|
|
شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي |
|
الصفحة 318
يسقط الضمان عن المباشر في موارد..
الأول: ما إذا كان المجني عليه معتدياً على الجاني وكان الجاني مدافعاً له عن اعتدائه، فإن المعتدي مهدور الدم والمال ولا سبيل على المدافع، ويلحق بذلك من اطلع على قوم في منزلهم ليشرف عليهم وينظر إلى عوراتهم، فإن لهم أن يردعوه ويرموه فإن أصابوا عينه أو جرحوه أو قتلوه فلا دية له وكانت الجناية عليه هدر.
الثاني: ما إذا كان المجني عليه معتدياً على طريق المسلمين، كالنائم في الطريق والواضع متاعه فيه بنحو يزاحم المارة، فإنه إذا أصابه المار وجنى عليه أو على ماله من دون علم كانت جنايته هدراً ولم يكن عليه ضمان.
الثالث: ما إذا رمى في موضع قد يـمر فيه إنسان وحذّر، فـمر إنسان فأصابه وهو لايعلم، فإنه لادية له، بخلاف ما إذا لم يحذّر، فإنه إن أصابه كان له الدية على عاقلة الرامي. وكذا إذا خاطر المجني عليه بنفسه، فـمرّ في المكان المعرض للجناية مع علمه بالحال فأصابه الجاني من دون عمد. والأحوط وجوباً قصور ذلك عما إذا كان الجاني معتدياً في اختيار المكان الذي يرمي فيه، كما لو رمى في ملك المجني عليه من دون إذنه أو في طريق المسلمين.
الرابع: ما إذا كان المجني عليه أو وليه قد أذن في الجناية فيما إذا كان له السلطنة على ذلك، كما في الجنايات الخفيفة غير الخطيرة، أو الخطيرة التي لها مبرر، كما في موارد دفع الافسد بالفاسد عند العلاج، دون القتل أو تعطيل العضو الذي يتعرض معه الانسان للخطر من دون مبرر، بل مطلق تعطيل العضو من دون مبرر وإن لم يتعرض معه للخطر على الأحوط وجوب. وربم الصفحة 319 كان هناك موارد اُخرى قد تظهر عند الكلام في المقام الثاني.
المقام الثاني: في التسبيب.
(مسألة 287): لو فعل بشخص ما يعرضه للضرر ويعجز معه من التخلص منه فحصل الضرر عليه ضمن، كما لو كتفه أو حبسه فافترسه السبع أو جرفه السيل أو نحو ذلك. وكذا لو ألقاه في أرض مسبعة فافترسه السبع من دون أن يقدر على التخلص منه. نعم لو كان الضرر بمباشرة شخص آخر مختار كان المباشر هو الضامن، كما إذا حبسه وذهب فجاء شخص آخر فقتله. كما أنه لو لم يكن لما فعله به أثر في حصول الضرر عليه فلا دية له، كما لو مات حتف أنفه.
(مسألة 288): لو أغرى شخص حيواناً ـ كالكلب والاسد ـ بإنسان فجنى عليه كانت الجناية والضمان على المغري، وكذا إذا أغرى به صبياً غير مميز أو مجنون. أما إذا أغرى به صبياً مميزاً أو كبيراً عاقلاً فالجناية على المباشر أو على عاقلته، إلا أن يكون الاغراء بطريق الامر وكان المأمور عبداً للامر، كما تقدم في فصل قصاص النفس، نعم قد يستحق المغري التعزير، كما تقدم هناك أن الامر يخلد في السجن عقوبة وحدّ، فراجع.
(مسألة 289): إذا كان المجني عليه في المسألتين السابقتين قادراً على التخلص من الجناية فتسامح ولم يفعل لم تكن الجناية مضمونة على الحابس والمغري.فيجب عليه ديته إذا جهل أمره أو علم بموته وإن لم يعلم أنه هو الذي قتله.
