الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الأرض التي أسلم أهلها بالدعوة

 

(مسألة 48) الأرض التي أسلم عليها أهلها تركت في يده إذا كانت عامرة، وعليهم الزكاة من حاصلها، العشر أو نصف العشر، وأما إذا لم تكن عامرة فيأخذها الإمام عليه السلام ويقبلها لمن يعمرها وتكون للمسلمين، وتدل على ذلك صحيحة البزنطي، قال: ذكرت لأبي الحسن الرضا عليه السلام وما سار به أهل بيته، فقال: " العشر ونصف العشر على من أسلم طوعا، تركت أرضه في يده، وأخذ منه العشر ونصف العشر فيما عمر منها، وما لم يعمر منها أخذه الوالي فقبله ممن يعمر " الحديث ([1]). (فصل في قسمة الغنائم المنقولة)

 

(مسألة 49) يخرج من هذه الغنائم قبل تقسيمها بين المقاتلين ما جعله الإمام عليه السلام جعلا لفرد على حسب ما يراه من المصلحة، ويستحق ذاك الفرد الجعل بنفس الفعل الذي كان الجعل بإزائه، وهو في الكم والكيف يتبع العقد الواقع عليه، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الفرد المزبور (المجعول له) مسلما أو كافرا، وكذا لا فرق بين كونه من ذوي السهام أو لا، فإن الأمر بيد الإمام عليه السلام وهو يتصرف فيها حسب ما يرى فيه من المصلحة، يؤكد ذلك - مضافا إلى هذا - قول زرارة في الصحيحة المتقدمة في المسألة الحادية والأربعين، ويدخل فيه السلب أيضا.

 

(مسألة 50) ويخرج منها أيضا قبل القسمة ما تكون الغنيمة بحاجة إليه في بقائها من المؤن كأجرة النقل والحفظ والرعي وما شاكل ذلك.

 

(مسألة 51) المرأة التي حضرت ساحة القتال والمعركة لتداوي المجروحين أو ما شابه ذلك بإذن الإمام عليه السلام لا تشترك مع الرجال المقاتلين في السهام من الغنائم المأخوذة من الكفار بالقهر والغلبة. نعم، يعطي الإمام عليه السلام منها لها مقدار ما يرى فيه مصلحة، وتدل على ذلك معتبرة سماعة عن أحدهما عليه السلام قال: " إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج بالنساء في الحرب يداوين الجرحى ولم يقسم لهن من الفئ شيئا ولكنه نفلهن " ([2]). وأما العبيد والكفار الذين يشتركون في القتال بإذن الإمام عليه السلام فالمشهور بين الأصحاب، بل ادعي عليه الاجماع، أنه لا سهم لهم في الغنائم، ولكن دليله غير ظاهر.

 

(مسألة 52): يخرج من الغنائم قبل القسمة - كما مر - صفو المال أيضا وقطائع الملوك والجارية الفارهة والسيف القاطع وما شاكل ذلك على أساس أنها ملك طلق للإمام عليه السلام بمقتضى عدة من الروايات، منها معتبرة داود بن فرقد، قال، قال أبو عبد الله عليه السلام: " قطائع الملوك كلها للإمام عليه السلام، وليس للناس فيها شئ ". ومنها معتبرة أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن صفو المال ؟ قال: " الإمام يأخذ الجارية الروقة والمركب الفارة والسيف القاطع والدرع قبل أن تقسم الغنيمة، فهذا صفو المال " ([3]).

 

(مسألة 53): يخرج من الغنائم خمسا أيضا قبل تقسيمها بين المسلمين المقاتلين، ولا يجوز تقسيم الخمس بينهم، حيث إن الله تعالى قد جعل له موارد خاصة ومصارف مخصوصة، قال عز من قائل: (واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل) ([4]) والروايات الدالة على ذلك كثيرة.

