شبكة الإمامين الحسنين عليهما السلام للتراث و الفکر الإسلامي

 

الانتظار وتداعيات المفهوم السلبي

بقلم: اسراء ابراهيم كريم/ رابطة منتظرات المهدي عليه السلام

لقد حمل الانبياء واوصياؤهم مشاعل الهدايه الربانيه ولم يترك الله عباده مهملين دون حجة هادية وعلم مرشد ونور مضئ.بان الارض لا تخلو من حجة الله على خلقه لئلا يكون للناس على الله حجة، فالحجة قبل الخلق ومع الخلق وبعد الخلق. ولو لم يبق في الارض الا اثنان ،لكان احدهما الحجة.

وكان التخطيط الالهي يحتم على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم اعداد الصفوة من اهل بيته ،والتصريح بأسمائهم وادوارهم لتولي مهمة ادائه الحركة النبوية العظيمة والهداية الربانية الخالصة بأمر من الله سبحانه وصيانة للرسالة الالهية التي كتب الله لها الخلود من تحريف الجاهلين ،وتربية الاجيال على قيم ومفاهيم الشريعة المباركة التي تولوا تبيين معالمها وكشف اسرارها وذخائرها على مر العصور.وحتى يرث الله الارض ومن عليها.

وتجلى هذا التخطيط الرباني في ما نص عليه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بقوله (اني تارك فيكم الثقلين ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا :كتاب الله وعترتي ،وانهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض).

ان سيرة الائمة الاثنى عشر عليهم السلام مثلت المسيرة الواقعية للاسلام بعد عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وتبلورت في استمرارهم على نهج الرسول العظيم صلى الله عليه وآله وسلم فكانوا هم الادلاء على الله لنيل مرضاته ،والمستقرين في امر الله والتامين في محبته والذائبين في الشوق اليه، والسابقين الى تسلق قمم الكمال الانساني المنشود.

ان قضية الامام المهدي المنتظر الذي بشر به الاسلام وبشرت به الاديان من قبل ،قضيه انسانية قبل ان تكون قضية دينية او اسلامية.

فانها تعبر عن ضرورة تحقق الطموح الانساني بشكله التام.

ومن هنا جاء معنى الانتظار لترسيخ تعلق الانسان وارتباطه بربه الكريم وايمانه العملي بان الله عز وجل غالب على أمره وبانه القادر على كل شيء والمدير لأمر خلائقه بحكمته الرحيمة بهم.

وهذه من الثمار المهمة التي يكمن فيها صلاح الانسان وطيه لمعارج الكمال وهو الهدف من معظم احكام الشريعة وجميع عباداتها وهو ايضا شرط قبولها فلا قيمة لها اذا لم تستند الى هذا الايمان التوحيدي الخالص الذي يرسخه الانتظار.....

ومن هنا كان من الضروري على المنتظرين لبقية الله الاعظم (ارواحنا وارواح العالمين لتراب مقدمه الفداء) ان يعرفوا:

1. حقيقة الانتظار

2. شروط الانتظار

3. لماذا الانتظار

4. اهمية الانتظار

1. حقيقة الانتظار :

الانتظار لغةً: عبارة عن: كيفية نفسانية ينبعث منها التهيؤ لما تنتظره. وضده اليأس; فكلما كان الانتظار أشد كان التهيؤ آكد; ألا ترى أنّه اذا كان لك مسافر تتوقع قدومه ازداد تهيؤك لقدومه كلما قرب حينه، بل ربما تبدل رقادك بالسهاد لشدة الانتظار. وكما تتفاوت مراتب الانتظار من هذه الجهة، كذلك تتفاوت مراتبه من حيث حبك لمن تنتظره، فكلما اشتد الحب ازداد التهيؤ للحبيب وأوجع فراقه بحيث يغفل المنتظر عن جميع ما يتعلق بحفظ نفسه ولا يشعر بما يصيبه من الالآم الموجعة والشدائد المفظعة. فالمؤمن المنتظر مولاه كلما اشتد انتظاره ازداد جهده في التهيؤ لذلك بالورع والاجتهاد وتهذيب نفسه وتجنّب الأخلاق الرذيلة والتحلّي بالأخلاق الحميدة حتى يفوز بزيارة مولاه ومشاهدة جماله في زمان غيبته كما اتفق ذلك لجمع كثير من الصالحين، ولذلك أمر الأئمة الطاهرون عليهم السلام فيما سمعت من الروايات وغيرها بتهذيب الصفات وملازمة الطاعات. بل رواية أبي بصير مشعرة أو دالة على توقف الفوز بذلك الأجر حيث قال الإمام الصادق عليه السلام:((مَن سره أن يكون من أصحاب القائم فلينتظر وليعمل بالورع ومحاسن الأخلاق وهو منتظر، فإن مات وقام القائم بعده كان له من الأجر مثل مَن أدركه..)) ولا ريب أنه كلما اشتد الانتظار ازداد صاحبه مقاماً وثواباً عند الله عز وجل.

والانتظار في الاصطلاح: يعني:(ترقب ظهور وقيام الدولة القاهرة والسلطنة الظاهرة لمهدي آل محمد عليهم السلام. وامتلاء الأرض قسطاً وعدلاً وانتصار الدين القويم على جميع الأديان كما أخبر به الله تعالى نبيه الأكرم ووعده بذلك، بل بشّر به جميع الأنبياء الأمم; أنه يأتي مثل هذا اليوم الذي لا يعبد فيه غير الله تعالى ولا يبقى من الدين شيء مخفي وراء ستر وحجاب مخافة أحد...) اذن الانتظار يتضمن حالة قلبية توجدها الأصول العقائدية الثابتة بشأن حتمية ظهور المهدي الموعود وتحقق أهداف الأنبياء ورسالاتهم وآمال البشرية وطموحاتها على يديه عليه السلام; وهذه الحالة القلبية تؤدي الى انبعاث حركة عملية تتمحور حول التهيؤ والاستعداد لظهور المنتظر، ولذلك أكدت الأحاديث الشريفة على لزوم ترسيخ المعرفة الصحيحة المستندة للادلة العقائدية بالإمام المهدي وغيبته وحتمية ظهوره.

وعليه يتضح أن الانتظار لا يكون صادقاً إلاّ اذا توفرت فيه: عناصر ثلاثة مقترنة: عقائدية ونفسية وسلوكية ولولاها لا يبقى للانتظار أي معنى إيماني صحيح سوى التعسف المبني على المنطق القائل:((فاذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون)) المائدة: 5، المنتج لتمني الخير للبشرية من دون أي عمل إيجابي في سبيل ذلك.

ولذلك نلاحظ في الأحاديث الشريفة المتحدثة عن قضية الانتظار تأكيدها على معرفة الإمام المهدي ودوره وترسيخ الارتباط المستمر به عليه السلام في غيبته كمظهر للانتظار والالتزام العملي بموالاته والتمسك بالشريعة الكاملة كما اشرنا لذلك في التكاليف السابقة وإعداد المؤمن نفسه كنصير للإمام المهدي ـ عجل الله فرجه ـ يتحلى بجميع الصفات الجهادية والعقائدية والأخلاقية اللازمة للمساهمة في إنجاز مهمته الإصلاحية الكبرى، وإلاّ لن يكون انتظاراً حقيقياً وعلى مستوى ذواتنا أيضاً، وكأسلوب من أساليب تحصينها ضد الانحراف، وتجهيزها للعمل والنشاط, علينا أن نكون في حالة انتظار. في حالة ترقّب دائم مستمر لبزوغ فجر الثورة الكبرى، ثورة القائد المنتظر. يجب أن نعيش حالة توقّع غير يائس، ولا جازع. عيوننا متطلّعة للحدث الأكبر. أسماعنا متلهفة لاستماع خبر النهضة العظمى. أفئدتنا مفعمة بالشوق والشغف لساعة الوعد الإلهي. أن نكون على أهبة الاستعداد. ننتظر المفاجأة ونستشرف لمواجهتها. لا يغيب عن بالنا قضية الإمام المنتظر. ولا ننسى الوعد الإلهي بالنصر الظافر.

