شبكة الإمامين الحسنين عليهما السلام للتراث و الفکر الإسلامي

 

منزلة الإمام المهدي عليه السلام عند آبائه المعصومين عليهم السلام

الأستاذ: حسن عبد الأمير الظالمي ـ باحث ومحرر في مجلة الانتظار

إن الدور الذي أنيط بالإمام القائم هو إقامة العدالة التامة، وهي التي لا تخص رقعة أرضية معينة بل هي عدالة على الأرض كافة، والقرآن يصرح بذلك ((لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ)) أي سيأتي حتماً يوم من الأيام يطبق فيه الدين الإسلامي على الأرض كلها ولابد أن يأتي هذا اليوم، وهو دور خطير جداً، ولم يقم به أحد من الأنبياء والمرسلين، والدور الذي أنيط بالإمام المهدي لم ينط بأي نبي أو رسول، وهو دور عظيم جداً لم يقم به بشر إلى الآن.

وقد أكد هذا الدور الإمام الصادق عليه السلام حيث قال: إنه يقوم بأمر عظيم.(1)

هذه المهمة الضخمة التي أسندت للإمام المهدي عليه السلام لابد وأن تكون معها شخصية مؤهلة بكامل مؤهلات القيادة، ومتمتعة بصفات القائد الفذ الذي ينفذ وعد الله الذي قطعه ووكّده، ولابد أن تكون له المنزلة العظيمة والمكانة العالية بين بني البشر، والتي تحدث عنها أجداده وآباؤه عليهم السلام.

هذه الصفات التي تؤهله لنيل هذا المنصب الرفيع واسناد هذه المهمة إليه، وإناطة المسؤولية العظمى بشخصه تحدث عنها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته الأطهار ووردت في أحاديثهم وأقوالهم وهي تؤكد قوة هذه الشخصية وعظيم خطرها وعلو همتها، وسمو مكانتها عندهم عليهم السلام لم يَدَعوا شيئاً يتعلق به إلاّ وذكروه بأجمل العبارات وأصدق الأقوال وأتم المعاني، ونحن نستشف من أحاديثهم الشريفة تلك المكانة السامية له عليه السلام بينهم عليهم السلام وحسب مدلولات الأبواب الآتية:

أولاً: التأكيد على نسبه وانتمائه لأهل البيت عليهم السلام

كثيرة هي الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته الطاهرين عليهم السلام تعرّف شخصية الإمام، وتؤكد نسبه الوضاء، وارتباطه بأهل البيت عليهم السلام، وهو شرف ما دونه شرف ونسب في القمة العالية من انساب بني البشر.

ونلحظ هذا التوكيد بشكل واضح في أحاديث الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم حيث يرد هذا المعنى بصيغ مختلفة:

فالنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم يقول عن الجليل في حديث قدسي: (... وبالمهدي منكم، أعمُر به أرضي)،(2) وعن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لبعث الله رجلاً من ولدي اسمه اسمي)،(3) وعن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: المهدي من ولدي، اسمه اسمي وكنيته كنيتي،(4) ويقول صلى الله عليه وآله وسلم لفاطمة عليها السلام: (ومنا المهدي وهو من ولدك)،(5) وعن أم سلمة (رضي الله عنها) قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (المهدي من عترتي من ولد فاطمة)،(6) ويقول صلى الله عليه وآله وسلم: لعلي عليه السلام: (يا علي إن قائمنا إذا خرج يجتمع إليه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً عدة رجال بدر).(7)

هذه الأحاديث وغيرها تورد تأكيداً واضحاً من النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن الإمام المهدي عليه السلام من عترة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ومن صلب علي وفاطمة، ومن أولاد الحسين عليه السلام، وهو بلا شك تعظيم لشخصه وتوكيد لانتمائه لهذه الشجرة المباركة.