(مسألة 290): من أضر بالطريق كان ضامناً لما يحدث بسببه من قتل أو جرح أو تلف مال، كما لو حفر فيه حفيرة فسقط فيها رجل أو حيوان، أو طرح حجر، أو أثبت وتداً فعثر به المار، أو دق مسماراً في حائط في الطريق فجرح به المار أو شق ثوبه، أو نحو ذلك. وكذا لو ألقى قشراً في الطريق فزلق به المار فضره أو ضر ماله. الصفحة 320 (مسألة 291): من نصب ميزاباً أو غيره على الطريق بنحو لايضر بالمارة لعلوه وأحكمه، ثم وقع بزوبعة أو نحوها فأضر بنفس أو بدن أو مال فلا ضمان عليه.
(مسألة 292): من حفر في ملك غيره، أو وضع فيه شيئ، أو بنى بناء بغير إذن المالك فهو ضامن لما يحدث بسببه على المالك، وعلى من يدخل فيه بإذن المالك. وأما ضمانه لما يصيب الداخل بغير إذن المالك عدواناً ففيه إشكال، والاظهر العدم.
(مسألة 293): لافرق في الضمان في المسألتين السابقتين بين أن يكون إحداث ما أحدث في الطريق أو في ملك الغير لمصلحة الطريق أو لمصلحة ذلك الغير وأن لايكون كذلك. نعم لو أحدث ولي المالك في الملك شيئاً بغير إذنه لم يكن ضامناً لما يحدث على المالك بسببه إذا لم يكن مفرطاً في حقه عرف.
(مسألة 294): لابد في الضمان فيما سبق من عدم تعمد المضرور المرور بالمكان مع الالتفات لما حدث فيه، فإن تعمد المرور بالمكان ملتفتاً لما حدث فيه لتخيل تمكنه من تجنب الضرر فوقع في الضرر فالظاهر عدم الضمان على من أحدث فيه ماأحدث، وأظهر من ذلك ما إذا أقدم على الضرر وتعمد إيقاعه بنفسه أو ماله. بل لو كان يحمل نفساً اُخرى أو مالاً لشخص آخر فتعمد العبور بالمكان لتخيل تجنب الضرر أو إقداماً على الضرر كان هو الضامن للضرر على تلك النفس أو ذلك المال، دون من أحدث بالمكان ما أحدث.
(مسألة 295): من حفر شيئاً في ملكه أو وضع شيئاً فيه فهو لايضمن ما يحدث بسببه لمن يدخل فيه بغير إذنه، بل حتى لمن دخل فيه بإذنه، إلا أن يكون مخدوعاً ومغروراً من قبله.
(مسألة 296): من بنى جداراً في ملكه أو في مكان مباح أو مأذون له فيه لم يضمن ما يحصل بسبب سقوط الجدار. نعم إذا سقط الجدار على الطريق أو على ملك إنسان غيره فأصاب المارة أو صاحب الملك ومن يتعلق به وكان ذلك الصفحة 321 بتقصير من باني الجدار لميلان الجدار أو عدم إحكامه كان الباني ضامناً لما حصل. ولو كان ذلك منه غفلة من دون تقصير ففي الضمان إشكال. وهل الضامن هو المباشر للبناء أو صاحب الجدار الباذل لبنائه والامر به؟ الظاهر الاول.
(مسألة 297): لو بنى الحائط محكماً ثم طرأ عليه الخلل وصار في معرض السقوط كان لمن يتعرض للضرر ـ كالجار أو المارة ـ إصلاحه أو تهديمه بعد استئذان المالك ووجب على المالك الرضا بذلك، وإن امتنع لزم مراجعة الحاكم الشرعي. ولو منع المالك أو غيره من تهديمه بحيث تعذر ذلك فسقط، فهل يكون المانع ضامناً لما يحدث بذلك من تلف في النفوس أو الاموال؟ إشكال. بل لاإشكال في عدم الضمان لو لم يكن المانع مقصراً لاعتقاده إحكام الحائط ولم يتدخل الحاكم الشرعي. وكذا إذا لم يلتفت أحد لحصول الخلل في الحائط ولم يطالب بإصلاحه أو تهديمه حتى سقط.
(مسألة 298): من وضع شيئاً على مرتفع وكان معرضاً للسقوط فسقط وتلف، أو أصاب شيئاً فأتلفه كان ضامناً لما حصل. وإن لم يكن معرضاً للسقوط فسقط بشيء غير متوقع من ريح أو نحوها فلاضمان عليه.
(مسألة 299): لو أراد إصلاح سفينة في الماء فغرقت بفعله ضمن ما حصل من جناية على النفس أو البدن مع عجز المجني عليه عن التخلص، أما ما اُصيب فيها من مال فهو يضمنه حتى لو قدر صاحبه على تخليصه فلم يفعل. نعم لو كان مأذوناً من قبل المجني عليه أو على ماله في الاصلاح ولم يتجاوز ما اُذن له فيه وتبرأ من ضمانه عليه فلا ضمان عليه، كما لو وقعت السفينة في خطر وطلبوا منه إصلاحها أملاً بالنجاة فخاف من تفاقم الخطر فتبرأ من الضمان فقبلوا منه ففعل ما هو الاقرب بنظره لدفع الخطر فأخط، كما أنه لو اُذن له في أمر خاص ـ كدق مسمار ـ ففعله غافلاً عن ترتّب الضرر وحصل الضرر فلا ضمان وإن لم يتبرأ من الضمان. الصفحة 322 (مسألة 300): من أجّج ناراً في ملكه فإن كانت في معرض السراية لغيره فسرت وأتلفت كان ضامناً لتلفه، وإن لم تكن في معرض السراية فسرت اتفاقاً لطارئ غير متوقع فلا شيء عليه. أما لو فعل ذلك في ملك غيره من دون إذنه كان ضامناً لما يحدث بسببها مطلق.
(مسألة 301): يجب على مالك الحيوان الصائل ـ كالبعير المغتلم والكلب العقور ونحوهما ـ منعه والاستيثاق منه، فإن فرّط في ذلك كان ضامناً لما يصيبه الحيوان من نفس أو بدن أو مال. وإن لم يكن مفرطاً في ذلك فلا ضمان عليه، كما لو لم يعلم بحاله، أو استوثق منه ومنعه فأفلت، نعم لايجري ذلك في مثل الهرّة مما هو صائل بطبعه ويتعارف التحفظ منه بسبب توقع الابتلاء به فإن صاحبه لا يضمن ما يفسده، بل على الناس التحفظ منه. إلا أن يخرج في وضعه عن المتعارف ويكون لجني صاحبه له أثر في إفساده وابتلاء الناس به، بحيث لولا ذلك لم يألف البيوت أو لم يفسد ولا يؤذي الناس ففي عدم ضمان صاحبه حينئذٍٍ لما يفسده إشكال.
(مسألة 302): إذا تعارف منع الحيوان في وقت دون وقت، فما أصابه ذلك الحيوان في الوقت الذي يتعارف منعه فيه مضمون على صاحبه، وما أصابه في الوقت الذي يتعارف عدم منعه فيه غير مضمون على صاحبه، كالماشية التي يتعارف إطلاقها في النهار لترعى ومنعها في الليل.
(مسألة 303): من دخل دار قوم بإذنهم فعقره كلبهم ضمنوا جنايته، وإن كان دخوله بغير إذنهم فلا ضمان عليهم، أما لو عقره الكلب خارج الدار فإن كان عقره ليلاً فلا ضمان عليهم لتعارف إطلاقه للحراسة وتحفظ الناس منه، وإن كان عقره نهاراً ضمنوا لعدم تعارف التحفظ منه، فيلزمهم منعه لئلا يضر بالناس ويمنعهم من سيرهم. الصفحة 323 (مسألة 304): يجوز قتل الحيوان الصائل بغير إذن صاحبه دفاعاً عن النفس أو المال أو الاهل، بل قد يجب. ويجب أيضاً لدفع ضرره الواجب الدفع، كما لو خيف منه على مؤمن، لكن لو أمكن في الثاني الاستئذان من صاحبه وجب، وإلا فمن الحاكم الشرعي، ومع تعذره ليقتل بلا استئذان. أما قتله لغير ذلك ـ كالانتقام منه لو أفسد أو أضر ـ بغير إذن صاحبه فهو حرام، وحينئذٍٍ لو قتله من دون تذكية ضمن، وإن ذكاه ولو تذكية اضطرارية ضمن الارش، وهو فرق ما بين قيمة الحيوان الحي وقيمة اللحم. أما إذا كان قتله دفاعاً أو لدفع ضرره الذي تقدم في الصورتين الاُوليين فإن التفت للتذكية فذكاه فلا شيء عليه، وكذا إن ذهل عنها أو تعذرت فلم يذكه. أما إذا التفت للتذكية ولم يذكه تسامحاً فهو ضامن لقيمته وهو حي، لأنه معتد حينئذٍٍ بقتله من غير تذكية. ولا يكفيه أن يدفع قيمة اللحم المذكى.
(مسألة 305): من ركب دابة وسار بها بحيث كان هو المسيِّر لها كان عليه ما أصابت بيديها وليس عليه ما أصابت برجليه، أما إذا كان لها قائد يقودها أو سائق يسوقها من دون أن يكون للراكب دخل في سيرها فلا شيء على الراكب حتى إذا أصابت بيديه.
(مسألة 306): إذا ركب الدابة شخصان كان الضمان عليهما بالسوية.
(مسألة 307): من قاد دابة كان عليه ما أصابت بيديها حال سيرها وليس عليه ما أصابت برجليه.
(مسألة 308): من ساق دابة كان عليه ما أصابت برجليها حال سيره، وفي ضمانه لما أصابت بيديها إشكال.
(مسألة 309): إذا وقف الراكب بدابته كان عليه ضمان ما تصيب بيديها ورجليه. الصفحة 324 (مسألة 310): الدابَّة الواقفة من دون راكب إذا أصابت شيئاً فلا ضمان على أحد. نعم إذا وقف بها شخص في طريق المسلمين فأضرت بالمارة كان ضامناً لضرره، لما سبق من حرمة الطريق.
(مسألة 311): إذا سارت الدابة بنفسها من دون سائق ولا راكب ولا قائد فأصابت شيئاً فلا ضمان على أحد إلا مع التفريط.
(مسألة 312): ما سبق في المسائل المتقدمة من ضمان من سبق مختص بما إذا لم يكن هناك من تستند إليه الجناية عرف، وإلا كان هو الضامن، كما إذا نخس يدها أو رجلها شخص آخر فضربت برجلها شيئاً فأضرت به، كما أن ما سبق من عدم ضمانهم لماتصيبه برجليها أو يديها مختص بما إذا لم يفرطو، أما مع تفريطهم فعليهم الضمان مطلق، كما إذا أدخلها شخص في مزرعة غيره من غير إذنه فأتلفت الزرع، أو أوقفها قرب المزرعة ولم يربطها فدخلت وأتلفت الزرع، ونحو ذلك.
(مسألة 313): إذا ألقت الدابة راكبها لم يضمن مالكها مايصيبه، إلا أن ينفرها هو أو غيره، فيضمن المنفّر له، لاستناد الجناية إليه.
(مسألة 314): إذا اجتمع سببان من أسباب الضمان المتقدمة أو أكثر، واستندت الجناية للجميع اشترك في الضمان فاعل الجميع، كما إذا وضع أحد حجراً في الطريق، وحفر آخر حفيرة فيه، فعثر أحد المارة بالحجر فسقط في الحفيرة فمات، فإن ديته تكون على الشخصين معاً يشتركان فيه. نعم إذا لم يكن أحدهما معتدياً فالضمان على المعتدي، كما لو وضع صاحب الحجرِ الحجرَ في ملكه وحفر الآخر في الطريق فعثر شخص بالحجر وسقط في الحفيرة فمات، فإن ديته تكون على حافر الحفيرة.
