزق المؤمن.. إلى أن قال (ص) : فاسْتَكْثِروا فيه من أربع خصال : خصلتين ترضون بها ربَّكم وخصلتين لا غَناءَ بكم عنهما .

فأما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربَّكم ، فشهادة أن لا إله إلا الله ، والاستغفار .

وأما الخصلتان اللتان لا غَناءَ بكم عنهما فَتَسْأَلون الله الجنّةَ ، وتعوذون به من النار .

2- وكان صلى الله عليه وآله ، إذا نظر إلى هلال شهر رمضان ، استقبل القبلة بوجهه ثم قال :

" اللّهمَّ أهِلّّه علينا بالأمن والإيمان ، والسلامةِ والإسلام ، والعافية المجلِّلة والرزق الواسع، ودفعِ الأسقام ، وتلاوة القرآن ، والعَوْنِ على الصّلاِة والصيّام ، اللّهمَّ سلِّمنا لشهر رمضان وسلِّمْه لنا ، وتسلَّمْه منّا حتّى ينقضي شهر رمضان ، وقد غَفرتَ لنا " .

ثم يقْبل (ص) بوجهه على الناس فيقول :

" يا مَعْشَرَ المسلمين إذا طلع هلال شهر رمضان غَلَتْ مَرَدَة الشياطين وفتحتْ أبواب السماء وأبواب الجنان وأبواب الرحمة ، وغلّت أبواب النار ، واستجيب الدّعاء وكان لله عز وجلّ عند كّل فِطْرٍ عتقاء يعتقهم من النّار ونادى منادٍ كلّ ليلة : هل من سائل ؟ هل من مستغفر ؟ اللهم أعطِ كل منفقٍ خلفاً ، وأعطِ كل ممسكٍ تلفاً ، حتى إذا طلع هلال شوّال نودي المؤمنون : أن اغْدوا إلى جوائزكم فهو يوم الجائزة " .

ويعقب الامام محمد الباقر (ع) ذلك بقوله : " أما والذي نفسي بيده ، ما هي بجائزة الدنانير والدراهم " .

3- وكان رسول الله (ص) إذا دخل شهر رمضان يقول :

" اللهم إنه قد دخل شهر رمضان .. اللهم ربَّ شهر رمضان الذي أنزلت فيه القرآن وجعلته بينات من الهدى والفرقان ، اللهم فبارك لنا في شهر رمضان وأعنّا على صيامه وصلاته وتقبّله منّا " .

4- وكان (ص) إذا دخل شهر رمضان ، أطلق كل أسير ، وأعطى كل سائل . وكان (ص) وهو أجود الناس بالخير ، أجود ما يكون في شهر رمضان .

5- وكان (ص) يدعو في أول ليلة من شهر رمضان بما يلي :

" اللهم انت الواحد فلا ولد لك ، وانت الصَّمد فلا شِبْهَ لك ، وانت العزيز فلا أعزّ منك ، وانت الغفور فلا شِبْه لك ، وانت الرحيم وأنا المخطي ، وانت الخالق وانا المخلوق ، وانت الحيّ وانا المِّيت . أسألك برحمتك أنْ تصلّي على محمد وآله ، وأن تغفر لي وترحمني وتجاوزْ عني إنك على كل شيء قدير ".

6- كان (ص) – كما يروى – يفطر على الحلو ، أو على الرّطب أو التمر ، أو على  الزّبيب ، أو على اللّبن ، أو على خبز يماث ، أو على الماء الفاتر . وربما يتسحّر ببعض ذلك . وكان (ص) يحثّ المسلمين على تناول السّحور.

7- وكان (ص) إذا أفطر قال :

" اللّهم لك صمنا ، وعلى رزقك افطرنا ، فتقبَّلْه منّا ، ذهب الظّمأ ، وابتلّتْ العروق . وبقيَ الأجر " .

8- وكان (ص) يحمد الله بين كل لقمتين .

9- وكان (ص) إذا اكل عند قومٍ قال :

" أفطر عندكم الصّائمون ، وأكل طعامكم الأبرار" .

10- وكان (ص) يؤكد على الدعاء التالي بعد كل صلاة مكتوبة في شهر رمضان :

" اللهم أدخل على أهل القبور السرور .. اللهم أغن كلّ فقير اللهم أشبع كلّ جائع . اللهم اكْس كل عريان . اللهم اقض دَيْنَ كلّ مَدين . اللهم فرّج عن كلّ مكروب . اللهم ردّ كلّ غريب . اللهم فكّ كلّ أسير . اللهم أصلح كلّ فاسد من أمور المسلمين ، اللهم اشفِ كلّ مريض . اللهم سدَّ فقرنا بِغناك . اللهم غيرِّ سوء حالنا بحسن حالك . اللهم اقضِ عنّا الدَّين ، وأغننا من الفقر ، إنك على كل شيءٍ قدير ".

11- وكان (ص) – كما يروى – يلقى جبريل (ع) في كل ليلة من شهر رمضان حتى ينسلخ ، وهو (ص) يعرض عليه القرآن . وكان (ص) يحثّ المسلمين على تلاوة القرآن في هذا الشهر ، ويبيّن لهم ما في ذلك من ثواب عظيم.

12- وكان (ص) يتنفّل في كل ليلةٍ ويزيد على صلاته التي كان يصليّها قبل ذلك ، منذ أول ليلةٍ إلى تمام عشرين ليلة ، في كل ليلة عشرين ركعة . ثماني ركعات منها بعد المغرب ، واثنتا عشرة بعد العشاء الآخرة . ويصلّي في العشر الأواخر في كل ليلة ثلاثين ركعة اثنتا عشرة منها بعد المغرب ، وثماني عشرة بعد العشاء الآخرة . ويدعو ويجتهد اجتهاداً شديداً . وكان يصلّي في ليلةِ إحدى وعشرين مائة ركعة ، ويصلّي في ليلةِ ثلاث وعشرين مائة ركعة ويجتهد فيهما"

13- وكان (ص) إذا حلّت العشر الأواخر من شهر رمضان ، اعتكف في المسجد ، وضربت له قبّة من شَعر ، وشدّ المِئزر ( كناية عن الاجتهاد الشديد في العبادة ) وأحيا الليل.

14- وكان (ص) إذا جاءت ليلة القدر ، يوقِظ أهلَه ، ويرشّ وجوه النِّيام بالماءِ فيها للتأكيد على قضائها في العبادة. وكان (ص) يقول :" إن الله اختار من الأيام يوم الجمعة، ومن الشهور شهر رمضان ، ومن الليالي ليلة القدر ".

15- وكان (ص) يحثّ على وداع شهر رمضان بالدّعاء ، كما في قوله لجابر بن عبد الله الأنصاري عندما دخل عليه (ص) في آخر جمعةٍ من شهر رمضان : يا جابر ، هذا آخر (يوم) جمعة من شهر رمضان فودّعه وقل :

" اللهم لا تجعله آخر العهد من صيامنا إياه ، فإن جعلته فاجعلني مرحوماً ولا تجعلني محروما ".