وتعضد هذه الأحاديث روايات وردت عن أهل البيت عليهم السلام تؤكد هذا النسب وهذه الأرومة المباركة، فعن علي عليه السلام قال: (المهدي رجل من ولد فاطمة)،(8) ويقول لولده الحسين عليه السلام: (التاسع من ولدك يا حسين هو القائم بالحق).(9)

وعن الإمام الحسن بن علي عليه السلام يقول: (أما علمتم أنه ما منا إلا ويقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه إلا القائم الذي يصلي روح الله عيسى بن مريم خلفه، فإذا خرج ذلك التاسع من ولد أخي الحسين عليه السلام ابن سيدة النساء يطيل الله عمره في غيبته).(10)

وقال امامنا الحسين بن علي عليهما السلام: (منا اثنا عشر مهدياً أولهم أمير المؤمنين وآخرهم التاسع من ولدي وهو الإمام القائم بالحق).(11)

وقال الإمام علي بن الحسين عليهما السلام: (من ثبت على موالاتنا في غيبة قائمنا أعطاه الله أجر ألف شهيد مثل شهداء بدر وأُحُد).(12)

وعن الباقر عليه السلام: (إذا قام مهدينا ـ أهل البيت ـ قسّم بالسوية).(13)

وعن الصادق عليه السلام: (من دعا الله أربعين صباحاً بهذا الدعاء ـ دعاء العهد ـ كان من أنصار قائمنا).(14)

وقال الكاظم عليه السلام: (القائم الذي يطهر الأرض من أعداء الله هو الخامس من ولدي).(15)

وعن الرضا عليه السلام: وقد قيل له: يابن رسول الله، ومن القائم منكم؟ قال: (الرابع من ولدي ابن سيدة الإماء).(16)

وعن الجواد عليه السلام قال: (ان من بعد الحسن ابنه القائم بالحق المنتظر).(17)

وعن العسكري عليه السلام، حينما أُتي له بولده القائم قال: (ابشر يا بني، فأنت صاحب الزمان، وأنت ولدي، وأنت حجة الله في أرضه، وأنت خاتم الأئمة الطاهرين عليهم السلام).(18)

هذه التأكيدات على نسبه الشريف، لا تترك مجالاً لأحد بالادعاء انه هو المهدي المنتظر الذي يخرج في آخر الزمان، وإن تطابق أسماء بعض أدعياء المهدوية مع اسمه الشريف، وهذا ما تريد الأحاديث إثباته لنفي كل الأباطيل التي تتخذ من الاسم ذريعة لادعاء المهدوية، وفي الوقت نفسه تثبت انتماءه وارتباط نسبه بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته، بما يتمتع به هذا النسب من الرفعة والمكانة والشرف الرفيع.

ثانياً: تعظيمه بحمله اسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكنيته وصفاته:

الإمام المهدي عليه السلام هو من يحمل اسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكنيته وصفاته، وهو الوحيد المسموح له بهذه التسمية والكنية، وقد أكد النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك وأشارت أحاديثه أنه (قال صلى الله عليه وآله وسلم لعمار، وكان معه في بعض غزواته: أشبه الناس بي يا عمار(19)وهو يشير إلى صفة ولده المهدي عليه السلام، وعن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ... لبعث الله رجلاً من ولدي اسمه اسمي وخلقه خلقي،(20) ويؤكد ذلك بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: المهدي من ولدي اسمه اسمي وكنيته كنيتي أشبه الناس بي خَلقاً وخُلقاً.(21)

ثم يعدد صلى الله عليه وآله وسلم صفات ولده الأخرى في حديث له فيقول: المهدي من ولدي، اسمه كاسمي وكنيته ككنيتي، لقبه المهدي، وهو الحجة وهو المنتظر وهو صاحب الزمان.(22) ويصفه بأنه كالكوكب الدري(23) وطاووس أهل الجنة(24) وهو شفيعكم يوم القيامة.(25)

وإذا أخذنا بالحديث الذي أوردته كتب أهل السنة نجد أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ينزله بالمنزلة العالية في الجنة حيث يقول (عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: نحن بنو عبد المطلب سادات أهل الجنة: أنا وأخي وعمي الحمزة وجعفر والحسن والحسين والمهدي).(26)