هكذا أراد لنا الأئمّة أنفسهم، وسجّلوه كموقف يجب أن نتخذه, وكحالة نفسية يجب أن نستشعرها ونعيشها باستمرار. استمع معي للإمام علي عليه السلام وهو يقول: " انتظروا الفرج، ولا تيأسوا من روح الله، فإنّ أحبّ الأعمال إلى الله انتظار الفرج".

واستمع لحديث آخر عن أبي الجارود من أصحاب الإمام الباقر عليه السلام: "قلت لأبي جعفر عليه السلام: يا ابن رسول الله هل تعرف مودّتي لكم وانقطاعي إليكم، وموالاتي إيّاكم؟. فقال: نعم.. والله لأعطينّك ديني ودين آبائي الذي ندين الله عز وجل به: " شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً رسول الله.. وانتظار قائمنا والاجتهاد والورع"

2. شروط الانتظار:

1 ـ ترسيخ معرفة الإمام المهدي ـ عجل الله فرجه ـ والإيمان بإمامته والقيام بمهامها في غيبته ومعرفة طبيعة دوره التأريخي وأبعاده والواجبات التي يتضمنها ودور المؤمنين تجاهه، وترسيخ الارتباط به عليه السلام وبدوره التأريخي. وكذلك الإيمان بأن ظهوره محتمل في أي وقت، الأمر الذي يوجب أن يكون المؤمن مستعداً له في كل وقت. بما يؤهله للمشاركة في ثورته.

ولتحقق هذا الاستعداد اللازم لكي يكون الانتظار صادقاً يجب التحلي بالصفات الأخرى التي يذكرها الإمام السجاد عليه السلام والتي تمثل في واقعها الشروط الأخرى لتحقق مفهوم الانتظار على الصعيد العملي، كما نلاحظ في الفقرات اللاحقة.

2 ـ ترسيخ الاخلاص في القيام بمختلف مقتضيات الانتظار وتنقيته من جميع الشوائب والأغراض المادية والنفسية، وجعله خالصاً لله تبارك وتعالى وبنيّة التعبد له والسعي لرضاه، وبذلك يكون الانتظار(أفضل العبادة)، وقد صرّح آية الله السيد محمد تقي الإصفهاني بأنّ توفر هذه النيّة الخالصة شرط في القيام بواجب الانتظار. وعلى أي حال فإنّ توفر هذا الشرط يرتبط بصورة مباشرة بالإعداد النفسي لنصرة الإمام عند ظهوره; لأنّ فقدانه يسلب المنتظر الأهلية اللازمة لتحمل صعاب نصرة الإمام ـ عجل الله فرجه ـ في مهمته الإصلاحية الجهادية الكبرى.

3. تربية النفس وإعدادها بصورة كاملة لنصرة الإمام من خلال صدق التمسك بالثقلين والتخلق بأخلاقهما ليكون المؤمن بذلك من أتباع الإمام المهدي عليه السلام حقاً:(وشيعتنا صدقاً) وتتوفر فيه شروط الشخصية الإلهية والجهادية القادرة على نصرة الإمام في طريق تحقيق أهدافه الإلهية، وفي ذلك تمهيد لظهوره عليه السلام على الصعيد الشخصي.

4. التحرك للتمهيد للظهور المهدوي على الصعيد الاجتماعي بدعوة الناس الى دين الله الحق وتربية أنصار الإمام والتبشير بثورته الكبرى، ونلاحظ في حديث الامام السجاد عليه السلام وصفه للمنتظرين بأنهم(الدعاة الى دين الله عز وجل سرّاً وجهراً)، وفي ذلك إشارة بليغة الى ضرورة استمرار تحرك المنتظرين في التمهيد للظهور ورغم كل الصعاب، فإذا كانت الأوضاع موائمة دعوا لدين الله جهراً وإلاّ كان تحركهم سرياً دون أن يسوّغوا لانفسهم التقاعس عن هذا الواجب التمهيدي تذرّعاً بصعوبة الظروف.

3. لماذا الانتظار:

الانتظار من التنظّر، وهو توقّع الشيء. والانتظار المأمور به في المقام هو توقّع دولة الحقّ على يَدي الموعود والمؤمّل من لدن آدم وإلى زماننا هذا. والمستفاد من الروايات أنّ دولة الحقّ موعودة وعد بها الله سبحانه عبادَه الصالحين، وأنّه يأتي يوم يحكم فيه الحقّ تحت راية السلطان العادل البسيطة كلّها؛ قال الله سبحانه((وَ لَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَْرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ)). والذي ينبغي أن يُلتفت إليه في هذا الشأن ـ ضمن العجالة ـ أمور، منها:

الأمر الأوّل: أنّ الانتظار واجب بحكم العقل والشرع؛ أمّا العقل فلما نعلم من طبيعة البشر أنّه لا يندفع إلى البغية يدفعه إلى العمل، فالتوقّع والانتظار لدولة الحقّ علـى يد الإمام المنتظر مقدّمة أساسيّة ومنطلق فكري وعملي نحو بذل الطاقة والجهد في سبيل الوصول إلى تلك البغية. وأمّا الشرع فقد ورد الأمر بالانتظار في كثير من الروايات فبلغ حدّ التواتر، بل في بعضها أنّ الانتظار مـن أفضل الأعمال في عصر غاب عنه الحق عن البسيطة وأصبحت الأرض بيد الطغاة يلعبون بالصالحيـــن وبمقدّراتهم، بل بمقدّرات الشعوب كلّها حسب ما تشتهي نفوسهم وتدفع إليه أهواؤهم؛ فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ضمن حديث:(انتظار الفرج عبادة). وعن أمير المؤمنين عليه السلام ـ وقد سأله رجل عن أحبّ الأعمال إلى الله سبحانه ـ: قال:(انتظار الفرج).

الأمر الثاني: أنّ الانتظار لشيء مهمّ كما يدفع الإنسان للتهيّؤ والإعداد والاستعداد لما يتوقّعه وينتظره، كذلك يقضّ مضجع العدوّ المعادي للحقّ، وقد سطر في التاريخ كيف كان الطغاة يخافون وجود الإمام المنتظر وولادته على غرار خوف فرعون من ولادة موسى، حتّى ذبح ما لا يُعلم عدده من الاطفال ليحول دون ولادة موسى، ولكنّ الله بالغ أمره. وقد سعى بنو العبّاس، ومن قبلهم بنو أميّة لقطع نسل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وذرّيّة علي طمعاً في الدنيا وحذراً من مجيء دولة الحقّ، وكانت أيّام الغيبة الصغرى وما تلتها من الأيام موحشةً ومربكة لبني العبّاس، فكانوا يبحثون عن الإمام المنتظر وعن وكلائه وعمّن يدلّ عليه بحث الخِرْزة، فكانوا يقتلون كلّ من يسمعون منه كلمة تدلّ على إيمانه بالغائب، فبقاء العدو في قلق واضطراب وفقد الطمأنينة وتخبّطه عشواءً من الفوائد المهمّة المترتّبة على الانتظار.