 

(مسألة 54): تقسم الغنائم بعد إخراج المذكورات على المقاتلين ومن حضر ساحة القتال ولو لم يقاتل، فإنه لا يعتبر في تقسيم الغنيمة على جيش المسلمين دخول الجميع في القتال مع الكفار، فلو قاتل بعض منهم وغنم، وكان الآخر حاضرا في ساحة القتال والمعركة ومتهيئا للقتال معهم إذا اقتضى الأمر ذلك، كانت الغنيمة مشتركة بين الجميع ولا اختصاص بها للمقاتلين فقط، وهذا بخلاف ما إذا أرسل فرقة إلى جهة وفرقة أخرى إلى جهة أخرى، فلا تشارك إحداهما الأخرى في الغنيمة. وفي حكم المقاتلين الطفل إذا ولد في أرض الحرب، وتدل عليه معتبرة مسعدة ابن صدقة، عن جعفر، عن أبيه، عن آبائه أن عليا عليه السلام قال: " إذا ولد المولود في أرض الحرب قسم له مما أفاء الله عليهم " ([5]). والمشهور أنه تشترك مع المقاتلين في الغنائم فئة حضروا أرض الحرب للقتال وقد وضعت الحرب أوزارها بغلبة المسلمين على الكفار وأخذهم الغنائم منهم قبل خروجهم إلى دار الاسلام، فإن الغنيمة حينئذ تقسم بين الجميع رغم عدم اشتراك تلك الفئة معهم في القتال، ومدركهم في ذلك رواية حفص بن غياث، قال: كتب إلي بعض إخواني أن أسأل أبا عبد الله عليه السلام عن مسائل من السيرة، فسألته وكتبت بها إليه، فكان فيما سألت: أخبرني عن الجيش إذا غزوا أرض الحرب فغنموا غنيمة ثم لحقهم جيش آخر قبل أن يخرجوا إلى دار الاسلام، ولم يلقوا عدوا حتى خرجوا إلى دار الاسلام، هل يشاركونهم فيها ؟ قال: " نعم " ([6]). ولكن بما أن الرواية ضعيفة باعتبار أن القاسم بن محمد الواقع في سندها مردد بين الثقة وغيرها فالحكم لا يخلو عن إشكال بل منع، وقد يستدل على ذلك بمعتبرة طلحة بن زيد، عن جعفر، عن أبيه، عن علي عليه السلام، في الرجل يأتي القوم وقد غنموا ولم يكن ممن شهد القتال قال: فقال: " هؤلاء المحرومون، فأمر أن يقسم لهم " ([7]) بتقريب أن المراد المحرومون من ثواب القتال لا أنهم محرومون من الغنيمة، وفيه: أولا: أنه لا يمكن أن تكون كلمة (هؤلاء) إشارة إلى الرجل الذي يأتي القوم بعد أخذهم الغنيمة من الكفار. وثانيا: أن تحريمهم من الثواب لا يدل على أن لهم نصيبا في الغنيمة، فإن ضمير (لهم) في قوله عليه السلام (فأمر أن يقسم لهم) ظاهر في رجوعه إلى القوم، وكيف كان فالرواية مجملة، فلا دلالة لها على المقصود أصلا. ثم إنه بناء على الاشتراك إذا حضروا دار الحرب قبل القسمة، فهل هم مشتركون فيها معهم أيضا إذا حضروها بعدها ؟ المشهور عدم الاشتراك، وهو الظاهر، لانصراف الرواية عن هذه الصورة وظهورها بمناسبة الحكم والموضوع في حضورهم دار الحرب قبل القسمة.

 

(مسألة 55) المشهور بين الأصحاب أنه يعطى من الغنيمة للراجل سهم، وللفارس سهمان، بل ادعي عدم الخلاف في المسألة، واعتمدوا في ذلك على رواية حفص بن غياث، ولكن قد عرفت آنفا أن الرواية ضعيفة فلا يمكن الاعتماد عليها، فحينئذ إن ثبت الاجماع في المسألة فهو المدرك وإلا فما نسب إلى ابن جنيد من أنه يعطى للراجل سهم وللفارس ثلاثة أسهم هو القوي، وذلك لاطلاق معتبرة إسحاق ابن عمار، عن جعفر، عن أبيه أن عليا عليه السلام كان يجعل للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهما ([8]) وصحيحة مسعدة بن زياد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وآله يجعل للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهما " ([9]) وعدم المقيد لهما. وعليه فلا فرق في ذلك بين أن يكون المقاتل صاحب فرس واحد أو أكثر فما عن المشهور من أن لصاحب فرس واحد سهمين وللأكثر ثلاثة أسهم فلا يمكن إتمامه بدليل، ولا فرق فيما ذكرناه بين أن تكون المقاتلة مع الكفار في البر أو البحر.