أما آباؤه وأجداده الأئمة المعصومون عليهم السلام فينعتونه بنعوت تدل على سمو مكانته وعلو شأنه، يقول أمير المؤمنين عليه السلام وهو يصفه: بقية من بقايا حجته، وخليفة من خلائف أنبيائه(27) ويقول عنه أيضاً: أوسعكم كهفاً، وأكثركم علماً وأوصلكم رحماً،(28) ثم يطنب عليه السلام في وصفه، ويخصص خطبة من خطبه في بيان صفاته والاشادة بمكانته فيقول عليه السلام: من بني هاشم، من ذروة طود العرب، وبحر مغيضها إذا وردت، ومجفو أهلها إذا أتت، ومعدن صفوتها إذا اكتدرت، لا يجبن إذا المنايا هلعت، ولا يخور إذا المؤمنون اكتنفت، ولا ينكل إذا الكماة اصطرعت، مشمر مغلولب، ظفر ضرغامة، حصد مخدش، ذكر، سيف من سيوف الله، رأس قثم، نشق رأسه في باذخ السؤدد، وغارز مجده في أكرم محتد.(29)

ويؤكد شبهه برسول الله والده العسكري عليه السلام بقوله: الحمد لله الذي لم يخرجني من الدنيا حتى أراني الخلف من بعدي أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خلقاً وخُلقاً يحفظه الله في غيبته.(30)

وقد جاءت أكثر هذه الأوصاف في زيارة آل ياسين الواردة عن الإمام المهدي عليه السلام نفسه التي أوردها الشيخ الجليل أحمد بن علي بن أبي طالب الطبري في الاحتجاج عن الناحية المقدسة، في التوقيع الصادر إلى محمد الحميري بعد الجواب عن المسائل التي سألها: قال عليه السلام: إذا اردتم التوجه بنا إلى الله تعالى وإلينا فقولوا كما قال الله تعالى: (السلام على آل ياسين، السلام عليك يا داعي الله ورباني آياته، السلام عليك يا باب الله وديان دينه، السلام عليك يا خليفة الله وناصر حقه، السلام عليك يا حجة الله ودليل ارادته...(31)

كما ان الإمام الرضا عليه السلام يشهد له بهذه الصفات العظيمة فيقول: (اللهم إنا نشهد له يوم القيامة إنه لم يذنب ذنباً ولا أتى حوباً، ولم يرتكب معصية، ولم يضيّع لك طاعة، ولم يهتك لك حرمة، ولم يبدل لك فريضة، ولم يغير لك شريعة، وانه الهادي المهدي، المهتدي الطاهر التقي النقي الرضي الزكي).(32)

ونختم هذه الفقرة بإيراد ما أورده صاحب فرائد السمطين ح2 باب 35 عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ذكر ولده المهدي حيث يقول: إن الله ركب في صلب (الملقب بالخالص) الحسن بن علي النقي نطفة مباركة زكية طيبة طاهرة مطهرة، يرضى بها كل مؤمن أخذ الله ميثاقه في الولاية ويكفر بها كل جاحد، وهو إمام تقي نقي سار مرضي، هادي مهدي، يحكم بالعدل، ويأمر به، يصدق الله عز وجل ويصدق الله في قوله.

ثالثاً: الأمر بطاعته واتباعه

يأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته المسلمين بالإيمان بالإمام المهدي والاعتقاد بغيبته وخروجه، ويأمرونهم بانتظاره وترقب دولته عند قيامه، وعدم التشكيك بحقيقة وجوده حيث يوصلهم هذا الإنكار إلى الكفر، وقد وردت أحاديث مستفيضة بهذا الخصوص تأمر بهذا الاعتقاد وهذه الإطاعة وتلزم المؤمنين بمناصرته عند ظهوره، ولم يسبق أن قرأنا أحاديث بهذه الكثرة تأمر باطاعة أحدٍ من آبائه وأجداده، وهذا دليل على عظيم خطره وأهمية المهمة الملقاة على عاتقه والتي ينهض بها في نشر شريعة السماء على ربوع المعمورة.

فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من أنكر خروج المهدي فقد كفر بما أنزل الله على محمد،(33) وعن الباقر عليه السلام قال: إذا قام مهدينا ـ أهل البيت ـ قسّم بالسوية وعدل بالرعية فمن أطاعه فقد أطاع الله ومن عصاه فقد عصى الله.(34)

وهذا الحديث والحديث الذي سبقه إنما يدلان على عظيم المهمة التي ينهض بها فليس التشكيك به إلا الكفر والضلال، وليس الطاعة له إلا طاعة لله سبحانه.

كما قال الباقر عليه السلام: من المحتوم قيام قائمنا، فمن شك فيما أقول لقي الله عز وجل وهو كافر به ـ أي بالله ـ وجاحد.(35)

وقد دعا الإمام الرضا عليه السلام بدعائه المعروف ليؤكد هذه الحقيقة من الطاعة للإمام والمسارعة لنصرته. قال عليه السلام: اللهم أسلك بنا على يديه منهاج الهدى، والحجة العظمى، والطريقة الوسطى، التي يرجع إليها الغالي ويلحق بها التالي وقوّنا على طاعته وثبتنا على مشايعته وأمنن علينا بمتابعته.(36)

وفي أقوال أبي محمد العسكري عليه السلام قوة واضحة على كفر من أنكر ولده، يقول: كأني بكم وقد اختلفتم في الخلف مني، ألا أن المقر بالأئمة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المنكر لولدي كمن أقر بجميع الأنبياء والرسل ثم أنكر نبوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأن طاعة آخرنا كطاعة أولنا.(37)

كما أمر باطاعة ولده المهدي عليه السلام، قال بعض أصحابه: عرض علينا أبو محمد الحسن بن علي عليه السلام ابنه ونحن في منزله وكنا أربعين رجلاً فقال: هذا إمامكم من بعدي وخليفتي عليكم فأطيعوه ولا تتفرقوا من بعدي في أديانكم فتهلكوا.(38)

كما أراد عليه السلام ترسيخ الاعتقاد بولده المهدي ونفي التشكيك بحقيقته فقال: وقد سئل عن الحجة من بعده: ابني محمد هو الإمام وهو الحجة من بعدي، من مات ولم يعرفه مات ميتة جاهلية.(39)

هذه التأكيدات بكفر المنكرين له والمشككين بحقيقته تؤكد وجوب طاعته ومناصرته والاعتقاد به في جميع مراحل حياته من الولادة إلى الظهور المبارك.

رابعاً: إفدائه بالأب والأم والبكاء شوقاً إليه

ان المنزلة العظيمة للإمام المهدي عليه السلام عند جده النبي صلى الله عليه وآله وسلم وآبائه الطاهرين عليهم السلام تبدو واضحة في أحاديثهم وأقوالهم الشريفة، وقد استحق هذه الأقوال وتلك المنزلة كونه الذي على يديه تتحقق الإرادة الإلهية في الأرض وتطبق شريعة الإسلام في المعمورة بما لم يقم به قبله نبي أو وصي، وتبدو هذه المنزلة واضحة في الإرادة الإلهية بنصره، يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: يخرج المهدي جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن ميسرته وشعيب بن صالح على مقدمته،(40) ويقول الإمام الصادق عليه السلام في حديثه للمفضل بن عمر: (فيكون أول من يقبل يده جبرائيل ثم يبايعه وتبايعه الملائكة ونجباء الجن...).(41)

هذه المنزلة العظيمة جعلت أهل البيت عليهم السلام يتوقون شوقاً إليه، ويعبرون عن هذا الشوق بأرق العبارات والعبرات عند ذكر اسمه، فيبكون ويندبون ويعبرون عما يكنونه من شوق إلى ولدهم بشتى الوسائل، ويفدونه بالأب والأم ويتمنون مناصرته في دولته والانضواء تحت لوائه بل وحتى خدمته عند ظهوره.

وإذا استقرأنا أقوالهم عليهم السلام نجدها طافحة بهذه العبارات وتلك الأفعال، فالإمام أمير المؤمنين عليه السلام يفديه بأبيه ويقول حينما سأله عمر عن المهدي: يقول: بأبي ابن خيرة الإماء،(42) وأبوه من نعرف قدره فهو كافل الرسول ومؤمن قريش ومن ضحّى من أجل الرسالة بما يملك.

وفي موضع آخر، بعد أن يصف الإمام ولده المهدي عليه السلام يقول الراوي: ثم قال هاه، وأومأ بيده إلى صدره شوقاً إليه.(43)

ويبيّن عليه السلام شدة وجده لولده المهدي، تقول الرواية: كنا عند علي بن أبي طالب فكان إذا أقبل ابنه الحسن يقول: مرحباً بابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإذا أقبل الحسين يقول بأبي يا أبا ابن خيرة الإماء، فقيل يا أمير المؤمنين ما بالك تقول هذا للحسن وهذا للحسين؟ ومن ابن خيرة الاماء فقال: ذلك الفقيد الطريد الشريد محمد بن الحسن بن محمد...(44).