الأمر الثالث: لا شكّ في أنّ إقامة دولة الحقّ على أنقاض نظم الفساد والجور وإقامة صرح العدل على أنقاض قصور الجور والطغيان يتوقّف على الإعداد النفسي، فلو حصلت تلك الدولة بدون الاعداد النفسيّ الكامل وإصلاح العقول التي شُوّشت وانحرفت عن نهج التفكير السليم وأصبحت ترى في كثير من الاحيان الباطل حقّاً، والحقّ باطلاً، وكذلك الاجسام التي تعوّدت على حبّ الدنيا، والعيون التي تأثّرت وتغوّشت بمباهج الحياة الدنية الخلاّبة، يكون مصير تلك الدولة مصير سلطة عليّ بن أبي طالب والإمام الحسن عليهما السلام، فإنّ الأسباب الطبيعية لم تكم مؤاتبة، والنــــفوس لم تكن مستعدّة لدولة الحقّ، والظُّلمة التي سيطرت عليهم بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وانمحت جلّ القلوب الطيبة في تلك المدّة التي جاوزت ثلاثة وعشرين سنة، والظروف التي نعيشها تشبه تلك، فلا بدّ من إصلاح الأنفس بزرع حبّ الدين وحبّ العدل والانصاف وكره الظلم والفساد إعداداً للنفوس لتقبّل الحقّ.

الأمر الرابع: يجب اعداد الظروف الخارجيّة بنشر الحقّ وإعداد الأنصار للدين، ونشر الوعي بين المسلمين أوّلاً، وبين غيرهم جلباً للنفوس الصالحة للهداية ثانياً، فإنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهمّ الواجبات الشرعية والعقلية والاجتماعية، فما لم يكن هناك انصار بعدد واف لنصرة الحقّ، وما لم يكن هناك وعي كافٍ لاحتواء الحقّ، وما لم يكن هناك ما ينبغي تهيُّؤهُ لاستقبال دولة الحقّ، لم يكن وجه لبدء إقامة تلك الدولة، والاستعجال في مثل هذا الأمر بالتأكيد يأتي بنتائج وخيمة ويفوت من ذلك أعظم المقاصد.

الأمر الخامس: يجب إتمام الحجّة على كلّ مُناوئ للحقّ ومعاند له، لأنّ دولة الحقّ سوف تحاسبهم، فلا ينفع الانصياع للحقّ حين إقامة العدل ووقت المحاسبة وإنزال العقوبة على كلّ ظالم غاشم وغاصب ومفسد، وإلى هذا المعنى أُشير في عدّة آيات قرآنية؛ ففي سورة الأنعام:(هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ...))(آية 185)

إنّ الانتظار يعني في جملته حالة الأمل، وعدم القنوط؛ الأمل الذي هو شرط لكل حركة، نحن مدعوّون إلى تمثله دائماً. واليأس الذي هو مدعاة للانحراف، المطلوب منّا رفضه واقتلاع جذوره من أعماق وجداننا. الانتظار يعني أنّنا ما زلنا على أمل بالنصر. لا مجرّد أمل، وإنما ثقة مطلقة بتحقق هذا النصر. فالذين يأملون في شيء قد لا يملكون قناعة بأنّهم سينالوه، وهم ينتظرون لكن على وجل وفي ريبة.

كل الناس يأملون بانتصار الحق، ومحق الباطل، مسلمون وغير مسلمين، لكن من يملك اليقين الذي نملكه؟ والذي كان يملكه الأنبياء والأوصياء، ويغرسونه في نفوس أشياعهم. إنّنا لا نأمل بالنصر، وإنّما نرى أنفسنا ونحن نقترب منه. لا يمضي يوم إلاّ وتكون المسافة قد تقلّصت، وأصبحنا على المشارف. هذا هو معنى الانتظار المطلوب. أن لا يخامرنا شك، أدنى شك في أنّنا سننتصر. أن نرى بعين البصيرة رايات الحق تتقدّم، وها نحن ننتظرها كيما تصل إلينا أو نصل إليها. والذين يصابون باليأس يفقدون السلاح وهم وسط المعركة.

فما أيسر أن يقعوا في أسر الضلال والانحراف، وتلك هي الفتنة, وقد قال الإمام عليه السلام:((إنّ هذا الأمر لا يأتيكم إلاّ بعد يأس)) ومن هنا تأتي قيمة الانتظار. على أنّ الانتظار له مدلول آخر، ومعنىً عميق غاية العمق. هذا المدلول هو الذي يفسّر لنا لماذا كان الانتظار مطلوباً، وواحداً من مسؤولياتنا مع ذواتنا؟

فالانتظار تعبير عن قناعتنا بجدارة الحل الإسلامي. واستعدادنا لتقبّله، والمشي في ركبه. من يعيش حالة الانتظار لنهضة القائد المنتظر، لا يستطيع إلاّ الثقة بحيوية الإسلام، وقابليته الأزلية على حلّ مشاكل البشرية، وسكب السعادة في قلوبها الحرّى. أنت حينما تنتظر من رجل القانون أن يرسم لك حلّ المشكلة، أو يختار لك الصيغة المفضّلة، فإنّك لا محالة واثق بقدرته، وجدارته ولو لا ذاك فإنّك لم تكن مستعداً للتفاهم معه في حل المشكلة.

وأنت حين تزور طبيباً تطلب الدواء، لا تفعل ذلك عبثاً، وإلاّ كان من الأيسر لك أن تذهب إلى جيرانك وتعرض له مرضك، وإنّما أنت على قناعة كافية بأنّ الطبيب هو الجدير والمؤهّل لإعطاء العلاج، وتشخيص الداء، ولذا فأنت تؤثر زيارته، وتنتظر منه. فالانتظار إذن هو القناعة بالجدارة والأهلية. ونحن حينما ننتظر الحل الإسلامي الذي يسود العالم كله تحت راية القائد المنتظر، لا بد أن نكون على أعمق الثقة بهذا الحل. فالتقدّم الحضاري، والتطوّر الذي شهدته الأرض. والتقلب الذي عمّ كل شيء، في التركيب الاجتماعي، والوضع الاقتصادي، وطبيعة الحالة النفسية العامة. إنّ كل ذلك لا يغير من واقعية الإسلام، وقدرته على النجاح، سواء على مستوى النظرية، أو على مستوى التطبيق. فسيبقى الإسلام هو الحلّ الحتمي أزلاً وأبداً. ومهما انحرفت البشرية عنه، فإنّها ستؤوب إليه، وستجده حينذاك مصدر كل السعادة، ومقتلع جذور الشقاء في الأرض.

