شبكة الإمامين الحسنين عليهما السلام للتراث و الفکر الإسلامي

 

نشرت مجلة الانتظار الموقرة في العدد الثاني عشر من السنة الرابعة محرم/ 1429هـ مقالاً للدكتور عمار عبودي نصار.

وقد لفت الانتباه ما قاله حول ادعاء المختار مهدوية ابن الحنفية وسكوت ابن الحنفية عن ذلك.

وأحببت ان انتصر لهذين العلمين الذين أثّرا في التاريخ الاسلامي ودافعا عن الإمامة والولاية حتى نالا ثقة المعصومين عليهم السلام ومدحهم. والذي نسب إليهم من ادعائهم المهدوية من افتراءات وأكاذيب الاعلام الأموي المزيف، فماذا ننتظر من الاعلام الأموي ان يقول في هذين العظيمين، فأما ابن الحنفية فقد أكتسح جيشاً كثيفاً لمعاوية في صفين والحق به الهزيمة ـ ويوم الجمل قتل الناكثين وأذاقهم مرّ الهزيمة وأسر الزبيريين والأمويين معاً.

وأما المختار فقد ثار على ابن الزبير والأمويين معاً فانتصر عليهم وتتبع قتلة الحسين عليه السلام وقتل أكثرهم.

لذلك لا عجب إذا رأيت التاريخ مشحوناً بالكذب عليهم، لذلك من الواجب على المؤمنين ان يدافعوا عن المظلومين ويرفعوا عنهم الحيف، ان محمد ابن الحنفية كان مؤمناً تقياً مأتماً بالسجاد عليه السلام وكذلك المختار ولم يدعيا الإمامة والمهدوية وهذا واضح إذا دققنا في التاريخ المنصف جيداً وإليك بعض الأدلة والقرائن التي تثبت ذلك.

أولاً: ان ابن الحنفية يعلم جيداً خطورة هذا الادعاء واعتباره معصية كبيرة لا تغتفر عندما يدعي ما ليس له، وقد نزهه الإمام علي عليه السلام من إرتكاب المعصية حيث قال عليه السلام (إن المحامدة تأبى ان يُعصى الله قلتُ ومن المحامدة قال عليه السلام محمد بن جعفر ـ ومحمد ابن أبي بكر ـ ومحمد ابن الحنفية)(1) فلا يمكن لمثله أن يعصي الله في ادعاء الإمامة كذباً وزوراً.

ثانياً: إن التاريخ يحدثنا عن صفات مدعي المهدوية أنهم يعانون من ضعف الشخصية والوضاعة في قومهم، فهم يطمحون للحصول على المراكز الاجتماعية والمعنوية والمكاسب المادية والشهرة والسلطة، بينما ابن الحنفية كان يتمتع بشخصيةٍ قوية وله رصيد كبير في قلوب المسلمين، ويكفيه فخراً انه ابن الإمام علي عليه السلام فلم يكن محتاجاً إلى شهرة أو منصب، إن عظمة هذا الرجل تجسدت في أمور كثيرة: أهمها أنه كان يد الإمام علي عليه السلام التي يضرب بها، وحامل رايته التي هي راية النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم الجمل، والمعروف ان الراية هي المحور القيادي والقطب الذي تدور عليه الحرب ولأنها لا تعطى إلا للأكفاء من الشجعان والغيارى على المبدأ والدين والذين أرضعتهم الحرب من لبانها، ولذلك يقول الإمام علي عليه السلام (لا تجعلوها إلا مع شجعانكم) فكانت الراية الإسلامية في بدر لحمزة، ثم أمير المؤمنين ثم أعطاها لولده ابن الحنفية.

ثالثاً: إن نظرية المهدي عليه السلام عند مدرسة أهل البيت عليهم السلام أحيطت بأسوار متعددة وأسلاك شائكة يستحيل تجاوزها فالمهدي في نظر أهل البيت عليهم السلام من قريش ومن أحفاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم من ولد فاطمة وهو التاسع من ولد الحسين فقد حدد النبي صلى الله عليه وآله وسلم نسب المهدي بتحديدات ضيقت على المتصيدين في الماء العكر فرصة استغلاله فقد حدد النبي صلى الله عليه وآله وسلم نسب المهدي قال صلى الله عليه وآله وسلم نحن ولد عبد المطلب سادة أهل الجنة أنا وحمزة وعلي وجعفر والحسن والحسين والمهدي.(2)

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تنقضي الأيام ولا يذهب الأمر حتى يملك العرب رجل يواطئ اسمه اسمي)(3) هذا من حيث الاسم الشريف.