 

(مسألة 56) لا يملك الكافر الحربي أموال المسلمين بالاستغنام، فلو أخذها المسلم منه سرقة أو هبة أو شراء أو نحو ذلك فلا إشكال في لزوم عودها إلى أصحابها من دون غرامة شئ، وإن كان الآخذ جاهلا بالحال حيث إن الحكم - مضافا إلى أنه على القاعدة - قد دل عليه قوله عليه السلام في صحيحة هشام: " المسلم أحق بماله أينما وجده " ([10]). وأما إذا أخذ تلك الأموال منه بالجهاد والقوة، فإن كان الأخذ قبل القسمة رجعت إلى أربابها أيضا بلا إشكال ولا خلاف. وأما إذا كان بعد القسمة، فنسب إلى العلامة في النهاية أنها تدخل في الغنيمة، ولكن المشهور بين الأصحاب أنها ترد إلى أربابها وهو الصحيح، إذا يكفي في ذلك قوله عليه السلام في صحيحة هشام الآنفة الذكر المؤيدة بخبر طربال، والدليل على الخلاف غير موجودة في المسألة. وأما صحيحة الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن رجل لقيه العدو وأصاب منه مالا أو متاعا، ثم إن المسلمين أصابوا ذلك، كيف يصنع بمتاع الرجل ؟ فقال: " إذا كانوا أصابوه قبل أن يحوزوا متاع الرجل رد عليه، وإن كانوا أصابوه بعد ما حازوا فهو فئ للمسلمين، فهو أحق بالشفعة " ([11]) فهي بظاهرها، وهو التفصيل بين ما قبل الحيازة وما بعدها، فعلى الأول ترد إلى أربابها، وعلى الثاني تدخل في الغنيمة مقطوعة البطلان، فإنه لا إشكال كما لا خلاف في وجوب الرد قبل القسمة فلا تدخل في الغنيمة بالحيازة، وحمل الحيازة على القسمة بحاجة إلى قرينة وهي غير موجودة. وعلى فالقسمة باطلة، فمع وجود الغانمين تقسم ثانيا عليهم بعد إخراج أموال المسلمين، ومع تفرقهم يرجع من وقعت تلك الأموال في حصته إلى الإمام عليه السلام.

 

الدفاع

 

(مسألة 57) يجب على كل مسلم الدفاع عن الدين الاسلامي إذا كان في معرض الخطر، ولا يعتبر فيه إذن الإمام عليه السلام بلا إشكال ولا خلاف في المسألة. ولا فرق في ذلك بين أن يكون في زمن الحضور أو الغيبة، وإذا قتل فيه جرى عليه حكم الشهيد في ساحة الجهاد مع الكفار، على أساس أنه قتل في سبيل الله الذي قد جعل في صحيحة أبان موضوعا للحكم المزبور، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " الذي يقتل في سبيل الله يدفن في ثيابه ولا يغسل إلا أن يدركه المسلمون وبه رمق ثم يموت " الحديث، وقريب منها صحيحته الثانية ([12]).

 

(مسألة 58) تجري على الأموال المأخوذة من الكفار في الدفاع عن بيضة الاسلام أحكام الغنيمة، فإن كانت منقولة تقسم بين المقاتلين بعد إخراج الخمس، وإن كانت غير منقولة فهي ملك للأمة على تفصيل تقدم، وتدل على ذلك إطلاقات الأدلة من الآية والرواية. فما عليه المحقق القمي - قدس سره - من عدم جريان أحكام الغنيمة عليها وأنها لآخذها خاصة بدون حق الآخرين فيما لا يمكن المساعدة عليه.