ما هي طبيعة الانتظار؟ إذا كان علينا أن ننتظر, فما هي طبيعة الانتظار المطلوب؟

هناك نوعان من الانتظار: الانتظار الجامد، والانتظار المتحرّك. انتظار أشبه بالموت، أو هو الموت. وانتظار أشبه بالحياة، أو هو الحياة. الأسير المقيّد بالأغلال، والمدفوع نحو المقصلة، ينتظر. والبطل الذي يخوض غمار الحرب، وهو شاكي السلاح، شديد العزم، ينتظر أيضاً. كل من هذين ينتظر الموت والقتل.. لكن هناك فرق كبير بين نوعي الانتظار. فالأوّل مستسلم، لا يستطيع حراكاً، ولا يفكّر حتى في الفرار. والثاني متحرّك، مقدام، ينتظر الشهادة بكل بطولة, بل هو يسعى إليها، ويرحّب بها. فكيف علينا أن ننتظر القائد المنتظر؟ الإجابة على هذا السؤال نأخذها من القرآن، ومن محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، ومن أهل البيت عليهم السلام. من هذه المدرسة الواحدة نأخذ الإجابة الصحيحة.

لقد كان محمّد صلى الله عليه وآله وسلم ينتظر. كيف كان ينتظر؟ كان القرآن يأمره بالانتظار، أيّ انتظار ؟(وَقُلْ للّذينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا على مَكانَتِكُم إنّا عامِلُونَ، وانْتَظِرُوا إنّا مُنْتَظِرُونَ)). هود:124. لقد انتظر النصر والفتح، لكن هو الذي كان يمهّد للنصر وللفتح لا غيره. لم يكن يطلب أن يأتيه النصر منحة خالصة من السماء ومن دون ثمن.

لقد هاجر، ولقد قاتل، ولقد دعا، ولقد عمل كل شيء في سبيل النصر، ثم كان ينتظر النصر.

الانتظار في القرآن، وعند محمّد صلى الله عليه وآله وسلم رديف العمل((اعمَلُوا على مَكانَتِكُمْ، إنّا عامِلُونَ)).((وَانْتَظُرُوا إنّا مُنْتَظِرُونَ)). فهناك عمل ثم انتظار. الانتظار في مفهوم القرآن لا يعني الجمود والتوقّع البارد الزائف الميت. إنما يعني التربّص، المداورة مع العدو، التحرّك في شتّى الطرق، استغلال لحظات الضعف، عدم تضييع الفرص، هذا هو التربّص وهو الانتظار القرآني.((قُلْ كُلٌ مُتَرَبّصٌ، فَتَرَبّصُوُا، فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أصْحابُ الصّراطِ السَّوي، وَمَنِ اهتَدى)).

ولقد انتظر أصحاب محمّد صلى الله عليه وآله وسلم. كيف انتظروا؟((فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ)) لا ينتظر أن يأتيه الموت، وهو في قعر داره. وإنّما يتقدّم ليكسب الموت، أو يكسب الفتح، فما هو إلاّ إحدى الحسنيين. لقد كان أئمّتنا ينتظرون الفرج، ويوصون أصحابهم بالانتظار. وكما ننتظر اليوم قائم آل محمّد، لقد كانوا مثلنا ينتظرون. لكن هل تركوا العمل والتضحية، والنشاط الدائب من أجل الحق.

هل وقفوا أسارى الصدف؟ إنّ انتظارهم لم يكن يعني إلاّ الاستعداد الدائم والعمل المتواصل، في السرّ أو في العلن، والتمهيد للنتيجة المطلوبة. هذا هو الانتظار في مفهوم مدرسة أهل البيت عليهم السلام. بث الدعوة، وتوجيه الناس. تحصين قواعد الشيعة، وتوسيع دائرتها. ألم يبارك الأئمّة ثورات العلويين. ثورة زيد، والنفس الزكية، وحركات الحسنيين المتصلة. لقد مدّوا لها جميعاً يد العون في السر، بينما كانوا يحافظون على الخطوط الخلفية، ويحصنون قواعد الشيعة في ذات الوقت. ألم تكن أموالٌ طائلة تصب في دورهم ليلاً، وتجمع لهم سرّاً؟ أين كانت تصرف؟ وما معنى هذا العمل؟ لو عرف الأئمّة من الانتظار معنى الجمود فلماذا طاردهم العدو، واضطهدهم ورماهم في غياهب السجون؟!

فالانتظار عمل وليس سكوناً. ومن هنا كان " أحب الأعمال إلى الله انتظار الفرج " كما عبّر الإمام فإذا كنا مدعوّين إلى الانتظار، فإنما نحن مدعوون إلى العمل إلى الانتظار المتحرّك الحي، لا إلى الانتظار الجامد الميت. في الحديث عن علي بن الحسين عليه السلام: يا أبا خالد: إنّ أهل زمان غيبته القائلون بإمامته المنتظرون لظهوره أفضل أهل كل زمان... أولئك المخلصون حقاً، وشيعتنا صدقاً والدعاة إلى دين الله سرّاً وجهراً". إنّ مثلنا في عصر الغيبة مثل الطليعة التي تنتظر كتائب الجيش. بعد أن تكون قد مسحت لها الأرض، وكشفت لها الساحة.

4. اهمية الانتظار:

تؤكد الأحاديث الشريفة وباهتمام بالغ على عظمة آثار انتظار الفرج; ; . فبعضها تصفه بأنه أفضل عبادة المؤمن كما هو المروي عن الإمام علي عليه السلام:((أفضل عبادة المؤمن انتظار فرج الله))، وعبادة المؤمن أفضل بلا شك من عبادة مطلق المسلم، فيكون الانتظار أفضل العبادات إذا كان القيام به بنية التعبد لله وليس رغبة في شيء من الدنيا; ويكون بذلك من أفضل وسائل التقرب الى الله تبارك وتعالى كما يشير الى ذلك الإمام الصادق عليه السلام في خصوص انتظار الفرج المهدوي حيث يقول:(طوبى لشيعة قائمنا، المنتظرين لظهوره في غيبته والمطيعين له في ظهوره، أولئك أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون). ولذلك فإن انتظار الفرج هو(أعظم الفرج) كما يقول الإمام السجاد عليه السلام، فهو يدخل المنتظر في زمرةِ أولياء الله.

وتعتبر الأحاديث الشريفة أنّ صدق انتظار المؤمن لظهور إمام زمانه الغائب يعزز إخلاصه ونقاء إيمانه من الشك، يقول الإمام الجواد عليه السلام:(...له غيبة يكثر أيامها ويطول أمدها فينتظر خروجه المخلصون وينكره المرتابون..) وحيث إن الانتظار يعزز الإيمان والإخلاص لله عز وجل والثقة بحكمته ورعايته لعباده، فهو علامة حسن الظن بالله، لذا فلاغرابة أن تصفه الأحاديث الشريفة بأنه:(أحب الأعمال الى الله)، وبالتالي فهو (أفضل أعمال أمتي) كما يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

الانتظار يرسخ تعلق الإنسان وارتباطه بربه الكريم وإيمانه العملي بأن الله عز وجل غالب على أمره وبأنه القادر على كل شيء والمدبر لأمر خلائقه بحكمته الرحيم بهم، وهذا من الثمار المهمة التي يكمن فيها صلاح الإنسان وطيّه لمعارج الكمال، وهو الهدف من معظم أحكام الشريعة وجميع عباداتها وهو أيضاً شرط قبولها فلا قيمة لها إذا لم تستند الى هذا الايمان التوحيدي الخالص الذي يرسخه الانتظار، وهذا أثر مهم من آثاره الذي تذكره الأحاديث الشريفة نظير قول الإمام الصادق عليه السلام: ألا أخبركم بما لا يقبل الله عز وجل من العبادة عملاً إلاّ به... شهادة أن لا اله إلاّ الله وأن محمداً عبدُه ورسوله والاقرار بما أمر الله والولاية لنا والبراءة من أعدائنا ـ يعني الأئمة خاصة ـ والتسليم لهم، والورع والاجتهاد والطمأنينة والانتظار للقائم عليه السلام.

