الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  
الصفحة 99
الصفحة 100
 

3 ـ الابعاد المستوحاة من ليلة عاشوراء

البعد الديني
البعد العبادي
البعد الأخلاقي التربوي
البعد العسكري


الصفحة 101

تمهيـد
إن لهذه الليلة العظيمة أبعاداً مختلفةً ، وجوانبَ متعددةً ، وعِبَراً نافعةً ، في ميادين العقيدة والشريعة الاسلامية يجدُرُ الوقوفُ عليها ، واستكناه ما في سويعاتها العصيبة التي نزلت بساحة أهل بيت الوحي والتنزيل (عليهم السلام) ، وما أعقبها من أحداث مُنيَ بها الاسلامُ والمسلمون بأفدح ما عرفهُ تاريخ البشرية أجمع ، وكيف لا وقد اتفقت الكلمةُ على إبادة أهل بيت الوحي ومعدن الرسالة ومهبط التنزيل.
إن ليلة عاشوراءَ الاليمة من سنة ( 61 هـ ) وإن كانت في حساب الليالي ليلةً واحدةً ذات سُويعات محدودة ، إلا أنها في حساب التاريخ شكلت مُنعطفاً حاداً في تاريخ الاسلام ، لم تشهده ليلةٌ من لياليه مُنذ فجره وإلى يومنا هذا ، سوى ليال معدودة شاءَ اللهُ أن يجعلها شموساً في تاريخ الاسلام ، والتي منها ليلةُ مبيتِ أمير المؤمنين علي (عليه السلام) على فراش النبي (صلى الله عليه وآله) ، وليلةٌ سَمعت فيها فاطمة الزهراء ـ عليها السلام ـ صوتَ بلال يُردد : أشهد أن محمداً رسول الله ، وأبوها العظيم (صلى الله عليه وآله)ملبٍّ نداء الله ( يَاأَيَّتُها النَّفسُ المُطمئنَّةُ ، ارجِعي إِلى رّبِكِ راضِيةً مَّرضِيَّةً )(1).
وليلةٌ سمعت فيها عقيلةُ الهاشميين ـ عليها السلام ـ إخاها الحسين (عليه السلام) ينشد ويردد : يا دهر اُف لك من خليل...
____________
(1) سورة الفجر : الاية 27 و28.


الصفحة 102

إنها ليلةُ عاشوراء التي أعاد صبحُهَا أحداثَ بدر الكُبرى ، مجسمةً حيّةً على رمال كربلاءَ ، حيثُ تصارعَ الكفرُ والايمانُ ، وانهزم فيها السيف الجبان ، وانتصر الحقُّ بحدِّ اللسان وَكانت كلمةُ الله هي العليا ، وكلمة الكُفر هي السُفلى.
صحيح أن أحداثَ ليلة عاشوراءَ قد غشيها الظلامُ ، إلا أن الحسين (عليه السلام) جعل من ذلك الليلِ المظُلم شُموساً وأقماراً تُضيءُ التِلال والاكام ، وتدلُ على الحق وتُعرّف أهله ، وتشخّصُ الباطلَ وتلعنُ اهلهَ في كل عصر وجيل.
وإذا ما نظرنا بعين الاعتبار في هذه الليلة العظيمة أدركنا أهمية هذه الليلة وضرورةَ الاطلاع عليها وعلى أبعادها العقائدية والاخلاقية والاجتماعية وغيرها ، ودراستها وفَهم ما أرادَه سيدُ الشهداء (عليه السلام) منها.
ولا ندعي استيعابَ جميع ما فيها من أبعاد ، فهي أوسع من أن تُحصر أو تُعد لانها الحد الفاصلُ بين محض الايمان ولبابه ، وبين مَكر الشيطان وأوليائه ، إلا أن ما لم يُدرك كُلّه لا يُترك جلّه ، وفي إدراك اليسير النافع من أبعاد هذه الليلة ومحاولة الاستفادة منها وتجسيدها على أرض الواقع هو ما نرجوه ومن الله التوفيق والعون.


الصفحة 103

 

البعد الديني

 


الصفحة 104
الصفحة 105

 

أ ـ البعد الديني في موقف الحسين (عليه السلام)

إن ليلة عاشوراءَ وما ترتب عليها من آثار ومواقف جاءت نتيجة لموقف الحسين (عليه السلام) الشرعي ، وانطلاقاً من مبدئه السامي القائم على طلب الاصلاح في أُمة جده (صلى الله عليه وآله)كما أوضح هذا قبل خروجه قائلاً :
وأني لم أخرُج أَشِراً ولا بَطِراً ولا مُفسِداً ولا ظالِماً ، وإِنما خَرجتُ لطِلبِ الاصلاح في اُمّة جَدّي (صلى الله عليه وآله) ، اُريدُ أَن آمرَ بالمعروف وأَنهى عن المُنكر ، وأَسيرَ بسيرةِ جَدّي وَأبي علي بن أبي طالب ، فمن قَبلني بقَبول الحق فاللهُ أولى بالحق َ ومَنْ رَدَّ عليَّ هذا أصبرُ حتى يقضي اللهُ بيني وبين القوم وهو خيرُ الحاكمين(1).
وقد أكد على ذلك أيضاً في خطبته التي خطبها في ذي حُسْم(2) قائلاً :
إنَّهُ قد نَزل بنا مِن الامر ما قد تَرون ، وإِنَّ الدُّنيا قَدْ تَغيَّرت وتَنكّرَت وأَدبر معرُوفُها ، واستمرَّت جِدّاً ، فلم يَبقَ مِنْها إلا صُبابَةٌ كصُبابةِ الاناءِ ، وخَسيسُ عَيش كالمرعى الوبيلِ ، أَلا تَرَونَ أن الحَقَّ لا يُعملُ بهِ ، وأن الباطل لا يُتناهى عنهُ ، ليرغَبِ المؤْمنُ في لقاءِ اللهِ مُحقّاً ، فإنّي لا أَرى المَوتَ إلاسعادةً ، ولا الحياةَ مع الظالِمين إلا بَرماً(3).
____________
(1) بحار الانوار : ج44 ، ص329 ، مقتل الحسين للخوارزمي : ج1 ،ص188ـ 189 ، مقتل الحسين للمقرم : ص139.
(2) قيل : إنه موضع بالكوفة أو جبل في طريق البر ، وفيه استقبل الحر الرياحي في ألف فارس.
(1) تاريخ الطبري : ج4 ،ص 305 ، تاريخ دمشق لابن عساكر ( ترجمة الامام الحسين (عليه السلام) ) : ص214 ، بحار الانوار : ج44 ، ص381.


