الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 425

(مسألة 71): لا يجوز التصرف في العين التي تعلق بها الخمس بعد انتهاء سنة الربح، من دون فرق بين التصرف الخارجي بالاكل واللبس ونحوهما والتصرف الاعتباري بالبيع والشراء والاجارة ونحوه، والأحوط وجوباً العموم في ذلك للتصرف بالبيع والشراء ونحوهما من أجل تصفية المال ودفع الخمس، فلابدّ من استئذان الحاكم الشرعي في ذلك، وقد أذنت في ذلك إذناً عامّاً لكل من يريد به المبادرة للأداء.

 

(مسألة 72): يتعلق الخمس بالعين ويتخيّر المالك بين دفع العين ودفع القيمة من النقود، ولا يجوز دفعه من الاعيان الاُخرى إلا باذن الحاكم الشرعي. نعم في غنائم الحرب تكون الولاية في التعيين للإمام، وفي الارض التي يشتريها الذمي لا يبعد إلزام الذمي بدفع القيمة إذا لم يكن خمس العين صالحاً للانتفاع. بل يحتمل ذلك مطلق. والامر سهل لعدم الابتلاء بذلك في عصورنا هذه.

 

(مسألة 73): إذا تصرف المالك في المال الذي تعلق به الخمس قبل إخراج الخمس بالبيع أو الشراء أو الهبة أو الابراء أو الاجارة أو اُذن بالتصرف فيه لم ينفذ تصرفه ولا إذنه بدون إذن الحاكم الشرعي، فلا يجوز للغير ترتيب الاثر على ذلك، إلا إذا كان مؤمناً فإنه يجوز له ترتيب الاثر على ذلك لان الائمة عليهم أفضل الصلاة والسلام قد أباحوا لشيعتهم ذلك، فينتقل خمس العين لذمة صاحب الحق إن أخذ المؤمن العين، كما ينتقل خمس منفعتها لذمة صاحب الحق إن تصرف المؤمن في المنفعة بإذنه. بل يكفي أخذ المؤمن للعين بوجه شرعي ولو من دون تصرف من صاحب المال، كما في موارد المقاصّة واستيفاء الدين عند امتناع المدين من أدائه ونحوه، وكذا في ميراث المال إذا لم يكن المورَث بانياً على أداء الخمس، وأما إذا كان بانياً على أدائه وقد غلبه الموت فالأحوط وجوباً عدم سقوط الخمس عن العين خصوصاً إذا أوصى به، فيلزم إخراجه حينئذٍ. 


الصفحة 426

(مسألة 74): إذا حل رأس السنة وحاسب الشخص نفسه وعين مقدار الخمس ولم يدفعه، فلذلك صورتان:

 

الأولى: أن يعين مقدار الخمس من النقد بمصالحة مع الحاكم الشرعي على ان تنشغل به ذمته وتخلص الاعيان الخارجية التي عنده من الخمس. وحينئذٍ يثبت في ذمته المقدار الذي عين بالمصالحة. سواءً بقيت الاعيان الخارجية عنده ام لم تبق، بل تلفت أو أخرجها عن ملكه بعوض او مجاناً وسواءً بقي سعرها على حاله ام تغير.

 

الثانية: ان يعين مقدار الخمس من النقد بنظره مع بقائه في الاعيان الخارجية التي عنده من دون مصالحة مع الحاكم الشرعي. وحينئذٍ ان ارتفعت قيمة الاعيان التي فيها الخمس قبل دفعه ارتفع مقدار الخمس، وإن نقصت قيمتها نقص مقدار الخمس، ولا يضمن النقص حتى لو كان مفرطاً في تأخير الخمس. نعم إذا اخرج الاعيان الذي عنده والتي فيها الخمس عن ملكه بعوض او مجاناً قبل نزول قيمتها فإن الخمس بقيمته الأولى ينتقل لذمته ولا ينقص بنزول القيمة بعد ذلك. أما اذا طرأ التلف او نحوه ـ كسرقة او ضياع ـ على الاعيان المذكورة، فإن كان غير مفرط في تأخير الخمس ولا في التلف نقص من الخمس بنسبة التالف للباقي، فإن تلف النصف مثلاً نقص من الخمس النصف، وان تلف الربع نقص من الخمس الربع وهكذ، وإن كان مفرطاً في تأخير الخمس او في التلف ضمن الخمس بتمامه. 