وتصريح الأحاديث الشريفة بأن التحلي بالانتظار الحقيقي يؤهل المنتظر ـ وبالآثار المترتبة عليه المشار اليها آنفاً ـ للفوز بمقام صحبة الإمام المهدي كما يشير الى ذلك الإمام الصادق في تتمة الحديث المتقدم حيث يقول: مَن سره أن يكون من أصحاب القائم فلينتظر ، وكذلك يجعله يفوز بأجر هذه الصحبة الجهادية وهذا ما يصرح به الصادق عليه السلام حيث يقول: مَن مات منكم على هذا الأمر منتظراً له كان كمن كان في فسطاط القائم عليه السلام، ويفوز أيضاً بأجر الشهيد كما يقول الإمام علي عليه السلام:(الآخذ بأمرنا معنا غداً في حظيرة القدس والمنتظر لأمرنا كالمتشحّط بدمه في سبيل الله)، بل ويفوز بأعلى مراتب الشهداء المجاهدين، يقول الصادق عليه السلام:(مَن مات منكم وهو منتظر لهذا الأمر كمن كان مع القائم في فسطاطه; قال الراوي: ثم مكث هنيئة، ثم قال: لا بل كمن قارع معه بسيفه، ثم قال: لا والله إلاّ كمن استشهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

منهجية البناء الحضاري لجماعة الانتظار

إن التقوى التي حث عليها الأئمة الأطهار عليهم السلام إحدى أهم آليات الانتظار، ففي الكافي بسنده عن أبي الجارود قال : قلت لأبي جعفر يا بن رسول الله هل تعرف مودتي لكم وانقطاعي إليكم وموالاتي أياكم؟ قال فقال: نعم، قال: فقلت: فأني أسألك مسألة تجيبني فيها فإني مكفوف البصر قليل المشي ولا أستطيع زيارتكم كل حين، قال : هات حاجتك، قلت: أخبرني بدينك الذي تدين الله تعالى به أنت وأهل بيتك لأدين الله تعالى به، قال: إن كنت أقصرت الخطبة فقد أعظمت المسألة، والله لأعطينك ديني ودين آبائي الذي ندين الله تعالى به، شهادة أن لا اله إلّا الله، وأنّ محمداً رسول الله والإقرار بما جاء به من عند الله والولاية لولينا والبراءة من أعدائنا، والتسليم لأمرنا ، وانتظار قائمنا والاجتهاد والورع.

على أن أئمة أهل البيت عليهم السلام حددوا تكليف أتباعهم وما يجب أن يعملوه إبان غيبة إمامهم، وما هي حدود مسؤولية كل واحدٍ منهم اتجاه نفسه واتجاه الآخرين، أي تحديد التكافل الاجتماعي الذي من خلاله يتاح للمكلف أن يتكامل وللمجتمع الإسلامي أن يرقى إلى درجة الكمال والبناء.

روى المجلسي بسندٍ صحيح عن جابر قال: دخلنا على أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام ونحن جماعة بعدما قضينا نسكنا فودعناه وقلنا له: أوصنا يا ابن رسول الله، فقال: ليعين قويّكم ضعيفكم، وليعطف غنيكم على فقيركم، ولينصح الرجل أخاه كنصحه لنفسه ، واكتموا أسرارنا، ولا تحملوا الناس على أعناقنا، وانظروا أمرنا وما جاءكم عنا ، فإن وجدتموه في القرآن موافقاً فخذوا به، وإن لم تجدوه موافقاً فردوه، وإن اشتبه الأمر عليكم فقفوا عنده، وردوه إلينا حتى نشرح لكم من ذلك ما شرح لنا ، فإذا كنتم كما أوصيناكم ولم تعدوا إلى غيره فمات منكم ميّت قبل أن يخرج قائمنا كان شهيداً ، ومن أدرك قائمنا فقتل معه كان له أجر شهيدين ، ومن قتل بين يديه عدواً لنا كان له أجر عشرين شهيداً.

والرواية بذلك تحدد المعالم العامة للسلوكية الشيعية إبان الغيبة ووظيفة المكلف عند الانتظار، فقد حدد الإمام عليه السلام سلوكية المكلف على المستوى العملي وعلى المستوى العلمي ـ الفكري كذلك.

الاستقرار النفسي لجماعة الانتظار:

لعل أهم ما يميز أتباع أهل البيت عليهم السلام المتطلعون لانتظار اليوم الموعود هو حالة الاستقرار النفسي الذي يميزهم عن غيرهم.

وهذا الاستقرار ناشئ من حالة الاطمئنان المنبعثة من التطلع إلى مستقبل مشرق ترتسم صورته في ذهنية المنتظِر ـ بالكسرـ من خلال فلسفة الانتظار التي يدين بها إلى الله تعالى، فحالات الإحباط الناشئة من ظروف سياسية تحيط بأتباع أهل البيت عليهم السلام لم تعد ذات أثر على مستقبل وجودهم، بل وحتى على ما يتطلع إليه هؤلاء الأتباع من بناء هيكلتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية كذلك ، وهذا راجع إلى ما تحمله فلسفة الانتظار من آمال تعقدها النفسية الشيعية على قيام دولة المنتظَر ـ بالفتح ـ فعلى المستوى الفردي يشعر الفرد وهو يعيش حالة الانتظار بالأمل الكبير في تحقق أهدافه تحت ظل الدولة المهدوية المباركة.

فالإحباطات النفسية لأسباب متعددة يمكن للفرد أن يتفاداها بما يعقده من آمال على تلك الدولة القادمة التي تبسط العدل والسلام في ربوع هذه الأرض المقهورة، فإذا لم يتحقق هدفه عاجلاً فإنّ مستقبله في الآجل سينجزه ذلك الإمام الموعود، وبذلك فإنّ هذا الفرد سيكون في حالة أمل دائم وترقب متفاءل يصنع من خلاله غده السعيد، وبذلك فإنّ الاستقرار النفسي الذي يعيشه المنتظِر هو إحدى خصوصياته، وهذا الاستقرار سيكون سبباً في الإبداع ومن ثم التكامل الذاتي.

أما على المستوى الجماعي فإنّ جماعة الانتظار تطمح إلى تحقيق برامجها في ضوء الآمال المعقودة على ترقب الدولة المهدوية ، وهذه الجماعة تستشعر معايشة قائدها معها في كل الأحوال، وتقطع أن نجاح ما تصبو إليه يكون مرهوناً بتسديد هذا القائد الإلهي ورضاه، وهو مصداق قوله تعالى:(وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) ، قال الصادق عليه السلام: والمؤمنون هم الأئمة، وهذا ما يناسبه سياق الآية.

ومن غريب ما فسرته بعض المذاهب الإسلامية أن المقصود من قوله تعالى : "و المؤمنون " هم جماعة المؤمنين، وهذا من غريب ما وقع به هؤلاء دفعاً لمحذور الاعتراف بمقامات الأئمة الأطهار عليهم السلام التي يقررها القرآن الكريم وتقتضيه شؤون خلافة الله في أرضه ـ في بحث ليس هنا محل ذكره ـ، على أن الخطاب في الأمة للمؤمنين، فكيف يكون بعد ذلك قول الحكيم حكيماً حينما يكون المخاطب المكلف هو نفس الشاهد على عمله؟! وما إلى غير ذلك من خروقات الرؤية السياسية التي تتدخل في التفسير القرآني والحديث النبوي من أجل "استحصال " حالات التأييد لمواقفها المناهضة لأهل البيت عليهم السلام.