 

قتال أهل البغي

 

وهم الخوارج على الإمام المعصوم عليه السلام الواجب إطاعته شرعا، فإنه لا إشكال في وجوب مقاتلتهم إذا أمر الإمام عليه السلام بها، ولا يجوز لأحد المخالفة، ولا يجوز الفرار لأنه كالفرار عن الزحف في حرب المشركين، والحاصل أنه تجب مقاتلتهم حتى يفيئوا أو يقتلوا. وتجري على من قتل فيها أحكام الشهيد لأنه قتل في سبيل الله.

 

(مسألة 59) المشهور - بل ادعي عليه الاجماع - أنه لا يجوز قتل أسرائهم، ولا الاجهاز على جريحهم، ولا يتبع مدبرهم إذا لم تبق منهم فئة يرجعون إليها، وأما إذا كانت لهم فئة كذلك فيقتل أسراؤهم ويجهز على جريحهم، ويتبع مدبرهم، ولكن إتمام ذلك بالدليل مشكل، فإن رواية حفص بن غياث التي هي نص في هذا التفصيل ضعيفة سندا كما مر، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الطائفتين من المؤمنين إحداهما باغية والأخرى عادلة، فهزمت العادلة الباغية ؟ قال عليه السلام: " ليس لأهل العدل أن يتبعوا مدبرا، ولا يقتلوا أسيرا، ولا يجهزوا على جريح، وهذا إذا لم يبق من أهل البغي أحد ولم يكن فئة يرجعون إليها " الحديث ([13]). وعليه فلا يمكن الاعتماد عليها. وأما معتبرة أبي حمزة الثمالي، قال: قلت لعلي بن الحسين عليه السلام: إن عليا عليه السلام سار في أهل القبلة بخلاف سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله في أهل الشرك! قال: فغضب ثم جلس ثم قال: " سار والله فيهم بسيرة رسول الله صلى الله عليه وآله يوم الفتح، إن عليا كتب إلى مالك وهو على مقدمته في يوم البصرة بأن لا يطعن في غير مقبل، ولا يقتل مدبرا، ولا يجهز على جريح، ومن أغلق بابه فهو آمن " الحديث ([14]) فهي قضية في واقعة، فلا يستفاد منها الحكم الكلي كما يظهر من روايته الأخرى قال: قلت لعلي بن الحسين عليه السلام: بما سار علي بن أبي طالب عليه السلام ؟ فقال: " إن أبا اليقظان كان رجلا حادا فقال: يا أمير المؤمنين: بم تسير في هؤلاء غدا ؟ فقال: بالمن كما سار رسول الله صلى الله عليه وآله في أهل مكة " ([15]) فحينئذ إن تم الاجماع في المسألة فهو، وإلا فالأمر كما ذكرناه، فإذن القضية في كل واقعة راجعة إلى الإمام عليه السلام نفيا وإثباتا حسب ما يراه من المصلحة.

 

(مسألة 60) لا تسبى ذراري البغاة وإن كانوا متولدين بعد البغي، ولا تملك نساؤهم وكذا لا يجوز أخذ أموالهم التي لم يحوها العسكر كالسلاح والدواب ونحوهما. وهل يجوز أخذ ما حواه العسكر من الأموال المنقولة ؟ فيه قولان: عن جماعة القول الأول، وعن جماعة أخرى القول الثاني، بل نسب ذلك إلى المشهور، وهذا القول هو الصحيح، ويدل على كلا الحكمين عدة من الروايات، منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: " لولا أن عليا عليه السلام سار في أهل حربه بالكف عن السبي والغنيمة للقيت شيعته من الناس بلاء عظيما " ثم قال: " والله لسيرته كانت خيرا لكم مما طلعت عليه الشمس " ([16]).

 

(مسألة 61) يجوز قتل ساب النبي الأكرم صلى الله عليه وآله أو أحد الأئمة الأطهار عليهم السلام لكل من سمع ذلك، وكذا الحال في ساب فاطمة الزهراء سلام الله عليها، على تفصيل ذكرناه في مباني تكملة المنهاج.