الصفحة 427

الفصل الثاني

 

في مستحق الخمس

 

  

يقسم الخمس بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نصفين: نصف لإمام المسلمين، وهو في عصرنا المنتظر قائم آل محمد صاحب الزمان عجل الله فرجه وجعل أرواحنا فداه، وهو الذي يطلق عليه سهم الإمام. ونصف لبني هاشم زادهم الله شرف، وهو الذي يطلق عليه سهم السادة.

 

(مسألة 75): المراد من بني هاشم من انتسب لهاشم بالاب، من دون فرق بين بطونهم. نعم الأولى تقديم العلوي، بل الفاطمي.

 

(مسألة 76): يشترط في بني هاشم الايمان والفقر بالنحو المتقدم تفصيله في الزكاة. نعم في ابن السبيل يكفي الفقر في بلد التسليم إذا لم يتمكن من الاستدانة بالنحو الذي يقدر معه على الوفاء من ماله والذي لا يلزم منه الاهانة والحرج عليه. والأحوط وجوباً أن لا يكون عاصياً بسفره.

 

(مسألة 77): لا يعطى الفقير أكثر مما يتمّ له به مؤنة سنته، وأما ابن السبيل فلا يدفع له أكثر مما يوصله لبلده، إلا أن يحتاج للاستمرار في سفره فيدفع له ما يسدّ حاجته فيه.

 

(مسألة 78): لا يصدّق من ادعى النسب، إلا بالبيّنة أو الشياع الموجب للاطمئنان، وقد تقدم في الزكاة ما ينفع في المقام.

 

(مسألة 79): لا يجوز للشخص إعطاء سهم السادة الذي في ماله لمن تجب نفقته عليه، إلا إذا كانت عليه نفقة غير لازمة عليه، على التفصيل المتقدم في الزكاة.

 

(مسألة 80): لابدّ في دفع نصف الحق لبني هاشم من تمليكهم له بقبض 


الصفحة 428

المستحق أو وليه، ولا يكفي بذله لهم أو صرفه عليهم من دون تمليك.

 

(مسألة 81): لا يشرع اشتراط مصرف خاص على من يملك الحق من بني هاشم، فلا يجوز مثلاً أن يدفع له على أن يتزوج به او ينفقه في شراء الطعام او الداوء أو نحو ذلك، وإن أمكن أن يكون شيء من ذلك هو الداعي لدفع الخمس له دون أن يلزم بالاقتصار في صرف المال عليه. نعم يمكن أن يدفع له المال أمانة على أن لا يتملكه إلا إذا كان ينفقه في وجه خاص. لكن لا تبرأ ذمة دافع الحق ولا يتعين المال من السهم المذكور بدفعه له، بل يتوقف على تملكه بعد ذلك من أجل صرفه في الوجه المذكور.

 

(مسألة 82): لا يستقلّ من عليه الحق في توزيع نصف الخمس على مستحقيه من بني هاشم، بل لابدّ من استئذانه الحاكم الشرعي في ذلك، وقد أذنتُ لمن عليه الحق في دفع الحق المذكور لهم، وينبغي له ملاحظة المرجحات الشرعية.