الصفحة 106

فقد أوضح (عليه السلام) في خُطبته أن الدنيا تغيرت عما هو المرجو من جريانها ، وأنكرت وأدبر معروفها ، بحيث صار المُنكر مَعروفاً والمعروف مُنكراً ، ولا بدَ من إصلاح ما فسد وتقويم ما اعوج ، وإن أدى ذلك إلى الشهادة ، وهو ما عَبّر عنه بقوله (عليه السلام) : ليرغب المؤمنُ في لقاءِ الله مُحقاً.
ومما أشار إليه (عليه السلام) في خطبته هو أنه يرى الحياةَ مع الظالمين برماً ، ولِذا وَقف موقفاً صارماً وحازماً من بيعة يزيد بن معاوية.
وحيث أن الامام الحسين (عليه السلام) إمامٌ معصومٌ مفترضُ الطاعة فيجب على الامة الانقياد إليه والائتمار بأمره ، فما رآه (عليه السلام) ودعا إليه فهو الحق وما رفضه ونهى عنه فهو الباطل ، فلما رأى (عليه السلام) بأن وظيفته وتكليفه يحتمان عليه السير في إصلاح ما فسد في الامة ، ليحق الحق ويبطل الباطل سار على ذلك وإن انتهى به الامر إلى الشهادة ، وله بهذا أسوةٌ بالانبياء (عليهم السلام) الذين واجهوا الصعاب في سبيل الله تعالى ، حتى أُوذوا وشُرِّدوا ونُفوا عن أوطانهم ، ومنهُم من تَعرَّض للقتل ونُشر بالمنشار ، ومنهم من قُطع رأسُه في سبيله تعالى كيحيى بن زكريا (عليه السلام) وأُهدي رأسُه إلى بغي من بغايا بني إسرائيل.

واختار يحيى أن يُطاف برأسه * وله التأسي بالحسين يكونُ


ومنهم من أرادوا إحراقه بالنار لولا أن نجاه اللهُ كإبراهيم الخليل (عليه السلام) الذيِ سار على ضَوءِ ما يُمليِه عليه الواجب الديني ، فَكسّرَ أصنام المشركين فكانت النتيجة تعرضه للقتل ( قَالُوا حَرِّقُوهُ وانصُرُوا آلهَتكُم )(1) وغيرهما من
____________
(1) سورة الانبياء : الاية 68.


الصفحة 107

الانبياء (عليهم السلام) وَلم يَمنعهم كلُ ذلك من السعي قُدماً تجاه وظائفهم الشرعية من أجل إصلاح الامة ، ودعوتهم إلى الله تعالى وإن أدى ذلك إلى الشهادة.
فكذلك الحسين (عليه السلام) الذي لا يثنيه عن عزيمته ّمرٌ ولا يلويه أحدٌ عن موقفه الديني ، سار حسبما أملاه عليه الواجب الشرعي والديني وإن تعرض هو مع أهل بيته للتشريد والقتل والابادة ما دام ذلك بنظر الله وأمره تعالى.
وقد ذكر الحجة الشيخ التُستري أعلى الله مقامه : أن للحسين (عليه السلام) تكليفين : واقعي وظاهري :
أ ـ أما الواقعي الذي دعاه للاقدام على الموت ، وتعريض عيالهِ للاسر وأطفاله للذبح مع علمه بذلك ، فالوجه فيه : أن عتاة بني اُمية قد اعتقدوا أنهم على الحق ، وأن علياً وأولاده وشيعتهم على الباطل ، حتى جعلوا سبَّه من أجزاء صلاة الجمعة ، وبلغ الحالُ ببعضهم أنه نَسي اللعن في خُطبة الجمعة فذكره وهو في السفر فقضاه ! وبنوا مسجداً سَمُوه « مسجدَ الذكر » فلو بايع الحسينُ يزيدَ وسَّلَّم الامرَ إليه لم يبق من الحقِ أثرٌ ، فإن كثيراً من الناس يعتقدُ بأن المحالفة لبني أُمية دليلُ استصواب رأيهم وحسن سيرتهم ،
وأما بعد محاربة الحسين لهُم ، وتعريض نفسه المقدسة وعياله وأطفاله للفوادح التي جرت عليهم ، فقد بيَّن لاهل زمانه والاجيال المتعاقبة أحقيتهُ بالامرِ وضَلال من بعى عليه.
ب ـ وأما التكليف الظاهري فلأنه (عليه السلام) سعى في حِفظ نفسهِ وعياله بكل وجه ، فلم يتيسر له وقد ضَيّقوا عليه الاقطار ، حتى كتب يزيد إلى عامله على المدينة أن يقتله فيها ، فخرَج منها خائفاً يترقب ، فلاذَ بحرم الله الذي هو اَمْنُ الخائف وكهف


الصفحة 108

المستجير ، فجَدُّوا في إلقاءِ القبض عليه ، أو قتله غيلةً ولو وُجدَ مُتعلقاً بأستارِ الكعبة ، فالتزم بأن يجعل إحرامَهُ عُمرةً مُفردةً وترك التمتعَ بالحج ، فتوجه إلى الكوفة لانهم كاتبوه وبايعوه وأكدوا المصيرَ إليهم لانقاذهم من شرور الامويين ، فألزمَهُ التكليف بحسب ظاهر الحال إلى موافقتهم إتماماً للحجة عليهم ، لئلا يعتذروا يوم الحساب بأنهم لجأوا إليه واستغاثوا به من ظلم الجائرين ، فاتهمهم بالشقاق ولم يغثهم مع أنه لو لم يرجع إليهم فإلى أين يتوجه ، وقد ضاقت عليه الارض بما رحُبت ، وهو معنى قوله لابن الحنفية : لو كنت في جحر هامة من هذه الهوام لا ستخرجوني حتى يقتلوني(1) !
وقال لابي هرّة ـ الازدي ـ : إنَّ بني أُميةَ أخذُوا مالي فَصبرْت ، وَشتموا عِرضي فَصبرت ، وَطلبُوا دَمي فهرَبت(2)(3).
ولهذا كان (عليه السلام) يُؤكدُ للناس أنها وظيفةٌ شرعيةٌ لا محيص عنها ، وخصوصاً مع أُولئك الذين حاولوا صرفَهُ عن طريقه ، وتغيير وجهَة نظره ، فكان ينسبُ الامرَ إلى الله تعالى وبأمر من جده (صلى الله عليه وآله)كما أوضح هذا إلى أخيه محمد بن الحنفية حينما عزم على الخروج من مكة المكرمة ، وقد قال له أخوه ابن الحنفية : ألم تعدني النظر فيما سألتك ؟ قال : بلى ، ولكن بعدما فارقتك أتاني رسول الله (صلى الله عليه وآله)وقال : يا حسين اخرج فان الله تعالى شاءَ أن يراك قتيلاً.
____________
(1) تاريخ الطبري : ج4 ، ص288 ، مقتل الحسين للخوارزمي : ج1 ، ص218 ، بحار الانوار : ج45 ، ص99.
(2) مقتل الحسين للخوارزمي : ج1 ، ص226 ، بحار الانوار : ج44 ، ص368 ، اللهوف : ص30.
(3) مقتل الحسين للمقرم : ص170 عن الخصائص الحسينية ص85.