وعلى كل حال فإن نجاح جماعة الانتظار يكمن في تفاؤلها الطموح بقيام دولة الحق والعدل، وهي تسعى دائماً إلى صياغة أعمالها على أساس ذلك، لذا فهي في حيوية دائمة غير مشلولة نتيجة الإحباطات السياسية المحيطة بجماعة الانتظار، فضلاً عن أن هذه الجماعة تحقق نجاحها في خضم تحديات تواجهها دائماً.

وعلى هذا فأي نجاح مهما تكون درجته سيكون له معناه في ظل هذه التحديات وهو مكسب مهم وقضية خطيرة في ظل ذلك.

ومقابل هذا فإن أي تعثر في عمل هذه الجماعات سوف لن يسلمها إلى اليأس والتردد طالما هناك البديل الذي يحققه قيام الدولة المهدوية المباركة.

وعلى هذا الأساس فإن جماعة الانتظار تعيش دائماً طموحاتها الواقعية، متحدية بذلك الصعاب والإحباطات التي تواجهها في ظل ظروف تتكالب على هذه الجماعة سعياً لإنهائها وتصفيتها.

هذه الحالة من التفاؤل التي تعيشها جماعة الانتظار تبعث على الأمل في تحقيق برامجها وبناء حضارتها والسعي من أجل التكامل في كل الميادين.

من هنا علمنا دواعي العمل الدائم الحثيث لجماعة الانتظار، وأسباب نجاحها على كل الأصعدة بالرغم من كل ماعانته وتعانيه من ظروف قاهرة يصعب معها الإبداع، فضلاً عن البقاء، لولا ذلك الأمل الذي يحدو جماعة الانتظار.

وعلمنا في الوقت نفسه إمكانية تأسيس حضارة تعيش طموحاتها هذه الجماعة في ظل فلسفة الانتظار.

إلى جانب ذلك، يعيش الفرد البعيد عن حالة الانتظار حالات التوجس من الفشل وهاجس الخوف على مستقبله المجهول ، فأية قضية يواجهها هذا الفرد تودي بكل طموحاته وتشل قدراته، فهو يحاول أن يحقق مكسبه عاجلاً لغياب حوافز البديل فيما لو أخفق على صعيد عمله، فإن خسارته هذه ستكون فادحة فيما إذا هو أحس بعدم تعويضها بالبديل.

والانتظار حالة أملٍ وطيد يعيشه المنتظِر ـ بالكسرـ فإذا غابت عن الإنسان هذه الرؤية فلابد أن تحيط ذاته هواجس الخوف، وبذلك سيكون مهزوماً دائماً، غير جدير بإمكانية مواجهة الصعاب والمحن التي تعصف به في كل حين من خلال ظروف عالميةِ متقلبة وإقليمية غير مستقرة، وبذلك فلم يكن مثل هذا الفرد جديراً في بناء حضارة أو السعي لتكامل ذاته وبناء شخصيته.

خصوصية العزة والكرامة ورفض الذل والهوان:

إذا كانت جماعة الانتظار ترتبط بقيادتها المعصومة التي ستحقق لها آمالها ببسط العدل والسلام بقيام دولتها الموعودة، فإن لهذا الشعور الدائم آثاره في سلوكية هذه الجماعة، فهي تستشعر الأمل بتحقيق طموحاتها، وعندها فلا داعي للركون إلى الغير أو الشعور بحاجة الغير فهي في غنىً دائم عن الأخرين، لأنها ترتبط بقيادة تسحق بظهورها كل ظلم وطغيان.

وهذه الدواعي لدى جماعة الانتظار تدفعها إلى الإحساس بالنجاح والظفر على مدى مستقبل أطروحة الانتظار التي تحقق معها قيام دولة الحق، وهذه الدواعي تعزز لدى الأفراد منهم العزة والكرامة ورفض الذل والهوان بالركون إلى الأخرين. إذن فالانتظار يدعو إلى الأمل الدائم وتحقيق النصر والنجاح على كل المستويات. وهذا هو سبب استقلالية جماعة الانتظار وعدم لجوئها إلى غيرها، حيث تقررت شخصيتها من خلال ممارسة أسلوب الاعتماد على النفس من دون الخضوع إلى أطروحات الأخرين علمياً أو عملياً.

المستقبل الذي ينبغي أن تعقد عليه الآمال، والذي شاءت الإرادة الإلهية أن يسير نظام العالم تجاه، هو هذا الذي ذكرناه.

والآن ينبغي أن نعود إلى موضوع انتظار الفرج الذي قسمناه في بداية هذا الحديث إلى قسمين:

انتظار بناء حركي ملتزم عبادي، بل من أفضل العبادات، وانتظار مخرب معوق يبعث على الخمود والخمول والكسل والتقاعس، ويعتبر نوعا من "الإباحية".

ذكرنا أن هذين اللونين من الانتظار ينطلقان من نوعين من التصور حول الحدث التاريخي العظيم المتمثل بظهور المهدي الموعود.

وهذان التصوران ينتجان بدورهما من نوعين من التصور بشأن تطور التاريخ.

نشرح فيما يلي هذين النوعين من الانتظار نبدأ بالانتظار المخرب:

الانتظار المخرب

بعض المؤمنين بظهور المهدي يتصورون أن نهضة هذا المنجي ذات طابع انفجاري محض، وناتجة فقط عن انتشار الظلم والجوع والفساد والطغيان، أي أن مسألة الظهور نوع من الإصلاح ناتج عن تصاعد الفساد.

هؤلاء يتصورون أن مسيرة البشرية تتجه إلى انعدام العدل والقسط، وإلى زوال أنصار الحق والحقيقة، وإلى استفحال الباطل.

وحينما يصل هذا الانحدار إلى نقطة الصفر يحدث الانفجار المرتقب، وتمتد يد الغيب لإنقاذ الحقيقة - لا أنصار الحقيقة - إذ لن يبقى للحقيقة أنصار آنذاك.

هذا التصور يُدين كل إصلاح، لأن الإصلاح، يشكل نقطة مضيئة على ساحة المجتمع العالمي، ويؤخر الإمداد الغيبي كما يعتبر هذا التصور كل ذنب وتمييز وإجحاف مباحا لأن مثل هذه الظواهر تمهد للإصلاح العام وتقرب موعد الانفجار.

هذا التصور يميل إلى مذهب الذرائع الذي يذهب إلى أن الغاية تبرر الوسيلة

فإشاعة الفساد - بناءاً على هذا التصور - أفضل عامل على تسريع ظهور المهدي وأحسن شكل لانتظار فرج ظهوره.

أصحاب هذا التصور ينظرون إلى الذنوب نظرة تفاؤل واستبشار ويعتبرونها عاملا مساعدا على انطلاق الثورة المقدسة الشاملة.

هؤلاء ينظرون إلى المصلحين والمجاهدين والأمرين بالمعروف والناهين عن المنكر بعين الحقد والعداء.. لأنهم يعملون على تأخير ظهور المهدي.