 

(مسألة 83): لا يجوز صرف النصف الراجع للإمام في عصر غيبته إلا في مورد يحرز رضاه بصرفه فيه، للعلم باهتمامه صلوات الله عليه به بمقتضى منصبه الرفيع وولايته العامة ورعايته للدين وأبوته على المؤمنين وكفالته لهم، ونحن نُحرز ذلك في موردين:

 

الأول: خدمة الدين الحنيف برفع دعائمه وإقامة شعائره والحفاظ على حرماته، ودفع عادية المعتدين عليه وردّ كيد الظالمين عنه وترويج الشرع الشريف ونشر أحكامه، ومن أهم مصاديق ذلك خدمةُ أهل العلم المخلصين الصحيحين المهتمين بأداء وظيفتهم الذين يصرفون أوقاتهم في تحصيل العلوم الدينية وتحقيق حقائقه، والباذلين أنفسهم في تعليم الجاهلين وإرشاد الضالين ونصح المؤمنين ووعظهم وإصلاح ذات بينهم، ونحو ذلك مما يرجع إلى تقوية دينهم وتكميل نفوسهم وتقريبهم من ربهم، فإنهم من أحسن مصارف هذا الحق ولهم أن يأخذوا منه ما يكفيهم ويحفظ لهم عزتهم وكرامتهم ويستغنون 


الصفحة 429

به عن غيرهم، ليتفرّغوا لاداء واجبهم، والقيام بوظيفتهم، بعيداً عن التوسع والجمع والسرف والترف.

 

وأما من تزيّى بزيّهم وانتسب لهم من دون أن يؤدي خدمة أو يقوم بواجب فلا يستحق من هذا الحق شيئ، ولو أخذ منه كان سارق، وأولى بذلك من اتخذ من زيّه ونسبته لهم سُلّماً للدنيا المحرّمة لا يهمه من أين أتته وأي طريق يركبه إليه، فصار أداةً للشيطان وسبباً لطمس الحقائق وتضليل الغافلين وتحريف أحكام الشرع المبين. أعاذنا الله تعالى من ذلك وكفانا شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا وأعاننا على أنفسنا بما يعين به الصالحين على أنفسهم. وهو حسبنا ونعم الوكيل.

 

الثاني: دفع ضرورات المؤمنين المتديّنين ومدّ يد العون إليهم، وإغاثة لهفتهم وتنفيس كربتهم، فإنهم عيال صاحب هذا الحق صلوات الله عليه اللازمون له الذين يجب عليه نفقتهم وكشف ضرّهم والذين يحزنه حزنهم ويؤلمه ألمهم، لانه الاب الرؤوف والوالد العطوف، ففي تفريج كربتهم وإغاثة لهفتهم تفريج لكربته وأداء لوظيفته في غيبته وتحقيق لرغبته في محنته.

 

واللازم وراء هذين المصرفين شدة الاهتمام بإحراز رضاه (عليه السلام) وبذل الوسع في ذلك بملاحظة المرجِّحات والأولويات، بعيداً عن الاغراض الشخصية والمغانم الفردية، فإن الحق حقّه والمال ماله، وكل من قدّم مصلحته على مصلحة الحق خائن له صلوات الله عليه ولمنصبه الرفيع مهما كان مقام ذلك الشخص وإن خدعته نفسه بالاماني الكاذبة والاوهام الباطلة.

 

(مسألة 84): لا يجوز للمالك الاستقلال في التصرف بنصف الخمس الراجع للإمام وصرفه في مصارفه المتقدمة، بل لابدّ من الرجوع للحاكم الشرعي المستوعب للجهات العامة والخاصة والعارف بجهات الصرف، الذي يتيسر له القيام بها ولو بالاستعانة بأهل المعرفة والامانة، فيكون صرف


الصفحة 430

الحق المذكور برأي كلّ من المالك والحاكم، إما بإيكال أحدهما الامر للاخر أو إعمال نظرهما معاً في كيفية الصرف، فاللازم على المالك الرجوع لمن هو الاوثق في نفسه في الامانة والمعرفة وحسن التصرف وبُعد النظر بَعد التثبت وبذل الجهد، والحذر ثم الحذر من المؤثرات الخارجة عن مقتضى الوظيفة الشرعية، فإن هذا الحق أمانة بيده وبيد الحاكم الشرعي المذكور وبيد كل من تقع يده عليه، فاللازم على الكل تحرّي الاقرب فالاقرب من رضاه صلوات الله عليه، لتؤدى الامانة فيه على أفضل الوجوه وأحوطه، مع صدق النية والاخلاص في أداء الواجب والبُعد عن الرغبات الشخصية والمغانم الفردية ومحاباة الاخرين.