الصفحة 109

فاسترجع محمد ، وحينما لم يعرف الوجه في حمل العيال معه وهو على مثل هذا الحال ، قال له الحسين (عليه السلام) : قد شاء الله تعالى أن يراهن سبايا(1).
الامر الذي يدل على أن هناك أمراً وتكليفاً شرعياً كما يُستفاد هذا أيضاً من كلمة « شاء الله » حيث قيل أنها المشيئة التشريعية التي يتعلق بها الامرُ ، فاللهُ تعالى يُريد أن يرى الحسين (عليه السلام) المُدافع والمُحامي عن الدين ، والمصلح لما فسد منه ، ولو أدى ذلك إلى الشهادة والقتل في سبيله.
وقد أكَّد هذا أيضاً وذلك حينما اعترضه أحدهم يريد أن يثنيه عن عزمه ، قائلاً له : إني أُذكركَ اللهَ في نفسك فإني أشهد لئن قاتلت لتُقتلنّ !!
فقال له الحسين (عليه السلام) أفبالموت تخوفني ، وهل يَعدو بكمُ الخطبُ أن تَقتلوني ، وسأقول ما قال أخو الاوس لابن عمه وهو يريد نصرةَ رسول الله (صلى الله عليه وآله) :

سأمضي وما بالموت عارٌ على الفتى * إذا مــا نوى حقاً وجــاهد مسلماً
وواسى الــرجال الصالحين بنفسه * وفــارق مثبوراً وخــالف مُجرماً
فإن عشت لم أندم وإن مـتُ لـم اُلَمْ * كفـى بك ذُلاً أن تعــيش وتُرغما(2)


وفي رواية أنه لما أكثروا عليه في ذلك قرأ (عليه السلام) بعد الابيات المذكورة هذه الاية الشريفة : ( وَكَانَ أَمرُ اللهِ قَدَراً مَّقدُوراً )(3)(4).
____________
(1) اللهوف : ص28 ، بحار الانوار : ج44 ، ص364 ، مقتل الحسين للمقرم : ص167.
(2) تاريخ الطبري : ج4 ، ص305 ، مقتل الحسين للخوارزمي : ج1 ، ص232 ، الارشاد للشيخ المفيد : ص225.
(3) سورة الاحزاب : الاية 38.
(4) تذكرة الخواص لابن الجوزي : ص217 ، نفس المهموم : ص170.


الصفحة 110

وفي رواية قال (عليه السلام) بعد الشعر : لَيسَ شَأني شأَنَ مَنْ يَخافُ الموتَ ، ما أهوَنَ الموت على سبيل نَيْلِ العزِّ وإحياءِ الحقِّ ، ليسَ الموتُ على سبيلِ العزِّ إلا حياةً خالدةً ، وليستِ الحياة مَعَ الذُّلِّ إلاَّ المَوتَ الَّذي لا حَياةَ مَعَهُ ، أفَبالمَوتِ تُخوّفُني ، هيهاتَ طاشَ سهْمُكَ وَخاب ظَنّك لستُ أخافُ الموتَ ، إنَّ نَفْسي لا بْكر وَهِمَّتي لأعلى مِنْ أن أحمِل الضَّيم خَوفاً مِنَ الموتِ ، وهل تقدرُون على أكثر من قتلي ؟ ! مرحباً بالقتل في سبيلِ اللهِ ، ولكنَّكُم لا تقدرُون على هَدم مَجدي ومَحو عزّي وَشرَفي فإذاً لا اُبالي بالقتل (1).
يقول السيد حيدر ـ عليه الرحمة ـ :

كيف يَلوي على الدنيَّة جيداً * لسـوى الله مـالواهُ الخضوعُ
ولديه جأشٌ أردُّ من الدُرع * لظمـأى القنـا وَهـُنَّ شُروعُ
وبه يَرجعُ الحفاظُ لصـدر * ضاقتِ الارضُ وهي فيه تَضيعُ
فأبىَ أن يعيش إلا عزيـزاً * أو تجلى الكفاحُ وهو صَريعُ(4)

____________
(1) إحقاق الحق : ج11 ، ص601 ، أعيان الشيعة : ج1 ، ص581 ، موسوعة كلمات الامام الحسين : ص360.
(4) ديوان السيد حيدر الحلي : ج 1 ص 87.