 

أحكام أهل الذمة

 

(مسألة 62) تؤخذ الجزية من أهل الكتاب وبذلك يرتفع عنهم القتال والاستعباد، ويقرون على دينهم، ويسمح لهم بالسكنى في دار الاسلام آمنين على أنفسهم وأموالهم، وهم اليهود والنصارى والمجوس بلا إشكال ولا خلاف، بل الصائبة أيضا على الأظهر، لأنهم من أهل الكتاب على ما تدل عليه الآية الكريمة وهي قوله تعالى: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصائبين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) ([17]) والجزية توضع عليهم من قبل النبي الأكرم صلى الله عليه وآله أو الإمام عليه السلام حسب ما يراه فيه من المصلحة كما وكيفا، ولا تقبل من غيرهم كسائر الكفار بلا خلاف، فإن عليهم أن يقبلوا الدعوة الاسلامية أو يقتلوا، وتدل عليه غير واحدة من الآيات الكريمة، منها قوله تعالى: (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب) ([18]). ومنها قوله تعالى: (قاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله) ([19]) وغيرها من الآيات، وبعموم هذه الآيات يرفع اليد عن إطلاق معتبرة مسعدة بن صدقة الدالة بإطلاقها على عدم اختصاص أخذ الجزية بأهل الكتاب، فقد روي عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " إن النبي صلى الله عليه وآله إذا بعث أميرا له على سرية أمره بتقوى الله عز وجل في خاصة نفسه ثم في أصحابه العامة - إلى أن قال: - إذا لقيتم عدوا للمسلمين فادعوهم إلى إحدى ثلاث، فإن هم أجابوكم إليها فاقبلوا منه وكفوا عنه، وادعوهم إلى الاسلام فإن دخلوا فيه فاقبلوا منهم وكفوا عنهم، وادعوهم إلى الهجرة بعد الاسلام فإن فعلوا فاقبلوا منهم وكفوا عنهم - إلى أن قال - فإن أبوا هاتين فادعوهم إلى إعطاء الجزية عن يد وهم صاغرون " الحديث ([20]).

 

(مسألة 63) الظاهر أنه لا فرق في مشروعية أخذ الجزية من أهل الكتاب بين أن يكون في زمن الحضور أو في زمن الغيبة لاطلاق الأدلة وعدم الدليل على التقييد، ووضعها عليهم في هذا الزمان إنما هو بيد الحاكم الشرعي كما وكيفا حسب ما تقتضيه المصلحة العامة للأمة الاسلامية.

 

(مسألة 64) إذا التزم أهل الكتاب بشرائط الذمة يعاملون معاملة المسلمين في ترتيب أحكامهم عليهم كحقن دمائهم وأموالهم وأعراضهم، وإذا أخلوا بها خرجوا عن الذمة على تفصيل يأتي في المسائل القادمة.

 

(مسألة 65) إذا ادعى الكفار أنهم من أهل الكتاب ولم تكن قرينة على الخلاف سمعت في ترتيب أحكام أهل الذمة عليهم وعدم الحاجة فيه إلى إقامة البينة على ذلك. نعم، إذا علم بعد ذلك خلافها كشف عن بطلان عقد الذمة.

 