أصحاب هذا التصور - إن لم يكونوا هم من زمرة العاصين - ينظرون إلى أصحاب المعاصي بعين الارتياح والرضى لأنهم يمهدون لظهور القائم المنتظر.

الانتظار البنّاء:

الآيات الكريمة التي تشكل أرضية التفكير حول ظهور المهدي المنتظر تتجه إلى جهة معاكسة للنظرة السابقة.

هذه الآيات تشير إلى أن ظهور المهدي حلقة من حلقات النضال بين أهل الحق وأهل الباطل، وأن هذا النضال سيسفر عن انتصار قوي الحق. وتتوقف مساهمة الفرد في تحقيق هذا الانتصار على انتمائه العملي إلى فريق أهل الحق.

هذه الآيات التي تستند إليها الروايات في مسألة ظهور المهدي تشير إلى أن المهدي تجسيد لآمال المؤمنين العاملين، ومظهر لحتمية انتصار فريق المؤمنين.

((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ)(النور55)

ظهور المهدي الموعود تحقيق لمنة الله على المستضعفين ووسيلة لاستخلافهم في الأرض ووراثتهم لها.

((وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ))(القصص5-6)

ظهور المهدي الموعود تحقيق لما وعد الله به المؤمنين والصالحين والمتقين في الكتب السماوية المقدسة:

(وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ)(الأنبياء105)

ثمة حديث معروف في هذا المجال يذكر أن المهدي "يملأ به الأرض قسطا وعدلا بعدما ملئت ظلما وجورا ".

هذا الحديث شاهد على ما ذهبنا إليه ي مسألة الظهور لا على ادعاء أرباب الانتظار المخرب.

هذا الحديث يركز على مسألة الظلم ويشير إلى وجود فئة ظالمة وفئة مظلومة وإلى أن المهدي يظهر لنصرة الفئة المظلومة التي تستحق الحماية.

ولو كان الحديث يقول أن المهدي "يملأ الله به الأرض وإيماناً وتوحيداً وصلاحاً بعدما ملئت كفراً وشركاً وفساداً" لكان معنى ذلك أن نهضة المهدي الموعود تستهدف إنقاذ الحق المسحوق لا إنقاذ أنصار الحق، وأن كان هؤلاء الأنصار أقلية.

يروي الشيخ الصدوق عن الإمام الصادق عليه السلام:

إن ظهور المهدي لا يتحقق حتى يشقي من شقي ويسعد من سعد".

الحديث عن الظهور يدور حول بلوغ كل شقي وكل سعيد مداه في العمل، ولا يدور حول بلوغ الأشقياء فقط منتهى درجتهم في الشقاوة.

وتتحدث الروايات الإسلامية عن نخبة من المؤمنين يلتحقون بالإمام فور ظهوره.

ومن الطبيعي أن هذه النخبة لا تظهر معلقة في الهواء بل لا بدّ من وجود أرضية صالحة تربي هذه النخبة على الرغم من انتشار الظلم والفساد. وهذا يعني أن الظهور لا يقترن بزوال الحق والحقيقة، بل أهل الحق- حتى ولو قلوا فرضاً - يتمتّعون بكيفية عالية تجعلهم في مصافي المؤمنين الأخيار، وفي مرتبة أنصار الحسين بن علي عليه السلام.

الروايات الإسلامية أيضا عن سلسلة من النهضات يقوم بها أنصار الحق قبل ظهور المهدي، منها نهضة اليماني. مثل هذه النهضات لا يكن أن تبتدئ بساكن، ولا تظهر دون أرضية مسبقة.

بعض الروايات تتحدث عن قيام دولة أهل الحق التي تستمر حتى ظهور المهدي.. حتى أن بعض العلماء أحسنوا الظن بدولة بعض السلالات الحاكمة، فظنوها أنها الدولة التي ستحكم حتى ظهور المهدي.

هذا الظن - وان كان ينطلق من سذاجة في فهم الوقائع السياسية والاجتماعية - يدل على استنباط هؤلاء العلماء من الروايات والأخبار المتعلقة بظهور المهدي ما يشير إلى أن الظهور لا يقترن بفناء الجناح العدل والتقوى والصلاح على جناح الظلم والتحلل والفساد.

الآيات والروايات المرتبطة بظهور المهدي المنتظر تدلّ على أن ظهوره يشل آخر حلقات الصراع الطويل بني أنصار الحق وأنصار الباطل منذ بدء الخليقة.

"المهدي المنتظر تجسيد لأهداف الأنبياء والصالحين والمجاهدين على طريق الحق".

الانتظار ثبات على الولاية

إن من العقائد الثابتة لدينا أن الأرض لا تخلو من حجة إلى يوم القيامة، ولكن الظروف التي ألمّت بالشيعة في عصور الأئمة عليهم السلام اقتضت أن يكون الإمام الثاني عشر غائباً عن أنظارنا إلى أن يحين الفرج بإذن الله تعالى..

ورغم غيابه عجل الله تعالى فرجه الشريف إلا إن ارتباطنا لا ينبغي أن ينقطع أو يتجمّد كما هي ادعاءات البعض.. لأنه عجل الله تعالى فرجه الشريف ليس غائباً عن معادلات التأثير المرتبطة بواقعنا والمرتبطة(بالكون).

فقد سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم هل ينتفع الشيعة بالقائم عليه السلام في غيبته؟ فقال: إي والذي بعثني بالنبوة إنهم لينتفعون به، ويستضيئون بنور ولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس وإن جللّها السحاب ، فكما أن الشمس تواصل عطاءها ودورها حتى حينما تتوارى خلف السحب، كذلك الإمام المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف يواصل عطاءه ويبقى نوره متوهجاً..في غيبته.. وأول ما ننتفع به هو تماسك الكون وتأثيره الكوني فيه ففي الحديث:(لو لا الحجة لساخت الأرض بأهلها)، وكما قال الإمام المنتظر نفسه عجل الله تعالى فرجه الشريف:(وإني لأمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء).

كما أن له عجل الله تعالى فرجه الشريف ارتباط وثيق بمدى تمسك المؤمنين بإيمانهم، حيث لابد أن يمهد لخروجه بالعمل الجاد الدءوب... ومن ارتباطنا بالإمام الغائب في التوسّل إلى الله وطلب الشفاعة منه، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(الشفعاء خمسة: القرآن، والرحم، والأمانة، ونبيكم، وأهل بيت نبيكم).

وانتظارنا لخروجه ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملأت ظلماً وجوراً ونحن متمسكين بمبادئه ونعمل على التمهيد إلى ظهوره بإيمان وصبر لهو أفضل العبادة.. كما في الحديث عن رسول الله: صلى الله عليه وآله وسلم:(أفضل أعمال أمتي انتظار فرج الله عزوجل). وقول الصادق عليه السلام:(المنتظر للثاني عشر كالشاهر سيفه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يذبّ عنه.

البعد العقيدي للانتظار:

لقد كثرت الروايات حول قيمة انتظار القائم من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، إذ عبرت أنه من أفضل الأعمال في عصر غيبته عليه السلام، كما عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم:(إن أحب الأعمال إلى الله عز وجل انتظار الفرج)، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم:(أفضل أعمال شيعتنا انتظار الفرج)، وعن أبي الحسن الرضا عن آبائه: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:(أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج من الله عزّ و جلّ)، بل قد جاء عن أمير المؤمنين عليه السلام انه قال:(المنتظر لأمرنا كالمتشحّط بدمه في سبيل الله).