الصفحة 111

 

ب ـ البعد الديني في موقف أصحابه (عليه السلام)

وإذا ما تتبعنا الدوافع التي دفعت بأنصار الحسين عليه السلام للوقوف إلى جانبه ونصرته إلى آخر رمق في حياتهم ، وجدناها دوافع انبثقت من الشعور بالمسؤلية الشرعية ، والتي تأخذ بأعناقهم جميعا وتلزمهم بالتضحية معه مهما كلفهم الامر.
وقد أفصحت مواقفهم في هذه الليلة عن نواياهم الصادقة النبيلة ، وعلى طهارة نفوسهم فارتقوا بذلك إلى أرقى الكمالات النفسية ، إذ لم يمازح أهدافهم تلك أي نوع من الأهداف الشخصية ، أو المنافع المادية ، أو المطامع الدنيوية ، أو حب الجاه والشهرة.
بل كانت غايتهم رضى الله تعالى ونصر الرسول صلى الله عليه واله في شخص الحسين عليه السلام فأصبحوا مصداقا لقوله تعالى : ( إنهم فتية آمنو بربهم وزدناهم هدى ، وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السموات والأرض لن ندعوا من دونه إلهاً لقد قلنا إذاً شططاً ) (1)
وإذا أمعنا النظر في أفعالهم وأقوالهم في هذه الليلة ، وجدناها تفصح عن دوافعهم الأيمانية وشعروهم بالمسؤلية الشرعية التي لا مناص من الالتزام بها ، وهذا ما كان واضحاً جلياً في كلماتهم التي عاهدوا فيها الحسين عليه السلام على الشهادة حينما أذن لهم بالانصراف ، فمن تلك الكلمات ما يلي :
____________
(1) سورة الكهف : الاية 13 و 14.


الصفحة 112

1 ـ كلمة مسلم بن عوسجة والتي يقول فيها : أنحن نصلي عنك ولما نَعذٌر إلى الله في أداء حقك.
وهذا صريح في أن هذا الامر واجب وفرض لا مناص منه ولِذا ابتدأ كلمته هذه بالاستفهام الانكاري قائلاً : أنحن نخلي عنك ؟! موضحاً أن الاعذار إلى الله تعالى لا يتُم إلا بنصر الحسين (عليه السلام) والوقوف معه وأنه ملزم بالاعذار تجاه الله تعالى وإنها مسؤلية شرعية ، معنى هذا أنه لو تخلى عنها هو وأصحابه فلا يكونون معذورين عند الله تعالى ، وجاءَ في رواية الشيخ المفيد ـ عليه الرحمة ـ بدل قوله : « ولمَّا نعذَر إلى الله » وبمَ نعتذر إلى الله في أداء حقك ، فبعدَ الاعتراف والاقرار بأن للحسين (عليه السلام) حقاً عليهم معنى هذا أنهم إذا لم يَنصرُوه ولم يؤُدوا حقَه كانُوا مسؤلين أمام الله تعالى وليس لهم حينئذ حجةٌ أمامَه يعتذرونَ بها.
2 ـ كلمةُ سعد بن عبد الله والتي يقول فيها : والله لا نُخليك حتى يعلمَ اللهُ أنا قد حفظنا غيبة رسول الله فيك(1).
وهذه صريحة أيضاً كسابقتها في الدلالة في أن الامر لا يَعدو كونَه تكليفاً شرعياً يتضمن الالتزام بحفظ غيبة النبي (صلى الله عليه وآله) ـ والتي لا يختلف فيها اثنان ـ والمتمثلة في شخص الحسين (عليه السلام) الذي هو امتدادٌ لرسالة النبي (صلى الله عليه وآله).
وهذا ما أشار إليه أيضاً زهير بن القين في كلمته التي يقول فيها : فلما رأيتُه ذَكرتُ به رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومكانه منه(2).
3 ـ كلمة جماعة من أصحابه والتي يقولون فيها :فإذا نحن قُتلنا كُنا وَفينا
____________
(1) تاريخ الطبري : ج4 ، ص318 ، الارشاد للشيخ المفيد : ص231.
(2) تاريخ الطبري : ج4 ، ص316 ، وقعة الطف لابي مخنف : ص194.


الصفحة 113

وقضينا ما علينا(1).
وهذه الكلمة تفصح أيضاً عن إيمانهم العميق بلزوم مؤازرته ، وشعورهم بالمسؤلية الشرعية التي تلزمهم بالدفاع عنه الذي هو الحق للحسين عليه السلام عليهم كالدين الشرعي والذي لا يتحقق قضاؤه إلا بالقتل معه فإذا تم ذلك قضوا ما عليهم من الالتزام ووفوا بما عاهدوه عليه.
إلى غير ذلك من كلماتهم والتي أفصحوا فيها عن إحساسهم وشعورهم بالمسؤلية الشرعية الدينية ، والجري نحوها مهما كلف الامر ، ولذا عاهدوه على الشهادة معه في سبيل الله تعالى.
____________
(1) تاريخ الطبري : ج4 ، ص318.


الصفحة 114

ج ـ الرضا والتسليم لله تعالى.
وهو : ترك الاعتراض والسخط باطناً وظاهراً ، وَقولاً وَفعلاً ، وهو : من ثمراتِ المحبة ولوازمها ، إذ المُحب يَستحسنُ كُلمَا يصدر عن محبوبه ، وصاحبُ الرضا يستوي عندَهُ الفقرُ والغنى ، والراحةُ والعناء ، والعزُ والذل ، والصحةُ والمرض ، والموتُ والحياة ، ولا يُرجحُ بعضَها على بعض ، ولا يثقلُ شيءُ منها على طَبعه ، إذ يرى صُدورَ الكل من الله سبحانه ، وقد رسخ حُبه في قلبه ، بحيث يُحب افعالَه ، ويَرجُح على مُراده مُرادُه تعالى ، فيرضى لكل ما يكون ويرد.
وروي : أن واحداً من أرباب الرضا عمَّر سبعين سنةً ، ولم يَقل في هذه المُدة لشيء كان : ليتَهُ لم يكن ، ولا لشيء لم يكن : ليته كان.
وقيل لبعضهم : ما وجَدتَ من آثار الرضا في نفسك ؟
فقال : ما فيَّ رائحةٌ من الرضا ! ومع ذلك لو جعلني اللهُ جسراً على جهنَّم ، وعبرَ عليه الاولون والاخرون من الخلائق ودخلوا الجنة ، ثم يلقوني في النار ، وملأ بي جهنَّم ، لاحببت ذلك من حُكمه ، ورضيتُ به من قسمه ، ولم يختلج ببالي أنه لِمَ كان كذا ، وليت لم يكن كذا ، ولِمَ هذا حظي وذاك حظهم.
وصاحبُ الرضا أبداً في رَوح وراحة ، وسُرور وبهجة ، لانَهُ يشاهدُ كلَ شيء بعين الرضا ، وينظرُ في كلِ شيء إلى نور الرحمة الالهية ، وسر الحكمة الازلية ، فكأن كلَ شيء حصل على وفق مُراده وهواه.
وفائدةُ الرضا ، عاجلاً ، فراغُ القلبِ للعبادة والراحة من الهموم ، وآجلاً ،