(مسألة 66) الأقوى أن الجزية لا تؤخذ من الصبيان والمجانين والنساء، وذلك لمعتبرة حفص بن غياث التي تدل على كبرى كلية، وهي أن أي فرد لم يكن قتله في الجهاد جائزا لم توضع عليه الجزية، فقد سأل أبا عبد الله عليه السلام عن النساء كيف سقطت الجزية عنهن ورفعت عنهن ؟ قال: فقال: " لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن قتل النساء والولدان في دار الحرب - إلى أن قال - ولو امتنعت أن تؤدي الجزية لم يمكن قتلها، فلما لم يمكن قتلها رفعت الجزية عنها - إلى أن قال - وكذلك المقعد من أهل الذمة والأعمى والشيخ الفاني والمرأة والولدان في أرض الحرب، فمن أجل ذلك رفعت عنهم الجزية " ([21]). وتدل على ذلك في خصوص المجانين معتبرة طلحة بن زيد الآتية. وأما المملوك سواء كان مملوكا لمسلم أم كان لذمي فالمشهور أنه لا تؤخذ الجزية منه، وقد علل ذلك في بعض الكلمات بأنه داخل في الكبرى المشار إليها آنفا، وهي أن لم يجز قتله لم توضع عليه الجزية، ولكن الأظهر أن الجزية توضع عليه، وذلك لمعتبرة أبي الورد، فقد روى الشيخ الصدوق بسنده المعتبر عن الحسن بن محبوب، عن هشام بن سالم، عن أبي الورد، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: سألته عن مملوك نصراني لرجل مسلم عليه جزية ؟ قال: " نعم، إنما هو مالكه يفتديه إذا أخذ يؤدي عنه " ([22]) وروى قريبا منه بإسناده عن أبي الورد نفسه ([23]) إلا أن في بعض النسخ في الرواية الثانية (أبا الدرداء) بدل (أبي الورد) والظاهر أنه من غلط النساخ. ونسب هذا القول إلى الصدوق في المقنع وإلى العلامة في التحرير.

وأما الشيخ الهم والمقعد والأعمى فالمشهور بين الأصحاب أنه تؤخذ الجزية منهم لعموم أدلة الجزية وضعف رواية حفص، ولكن الأقوى عدم جواز أخذها منهم، فإن رواية حفص وإن كانت ضعيفة في بعض طرقها إلا أنها معتبرة في بعض طرقها الأخر وهو طريق الشيخ الصدوق إليه، وعليه فلا مانع من الاعتماد عليها في الحكم المزبور.

 

(مسألة 67) إذا حاصر المسلمون حصنا من حصون أهل الكتاب فقتل الرجال منهم وبقيت النساء، فعندئذ إن تمكن المسلمون من فتح الحصن فهو، وإن لم يتمكنوا منه فلهم أن يتوسلوا إلى فتحه بأية وسيلة ممكنة، ولو كانت تلك الوسيلة بالصلح معهن إذا رأى ولي الأمر مصلحة فيه، وبعد عقد الصلح لا يجوز سبيهن لعموم الوفاء بالعقد، فما قيل من جواز إظهار عقد الصلح معهن صورة وبعد العقد المزبور يجوز سبيهن فلا دليل عليه، بل هو غير جائز، لأنه داخل في الغدر. وأما إذا فتحه المسلمون بأيديهم فيكون أمرهن بيد ولي الأمر، فإن رأى مصلحة في إعطاء الأمان لهن وأعطاه لم يجز حينئذ استرقاقهن، وإن رأى مصلحة في الاسترقاق والاستعباد تعين ذلك

 

(مسألة 68) إذا كان الذمي عبدا فأعتق وحينئذ إن قبل الجزية ظل في دار الاسلام، وإن لم يقبل منع من الإقامة فيها واجبر على الخروج إلى مأمنه، ولا يجوز قتله ولا استعباده على أساس أنه دخل دار الاسلام آمنا.

 

(مسألة 69) تقدم عدم وجوب الجزية على المجنون مطبقا، وأما إذا كان أدواريا فهل تجب عليه أو لا ؟ أو فيه تفصيل ؟ وجوه، وعن شيخ الطائفة الشيخ الطوسي - قدس سره - اختيار التفصيل بدعوى أنه يعمل في هذا الفرض بالأغلب، فإن كانت الإفاقة أكثر وأغلب من عدمها وجبت الجزية عليه، وإن كان العكس فبالعكس. ولكن هذا التفصيل بحاجة إلى دليل ولا دليل عليه، فالعبرة حينئذ إنما هي بالصدق العرفي، فإن كان لدى العرف معتوها لم تجب الجزية عليه وإلا وجبت، ففي معتبرة طلحة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " جرت السنة أن لا تؤخذ الجزية من المعتوه، ولا من المغلوب عليه عقله " ([24]). نعم، لو أفاق حولا كاملا وجبت الجزية عليه في هذا الحول على كل حال.