إن كثرة الروايات عن الانتظار وهي مهمة الشيعة في عصر الغيبة، أو هي مهمة من المهام، تجعلنا نؤكّد على دراسة مفهوم الانتظار لنستجلي معانيه ودلالاته، وأكثر ما وجدتُ من معالجات العلماء الأعلام الذين كتبوا حول الانتظار ركّزوا على البعد العملي والدلالة الإيجابية لمفهوم الانتظار، وهي الملخصة في فكرة الإعداد والاستعداد لظهور الإمام عجل الله فرجه، حيث أن المنتظر للضيف سيكون عمله الاستعداد والتهيئة لذلك الضيف، فإذا كان الضيف هو الإمام المعصوم عليه السلام، فإن الانتظار يكون الإعداد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والعمل إلى إقامة حكم الله في الأرض، وتكوين مجتمع له الإمكان والاستعداد لحمل الراية عند ظهوره عجل الله تعالى فرجه الشريف.

ولاشك أن هذا المعنى لهو ما ينبغي على المؤمنين تأديته، وهو مأخوذ كما هو واضح، ليس من المعنى اللغوي لكلمة الانتظار إنما من القرينة المقامية لانتظار الإمام المعصوم عليه السلام ويكون المعنى اللغوي مساعداً عليه فـ(كلمة الانتظار قد أُشتقت من(نظر) كما قال صاحب المفردات:(نظر:‏ النظر تقليب البصر والبصيرة لإدراك الشيء ورؤيته وقد يراد به التأمل والفحص وقد يراد به المعرفة الحاصلة بعد الفحص.....والنظر الانتظار يقال نظرته وانتظرته وأنظرته).ونود أن نشير إلى بعد إضافي آخر لمفهوم الانتظار من الناحية العقيدية، ليعطي سعة لما ورد، وهو معنى لا يقل أهمية عن الأول إن لم يكن أكثر أهمية، لأنه يرتبط بالأساس العقيدي الذي تدور مدارات قبول الأعمال وعدمها بمقدار سلامته.

المعنى الذي نستخلصه للانتظار هو(البقاء على الإيمان بالعقيدة بالمهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف في عصر الغيبة) طوال حياة الإنسان، ورغم التشكيكات الضاغطة التي تتقاذف من أفواه بعض المشككين، ولا يخفى ما للبقاء على الإيمان بالمهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف من أهمية تتصل ببعد الإمامة التي تختتم به عليه السلام، إذ عدم الإيمان به يعد خرقاً لعقيدة الإمامة التي تؤمن بإثني عشر إماماً بعد الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، كما نصّت بذلك النصوص الصحيحة.

ونحدد الوجوه التي تدل على هذا المعنى بالآتي:

1_ الانتظار.. اعتقاد

كما أن من ينتظر شخصاً، يقوم بالإعداد لقدومه، فإن من ينتظر شخصاً فإنه يعترف به، إذ قد ورد في الانتظار أن الذي سيظهر إمام من نسل الأئمة عليه السلام، وهو بُعد العقيدة عند الإنسان المنتظِر، فمن ينتظر عالماً فذلك اعتراف بعلميته، ومن ينتظر ظالماً فإنه يعتقد بظلمه، وهكذا من ينتظر إماماً من المؤكد أنه يعترف بإمامته.

ومن يقول في دعائه(عزيزٌ عليّ أن أرى الخلقَ ولا تُرى، ولا أسمع لك حسيساً ولا نجوى، عزيزٌ عليّ أن تحيطَ بك دوني البلوى ولا ينالك مني ضجيج ولا شكوى، بنفسي أنت من مغيّب لم يخل منّا، بنفسي أنت من نازحٍ ما نزحَ عنّا، بنفسي أنت أمنية شائق يتمنّى، من مؤمن ومؤمنة ذكراً فحناً) ، وهو دعاء في انتظار الفرج والشوق إليه، فمن يردّد هذا الدعاء فهو بلا أدنى شك من المؤمنين بالقائم من باب أولى.

2_ المنتظرون هم الشيعة صدقاً:

الأمر الذي يؤازر هذا المعنى بشكل قوي هو اقتران امتحان عقيدة المسلم في عصر الغيبة، بمسألة الانتظار، مما يدل على أن الانتظار يشكل بعد التمسك بتلك العقيدة المهدوية وأمان من الانحراف عنها إلى غيرها، وأن المنتظرين هم الثابتون على ولاية أهل البيت عليه السلام وهم الشيعة صدقاً لا بالاسم بل بالاعتقاد(الانتظار)، كما في هذا الحديث العالي الشأن:(عن أبي حمزة الثمالي عن أبي خالد الكابلي عن على بن الحسين عليه السلام قال تمتد الغيبة بولي الله الثاني عشر من أوصياء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم و الأئمة بعده يا أبا خالد إنَّ أهل زمان غيبته القائلون بإمامته المنتظِرون لظهوره أفضل أهل كل زمان لان الله تعالى ذكره أعطاهم من العقول و الإفهام و المعرفة ما صارت به الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة وجعلهم في ذلك الزمان بمنزله المجاهدين بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم و سلَّم بالسيف أولئك المخلصون حقا و شيعتنا صدقا و الدعاة إلى دين الله سرا و جهرا و قال:(انتظار الفرج من أعظم الفرج).

ففي هذا الحديث يصف المنتظرون بأنهم أوتوا من العقول و الأفهام والمعرفة ما يجعل عقيدتهم بالإمام المنتظر قوية، فكأنهم في عصر الغيبة في مشاهدة له عجل الله فرجه، وهذا هو المعنى الذي يظهر من مفهوم الانتظار.

3_ الثابتون في عصر الغيبة:

لقد ورد في الروايات عن أهل البيت عليه السلام أن الثبات على الولاية له أجر عظيم، كما في الحديث عن علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام:(من ثبت على موالاتنا في غيبة قائمنا أعطاه الله أجر ألف شهيد مثل شهداء بدر وأحد).

وعن يمان التمّار قال:( كنّا عند أبي عبد الله عليه السلام جلوساً فقال لنا: إن لصاحب هذا الأمر غيبة، المتمسك فيها بدينة كالخارط للقتاد ثم قال: هكذا بيده، فأيّكم يمسك شوك القتاد بيده ؟ ثم أطرق مليّاً، ثم قال: إن لصاحب هذا الأمر غيبة، فليتق الله عبد وليتمسك بدينه).

4_ الانتظار بالصبر:

أن بعض الروايات جاء فيها الانتظار مقروناً بالصبر، والصبر يدل على الثبات وعدم الانحراف عن العقيدة، كما عن الإمام الرضا عليه السلام انه قال:(إن دينهم الورع والعفة والاجتهاد.. والصلاح وانتظار الفرج بالصبر)، فالصبر أداة ووسيلة للانتظار.

فمفهوم الانتظار الذي ينبغي أن يتمثله الإنسان المسلم، إضافة إلى ما يعنيه من العمل على التهيئة والإعداد للإمام المنتظرعجل الله تعالى فرجه الشريف في الإصلاح والتغيير، كذلك هو الثبات على الولاية والتمسّك بالعقيدة المهدوية في زمن التشكيكات والمشككين، فإن انتظار المهدي ثبات على الولاية، والثبات على الولاية ثبات على الدين وهو أفضل أعمال الإنسان في زمن الغيبة.