الصفحة 115

رضوان الله والنجاة من غضبه تعالى.
والرضا بالقضاء أفضل مقاماتِ الدين ، وأشرف منازل المقربين ، وهو بابُ الله الاعظم ، ومن دخلهُ دخلَ الجنة ، قال الله سبحانه : ( رَضيَ اللهُ عنهُمْ ورَضوا عَنهُ )(1).
وعن النبي (صلى الله عليه وآله)أنه سأل طائفةً من أصحابه : ما أنتم ؟ فقالوا : مؤمنون. فقال : ما علامةُ إيمانكم ؟ فقالوا : نَصبرُ على البلاءِ ، ونشكُر عند الرخاء ، ونرضى بمواقع القضاء. فقال : مؤمنون ورب الكعبة .
وقال (صلى الله عليه وآله) : إذا أحب الله عبداً ابتلاه ، فإن صبر اجتباه ، فإن رضي اصطفاه(2).
ذلك هو الرضا والتسليم لله تعالى في قضاءه وقدره من خير أو شر ، والذي هو من سمات وصفات الاولياء وأهل الايمان والذين ينظرون إليه تعالى ـ بعين الرضا وكأنه حصل وفق مرادهم.
وهذا الجانب الايماني العظيم ظهر وبشكل بارز وواضح في سلوك أهل البيت (عليهم السلام) كما نراه واضحاً في سلوك سيد الشهداء الحسين (عليه السلام) والذي ما انَفك عنه في كُل أحواله وأفعاله وأقواله ، ولم يظهر عليه أيُ أثر خلاف ذلك.
بل كان في أعلى درجات الرضا والتسليم للخالق تعالى ، فكانت حكمتهُ في الحياة : رضا الله رضانا أهل البيت ، نصبرُ على بلائه ، ويوفّينا أجور الصابرين (3).
وقد روي انه(عليه السلام) فَقدَ له ولداً في حياته فلم يُرَ عليه أثراً للكآبة فقيل له
____________
(1) سورة المائدة : الاية 122.
(2) جامع السعادات للزاقي : ج3 ، ص202.
(3) اللهوف : ص26 ، بحار الانوار : ج44 ، ص367.


الصفحة 116

ذلك ؟!
فقال (عليه السلام) : إنا أهل بيت نسأل الله فيعطينا ، فإذا أراد ما نكره فيما نحب رضينا(1).
وتشهدُ له بهذا أيضاً المواقف المريرة ، ـ يوم العاشر ـ والتي يقول فيها : وقوله أيضاً عند اشتداد المصائب عليه وذلك لما قُتل رضيعه : هَوّنَ عليِّ ما نَزَل بي أنَّهُ بعين الله(2).
وقوله(عليه السلام) لما اُصيب بسهم : اللهم إن هذا فيك قليل(3).
يقول الشيخ الوائلي :

ومشت فـي شفاهك الغر نجوى * نمّ عنهــا التحمـيد والتهليل
لك عتبي يارب ان كان يرضيك * فهـذا إلـى رضــاك قليـل


وقال آخر على لسان حال الحسين عليه السلام :

تركت الخلق طراً في هواكا * وأيتمت العيال كي اراكا
فلو قـطعتـني بالحب إرباً * لما مال الفؤاد إلى سواكا


فكان ـ صلوات الله عليه ـ في أعلى درجات الايمان والذي من إشعاعه الرضا والتسليم لامر الله تعالى وقضائه.
وأما ظهور هذا الامر في هذه الليلة العظيمة ، فأمرٌ واضح في سلوكه (عليه السلام) ، مع ما هو فيه من البلاء العظيم الذي يحذق به وبأهله وأصحابه ، فكان كلما اشتد عليه
____________
(1) حياة الامام الحسين (عليه السلام) للقرشي : ج1 ، ص123
(2) اللهوف لابن طاووس : ص50 ، بحار الانوار : ج45 ، ص46.
(3) حياة الامام الحسين للقرشي : ج3 ، ص284.


الصفحة 117

الامرُ يكثر وقاره ، ويزيد اطمئنانه ، ويشرقُ لونه ، وتهدأُ جوارحه ، وتسكن نفسه(1) لأنه ـ صلوات الله عليه ـ يشاهد كل ما يجري عليه وعلى أهل بيته بعين الرضا والتسليم .
وكيف لا تطمئن نفسه وهو ينظرُ إلى في كل شيء بنور الرحمة الالهية ، ولذا اختص بنداء خاص(2) بقوله تعالى :( يا أيتُها النَفسُ المطمئنةُ ارجعي إلى ربك ) واختص برضاه عن ربّه ورضاه عنه بقوله : ( راضيةً مرضيةً ) ، واختص بعبودية خاصة وجنة خاصة منسوبة الى الله بقوله : ( فادخُلي في عبادي
____________
(1) جاء في معاني الاخبار للصدوق ـ عليه الرحمة ـ ص 288 باب معنى الموت ( ونقله في بحار الانوار أيضاً : ج44 ، ص297 ) : عن أبي جعفر الثاني ، عن أبائه (عليهم السلام) قال : قال علي بن الحسين (عليه السلام) : لمَّا اشتدَّ الامر بالحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، نظر إليه من كان معه فإذا هو بخلافهم ، لانّهم كلما اشتدُ الامر تغيرت ألوانُهم ، وارتعدت فرانصُهم ووجلت قلوبُهم ، وكان الحسين (عليه السلام) وبعضُ مَنْ معه من خصائصه تشرقُ ألوانُهم ، وتهدأُ جوارحُهم ، وتسكن نفوسُهم.
فقال بعضهم لبعض : انظروا لا يُبالي بالموت !! فقال لهم الحسين (عليه السلام) : صبراً بني الكرام فما الموت إلا قنطرة تعبر بكم عن البؤس والضراء إلى الجنان الواسعة والنعيم الدائمة ، فأيّكم يكره أن ينتقل من سجن إلى قصر ؟ وما هو لاعدائكم إلا كمن ينتقل من قصر إلى سجن وعذاب ، إنَّ أبي حدثني عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) : ان الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر. والموت جسر هؤلاء الى جنانهم ، وجسر هؤلاء إلى جحيمهم ، ما كذبت ولا كُذبت.
(2) روي عن دارم بن فرقد قال : قال أبو عبد الله (عليه السلام) : إقرءوا سورة الفجر في فرائضكم ونوافلكم ، فإنها سورة الحسين بن علي (عليهما السلام) وارغبوا فيها رحمكم الله تعالى ، فقال له أبو اُسامة وكان حاضرَ المجلس : وكيف صارت هذه السورة للحسين(عليه السلام) خاصّة ؟ فقال : ألا تسمع إلى قوله تعالى ( يا أيّتها النّفسُ المطمئنّة) الاية ، إنّما يعني الحسين بن علي (عليهما السلام) فهو ذو النّفس المطمئنّة الرّاضية المرضيّة ، وأصحابه من آل محمد (صلى الله عليه وآله) هم الراضون عن الله يوم القيامة ، وهو راض عنهم. بحار الانوار : ج44 ، ص218