 

(مسألة 70) إذا بلغ صبيان أهل الذمة عرض عليهم الاسلام، فإن قبلوا فهو، وإلا وضعت الجزية عليهم، وإن امتنعوا منها أيضا ردوا إلى مأمنهم ولا يجوز قتلهم ولا استعبادهم باعتبار أنهم دخلوا في دار الاسلام آمنين.

 

(مسألة 71) المشهور بين الأصحاب قديما وحديثا هو أنه لا حد للجزية، بل أمرها إلى الإمام عليه السلام كما وكيفا حسب ما يراه فيه من المصلحة، ويدل على ذلك - مضافا إلى عدم تحديدها في الروايات - ما في صحيحة زرارة: أن أمر الجزية إلى الإمام عليه السلام، يأخذ من كل إنسان منهم ما شاء على قدر ما يطيق ([25]).

 

(مسألة 72) إذا وضع ولي الأمر الجزية على رؤوسهم لم يجز وضعها على أراضيهم، حيث إن المشروع في الشريعة المقدسة وضع جزية واحدة حسب إمكاناتهم وطاقاتهم المالية التي بها حقنت دماؤهم وأموالهم، فإذا وضعت على رؤوسهم انتفى موضوع وضعها على الأراضي وبالعكس. وصحيحتا محمد بن مسلم ناظرتان إلى هذه الصورة فقد قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أرأيت ما يأخذ هؤلاء من هذا الخمس - إلى أن قال - وليس للإمام أكثر من الجزية إن شاء الإمام وضع على رؤوسهم وليس على أموالهم شئ، وإن شاء فعلى أموالهم وليس على رؤوسهم شئ الحديث. وقال: سألته عن أهل الذمة ماذا عليه مما يحقنون به دماءهم وأموالهم ؟ قال: " الخراج، وإن أخذ من رؤوسهم الجزية فلا سبيل على أرضهم، وإن أخذ من أرضهم فلا سبيل على رؤوسهم " ([26]). وأما إذا وضع ولي الأمر قسطا من الجزية على الرؤوس وقسطا منها على الأراضي فلا مانع فيه، على أساس أن أمر وضع الجزية بيد ولي الأمر من حيث الكم والكيف، والصحيحتان المزبورتان لا تشملان هذه الصورة فإنها ناظرتان إلى أن وضع الجزية كملا إذا كان على الرؤوس انتفى موضوع وضعها على الأراضي وبالعكس. وأما تبعيض تلك الجزية ابتداء عليهما معا فلا مانع منه.

 

(مسألة 73) لولي الأمر أن يشترط عليهم - زائدا على الجزية - ضيافة المارة عليهم من العساكر أو غيرهم من المسلمين حسب ما يراه فيه مصلحة، من حيث الكم والكيف، على قدر طاقاتهم وإمكاناتهم المالية، وما قيل من أنه لا بد من تعيين نوع الضيافة كما وكيفا بحسب القوت والأدام ونوع علف الدواب وعدد الأيام فلا دليل عليه، بل هو راجع إلى ولي الأمر.

 

(مسألة 74) ظاهر فتاوى الأصحاب في كلماتهم أن الجزية تؤخذ سنة بعد سنة وتتكرر بتكرر الحول ولكن إثبات ذلك بالنصوص مشكل جدا، فالصحيح أن أمرها بيد الإمام عليه السلام، وله أن يضع الجزية في كل سنة وله أن يضعها في أكثر من سنة مرة واحدة حسب ما فيه من المصلحة.

 

(مسألة 75) إذا أسلم الذمي قبل تمامية الحول أو بعد تماميته وقبل الأداء سقطت عنه بسقوط موضوعها، فإن موضوعها حسب ما في الآية الكريمة وغيرها هو الكافر، فإذا أصبح مسلما ولو بعد الحول سقطت الجزية عنه ولا تجب عليه تأديتها، ولا فرق في ذلك بين أن يكون هو الداعي لقبوله الاسلام أن يكون الداعي له أمرا آخر.