 

فلعلّ الله سبحانه وتعالى إذا علم ذلك من القائمين به سدّدهم في عملهم ووفقهم في مسعاهم وأجرى الخير على أيديهم وبارك لهم في أمرهم، وإن أخطؤوا مع ذلك قَبِل منهم وعفى عنهم، لان نية المرء خير من عمله ولا يكلّف الله نفساً إلا وسعه، وإلا خذَلهم في أمرهم وأوكلهم إلى أنفسهم، يتورّطون في الشبهات ويرتطمون بالمحرمات، فإن صادف أن ترتب النفع على عملهم لم يكونوا مشكورين ولا مأجورين، وإن ضاع الحق بتصرّفهم وصرف في غير مورده كانوا محاسَبين على تفريطهم، مؤاخذين بخيانتهم يوم لا يغني مولى عن مولى شيئاً ولا هم يُنصرون، وهذا هو الواجب في جميع موارد أداء الوظائف الشرعية والقيام به، لان المُطالِب بها عالِم بالسرائر ومطّلع على الضمائر قد أوضح معالم الحق واستكمل الحجة على الخلق.

 

(مسألة 85): إذا أذن الحاكم الشرعي في أخذ الحق لشخص يعلم من نفسه أنه ليس أهلاً له ـ إما دفعاً لشرّه أو ضرره، أو لخطئه في تشخيص حاله بعد استكمال الفحص حسب طاقته ـ لم يحلّ المال لذلك الشخص، لان الحاكم الشرعي وإن كان معذوراً قد أدى وظيفته حسب طاقته واجتهاده إلا أنه لا يحلّل حراماً ولا يحرّم حلال، ولا يغيّر حقّاً ولا باطل، فالمال المدفوع كالرشوة 


الصفحة 431

التي يدفعها صاحبها عند الضرورة دفعاً للشر، يحلّ له دفعها ويحرم على آخذِها أخذها وأكله، أو كالمال المأخوذ بشهادة الزور الذي هو قطعة من النار وإن كان الحاكم به نبياً أو وصيّ.

 

(مسألة 86): ليس من مصارف هذا الحق العاملون عليه الذين يتولّون أخذه من صاحب المال وإيصاله للحاكم الشرعي، فإن ذلك مختص بالزكاة، فقد جعل الله تعالى للعاملين عليها سهماً فيها من ثمانية أسهم ـ على تفصيل تقدم في كتاب الزكاة ـ ولم يجعله في بقية الواجبات المالية من الخمس وغيره.

 

نعم إذا كان الموصِل للحـق مـن مصـارفه ـ فـي نفعه الديني أو حاجته وتديّنه ـ جاز دفع شيء له مما أوصل أو من غيره، بل قد يستحقّ أكثر مما أوصل، على نحوِ ما تقدم في المسألة (83)، كما أنه إذا كان عارفاً بجهات صرفه مطلعاً عليها مأموناً على الحق يطيق أداء الوظيفة فيه حسُن التعاون معه ومع أمثاله في إيصال الحق لاهله وصرفه في مصارفه وأداء الامانة فيه، بل قد يحسن أن يوكَل إليه صرف تمام ما حَمل أو أكثر منه حسبما يراه الحاكم الشرعي الذي هو مأمون عليه وناظر فيه.

 

وقد خرجنا في تحرير هذه المسائل عن الوضع التقليدي، رغبة في إيضاح بعض الحقائق المسلَّمة التي قد تتعرض في زماننا هذا للتشويه والتحريف.