أما إمامنا الباقر عليه السلام فقد فداه بأمه وأبيه، وهو ابن علي السجاد زين العابدين المعروف في زهده وورعه وعلمه، وماذا ذلك إلا لعظيم مكانة ولده المهدي، يقول أبو جعفر عند ذكره (بأبي وأمي المسمى باسمي المكنى بكنيتي السابع من ولدي).(45)

وذهب إمامنا الصادق عليه السلام إلى أبعد من ذلك فكان يتمنى خدمته إن أدركه، والصادق هو الذي نشر مذهب أهل البيت وأقام مدرسة الكوفة التي شوهد فيها تسعمائة شيخ كل يقول: حدثني جعفر الصادق، هذا الإمام المعصوم يقول (عندما سئل): هل ولد القائم؟ قال: لا، ولو أدركته لخدمته أيام حياتي.(46)

فهو يتمنى أن يقضي حياته في خدمته بما للخدمة من معاني ومهام يؤديها في طاعة المخدوم لنيل رضاه.

وعن سدير الصيرفي قال: دخلت أنا والمفضل بن عمر وأبان بن تغلب على مولانا أبي عبد الله الصادق عليه السلام فرأيناه جالساً على التراب، وهو يبكي بكاء الوالهة الثكلى ذات الكبد الحرى قد نال الحزن من وجنتيه، وشاع التغيير في عارضيه وأبلى الدموع محجريه وهو يقول: سيدي غيبتك نفت رقادي، وضيقت عليّ مهادي، وانتبزت مني راحة فؤادي...) وهو يقصد المهدي من ولده عليهم السلام(47).

ويقول عليه السلام في دعاء العهد المأثور عنه (اللهم بلغ مولانا الإمام الهادي المهدي القائم بأمرك صلواتك عليه وعلى آبائه... ثم يقول: اللهم إني أجدد له في صبيحة يومي هذا وما عشت من أيامي عهداً وعقداً وبيعة له في عنقي لا أحول عنها ولا أزول أبداً، اللهم اجعلني من أنصاره وأعوانه والذابين عنه والمسارعين إليه في قضاء حوائجه، والممتثلين لأوامره والسابقين إلى ارادته والمستشهدين بين يديه)(48) فأي دعوات هذه التي يدعوها الإمام ليكون جندياً مطيعاً في جيشه.

وقد رأينا الإمام الرضا عليه السلام يبكي بكاءً شديداً عند ذكر اسمه شوقاً إليه، فقد ورد أنه لما قرأ دعبل الخزاعي قصيدته التائية أمام الرضا عليه السلام ووصل إلى هذين البيتين:

إمام زمان لا محالة خارج يقوم على اسم الله والبركات

فبكى الإمام الرضا عليه السلام بكاءً شديداً شوقاً إليه ثم رفع رأسه وقال:

يا خزاعي نطق روح القدس على لسانك بهذين البيتين.(49)

ويضيف عبد الرضا محمد من أولاد المتوكل في كتابه تأجيج نيران الأحزان في وفاة سلطان خراسان قائلاً:

(فقام الرضا عليه السلام على قديمه، وأطرق رأسه إلى الأرض، ثم وضع يده اليمنى على رأسه وقال: عجل اللهم فرجه ومخرجه وانصرنا به نصراً عزيزاً).

هذا القيام ووضع اليد على الرأس من قبل إمام معصوم ـ الذي ورثناه عنه اليوم ـ لهو من أجل وأعظم علامات التبجيل والتكريم له عليه السلام.

وعن الحسن بن محبوب، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: (... ثم قال: بأبي وأمي سمي جدي، شبيهي وشبيه موسى بن عمران، عليه جيوب النور تتوقد بشعاع القدس، كم من حرّى مؤمنة، وكم مؤمن متأسف حيران حزين فقدان الماء المعين...الخ)(50).

ثم نرى الإمام الجواد عليه السلام يبكي شوقاً إليه فعندما قال: إن الإمام بعدي ابني علي ثم ابنه الحسن.. ثم بكى بكاءً شديداً وقال: إن بعد الحسن ابنه القائم بالحق المنتظر(51) أما والده الإمام العسكري فله مواقف مشهودة وأقوال مأثورة في تعظيم ولده الإمام الحجة حتى انه يشكر الله سبحانه أن أبقاه ولم يخرجه من الدنيا حتى أراه ابنه القائم فيقول: (الحمد لله الذي لم يخرجني من الدنيا حتى أراني الخلف من بعدي).(52)

ذكر معاجزه وما يحققه في دولته:

من أوجه تعظيم الإمام المهدي عليه السلام وذكر سمو منزلته وعلو همته ومكانته العالية بين أئمة أهل البيت عليهم السلام ما تؤكده الروايات التي تصف جهاده من أجل قيام دولته المباركة، وذكر المعاجز والكرامات التي وهبها الله سبحانه له في مقارعته الظالمين وتنقلاته ومراسلاته لتطبيق هدفه السامي.

فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: المهدي من ولدي وجهه كالقمر الدري يرضى بخلافته أهل السماء والأرض والطير في الجو.(53)

وهل رضي أهل الأرض بخلافة أحد منذ بدء الخليقة فضلاً عن ان يرضى عنه أهل السماء وأكبر دليل على هذه المنزلة العظيمة نزول المسيح عليه السلام من السماء وصلاته خلف الإمام عليه السلام، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ثم يخرج المهدي من ولدي فينزل عيسى بن مريم فيصلي خلفه.(54)

ويؤكد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن المهدي سيقاتل على التأويل بعد أن قاتل هو صلى الله عليه وآله وسلم على التنزيل، وهي مهمة صعبة وشاقة لما يلقاه فيها الإمام من أناس يدعون الإسلام والعلم بالقرآن وهو منهم براء، قال صلى الله عليه وآله وسلم: ويقاتل على التأويل كما قاتلت على التنزيل.(55)

ومن النُعوت العظيمة التي وصف الجليل سبحانه عبده المهدي عند عروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى السماء فيقول تعالى لنبيّه في حديثه القدسي: ... بالقائم منكم، أعمر به أرضي، بتسبيحي وتهليلي وتقديسي وتكبيري، وبه أطهر الأرض من أعدائي وأورثها أوليائي، وبه أجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمتي العليا، وبه أحيي عبادي وبلادي وله أظهر الكنوز والذخائر بمشيئتي.(56)

ويسأل إمامنا أمير المؤمنين عليه السلام عن الآية الكريمة: ((هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ)) (يقال له: أظهر ذلك؟ يقول: كلا، فوالذي نفسي بيده حتى لا تبقى قرية إلا وينادي فيها بشهادة ان لا إله إلا الله بكرة وعشيا).(57)

ويعد النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه أن هذا الدين فتح بعلي بن أبي طالب عليه السلام وستأتي بعده أناس يغيرونه ويحرفونه فيفسد ولا يصلحه إلا ولده المهدي، فيقول صلى الله عليه وآله وسلم: ان الله فتح هذا الدين بعلي وإذا مات فسد هذا الدين ولا يصلحه إلا المهدي بعده).(58)

ويصف الإمام أمير المؤمنين عليه السلام معاجز وكرامات ولده المهدي فيقول عليه السلام: (يأتي بذخيرة الأنبياء)(59) وما ذخيرة الأنبياء إلا ما أمر الله به ولم ينفذ.

ويقول عنه أيضاً: تخرج له الأرض أكبادها، وتلقي إليه سلماً مقاليدها، فيريكم كيف عدل السيرة، ويحيي ميت الكتاب والسنة.(60)

ويقول إمامنا الصادق عليه السلام وهو يصف الإحباط والفشل الذين يصيب الكافرين والمنافقين عند ظهوره فإذا خرج القائم لم يبق مشرك بالله العظيم ولا كافر بالإمام إلا كره خروجه.(61)

ويصف الإمام الرضا عليه السلام بعض أحواله عند ظهوره فيقول: (هو الذي تطوى له الأرض ويذل له كل صعب)(62) ويدعو له عليه السلام فيقول: اللهم واقصم به رؤوس الضلال وشارعة البدع ومميتة السنة ومقوية الباطل، وذلل به الجبارين وأبر به الكافرين وجميع الملحدين في مشارق الأرض ومغاربها.(63)

ويفخر الإمام العسكري عليه السلام بدولة ولده المهدي عليه السلام فيقول: فكأني أنظر إلى الاعلام البيض تحقق فوق رأسه بنجف الكوفة.(64)

ـــــــــــــــــــــ

الهوامش:

(1) الغيبة/ الطوسي/ 471.