الصفحة 118

وادخلي جَنَّتي )(1)(2).
ومن كلمات الرضا التي ظهرت في كلماته الشريفة في هذه الليلة قوله(عليه السلام) في ضمن أبيات أنشدها مراراً :

وإنما الامر إلى الجليل * وكلُ حيٍّ سالكٌ سبيلي


قالها بكل ثقة واطمئنان مذكّراً بأنّ هذا سبيل كلّ إنسان ، وأن الامر ينتهي إليه تعالى فلا رادَّ لقضائه ولا دافعَ لحكمته ـ عزّوجّل ـ.
ولما خطب في أصحابه هذه الليلة ابتدأها بكلماتِ الرضاء والتسليم لله تعالى وبالثناء عليه والشكر له تعالى قائلاً : أُثني على الله تبارك وتعالى أحسنَ الثناء وأحمدَهُ على السّراء والضراء ، اللهم إني أحمَدُك على أن أكرمتنا بالنبوة ، وعلمتنا القرآن وفقهتنا في الدين ، وجعلت لنا أسماعاً وأبصاراً وأفئدةً فاجعلنا من الشاكرين(3).
إنه بِحق أعظم موقف في مقام الشكرِ والامتنان لله تعالى على ما أعطاه ومنحهُ من نِعَم ، كما يثني عليه ويحمده على السراء والضراء الامر الذي يدل على تسليمه لامر الله ـ تعالى ـ ورضاه بقضائه في جميع الاحوال.
ومنها إيضاً قوله (عليه السلام) : في موقف مع أصحابه وأهل بيته (عليهم السلام) فإنَّ اللهَ لا يُخليني من حُسنِ نظره كعادته في أسلافنا الطيبين(4) ، والذي يدل على ارتباطه
____________
(1) سورة الفجر : الاية 27 ـ 30.
(2) الخصائص الحسينية للتستري : ص54.
(3) تاريخ الطبري : ج4 ، ص317 ، الارشاد للشيخ المفيد : ص231.
(4) أسرار الشهادة للدربندي : ج2 ، ص223.


الصفحة 119

الشديد بالله ، وثقته العظيمة به وأنّ ما يجري عليه هو بنظره تعالى.
ومن كلماته عليه السلام في ذلك لهم : فاعلموا أن الله إنما يَهبُ المنازلَ الشريفة لعباده باحتمال المكاره ، وإن الله وإن كان قد خصَّني مع مَنْ مضى من أهلي الذين أنا آخرُهُم بقاءً في الدنيا من الكرامات ، بما سهّل معها على احتمال الكريهات ، فإن لكم شطرَ ذلك من كرامات الله ، واعلموا أن الدنيا حُلوها مرُّ ، ومرُّها حُلوٌ ، والانتباه في الاخرة ، والفائز مَنْ فازَ فيها والشقي من يشقى فيها(1).
إذ أخذ ـ صلوات الله عليه ـ يرغبهم في احتمال المكاره ، وأنه تعالى يَهبُ المنازلَ باحتمالها وأنه يحتملُها كرامةً لله ـ تعالى ـ ، كما أخذَ يُنَبهُهم من أمر الدنيا ، ويبين حقيقتها فالانسان فيها إمّا أن يُسعد أو يشقى ، فسعادته هي سيّرهُ وفقاً لما أراده الله عزوجل وسعياً لتحقيق الاهداف التي من أجلها خُلق ووجد ، وشقاؤه من اتباع شهوات الدنيا والتعلق بحبائلها والانشغال بزخارفها.
وأوضح (عليه السلام) أن مرارة الدنيا وصعوباتها حين تكون في طريق الله سبحانه تتسم في نظر المؤمن بالحلاوة والجمال ، فالمؤمن مُحب لله ويستحسن كلما يجري عليه من أجل محبوبه.
____________
(1) أسرار الشهادة للدربندي : ج2 ، ص223.


الصفحة 120

د ـ الاستبشار بالشهادة
ليس من المُعتاد أن يفرح الانسان ويبتهج وهو يعلم بدنو أجله وانقطاع حبل حياته من الدنيا ، فتراه إذا ما علم بدنو أجله ، اعتراه الخوف والوجل والاضطراب ، ولربما مات بسبب خوفه من الموت ، إذ أن كل إنسان يحب الحياة والبقاءَ ويتشاءم من الموت.
ولعلك تعجب إذا ماسمعت بأن أصحاب هذه الليلة باتوا ليلتهم وهم أشدُ الناس فرحاً ، وأبهجهم حالةً ، وأربطهم جأشاً ، مستبشرين بما أقدموا عليه وبما يصرون إليه وقد أخذ يداعبُ بعضهم بعضاً ، مع علمهم بدنو آجالهم ، وأن أجسادهم سوف تصبح عن قريب طعمةً للسيوف ونهبةً للاسنة. ومرمىْ للسهام.
ولعله لم تمر عليهم ليلةٌ بأسعد منها ، حتى بدت على وجوههم الطلاقة والاشراق والطمأنينة لا يستشعرون بخوف ولا وجل ، وذلك أنهم وجدوا أنفسهم يؤدون وظائفهم الشرعية تجاه سبط الرسول (صلى الله عليه وآله) ، إذ سوف يحوزون على أعظم وأقدس شهادة عرفها تاريخ البشرية ، ثم ذلك النعيمُ الدائم الذي لا اضمحلال فيه ، فأصبحوا مصداقاً لقوله تعالى : ( إن الذين قالوا رُّبنا الله ثم استقاموا فلا خوفٌ عليهم ولا هُم يحزنون ، أولئك أصحابُ الجنة خالدين فيها جزاءً بما كانوا يعملون )(1).
____________
(1) سورة الاحقاق الاية : 13 و 14.