 

(مسألة 76) المشهور بين الأصحاب أنه لو مات الذمي وهو ذمي بعد الحول لم تسقط الجزية عنه وأخذت من تركته كالدين، ولكن ذلك مبني على أن يكون جعل الجزية من قبيل الوضع كجعل الزكاة والخمس على الأموال، ولازم ذلك هو أن الذمي لو مات في أثناء الحول مثلا لأخذت الجزية من تركته بالنسبة، وهذا وإن كان مذكورا في كلام بعضهم إلا أنه غير منصوص عليه في كلمات المشهور، ومن هنا لا يبعد أن يقال إنها ليس كالدين الثابت على ذمته حتى تخرج من تركته بعد موته مطلقا، بل المستفاد من الدليل هو أن الواجب عليه إنما هو الاعطاء عن يد وهو صاغر، فإذا مات انتفى بانتفاء موضوعه، وبذلك يظهر حال ما إذا مات في أثناء الحول، بل هو أولى بالسقوط.

 

(مسألة 77) يجوز أخذ الجزية من ثمن الخمور والخنازير والميتة من الذمي حيث أن وزره عليه لا على غيره، وتدل عليه صحيحة محمد بن مسلم، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الصدقات أهل الذمة وما يؤخذ من جزيتهم من ثمن خمورهم وخنازيرهم وميتتهم ؟ قال: " عليهم الجزية في أموالهم، تؤخذ من ثمن لحم الخنزير أو خمر، فكل ما أخذوا منهم من ذلك فوزر ذلك عليهم وثمنه للمسلمين حلال، يأخذونه في جزيتهم " ([27]).

 

(مسألة 78) لا تتداخل جزية سنين متعددة إذا اجتمعت على الذمي بل عليه أن يعطي الجميع إلا إذا رأى ولي الأمر مصلحة في عدم الأخذ.

ـــــــــــــــــــــ

[1] - الوسائل ج 11 باب 72 من جهاد العدو، حديث 2.

[2] - الوسائل ج 11 باب 41 من جهاد العدو، حديث 6.

[3] - الوسائل ج 6 باب 1 من أبواب الأنفال، حديث 6 و 15.

[4] - سورة الأنفال، الآية 41.

[5] - الوسائل ج 11 باب 41 من أبواب جهاد العدو، حديث 8.

[6] - الوسائل ج 11 باب 37 من أبواب جهاد العدو، حديث 1.

[7] - الوسائل ج 11 باب 37 من أبواب جهاد العدو، حديث 2.

[8] - الوسائل ج 11 باب 42 من أبواب جهاد العدو، حديث 2.

[9] - الوسائل ج 11 باب 38 من أبواب جهاد العدو، حديث 2.

[10] - الوسائل ج 11 باب 35 من أبواب جهاد العدو، حديث 3.

[11] - الوسائل ج 11 باب 35 من أبواب جهاد العدو، حديث 2.

[12] - الوسائل ج 2 الباب 14 من أبواب غسل الميت، الحديث 7 و 9.

[13] - الوسائل ج 11 باب 23 من جهاد العدو، الحديث 1.

[14] - الوسائل ج 11 باب 24 من جهاد العدو، الحديث 2.

[15] - التهذيب ج 6 ص 154، الحديث 272.

[16] - الوسائل ج 11 باب من جهاد العدو، الحديث 8.

[17] - سورة البقرة، الآية 62.

[18] - سورة محمد صلى الله عليه وآله، الآية 4.

[19] - سورة الأنفال، الآية 39.

[20] - الوسائل ج 11 باب 15 من جهاد العدو، حديث 3.

[21] - الوسائل ج 11 باب 18 من أبواب جهاد العدو، الحديث 1.

[22] - الفقيه ج 3 باب نوادر العتق، الحديث 9.

[23] - الوسائل ج 11 باب 49 من جهاد العدو، الحديث 6.

[24] - الوسائل ج 11 باب 18 من جهاد العدو، حديث 3.

[25] - الوسائل ج 11 باب 68 من جهاد العدو، حديث 1.

[26] - الوسائل ج 11 باب 68 من جهاد العدو، حديث 2، 3.

[27] - الوسائل ج 11 باب 70 من جهاد العدو، الحديث 1.

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة