شبكة الإمامين الحسنين عليهما السلام للتراث و الفکر الإسلامي

 

من وكلاء الإمام في عصر الغيبة (القاسم بن العلاء)

الباحث علي اسعد

وكلاء الإمام الحجة بن الحسن المهدي عليه السلام في فترة الغيبة الصغرى والذين كانت ترد عليهم التوقيعات من السفراء الأربعة، واسمه القاسم بن العلاء من أهل أذربايجان، يكنّى أبا محمد، وهو غير القاسم بن العلا الهمذاني.(1)

حياته:

لم ترد في كتب الرجال ترجمة كاملة لتاريخ ولادته أو وفاته، ولا مفصل لحياته بينهما، ولكن الذي نستنتجه من الروايات أنه كان موجوداً في حياة الإمام الرضا عليه السلام حيث ورد في رواية الاردبيلي (انه كان عليه قميص خلعه عليه أبو الحسن الرضا عليه السلام).(2)

كما أنه كانت ترد عليه التوقيعات في حياة الشيخ أبي جعفر محمد بن عثمان العمري والشيخ أبو القاسم الحسين بن روح النوبختي وهما السفيران الثاني والثالث للإمام المهدي عليه السلام وهذا دليل على حياته أثناء فترة سفارتهما.

وتذكر الروايات أنه عمّر مئة سنة وسبع عشرة سنة، منها ثمانون سنة صحيح العينين، لقي الإمامين الهادي والعسكريL، وأصيب بالعمى بعد الثمانين، وكان مقيماً بمدينة الران من أرض اذربايجان.(3)

وثاقته:

تؤكد الرواية التي أوردها الشيخ الطوسي عن الشيخ المفيد على وثاقته وملازمته للإمامين الهادي والعسكري عليهما السلام وما بعثه إليه الإمام المهدي عليه السلام من توقيع يخبره بموته، وما أرسله إليه من الثياب، قال الشيخ الطوسي قدس سره: (أخبرني محمد بن محمد بن النعمان، والحسين بن عبد الله، عن محمد بن أحمد الصفواني، قال: رأيت القاسم بن العلاء ـ وقد عمّر مئة سنة وسبع عشرة سنة ـ منها ثمانون صحيح العينين، لقي مولانا أبا الحسن وأبا محمد العسكريينL، وحجب بعد الثمانين، وردّت عليه عيناه قبل وفاته بسبعة أيام، وذلك إني كنت مقيماً عنده بمدينة الران من أرض اذربايجان، وكان لا ينقطع توقيعات مولانا صاحب الزمان عليه السلام على يد أبي جعفر محمد بن عثمان العمري، وبعده على أبي القاسم الحسين بن روح، فانقطعت عنه المكاتبة نحواً من شهرين فغلق(4) لذلك، فبينما نحن عنده نأكل، إذ دخل البواب مستبشراً فقال له: (فيج العراق) لا يسمى بغيره، فاستبشر أبو القاسم، وحوّل وجهه إلى القبلة فسجد، ودخل كهل قصير يُرى أثر الفيوج عليه، وعليه جبة مضربة، فقام القاسم فعانقه ووضع المخلاة عن عنقه، ودعا بطشت وماء فغسل يده، وأحله إلى جانبه، فأكلنا وغسلنا أيدينا، فقام الرجل فأخرج كتاباً أفضل من النصف المدرج، فناوله القاسم فأخذه وقبله ودفعه إلى كاتب له يقال له: ابن أبي سَلَمة، فأخذه أبو عبد الله ففضه وقرأه حتى أحس القاسم بنكاية، فقال: يا أبا عبد الله، خيرٌ، فقال: خيرٌ، فقال: ويحك، خرج فيّ شيء؟ فقال أبو عبد الله: ما تكره فلا، قال القاسم: فما هو؟ قال: نُعيَ الشيخ إلى نفسه بعد ورود هذا الكتاب بأربعين يوماً، وقد حمل اليه سبعة أثواب، فقال القاسم: في سلامة من ديني؟ فقال: في سلامة من دينك، فضحك رضي الله عنه وقال: ما أؤمل بعد هذا العمر.

فقام الرجل الوارد، فأخرج من مخلاته ثلاثة أزر وحبرة يمانية حمراء، وعمامة، وثوبين ومنديلاً، فأخذه القاسم، وكان عنده قميص خلعه عليه مولانا أبو الحسن عليه السلام... والتفت القاسم إلى ابنه الحسن فقال له: إن الله منزلك منزلة ومرتبك مرتبة فاقبلها بشكر، فقال له الحسن: يا أبه قد قبلتها، قال القاسم: على ماذا؟ قال: على ما تأمرني به يا أبه. قال: على أن ترجع عما أنت عليه من شرب الخمر، قال الحسن: يا أبه، وحق من أنت في ذكره لأرجعنّ عن شرب الخمر، ومع الخمر أشياء لا تعرفها، فرفع القاسم يده إلى السماء وقال: اللهم ألهم الحسن طاعتك، وجنّبه معصيتك، ثلاث مرات، ثم كتب وصيته بيده، وكانت الضياع التي في يده لمولانا وقفاً وقفه أبوه.

وكان فيما أوصى الحسن أن قال: يا بنيّ إن أُهّلْت لهذا الأمر ـ يعني الوكالة لمولانا ـ فيكون قوتك من نصف ضيعتي المعروفة بفرجيدة، وسائرها ملك لمولاي، وإن لم تؤهل له فاطلب خيرك من حيث يتقبل الله، وقبل الحسن وصيته على ذلك.

فلما كان في يوم الأربعين، وقد طلع الفجر مات القاسم رضي الله عنه، وتولى أبو علي بن جحدر غسل القاسم وأبو حامد يصب الماء عليه، وكفن في ثمانية أثواب وعلى بدنه قميص مولانا أبي الحسن، وما يليه السبعة الأثواب التي جاءت من العراق. فلما كان بعد مدة يسير ورد كتاب تعزية على الحسن من مولانا عليه السلام في آخره دعاء (ألهمك الله طاعته، وجنبك معصيته) وهو الدعاء الذي كان دعا به أبوه، وكان آخره: (قد جعلنا أباك إماماً لك وفعاله لك مثالاً).(5)

ويظهر من الرواية الآنفة الذكر من حال الرجل ما يأتي:

1 ـ وثاقته التي تؤهله لإخبار الإمام عليه السلام له بموته.

2 ـ علو منزلته وجليل قدره عند الأئمة المعصومين عليهم السلام ونيله قميص أبي الحسن الرضا عليه السلام واستلامه الثياب المرسلة إليه من الإمام المهدي عليه السلام.

3 ـ وكالته كما يتضح من رسالة الإمام عليه السلام له عن طريق سفرائه.

وكالته:

نستشف وكالته للإمام المهدي عليه السلام من الأحداث والوقائع التالية:

1 ـ مرت بنا العبارات التي وردت في رواية الشيخ الطوسي التي تشعر بوكالته للإمام عليه السلام، وعباراته مع ولده حول وقف الإمام عليه السلام، ودعائه لولده المطابق لدعاء الإمام المهدي عليه السلام.

2 ـ الرواية تؤكد أنه كانت لا تنقطع توقيعات مولانا صاحب الزمان عليه السلام إليه على يد أبي جعفر محمد بن عثمان العمري وأبي القاسم الحسين بن روح وهما سفيرا الإمام المهدي عليه السلام.

3 ـ ورد اسمه في جملة الوكلاء ممن وقف على معجزات صاحب الزمان عليه السلام ورآه من الوكلاء في كتاب كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق رضي الله عنه قوله: حدثنا أبو علي الأسدي، عن أبيه، عن محمد بن أبي عبد الله الكوفي أنه ذكر عدد من انتهى إليه ممن وقف على معجزات صاحب الزمان عليه السلام ورآه من الوكلاء ببغداد... ومن أهل اذربايجان القاسم بن العلاء.(6)

4 ـ كذلك أورد اسمه السيد ابن طاووس في كتابه ربيع الشيعة (ممن رآه وخرج إليهم التوقيع من الوكلاء... من أهل اذربايجان القاسم بن العلاء).(7)

5 ـ ما رواه الكشي في رجاله (وورد على القاسم بن العلاء نسخة ما كان خرج في لعن ابن هلال (أحمد بن هلال العبرتائي الكرخي) المدّعي للوكالة زوراً، فأنكر رواة أصحابنا بالعراق ذلك لما كانوا قد كتبوا من رواياته، فحملوا القاسم بن العلاء أن يراجع في أمره، فخرج إليه من الإمام عليه السلام بيان مفصل نصه (وقد كان أمرنا نفذ إليك من المتصنع ابن هلال ـ لا رحمه الله ـ بما قد علمت، ولم يزل ـ لا غفر الله ذنبه ولا أقال عثرته ـ يداخلنا في أمرنا بلا إذن منا ولا رضى، يستبد برأيه فيتحامى ديوننا، ولا يمضي من أمرنا إياه إلا بما يهواه ويريده، أرداه الله في نار جهنم، فصبرنا عليه، بتر الله بدعوتنا عمره...).(8)

6 ـ ما رواه الشيخ المفيد في الإرشاد عن القاسم بن العلاء نفسه: قال: ولد لي عدة بنين، فكنت أكتب وأسأل الدعاء لهم فلا يكتب لي شيء من أمرهم، فماتوا كلهم، فلما ولد لي الحسين ـ ابني ـ كتبت أسأل الدعاء له، فأُجبت وبقي والحمد لله).

من كل ما تقدم تظهر لنا وثاقة الرجل وحسن سيرته وارتباطه بالأئمة المعصومين عليهم السلام ووكالته للإمام المهدي عليه السلام في زمن الغيبة الصغرى التي تتأكد بورود التوقيعات عليه عن طريق السفراء وبالخصوص الشيخ أبي جعفر محمد بن عثمان العمري والشيخ أبي القاسم الحسين بن روح، وهو ما يمثل مهمة الوكلاء التي ترد عليهم التوقيعات من المنصوبين من الأصل...

الهوامش:

(1) الاردبيلي/ جامع الرواة/ 2/ 19.

(2) القمي/ الشيخ عباس/ سفينة النجاة، 7/ 302 دار الأسوة/ 1416هـ.

(3) المفيد / الشيخ محمد بن محمد/ الارشاد/ 331، الاردبيلي/ جامع الرواة: 2/ 19.

(4) غلق: أي ساء خلقه (هامش الغيبة/ 210).

(5) الشيخ الطوسي/ الغيبة/ ص 210 ـ 214.

(6) الشيخ الصدوق/ كمال الدين وتمام النعمة، ص 406.

(7) الكاظمي الأعرجي/ عدة الرجال/ 1 / 75.

(8) المفيد/ محمد بن محمد بن النعمان/ الإرشاد/ 2/ 355.