الصفحة 121

وقوله تعالى : ( إن الذين قالوا رَبُنا الله ثُمَّ استقاموا تتنزلُ عليهمُ الملائكةُ ألا تخافُوا ولا تحزنُوا وأبشرُوا بالجنة التي كنتم توعدون )(1).
والجدير بالذكر انه جاء في زيارة على بن الحسين (عليهما السلام) : أشهد أنّك من الـ ( فَرِحِينَ بِمَا أتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضلِهِ وَيَستَبشِرُونَ بِالَّذِينَ لَم يَلحَقُوا بِهِم مّنْ خَلفِهِم ألاَّ خَوفٌ عَلَيهِم وَلأهُم يَحزَنُونَ ) (2) ، وتلك منزلةُ كلّ شهيد فكيف منزلة الحبيب إلى الله ، القريب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)(3).
فهذا ما كان عليه أهل بيت - الحسين (عليه السلام) وأصحابه من الاستبشار والفرح بالشهادة في سبيل الله تعالى ، ولا غروان تتَنزّل عليهم الملائكة وتبشرهم وتطمئنهم ( الا تخافوا ولا تحزنوا وابشروا بالجنة التي كنتم توعدون ) ، وحسبك رسول الله (صلى الله عليه وآله) في هذه الليلة أن يكون هو المبشر بهذا لولده الحسين (عليه السلام) باستبشار الملائكة به.
فقد جاء في الرواية أن الحسين (عليه السلام) لما خفق خفقة في سحر ليلة العاشر رأى جده (صلى الله عليه وآله) ومعه جماعة من أصحابه وهو يقول له : يا بُني أنت شهيدُ آلِ محمد ، وقد استبشرَ بكَ أهلُ السماوات وأهلُ الصفيح الاعلى ، فليكن إفطارُك عندي الليلة عجل ولا تُؤخر ، هذا مَلكٌ قد نزل من السماءِ ليأخذ دَمَكَ في قارورة خضراء..(4)
الامر الذي يدل على استبشار الملائكة وأهل الفصيح الاعلى بلقاء
____________
(1) سورة فصلت الاية : 30.
(2) سورة آل عمران الاية 170.
(3) بحار الانوار : ج 98. ص 242.
(4) بحار الانوار : ج45 ، ص3 ، الفتوح لابن الاعثم : ج2 ، ص153.


الصفحة 122

الحسين (عليه السلام) وأصحابه ، كما استبشرهو أيضاً بهذا اللقاء والذي ما فتىء يَحنو إليه واعتبر يوم يلقاه سعادة كما أشار إلى هذا في قوله (عليه السلام) : إني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما (1).
وهو القائل (عليه السلام) :

وإن تكن الابدان للموت اُنشئت * فَقتلُ امريء بالسيف في الله أفضل(2)


فالقتل في سبيل الله عنده سعادةً ، والاستشهاد بالسيف أفضل ، إذا كان في ذلك نصرٌ لدينه ، وإحياءٌ لامره ، وحفظٌ لشرعه ، فكان حقيقاً به (عليه السلام) أن يبتهج ويشرق وجهه استبشاراً بلقاء الله بنفس مطمئنة غير وجلة ، وهو القائل : لست أخاف الموت ، إن نفسي لابكر وهمتي لاعلى من أن أحمل الضيم خوفاً من الموت ، وهل تقدرون على أكثر من قتلي ، مرحباً بالقتل في سبيل الله (3).
يقول السيد حيدر الحلي - عليه الرحمة - :

وسامته يركـب إحــدى اثنتين * وقد صـرَّت الحـرب أسنانها
فأمّا يُرى مذعنـاً أو تمــوت * نفـــسٌ أبـى العزُّ اذعانها
فقــال لها اعتصمـي بـالابـا * فنـفس الابــيّ ومـا زانهـا
إذا لـم تجد غير لبـس الهـوان * فبـالمــوت تنـزع جثمانها
رأى القتل صبـراً شعـار الكرام * وفخــراً يُزين لها شأنها (3)

____________
(1) تقد تخريجه
(2) مقتل الحسين للخوارزمي : ج1 ، ص223 ، مقتل الحسين للمقرم : ص180.
(3) تقدم تخريجه.
(4) ديوان السيد حيدر الحلي ج 1 ص 109 ، رياض المدح والرثاء : ص61.


الصفحة 123

فكان عليه السلام أربط جأشاً مع كل ما جرى عليه غير مكترث بعدتهم وعديدهم وقد انعكس هذا الأمر على اصحابه فكانوا غير مكترثين بما يجري عليهم ، مع علمهم بمصيرهم المهول ، إذ استقبلوه بشجاعة فائقة ، لا يوجد فيها تخاذل أو تردد بل على العكس هُم في عَدّ السويعات القليلة ، مع رجاء انقضائها وبزوغ شمس الجهاد والتضحية ، وفلق هام رؤوس الاشرار ، مع السرور والحبور وملاقاة الحور بشراء النفس ابتغاء مرضات الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وآله) وكيف لا يكونون أشد الناس فرحاً وهم يَبلغون مَبلغَ الفتح العظيم ، ويستقبلون اعظم شهادة مقدسة عرفها التاريخ ، كما أشار إلى هذا سيد شباب أهل الجنة ـ صلوات الله عليه ـ في كتابه إلى بني هاشم : فإن من لحق بي منكم استشهد ، ومن تخلف عني لم يبلغُ مبلغ الفتح...(1).
وكما لا يخفى أن من آثار الفتح الفرح والاستبشار عند الفاتح ، ولعل إلى هذا أشار سلمان الفارسي ـ رضوان الله عليه ـ في حديثه مع زهير بن القين ، وقد حدث به أصحابه لما التحق الاخير بركب الحسين (عليه السلام) قائلاُ لهم : من أحب منكم ان يَتْبعني وإلا فهو آخر العهد.
إني سأحدثكم حديثاً ، إنا غزونا البحر ففتح الله علينا وأصبنا غنائم ، فقال سلمان الفارسي ـ رحمة الله عليه ـ : أفرحتم بما فتَح الله عليكم وأصبتم من الغنائم؟! قلنا : نعم ، فقال : إذا أدركتم سيدَ شباب آل محمد فكونوا أشدَ فرحاً بقتالكم معهم مما أصبتم اليوم من الغنائم...(2)
____________
(1) اللهوف لابن طاووس : ص28 ، المناقب لابن شهر آشوب : ج4 ، ص76 ، بحار الانوار : ج44 ، ص330 ، وج 45 ص 85.
(2) الارشاد للشيخ المفيد : ص221 ، بحار الانوار : ج 44 ص 372 ، تاريخ الطبري : ج4 ، ص299.