(2) أمالي الشيخ الصدوق/ 731.

(3) ينابيع المودة/ القندوزي/ ح41.

(4) فرائد السمطين/ الحمويني/ 2/19.

(5) ينابيع المودة/ 433.

(6) البرهان/ المتقي الهندي/ 99.

(7) كفاية الأثر: الخراز القمي/ 322.

(8) كنز العمال/ الهندي/ 14/ 591.

(9) كمال الدين 1/ 422.

(10) البحار: 12/ 131.

(11) أعيان الشيعة/ محسن الأمين/ 4/ ق3/ 296.

(12) كمال الدين/ الشيخ الصدوق/ 323 باب 3 ح7.

(13) عقد الدرر/ الشافعي/ 322 باب2.

(14) المزار/ المشهدي/ 663.

(15) كشف الحق/ الخاتون آبادي/ ص4.

(16) فرائد السمطين/ 2 / 167.

(17) كشف الحق/ الخاتون آبادي/ 137.

(18) المهدي الموعود/ أبو طالب التجليل/ 360.

(19) الزام الناصب/ 1/ 85.

(20) ينابيع المودة/ ح41.

(21) فرائد السمطين/ ح2.

(22) الغيبة/ الطوسي/ 164.

(23) مقتل الحسين/ الخوارزمي/ 568.

(24) نور الأبصار/ الشبلنجي/ 154.

(25) مقتل الحسين/ الخوارزمي/ 1/ 94.

(26) عقد الدرر/ ح/ 197، المهدي الموعود/ العسكري ص 246 عدد أكثر من اثني عشر مصدراً.

(27) شرح النهج/ 2/ 532.

(28) الغيبة/ النعماني/ 212 باب13.

(29) منتخب الأثر/ الطريحي/ 309، بشارة الإسلام / الكاظمي/ 54.

(30) كفاية الأثر/ 290.

(31) مفاتيح الجنان/ القمي/ 723.

(32) مفاتيح الجنان/ القمي/ 746.

(33) فرائد السمطين/ الحمويني/ 2/ 26.

(34) عقد الدرر/ الشافعي/ 322/ باب2.

(35) اثبات الهداة/ 7/ 141.

(36) مفاتيح الجنان/ القمي/ 747.

(37) كفاية الأثر/ نقلاً عن المهدي الموعود/ العسكري/ ص 177.

(38) كمال الدين/ الشيخ الصدوق/ 2/ 345.

(39) كفاية الأثر/ نقلاً عن المهدي الموعود/ العسكري/ 177.

(40) فرائد السمطين/ ج2/ باب 35.

(41) كشف الحق أو الأربعون/ الخاتون آبادي/ ص 103.

(42) الإرشاد/ الشيخ المفيد/ 2/ 382.

(43) الغيبة/ النعماني/ 212/ ح1.

(44) مقتضب الأثر/ ابن عباس/ 31. نقلاً عن البحار 51/ 110.

(45) كشف الغمة/ الاربلي/ 324.

(46) غيبة النعماني/ 245/ ح46.

(47) كمال الدين وتمام النعمة / الصدوق / ص 331 ط 1 / 1425.

(48) مفاتيح الجنان/ عباس القمي/ 743.

(49) كمال الدين للصدوق/ 2/ 372.

(50) عيون أخبار الرضا/ الشيخ الصدوق/ 1/ 9.

(51) كشف الحق/ الخاتون آبادي/ 137.

(52) كفاية الأثر/ 290.

(53) كفاية الأثر/ 290.

(54) فرائد السمطين/ 2/ 312.

(55) الزام الناصب/ 1/ 185.

(56) أمالي الصدوق/ 731.

(57) مجمع البيان/ الطبري 5/ 281.

(58) ينابيع المودة/ القندوزي/ 445.

(59) فرائد السمطين/ 2/ 312.

(60) البحار 3/ 133.

(61) كمال الدين/ 670.

(62) سفينة البحار/ 2/ 703.

(63) مفاتيح الجنان/ 746.

(64) كمال الدين 2/ 409 ح9.