(مسألة 315): من خدع شخصاً فأصابه بسبب ذلك ضرر على النفس الصفحة 325 أو البدن ضمن ما أصابه، كما إذا دعاه للسير في طريق فيه حفيرة يخشى منها أو حيوان كاسر وكان الداعي عالماً بذلك والمدعو غافلاً عنه فسار فيها فسقط فمات أو كسر، وكذا لو دعاه لطعام أو شراب مسموم، أو غير ذلك. الصفحة 326
في الفصول العشائرية
تعارف في أوساط العشائر ـ خصوصاً من أهل الأرياف والبوادي ـ إجراء عقوبات وضمانات تحل بها المشاكل الناجمة عن تعدي بعضهم على بعض، وهي قد تبتني على اُمور..
الأول: تحكيم رؤساء العشيرة أو من يرتضونه في حل النزاع. وهذا أمر لايحل شرع، فإن الحكم في ذلك للحاكم الشرعي، وهو الفقيه العادل المأمون على الدنيا والدين، والذي لا تأخذه في الله لومة لائم. وعلى ذلك يحرم منهم الحكم حتى لو كان على طبق الحكم الشرعي، ولاينفذ في حق الآخرين، فإنه من حكم الطاغوت، وقد قال تعالى: (يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد اُمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيد). نعم إذا لم يبتنِ الرجوع لهم على تحكيمهم، بل على مجرد استئمانهم على بيان الحكم الشرعي وتنفيذه جاز ذلك. ولزمهم التحفظ في أخذ الحكم بالرجوع لمن يجب تقليده من العلماء، على ما هو مذكور في محله، ووجب على الآخرين تنفيذه إذا تأكدوا من عدم خطئهم في معرفته.
كما أنه لو كان الرجوع لهم من أجل الرضا بما ينسِّبونه ويرجحونه في حل المشكلة من دون حكم منهم ولا إلزام بما ينسِّبون، حل الرجوع لهم وحل منهم التدخل في حل المشكلة. لكن لاينفذ ما ينسبونه في حق كل أحد إلا برضاه، ولا يحل لاحد أن يجبره عليه. الصفحة 327 الثاني: البناء على أن بعض الاُمور جنايات تستدعي الضمان والعقوبة مع أنها ليست من الجنايات شرع، كتزوج الرجل المرأة من غير رضا أهلها وعشيرته، وأخذها لبيته الذي هو إما باطل شرعاً ـ كما إذا كانت بكراً وكان أبوها موجوداً ـ من دون أن يكون جناية يستحق بها الضمان والعقاب، أو صحيح يحرم المنع من إيقاعه، كما يحرم السعي لنقضه بعد إيقاعه، فالحكم بأن هذه الاُمور جنايات حكم بغير ما أنزل الله تعالى، وقد قال عز اسمه: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فاُولئك هم الفاسقون). وقال سبحانه: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فاُولئك هم الظالمون). وقال تعالى:(ومن لم يحكم بما أنزل الله فاُولئك هم الكافرون). وقال عز وجل: (أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون). كما أن بعض الاُمور جرائم وآثام إلا أنها ليست من الجنايات المضمونة بالمال أو المعاقب عليها من قبل الناس، بل لا تقتضي إلا الردع نهياً عن المنكر، كالزنا والعياذ بالله، فالحكم فيها بالضمان حكم بغير ما أنزل الله أيض.
الثالث: إلزام عشيرة الجاني بجنايته وتحميلهم دركها من ضمانات أو عقوبات، ولا يشرع من ذلك إلا حمل العاقلة لدية الخطأ المحض، على ما تقدم تفصيله. والحكم بغير ذلك حكم بغير ما أنزل الله، ولا ينبغي للمؤمن انتهاك حرمة الله تعالى فيه.
الرابع: جعل عقوبات وضمانات ما أنزل الله تعالى بها من سلطان على الجاني أو عشيرته، والكلام فيه كما سبق.
نعم إذا ابتنت هذه الاُمور الثلاثة على التنسيب لحل المشكلة من دون حكم وإلزام فلا بأس به، ولا ينفذ على أحد إلا أن يرضى بالقيام به بطيب نفسه، نظير ما تقدم في الامر الاول. الصفحة 328 (مسألة 316): المال المدفوع إن لم يكن بعنوان الدية لم يشرع جعله ولا أخذه، إلا إذا كان جعله بعنوان التنسيب ودفع برضا صاحبه، كما سبق. وكذا إن كان بعنوان الدية لامر ليس هو جناية شرعية يستحق بها الدية. وإن كان بعنوان الدية لجناية لها دية شرعاً بحيث كان مستحقاً شرعاً فهو يعود للمجني عليه أو لوارثه كما تقدم، ولا يجوز لغيرهما من أفراد العشيرة أخذه، ولا أخذ شيء منه إلا برضاه، وإذا لم يدفع للمجني عليه ولا لوارثه، بل دفع لرئيس العشيرة ـ مثلاً ـ فلا تبرأ ذمة الجاني إلا بعد وصوله لهم. نعم إذا كان المجني عليه أو وارثه قد وكل رئيس العشيرة أو غيره في القبض عنه برئت ذمة الجاني بالدفع للشخص الذي وكله، وكان على ذلك الشخص إيصال المال للمجني عليه أو لوارثه أو لمن يرضى بإيصاله له.
(مسألة 317): كثيراً ما تكون الدية المدفوعة أقل من الدية الشرعية. وحينئذٍٍ لا تبرأ ذمة الجاني إلا برضا المجني عليه أو وارثه وإبرائهم. وإذا كان المجني عليه أو وارثه قاصراً لم يكن لوليه الابراء عنه، لانه مخالف لمصلحته، بل تبقى حصته بتمامها في ذمة الجاني لاتبرأ ذمته إلا من مقدار ما دفع.
(مسألة 318): إذا رضي المجني عليه أو وارثه بالدية فليس لهما بعد ذلك حق الشكاية على الجاني وطلب عقوبته حسب القوانين الوضعية. نعم ليس عليهما السعي لرفع العقوبة عنه إذا كان اعتقاله بمقتضى الحق العام تبعاً للقانون الوضعي، إلا باتفاق خاص زائد على دفع الدية.
(مسألة 319): لا يجوز الاشتراك في «المشية» التي هي مقدمة للحكم بالفصل إذا ابتنى على الخروج عن الميزان الشرعي حسبما بيّن فيما سبق. نعم إذا كان الغرض من «المشية» الشفاعة من أجل العفو أو التخفيف ممن بيده شرعاً ذلك فلا بأس بالاشتراك فيه. وكذا إذا كان الغرض منها التوسط للاصلاح الصفحة 329 ووقف الفتنة من دون نظر لكيفية الحل، ولا إعداد له، ولا اشتراك فيه، لحث الشارع الاقدس على إصلاح ذات البين، بل قد يجب ذلك على من يستطيعه ويحسنه، كما إذا خيف من تركه تفاقم الفتنة وما يستتبع ذلك من انتشار الفساد وإراقة الدماء وانتهاك الحرمات.
ونسأله سبحانه وتعالى أن يسدد المصلحين والساعين في الخير، ويوفق المؤمنين للتمسك بدينهم، والتزام أحكامه وتعاليمه، وعدم الخروج عنها إلى تعاليم الجاهلية، ونبذ الحمية والعصبية. إنه الموفق والمعين، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
انتهى الكلام في كتاب القصاص والديات، آخر نهار السبت العشرين من شهر جمادى الثانية، الذي هو يوم ذكرى الميلاد المبارك الميمون لاُم الائمة المعصومين فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين صلوات الله تعالى عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها أجمعين، من سنة ألف وأربعمائة وسبعة عشر للهجرة النبوية على صاحبها وآله أفضل الصلاة والتحية، في النجف الاشرف ببركة المشهد المشرّف على مشرفه الصلاة والسلام، وبه ختام الجزء الثالث من رسالتنا «منهاج الصالحين» المشتمل على القسم الثاني والاخير من أحكام المعاملات. ونسأله سبحانه وتعالى العون والتوفيق والتأييد والتسديد، مع قبول السعي وصلاح النية وحسن العاقبة في جميع الاُمور وتمام العافية والسعادة في الدنيا والآخرة، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه اُنيب. |
|
|