الصفحة 124

هذا ما كانوا عليه ـ صلوات الله عليهم ـ إذ أخذ كل منهم يداعب الاخر ويضاحكه استبشاراً منهم بالشهادة والتي سوف يحققونها عملياً على صعيد ذلك التراب الطاهر.
وهذا في الواقع يُمثل قمة الشجاعة والصمود حيث أنهم في ساعاتهم الاخيرة ، غير مكترثين بالاعداء ، ومواقفهم ليلة العاشر تَشهد على ذلك والتي منها : موقف برير مع عبد الرحمن لما أخذ يهاذله ويضاحكه إقال له عبد الرحمن : دعنا فوالله ما هذه بساعة باطل ؟ قال له برير : والله لقد علم قومي أني ما أحببت الباطل شاباً ولا كهلاً ، ولكن والله إني لمستبشر بما نحن لاقون ، والله إن بيننا وبين الحور العين إلا أن يميل هؤلاء علينا بأسيافهم ، ولو وددت أنهم قد مالوا علينا بأسيافهم !! (1).
وموقف حبيب بن مظاهر مع يزيد بن الحصين الهمداني ، حينما رأى يزيدُ حبيبَ خارجاً يضحك ! !
فقال له : ما هذه ساعة ضحك ؟ !
فقال حبيب له : فأي موضع أحق مِنْ هذا السرور ؟ والله ما هو إلا أن يميل علينا هذه الطغام بسيوفهم فنعانق الحور العين (2).
وكذلك أيضا موقف نافع بن هلال ـ رضي الله عليه ـ الذي قضى شطرَ ليله في كتابة اسمه على سهام نبله إمعاناً في طلبه المثوبة والاجر ، وإمعاناً في السخرية
____________
(1) تاريخ الطبري : ج4 ، ص321 ، اللهوف : ص41.
(2) اختيار معرفة الرجال للطوسي : ج 1 ص 293.


الصفحة 125

الخطر ، وإمعاناً في الترحيب بالموت(1).
فكانوا حقاً كما قال فيهم الحسين (عليه السلام) : فما وجدت فيهم إلا الاشوس الاقعس ، يستأنسون بالمنية دوني استيناس الطفل إلى محالب أمه(2).
وهذا ما استأثر بعناية بالغة عند شعراء وأدباء الطف إذ صوروا ما كان عليه أصحاب الحسين (عليه السلام) من التفوق والروح المعنوية العالية ، واستبشارهم وفرحهم بالشهادة ، يقول السيد رضا الهندي ـ عليه الرحمة ـ :

يتمايلون كأنمــا غنّـى لهـم * وَقـعُ الظّبـى وسقاهُمُ أكوابا
وكأنَهم مستقتـبلونَ كواعبــاً * مستقبليــن أسنــةً وكعابا
وجدوا الردى من دون آل محمد * عَذباً وبعدَهُم الحياة عذاباً (2)


وقال أيضاً :

ادركوا بالحسين أكبر عيد فغدوا في منى الطفوف أضاحي(4)

ويقول الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء ـ نور الله ضريحه ـ :

وبأسـرة مــن آل أحمــد فتتية * صينت ببذل نفوسها فتيــاتها
يتضاحكون إلــى المنون كأنَّ في * راحاتــها قد أُترعت راحاتها
وترى الصَّهيل مــع الصَّليل كأنَّه * فيهم قيـانٌ رجِّعـت نغمـاتها
وكأنَّمــا سمر الرمـاح معاطفٌ * فتمايلت لعنــاقها قامــاتها

____________
(1) الدوافع الذاتية لانصار الحسين لعابدين : ص231.
(2) الدمعة الساكبة : ج 4 ، ص273 ، مقتل الحسين للمقرم : ص219.
(3) رياض المدح والرثاء : ص95.
(4) رياض المدح والرثاء : ص97.


الصفحة 126

وكأنما بيض الظّبي بيض الدّمى * ضمنت لمى رشفاتها شفراتها
وكأنَّـما حمـر النصول أنامل * قد خضَّبتها عَنْدَماً كاساتها (1)
 

ويقول السيد محمد حسين الكيشوان : عليه الرحمة ـ في وصفه لهم (عليهما السلام) :

تجري الطَّلاقة فـي بهـاء وجوهِهـم * إن قطَّبـت فَرَقاً وجـوهُ كُماتها
وتطلّـَعـت بـدجـى الـقتام أهلـَّة * لكـن ظهـور الخيل من هالاتها
فتدافعت مشـي النزيـف إلى الردى * حتّـى كـأنَّ الموت من نشواتها
وتـعانـقت هـي والسّيوف وبعدذا * مـلكت عنـاق الحور في جناتها


وقال شاعر آخر :

ومُذ أخذت في نينوى منهم النوى * ولاح بها للغدر بعــض العلائم
غــداً ضاحكاً هـذا وذا مُتبسما * سروراً وما ثغرُ المنون بباسم (1)


وبهذه الروح المعنوية العالية انتصروا وحققوا ما كانوا يصبون إليه وما يهدفونه ، مع قلتهم وكثرةِ عدوهم الذي كان يفقد الروح المعنوية في مواجهة الحرب إذ كانوا مدفوعين بالقوة لا هدف لهم سوى الباطل. فأخذوا يرقبون الحربَ وهم على خوف ووجل ، بخلاف ما كان عليه أصحاب الحسين (عليه السلام) الذين باتوا في أبهج حالة وأربط جأش مطمئنين بما يجري عليهم ، فكانوا كلما اشتد الموقف حراجة أعقب فيهم انشراحاً وسروراً.
____________
(1) مقتل الحسين للمقرم : ص 381.
(2) نفس المصدر : ص216.

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة