شبكة الإمامين الحسنين عليهما السلام للتراث و الفکر الإسلامي

 

وجود الإمام المهدي عليه السلام حقيقة علمية

الباحث: علي عبود حسين ابو لحمة/ كربلاء المقدسة

تكاد تجمع كل المذاهب الإسلامية وتتفق على ظهور المهدي عليه السلام ، ويقول الشيعة الإمامية أنه هو الإمام محمد المهدي بن الإمام الحسن العسكري بن الإمام علي الهادي عليهم السلام الذي يخرج في آخر الزمان، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً. وكما هو معروف من عقيدة الشيعة الإمامية المأخوذة عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة الأطهار من بعده أن الإمام المعصوم الحافظ للشريعة الإسلامية لابدَّ من وجوده في كل عصر، ولا تخلو منه الأرض، وأنه خاتمة خلفاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الإثني عشر عليهم السلام. كما روي ذلك بالطرق الصحيحة المعتبرة، وبهذا ظل العدد الكبير من الشيعة متمسكاً بهذه الحقيقة معترفاً بإمامة المهدي المنتظر عليه السلام، وبإمامته تنتهي سلسلة الخلفاء الإثني عشر عليهم السلام من أبناء النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد أصبح اسم الشيعة الإمامية مختصاً بمن قال بإمامتهم على الترتيب دون زيادة أو نقصان. كما نص الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم على الأئمة بعددهم وأسمائهم كما أوحي إليه من ربه سبحانه وتعالى، ونص كل واحد منهم على إمامة من يليه، والنصوص القرآنية تشير إلى ذلك، كقوله تبارك وتعالى في محكم كتابه (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَْرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ) القصص آية(5).

وكقوله تعالى (وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَْرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ) الأنبياء: 105.

وقوله تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَْرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ) النور الآية 55.

وقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً) الفتح: 8.

وفي الأحاديث النبوية الشريفة:

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

(لو لم يبق من الدهر إلاّ يوم واحد حتى يبعث الله رجلاً من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي يملؤها عدلاً كما ملئت جوراً).

وعن حذيفة بن اليمان عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم:

(لو لم يبق من الدينا إلاّ يوم واحد لبعث الله رجلاً اسمه اسمي وخلقه خلقي يكنى أبا عبد الله).

وعن حذيفة بن اليمان قال أيضاً:(1)

سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ويح هذه الأمة من ملوك جبابرة كيف يقتلون ويخيفون المطيعين إلاّ من أظهر طاعتهم، فالمؤمن التقي يصانعهم بلسانه ويفر منهم بقلبه، فإذا أراد الله عز وجل أن يعيد الإسلام عزيزاً قصم كل جبار عنيد، وهو القادر على ما يشاء أن يصلح أمة بعد فسادها، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: يا حذيفة لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتّى يملك رجل من أهل بيتي تجري الملاحم على يديه ويظهر الإسلام، لا يخلف الله وعده وهو سريع الحساب.

وقال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام لولده الحسين عليه السلام: (2)

التاسع من ولدك يا حسين هو القائم بالحق المظهر للدين الباسط بالعدل الخ...

وقال الحسين عليه السلام:

منا اثنا عشر مهدياً، أولهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وآخرهم التاسع من ولدي وهو الإمام القائم بالحق يحيي الله به الأرض بعد موتها، ويظهر به دين الحق على الدين كله ولو كره المشركون الخ...

وبسنده عن ابن مسعود عن عمر بن الخطاب عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا تقوم الساعة حتّى يملك من أهل بيتي من يواطئ اسمه اسمي يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً.

وبسنده عن أبي سعيد الخدري عنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لا تنقضي الساعة حتّى يملك الأرض رجلٌ من أهل بيتي يملأ الأرض عدلاً كما ملئت قبله جوراً يملك سبع سنين).

وعن عائشة بنت أبي بكر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (3)

أنه قال: المهدي رجل من عترتي يقاتل على سنتي كما قاتلت أنا على الوحي.

أخرجه ابن عساكر عن (جواهر العقدين)، وفي كتاب الصواعق المحرقة لابن حجر العسقلاني: وقد تواترت الأخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بخروج المهدي وأنه من أهل البيت عليهم السلام، وفي كتاب نور الأبصار للشبلنجي: أنه قد تواترت الأخبار عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: (إن المهدي من أهل البيت وأنه يملأ الأرض عدلاً).(4)

وجاء في الفتوحات الإسلامية لمؤلفه زيني دحلان: والأحاديث التي جاء ذكر المهدي فيها كثيرة ومتواترة فيها ... الخ.

إمامته وغيبته عليه السلام:(5)

تولى الإمامة والخلافة بعد وفاة أبيه الحسن العسكري عليه السلام وهو ابن خمس، بعد النص عليه من أبيه عليه السلام في حياته وذلك بشهود الخواص من أصحابه عليه السلام، ومن الملاحظ أن البعض من الناس يتساءل استغراباً! كيف يجعل إماماً وهو في هذه السن المبكرة من الطفولة؟ والجواب على ذلك حينما نعلم أن الإمامة كالنبوة هبة يمنحها الله تعالى لمن يشاء من عباده ممن تتوفر فيهم شروط الإمامة والعصمة وإن كانت حاصلة في ذلك السن المبكر، وإن في المهدي عليه السلام من سنن الأنبياء، والاستدلالات على ذلك وعلى غيبته ما روي عمن روى عن الصدوق عليه الرحمة بسنده عن الإمام الصادق عليه السلام إن سنن الأنبياء وما وقع عليهم من الغيبات جارية على قائمنا أهل البيت، وعن سيد الساجدين عليه السلام قال: في القائم منا سنن من سنن الأنبياء سنة من آدم عليه السلام وسنة من نوح عليه السلام طول العمر، سنة من إبراهيم عليه السلام خفاء المولد واعتزال الناس، وسنة من موسى عليه السلام الخوف والغيبة وسنة من عيسى عليه السلام اختلاف الناس فيه وسنة من أيوب عليه السلام الفرج بعد البلوى وسنة من محمد صلى الله عليهم واله وسلم الخروج بالسيف الخ...

ولإمامنا المنتظر عليه السلام غيبتان هما:

1_ الغيبة الصغرى:

وقد بدأت الغيبة الصغرى من حين وفاة والده الإمام الحسن العسكري عليه السلام في عام 260هــ إلى وقت انقطاع السفارة الخاصة بوفاة السفير الرابع علي بن محمد السمري عام 329هــ .

2_ الغيبة الكبرى:

وقد بدأت الغيبة الكبرى للإمام المنتظر عليه السلام بعد الأولى مباشرة أي بوفاة آخر السفراء الأربعة وهو علي السمري سنة 328هــ أو 329هــ ، وستبقى مستمرة إلى أن يأذن الله تعالى بخروجه ويتم ظهور الفرج على يديه (إن شاء الله)، ويومئذٍ يفرح المؤمنون بنصر الله الخ...

وربما يكون امتداد الغيبة إلى أن تتم الظروف الاجتماعية الملائمة لثورته الإسلامية الإصلاحية العالمية الكبرى، ويتم الوعي الإسلامي المتزايد بين الناس، لا سيما في مجتمعاتنا الإسلامية المعاصرة وغيرها من أنحاء العالم. وأنه سيأتي اليوم الذي ينتصر فيه الإسلام وتطبق تعاليمه القيمة بإذن الله، ويأتي بأمرٍ جديد، كما روي عن الإمام الصادق عليه السلام حيث قال:

(إذا قام القائم دعا الناس إلى الإسلام جديداً وهداهم إلى أمر قد دثر فضلّ عنه الجمهور...

وإنما سمي القائم مهدياً لأنه يهدي إلى أمر قد ضلوا عنه وسمي بالقائم لقيامه بالحق.

تنبؤ علماء الشرق والغرب بذلك اليوم:

منهم الدكتور (تشارلس) الذي كان من أكبر العلماء عندما سئل عن نوع البحث الذي سيحظى بأعظم تقدم في النهاية فقال:

(ستحدث أعظم الاكتشافات في النواحي الروحية فسوف يأتي اليوم الذي يعلم فيه الناس، أن الأشياء المادية لا تجلب سعادة وأنها قليلة النفع في جعل الرجال والنساء أقوياء قادرين على الإبداع، وعندئذٍ سوف يحوّل علماء الدنيا معاملهم إلى دراسة الله والصلاة). وقال (برناردشو) الايرلندي المفكر الشهير:

(إن اليوم الذي ترى الشعوب فيه عامة مجتمعة على بساط واحد عادل ترفرف عليه راية الدين الإسلامي خفاقة مرفوعة الرأس عالياً لهو قريبٌ وقريبٌ جداً...). (6)

ومن الأدلة النقلية والتاريخية والعقائدية والعقلية والعلمية:(7)

1_ الدليل النقلي: ونعني به النصوص الواردة في الكتاب والسنة النبوية الشريفة عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة الأطهار عليهم السلام وإجماع المذاهب الإسلامية، وتمت الإشارة إليه آنفاً.

2_ الدليل التاريخي: نجد في التاريخ ما يثبت وجود نظائر الإمام عليه السلام في طول العمر، أمثال النبي آدم عليه السلام أبي البشر الذي عاش تسعمائة وثلاثين سنة كما هو في التوراة، والنبي نوح عليه السلام عاش ألف سنة إلاّ خمسين عاماً يدعو قومه كما حدد القرآن الكريم هذه الفترة الزمنية من عمره الشريف، وعاش النبي شيث عليه السلام تسعمائة واثنتي عشرة سنة، وعمّر الخضر عليه السلام إلى الآن وهو حي وهو نبي من الأنبياء الذين بعثهم الله تعالى وعاصر النبي موسى عليه السلام ورافقه كما هو مذكور في القرآن، بالإضافة إلى المعمرين الذي يذكرهم التاريخ أمثال قس بن ساعدة الأيادي، ولقمان الحكيم بن عاد، عمر الأول سبعمائة عام، وعمر الثاني أكثر من تسعمائة عام.

3_ الدليل العقائدي: وخلاصته أن الله تعالى بإرادته وقدرته التي أعدته لليوم الموعود، هي وحدها التي تعطيه البقاء وتمنحه العمر الطويل.

4_ الدليل العقلي: إن طول العمر بهذه المدة مستبعد عند بعض الطوائف الإسلامية ويعتبرونه شبهة بل غير واقع عادة كيف وقد مضى عليه الآن ألف وأكثر من مائة وسبعين سنة تقريباً، وإن هذا الاستبعاد ليس دليلاً يعارض الدليل العقلي، وقد عرفت قيام الأدلة النقلية والتاريخية على ولادته بتاريخ (255هــ) وغيبته عليه السلام بتاريخ (329هــ ) فهل يجوز أن ندفعها بالاستبعاد في ذلك بعد نص القرآن الكريم على مثله في نوح عليه السلام وأنه لبث يدعو قومه ألف سنة إلاّ خمسين عاماً وإلى غير ذلك من الأمثال والشواهد التاريخية التي مرت عليك أيها القارئ العزيز في الدليل التاريخي آنفاً، وقد نص القرآن الكريم على بقاء عيسى عليه السلام ورفعه إلى السماء، وجاءت الروايات المتفق عليها بين الفريقين (الشيعة والسنة) على أنه ينزل (عيسى بن مريم عليه السلام) عند خروج الإمام المهدي عليه السلام ويصلي خلفه. ونص القرآن أيضاً على بقاء إبليس إلى يوم القيامة وهو غاوٍ ومضل، وإلى غير ذلك من الأدلة العقلية والنقلية على إثبات وجود الحجة بن الحسن عليه السلام وطول عمره الشريف.

5_ الدليل العلمي: (8)

وموجزه أن جماعة من العلماء المعاصرين: أمثال الدكتور جاك لوب والدكتور لورن لويس وزوجته وغيرهم قاموا بإجراء عدة تجارب في معهد (راولكفر) بنيويورك على أجزاء لأنواع مختلفة من النبات والحيوان والإنسان وكانت من بين تلكم التجارب ما أجريت على قطع من أعصاب الإنسان وعضلاته وقلبه وجلده وكليته... فشوهد: أن هذه الأجزاء تبقى حية نامية ما دام الغذاء اللازم موفوراً لها وما دامت لم يعرض لها عارض خارجي وإن خلاياها تنمو وتتكاثر وفق ما يقدم لها الإنسان من غذاء، وانتهت التجارب بالقول: إن باستطاعة الإنسان أن يعيش آلاف السنين،(9) ويعمر كما تعمر الأشجار ونحوها. وعن العلماء الموثوق بعلمهم أيضاً أن كل الأنسجة المرئية من جسم الإنسان أو الحيوان تقبل البقاء إلى ما لا نهاية له وأنه بالإمكان أن يبقى الإنسان حياً ألوفاً من السنين إذا لم تعرض عليه عوارض تقطع حبل حياته، وقولهم هذا ليس مجرد ظن، بل هو نتيجة علمية.

ــــــــــــــــــ

الهوامش:

(1) عن كتاب مشكاة المصابيح عن ابن مسعود قال: رواهُ الترمذي وأبو داود وهو صاحب كتاب السنن من أكابر محدثي أهل السنة وعلماءهم. المجالس السنية ج 5 ص 502.

(2) انظر كتاب: ثلاثة أئمة/ أحمد مغنية ص 114.

(3) عن كتاب: مشكاة المصابيح عن ابن مسعود ـ المجالس السنية ج 5 ص 502.

(4) انظر كتاب: لمحات من تاريخ القرآن، للمؤلف السيد محمد علي الأشيقر.

(5) ينظر كتاب: المختصر المفيد للنشء الجديد للمؤلف علي عبود أبو لحمة ص 83.

(6) المصدر السابق: المختصر المفيد للنشء الجديد ـ تأليف علي عبود أبو لحمة بيروت عام 1969م. ونشرته مجلة التضامن الإسلامي التي تصدر في الناصرية عام 1966م.

(7) مجلة الأخلاق والآداب التي يصدرها فريق من الرومانيين.

(8) من ملزمة ص 13 للأستاذ الشيخ جعفر الهلالي في موضوع التاريخ الإسلامي.

(9) عن كتاب الإمام الإثنى عشر عليه السلام: تأليف محمد سعيد الموسوي ص 105.