 

ونسأله سبحانه وتعالى أن يسدّد القائمين على هذا الحق المتولّين لصرفه ويوفقهم لاداء وظيفتهم على أكمل وجوهها وأرضاها لصاحب هذا الحق إمام العصر وولي الامر عجل الله تعالى فرجه، ليكونوا بذلك مرضيين لديه، مقبولين عنده، معدودين في خدامه وأعوانه في غيبته، مستحقين دعاءه وشفاعته، ليفوزوا بأعلى منازل المقربين وأرفع درجات العاملين.

 

وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه اُنيب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

 

(مسألة 87): يجوز نقل الخمس من بلد المال الذي وجب فيه إلى غيره 


الصفحة 432

مع عدم وجود المستحق فيه أو عدم معرفته، بل مع وجوده ومعرفته إذا لم يكن النقل منافياً للفورية، وأما إذا كان منافياً لها فلا يجوز إلا بإذن الحاكم الشرعي.

 

(مسألة 88): يجوز عزل الخمس في مال مخصوص بإذن الحاكم الشرعي، فيتعين الخمس في المال المعزول ويتخلص بيقية المال من الحق. وحينئذٍ لا يجوز تبديل المال المعزول بغيره. كما أن المال المعزول يكون أمانة في يد صاحبه لا يضمنه إلا مع التعدّي والتفريط ولو بتأخير الدفع للمستحق. وأما استقلال صاحب المال بعزل الخمس من دون إذن الحاكم الشرعي فالظاهر عدم ترتب الاثر عليه.

 

(مسألة 89): إذا كان لصاحب المال دين في ذمة المستحق ففي كفاية احتسابه عليه من النصف الراجع للسادة إشكال. والأحوط وجوباً الاستئذان من الفقير ليقبض عنه مقدار الحق الذي يراد دفعه إليه ليملكه ثم يؤخذ وفاءً عن ذمته. وأما النصف الراجع للإمام فالظاهر جواز احتسابه بإذن الحاكم الشرعي.

 

(مسألة 90): إذا دفع الحاكم الشرعي ـ او المالك بإذن الحاكم الشرعي ـ سهم الإمام (عليه السلام) لشخص، فإن كان عوضاً عن عمل او عين يملكها ملكه، وإن كان عطاءً مجانياً ـ لحاجته او لنفعه الديني أو نحو ذلك مما يسوغ الدفع له ـ لم يملكه، لعدم توقف الغرض من دفعه غالباً على تمليكه، وحينئذٍ يبقى المال في يده يباح له التصرف فيه من دون أن يصير له، فلا يجب فيه الخمس لو حل رأس سنته، ولا تجري احكام المواريث عليه لو مات، بل لا يستحقه من ورثته إلا من هو مصرف له بنظر الحاكم بعد مراجعته.

 

نعم لو رأى الحاكم الشرعي المصلحة في تمليك المال للشخص فملّكه اياه ملكه وجرت عليه أحكام الملك.

 

أما سهم السادة فقد سبق انه يملك، فتجري عليه أحكام الملك بلا إشكال.

 

والحمد لله رب العالمين. 


الصفحة 433

كتاب الأمر بالمعروف

 

والنهي عن المنكر

   

وهما من أعظم الواجبات الدينية، وبهما يصلح المجتمع ويقمع الفساد ويستدفع الشر. قال تعالى: (كنتم خير اُمة اُخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر) وقال عزّ من قائل: (ولتكن منكم اُمة يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر واُولئك هم المفلحون).

 

وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: «إذا اُمّتي تواكلت [تواكلوا] الامر بالمعروف والنهي عن المنكر فليأذنوا بوقاع من الله». وعن الإمام الرضا (عليه السلام) أنه قال: «لتأمُرنَّ بالمعروف ولتنهُنّ عن المنكر أو ليستعملنّ عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم».