وأضاف تحديداً آخر أضيق دائرة من السابق قال صلى الله عليه وآله وسلم المهدي حق من ولد فاطمة.(4)

وضيق النبي صلى الله عليه وآله وسلم الدائرة قال صلى الله عليه وآله وسلم للحسين عليه السلام أنت سيد وابن سيد أنت إمام وابن إمام أبو الأئمة أنت حجة وابن حجة وحجج تسعة من صلبك تاسعهم قائمهم عليهم السلام.

فهذه الأسوار تمنع محمداً وغيره من ادعاء المهدوية خصوصاً وان محمداً تربى في حجر علي فسمع هذه الأحاديث الشريفة ولم يكن غافلاً عن ذلك خصوصاً وهو يروي عن أبيه عليه السلام ويبشر بالمهدي حيث قال عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المهدي منا أهل البيت عليهم السلام.(5)

رابعاً: ان مدعي المهدوية كذباً لم يكن مرضياً عند الله ورسوله وأهل البيت عليهم السلام فلم ينقل لنا التاريخ أي مذمّة من أهل البيت عليهم السلام تجاه ابن الحنفية بل على العكس تماماً نجد ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمطلع على الغيب كان يعلم بدور ابن الحنفية الكبير في خدمة الإسلام لذلك ميّزه على سائر المسلمين عندما سمح له ان يجمع بين الاسم والكنية محمد وأبو القاسم حيث ذكر تاريخ البلاذري وتاريخ بغداد والعلامة المجلسي في البحار ج38 ص 302 ط طهران عن الإمام علي قال صلى الله عليه وآله وسلم إن من ولدك غلام نحلته اسمي وكنيتي وقال صلى الله عليه وآله وسلم فسمه باسمي وكنه بكنيتي وهو له رخصة دون الناس لأنه صلى الله عليه وآله وسلم قال في حديث آخر لا تجمعوا بين اسمي وكنيتي أنا أبو القاسم الله يعطي وأنا القاسم،(6) وقال صلى الله عليه وآله وسلم سمو باسمي وكنو بكنيتي ولا تجمعو بينهما.

وأعطيت هذه الرخصة لاثنين ابن الحنفية والحجة عليه السلام ولا شك فإن إعطاء مثل هذه الميزة والرخصة له دليل على امتيازه وشرفه.

خامساً: ان ابن الحنفية نهى من ان يسلم عليه بالمهمدي فقال له رجل السلام عليك يا مهدي فقال أجل أنا مهدي أهدي إلى الرشد والخير واسمي محمد قولو السلام عليك يا محمد أو يا أبا القاسم.(7)

سادساً: كان يعلن بإمامة السجاد عليه السلام حيث ذكر المجلسي في البحار والمامقاني في التنقيح مستنداً عن أبي خالد الكابلي (ورد ان الملقب بكنكر وكان من رؤساء الكيسانية وملازماً لابن الحنفية انه سأل محمداً قائلاً إن لي حرمة ومودة وانقطاعاً فأسألك برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبأمير المؤمنين إلا أخبرتني أنت الإمام الذي فرض الله طاعته فقال: الإمام عليَّ وعليك وعلى كل مسلم الإمام علي بن الحسين عليه السلام.(8)

سابعاً: في قضية الحجر الأسود هناك من أخذ يروّج بإمامة ابن الحنفية للطعن بإمامة السجاد وللإساءة إلى ابن الحنفية نظراً لما يتمتع به من مكانة عظيمة في الوسط الشعبي وكان ابن الحنفية يرفض ذلك كما في الدلائل السابقة فأراد ان يرسخ إمامة الإمام السجاد عليه السلام في نفوس المسلمين وإظهار عظمته وقربه من الله. وعلاقة المعصوم بالحجر الأسود وطرد فكرة إمامة ابن الحنفية من أذهان الناس لذلك أصطنع محاورة ومحاججة مع السجاد عليه السلام حتى يتضح الحق للناس ويذهب إلى الحجر الأسود واقر الحجر بإمامة السجاد واستطاع بهذا الأسلوب العلمي ان يبين عظمة الإمام السجاد وكذب ادعاء ابن الحنفية للإمامة.

ثامناً: روى ابن نما في ذوب الانظار/ 97 ان وفداً من أهل الكوفة ذهبوا إلى ابن الحنفية ليعرفوا موقفه من المختار (فقال قوموا بنا إلى إمامي وإمامكم علي بن الحسين عليه السلام فلما دخل ودخلوا عليه خبّره بخبرهم الذي جاءوا لأجله فقال الإمام عليه السلام يا عم لو أن عبداً زنجياً تعصب لنا أهل البيت لوجب على الناس مؤازرته وقد وليتك هذا الأمر فاصنع ما شئت. فهذا موقف واضح وجلي بالاعتراف بإمامة السجاد وموقع ابن الحنفية عند السجاد عليه السلام.(9)

تاسعاً: قال السيد الخوئي قدس سره في معجمه 19/ 109 ان خروج المختار وطلبه بثأر الحسين عليه السلام وقتله لقتلة الحسين عليه السلام لاشك في أنه كان مرضياً عند الله وعند رسوله والأئمة الطاهرين وقد أخبره ميثم وهما في حبس عبيد الله بن زياد بأنه يفلت ويخرج ثائراً يوم الحسين عليه السلام ويظهر من بعض الروايات ان هذا كان بإذن خاص من السجاد عليه السلام.

عاشراً: ذكر الشيخ المفيد: (محمد ابن الحنفية لم يدع قط الإمامة لنفسه ولا دعا أحداً إلى اعتقاد ذلك فيه).(10)

الحادي عشر: قال السيد الخوئي قدس سره هذا القول باطلٌ جزماً فإن محمد بن الحنفية لم يدع الإمامة لنفسه حتى يدعو المختار الناس إليه.(11)

(الانتظار)

ومن الجدير بالذكر أن المجلة قد علقت على مقال الدكتور عمار آنف الذكر في هامش رقم (27) بما نصه:

إن الحقيقة غير ما توصل إليها الأستاذ عمار وذلك لسببين:

الأول: تأكيد الكاتب على أن الكيسانية هم أتباع محمد بن الحنفية، وهو غير واقع وخلاف ما يعتقده محمد بن الحنفية بإمام زمانه الإمام علي بن الحسين عليه السلام ، وما ادعاه بعض الكتاب من اعتقاد محمد بن الحنفية بمهدويته مخالف لموقف محمد بن الحنفية من الكيسانية المدعاة، إذ حاول محمد أن يثبت إمامة الإمام السجاد عليه السلام بدعواه أنه هو الإمام، وطلب زين العابدين عليه السلام المحاججة أمام الحجر الأسود وإقراره بالإمام الحق حالة اتفق عليها الطرفان لإثبات أحقية إمامة زين العابدين ودفع دعوى من يقول بإمامة محمد بن الحنفية.

الثاني: دعوى أن المختار كان يدعو لمهدوية محمد بن الحنفية هي دعوى أموية صرفة، إذ حاول الأمويون وأتباعهم من المؤرخين أن يلصقوا هذه التهمة بالمختار الثقفي تكذيباً لمصداقية ثورته الحقة.

ـــــــــــــــــــ

الهوامش

(1) تنقيح المقال ج3 ص 111 العلامة الحلي.

(2) غيبة الطوسي ص112.

(3) مسند احمد ج1 710 رقم 4087.

(4) سنن أبي داود ج4 ص 17 رقم 4284.

(5) حلية الأولياء ج3 ص177.

(6) البحار ج16 ص 112.

(7) سير أعلام النبلاء ج4 ص 122.

(8) تنقيح المقال ج2 ص111.

(9) البحار ج45 ص 365 ح2.

(10) الفصول المختارة للمفيد ج2 ص 30.

(11) معجم رجال الحديث ج18 ص 101 ـ 102.