 

وعن الإمام الباقر (عليه السلام) أنه قال: «إن الامر بالمعروف والنهي عن المنكر سبيل الانبياء ومنهاج الصلحاء، فريضة عظيمة تقام بها الفرائض وتأمن المذاهب وتحلّ المكاسب وتردّ المظالم وتعمر الارض وينتصف من الاعداء ويستقيم الامر».

 

وفي حديث: «قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): كيف بكم إذا فسدت نساؤكم وفسق 


الصفحة 434

شبابكم ولم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر؟ فقيل له: ويكون ذلك يا رسول الله؟! قال: نعم، وشرّ من ذلك، كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف؟ فقيل له: يارسول الله ويكون ذلك؟! قال: نعم، وشرّ من ذلك، كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكراً والمنكر معروفاً؟».

 

والكلام فيه يقع في ضمن فصول..

 

  

الفصل الأول

 

في حقيقتهم

 

يجب على المؤمن بالنسبة للمعروف والمنكر موقفان مترتبان طبعاً:

 

الأول: الموقف النفسي، وهو: الاُنس بالمعروف والارتياح له، والانزعاج من المنكر والتألم منه والرفض له نفسي. وهو المراد بإنكار المنكر بالقلب.

 

الثاني: الموقف العملي، وهو محاولة التغيير بالحث على المعروف عند تركه بالامر به والتشجيع عليه، والردع عن المنكر عند فعله بالنهي عنه والتبكيت عليه. وهو المراد بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 

وله مراتب:

 

الاُولى: التغيير الصامت، بظهور الغضب والتألم من العاصي والاعراض بالوجه عنه والهجر له في المعاشرة وقطع الاحسان عنه ونحو ذلك.

 

الثانية: التغيير بالقول، بالامر والنهي والوعظ والتذكير بثواب الله تعالى وعقابه ونحو ذلك.

 

الثالثة: التغيير العملي، بالعقاب على المعصية عند القيام بها بالضرب والحبس والجرح ونحوه. 


الصفحة 435

الفصل الثاني

 

في شروط وجوبهم

 

 

 والكلام في ذلك في مقامين:

 

المقام الأول: في الموقف النفسي، الذي تقدم أنه المراد بإنكار المنكر في القلب. وهو واجب على كل أحد، ولا يتوقف وجوبه على شيء إلا العلم بالمعروف والمنكر حيث لا يحتاج إلى مؤنة بعد ذلك، ومن ثَم كان من لوازم كمال الايمان التي لا تفارقه، بل هو روح الايمان بالدين وجوهره.

 

ويترتب عليه أن المؤمن إن صدرت منه الحسنة سرّته وأنس به، وإن صدرت منه السيئة ساءته وندم عليها وأنّب نفسه، وعلى هذا ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والائمة (عليهم السلام) قولهم: «من سرّته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن». وكذا إذا صدرت الحسنة من غيره فهو يأنس بها ويبارك له، وإن صدرت السيئة من غيره أنكرها في نفسه وأنكر عمله، وعلى هذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قوله: «إنما يجمع الناس الرضا والسخط، فمن رضي أمراً فقد دخل فيه ومن سخطه فقد خرج منه».

 

واللازم على المؤمن شدة الاهتمام بهذه الجهة والحذر من التفريط فيه. فإن كثرة وقوع المعاصي في المجتمعات الفاسدة واُلفَتها والتعوّد عليها قد توجب خفّة الاستياء منها والغضب له، حتى يغفل المؤمن عن قبحه، ويأنس بها تدريجاً كما أن قلة المعروف وندرته قد توجب إنكاره والنفرة منه، فيصير المعروف منكراً والمنكر معروف، كما تقدم في الحديث الشريف. وبذلك تنسلخ روح الايمان وتنطفئ جذوته، نعوذ بالله تعالى من خذلانه.
الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة