الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

البحث الثالث: في المستقبل

مسألة 144: القادر على معرفة القبلة لا يجوز له الاجتهاد عند علمائنا، كما أن القادر على العمل بالنص في الاحكام لايجوز له الاجتهاد لامكان الخطأ في الثاني دون الاول.

ويحصل اليقين لمن كان معاينا للكعبة أو كان بمكة من أهلها، أو ناشئا بها من وراء حائل محدث كالحيطان، وكذا إن كان بمسجد النبي صلى الله عليه وآله، لليقين بصحة قبلته.

ولو كان الحائل أصليا كالجبل ولا يمكنه أن يعرف القبلة حتى يصعد الجبل وتمكن منه وجب أن يصعد طلبا لليقين.

وقال الشافعي: يجوز أن يجتهد ويصلي بغلبة الظن.

وفي الحادث عنده قولان(1).وهل له أن يستقبل الحجر مع تمكنه من استقبال الكعبة، الوجه ذلك لانه عندنا من الكعبة.ومنعه بعض الشافعية، حيث إن كونه من البيت مجتهد فيه غير مقطوع به(2).

مسألة 145: فاقد العلم يجتهد بالادلة التي وضعها الشارع علامة، فإن غلب على ظنه الجهة للامارة بنى عليه بإجماع العلماء، لانه فعل المأمور به فخرج عن العهدة، ولقول الباقر عليه السلام: " يجزي التحري أبدا إذا لم

___________________________________

(1) المجموع 3: 212 و213،فتح العزيز3: 228،المهذب للشيرازي1: 75،مغني المحتاج 1: 145.

(2) المجموع 3: 193، فتح العزيز 3: 226.

(*)

[23]

يعلم أين وجه القبلة "(1).فلا يجوز للعارف بأدلة القبلة التمكن من الاستدلال عليها بمطالع النجوم، وهبوب الرياح، وغيرها التقليد، وكذا الذي لا يعرف أدلة القبلة لكنه إذا عرف عرف، لتمكنه من العلم، بخلاف العامي حيث لا يلزمه تعلم الفقه، لان ذلك يطول زمانه ويشق تعلمه بخلاف دلائل القبلة، وبه قال الشافعي(2).

أما الذي لا يحسن وإذا عرف لم يعرف فإنه والاعمى على حد واحد، وللشيخ فيه قولان، أحدهما: الرجوع إلى العارف والتقليد للثقة(3) - وبه قال الشافعي(4) - كالعامي في أحكام الشرع، وله قول آخر، وهو أن يصلي إلى أربع جهات كالفاقد للاجتهاد والتقليد معا(5).

والاول أقرب لتعذر العلم والاصل براء‌ة الذمة من التكليف الزائد، وقول الثقة يثمر الظن فيصار إليه كالاجتهاد.

وقال داود: إنه يسقط عنه فرض القبلة ويصلي إلى حيث شاء(6) لقوله تعالى: (فأينما تولوا فثم وجه الله)(7) وهو غلط، لقوله تعالى: (وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره)(8) والآية نزلت في النافلة.

___________________________________

(1) الكافي 3: 285 / 7، الفقيه 1: 179 / 845، التهذيب 2: 45 / 146، الاستبصار 1: 295 / 1087.

(2) المجموع 3: 228، فتح العزيز 3: 225، الوجيز 1: 38، المهذب للشيرازي 1: 75.

(3) المبسوط للطوسي 1: 79.

(4) المجموع 3: 228، المهذب للشيرازي 1: 75، كفاية الاخيار 1: 59.

(5) الخلاف 1: 302 المسألة 49.

(6) حلية العلماء 2: 64.

(7) البقرة: 115.

(8) البقرة: 144.

(*)

[ 24]

فروع:

أ - تعلم دلائل القبلة واجب، وهل هو على الاعيان أو على الكفاية؟ إشكال، ينشأ من أنه من واجبات الصلاة فيعم كالاركان، ومن كونه من دقائق مسائل الفقه، وكلاهما للشافعي(1).

ب - إذا اجتهد في صلاة قال الشيخ: يجب التجديد في أخرى، وهكذا ما لم يعلم بقاء الامارات(2).

وهو أحد قولي الشافعي، وفي الآخر: لا يجب، لان اجتهاده قائم لم يتغير(3).

ج - لو اجتهد فأدى اجتهاده إلى جهة فصلى إلى غيرها لم تصح صلاته وإن ظهر أنها القبلة - وبه قال أبوحنيفة، الشافعي(4) - لانه لم يفعل المأمور به وهو التوجه إلى ماأدى إليه اجتهاده فيبقى في عهدة التكليف.

وقال الشيخ في المبسوط(5) - وبه قال أبويوسف -: يجزيه(6)، لان المأمور به هو التوجه إلى القبلة وقد فعل، كمن شك في إناء‌ين فتوضأ بأحدهما من غير اجتهاد ثم بان له أنه الطاهر أجزأه.وهو غلط، فإنه إن بان له ذلك بعد دخوله في الصلاة لم تصح

___________________________________

(1) المجموع 3: 209، فتح العزيز 3: 230.

(2) المبسوط للطوسي 1: 81.

(3) المجموع 3: 216، فتح العزيز 3: 245، المهذب للشيرازي 1: 75، الوجيز 1: 39، المغني 1: 500، الشرح الكبير 1: 527.

(4) بدائع الصنائع 1: 119، شرح فتح القدير 1: 236.

(5) المبسوط للطوسي 1: 80.

(6) شرح فتح القدير 1: 236، بدائع الصنائع 1: 119.

(*)

[25]

صلاته، وإن كان قبله جاز.والفرق ظاهر بين الطهارة والصلاة، فإن الطهارة تقع قبل وجوبها وإنما الواجب منها ما صحت به الصلاة فإذا علمها في حال وجوبها أجزأه ولم يضره الشك قبل ذلك.

د - الاعمى العاجز يقلد شخصا مكلفا، عدلا، عارفا بأدلة القبلة، وفي المبسوط: يقلد الصبي والمرأة لحصول الظن(1)، وظاهر قوله في الخلاف: وجوب أربع صلوات(2).وما قلناه أولى.

ه‍ - يجوز التعويل على المحاريب المنصوبة في بلاد المسلمين، ولا يجب عليه الاجتهاد في طلب القبلة، وهو إجماع.ولو عرف أنها وضعت على الغلط وجب الاجتهاد.

و - لايجوز التعويل على قول الكافر والفاسق، لقوله تعالى: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا)(3) ولا يقبل قول الكافر في شئ إلا في الاذن في دخول الدار، وفي قبول الهدية، ولو وجد قبلة للنصارى احتمل الاستدلال بها لغلبة الظن بانتفاء الكذب، وعدمه للعموم.

ز - لو دخل بلدا خرابا فوجد فيه مساجد، ومحاريب ولم يعلم الواضع لم يكن له الصلاة إليها بل يجتهد، لجواز أن يكون بناه المشركون فإن علم أنه من بناء المسلمين لم يلزمه الاجتهاد.

مسألة 146: إذا تعدد المجتهدون فإن اتحدت الجهة جاز أن يصلوا جماعة وفرادى، وإن اختلفوا صلوا منفردين وليس لهم الجماعة عندنا - وبه قال

___________________________________

(1) المبسوط للطوسي 1: 80.

(2) الخلاف 1: 302 مسألة 49.

(3) هود: 113.

(*)

[26]

الشافعي(1) - لان العالم بالقبلة ليس له أن يجتهد، والمجتهد ليس له أن يقلد.

فلو قلد بعضهم بعضا بطلت صلاة المأموم قطعا، لان إمامه إن كان على الحق فلا صلاة له وإلا فصلاة الامام فاسدة، ولا يجوز الاقتداء بمن صلاته فاسدة.

وقال أبوثور: تصح صلاة المأمومين وشبهه بالواقفين في الكعبة، ويستقبل كل واحد منهم بعض الحيطان فإن صلاتهم صحيحة وإن اختلفت الجهة، ولانه لا يقطع بخطأ إمامه وصواب نفسه(2).

ويفارق الواقفين حول الكعبة لان كل واحد منهم مستقبل قطعا وهنا المأموم يعتقد خطأ إمامه، والخطأ وإن لم يقطع به لكنه يقطع بحكمه، وقول أبي ثور ليس بعيدا كالمصلين في حال شدة الخوف.

فروع:

أ - لو كانوا في بيت مظلم فاجتهدوا وجمعوا فلما أصبحوا علموا أن كل واحد صلى إلى جهة اخرى ولم يعلموا إلى أي جهة صلى الامام فالوجه صحة صلاتهم، لانه لم يعلم الخطأ في فعل إمامه، وحكاه أبوثور عن الشافعي(3).

ب - لو أدى اجتهاد الجماعة إلى جهة ثم تغير اجتهاد بعض المأمومين انحرف وبنى على صلاته ونوى الانفراد، ولو تغير اجتهاد الامام خاصة انحرف واستمر المأمومون منفردين.

___________________________________

(1) المجموع 3: 214، فتح العزيز 3: 246، المهذب للشيرازي 1: 75، كفاية الاخيار 1: 60، المغني 1: 503.

(2) المجموع 3: 214، المغني 1: 504.

(3) لم نعثر عليه بحدود المصادر المتوفرة لدينا.

(*)

[27]

وللشافعي قول في الاولى بفساد صلاة المأموم بناء على أن المأموم إذا أخرج نفسه عن صلاة إمامه يستأنف أو يتم؟ قولان، أما الثانية فلا لان المأموم لم يختر مخالفة إمامه بل الامام هو الذي خالفه، ولو قطع الامام صلاته عمدا لم تبطل صلاة المأموم(1).

ج - لو اختلف الامام والمأموم في التيامن والتياسر لم يكن له الائتمام، لاختلافهما في جهة القبلة، وهو أحد وجهي الشافعي، وفي الثاني: له ذلك لقلة الانحراف(2)، وهما مبنيان على أن الواجب إصابة العين أو الجهة.

د - لو ضاق الوقت إلا عن صلاة وأدى اجتهاد أحدهم إلى جهة جاز للآخر أن يقلده ويأتم به عندنا، لان فرضه التخيير، وهل يجب عليه التقليد حينئذ؟ إشكال ينشأ من عدم جواز التقليد للمجتهد مع اتساع الوقت، وتخييره مع ضيقه، ومن حصول ظن بالجهة راجح على التخيير فيتعين اتباعه.

ه‍ - من فرضه التقليد كالاعمى والجاهل بأدلة القبلة إن لم نوجب عليه الاربع يقلد الاوثق الاعلم بالادلة لو تعدد المجتهدون، فإن قلد المفضول فالاقرب المنع، لانه ترك ما يغلب عليه ظنه أن الصواب فيه.

وقال الشافعي: تصح، لانه أخذ بدليل له الاخذ به لو انفرد فكذا لو كان مع غيره(3).

وليس بجيد لحصول المعارض الراجح حالة الاجتماع دون الانفراد فصار كما لو تضاد الدليلان، ولو تساويا قلد من شاء.

مسألة 147: العارف بأدلة القبلة إذا لم يتمكن من الاجتهاد لضيق

___________________________________

(1) الام 1: 95، المجموع 3: 226، فتح العزيز 3: 247.

(2) المجموع 3: 226، فتح العزيز 3: 247.

(3) المجموع 3: 228،، كفاية الاخيار 1: 59، المغني 1: 506، الشرح الكبير 1: 524.

(*)

[28]

الوقت يتخير إجماعا إن لم يتمكن من التقليد، ولو تمكن فإشكال تقدم، ولا إعادة عليه إن استمر الجهل، وكذا لو كان ممنوعا برمد، أو مرض، أو غيرهما.

ولو كان الوقت متسعا ولم يحصل له الظن بعد الاجتهاد فإن كان يرجو حصوله بانكشاف الغيم مثلا احتمل وجوب التأخير إلى آخر الوقت ثم يتخير، وجواز التقديم فيصلي إلى أربع جهات كل فريضة، ذهب إليه علماؤنا، لان الاستقبال واجب وقد أمكن حصوله بتعدد الفرائض فيجب كما لو اشتبه الثوبان.

ولقول الصادق عليه السلام وقد سئل أن هولاء المخالفين يقولون: إذا أطبقت علينا وأظلمت ولم نعرف السماء كنا وأنتم سواء في الاجتهاد.فقال: " ليس كما يقولون، إذا كان كذلك فليصل لاربع وجوه "(1).

وقال أبوحنيفة، وأحمد: يصلي ما بين المشرق والمغرب، ويتحرى الوسط، ثم لا يعيد(2)، لقوله صلى الله عليه وآله: (ما بين المشرق والمغرب قبلة)(3) ونحن نقول بموجبه على تقدير معرفته المشرق والمغرب.

وقد روى معاوية بن عمار عن الصادق عليه السلام قلت: الرجل يقوم في الصلاة ثم ينظر بعد ما فرغ فيرى أنه قد انحرف عن القبلة يمينا وشمالا.

قال: " قد مضت صلاته، وما بين المشرق والمغرب قبلة "(4).ولو ضاق الوقت صلى ثلاثا ويتخير في الساقطة فإن ضاق صلى اثنتين

___________________________________

(1) التهذيب 2: 45 / 144، الاستبصار 1: 295 / 1085.

(2) المغني 1: 491، الشرح الكبير 1: 519.

(3) سنن الترمذي 2: 171 / 342 و 173 / ، سنن ابن ماجة 1: 323 / 1011، سنن الدار قطني 1: 270 و 271 / 1 و 2.

(4) الفقيه 1: 179 / 846، التهذيب 2: 48 / 157، الاستبصار 1: 297 / 1095.

(*)

[ 29]

فإن ضاق صلى واحدة، ويتخير في المأتي بها.

مسألة 148: لو صلى بالاجتهاد، أو مع ضيق الوقت ثم تبين الخطأ في الصلاة استدرك إن كان الانحراف يسيرا، لان ذلك لا يقع عن يقين وإنما هو ظن لان الجهة الواحدة لا تتبين فيها الكعبة يقينا، وهو قول الشافعي، وله قول آخر: أنه يستأنف لان صلاة واحدة لا تقع إلى جهتين كالحادثة لايحكم فيها بحكمين(1)، وإن كان كثيرا استأنف.ولو ظهر بعد الفراغ فإن كان قد استدبر أعاد الصلاة سواء كان الوقت باقيا أولا، اختاره الشيخان(2)، لما رواه عمار بن موسى عن الصادق عليه السلام في رجل صلى إلى غير القبلة فيعلم وهو في الصلاة قبل أن يفرغ من صلاته قال: " إن كان متوجها فيما بين المشرق والمغرب فليحول وجهه إلى القبلة حتى يعلم، وإن كان متوجها إلى دبر القبلة فليقطع ثم يحول وجهه إلى القبلة ثم يفتتح الصلاة "(3) والراوي ضعيف.

وقال المرتضى: يعيد في الوقت لا خارجه(4) لانه في الوقت لم يأت بالمأمور به فيبقى في العهدة، وبعد الوقت يكون قاضيا، والاصل عدمه إلا بأمر مجدد، ولقول الصادق عليه السلام: " إذا صليت وأنت على غير القبلة واستبان لك أنك صليت وأنت على غير القبلة وأنت في الوقت فأعد، وإن فاتك فلا تعد "(5) والاطلاق يتناول الاستدبار، وهو الاقوى عندي.وقال مالك، وأحمد، وأبوحنيفة، والمزني، والشافعي في أحد

___________________________________

(1) المجموع 3: 225 - 226، مغني المحتاج 1: 147، كفاية الاخيار 1: 59.

(2) المفيد في المقنعة: 14 والشيخ الطوسي في المبسوط 1: 80.

(3) الكافي 3: 285 / 8، التهذيب 2: 49 / 159، الاستبصار 1: 298 / 1100.

(4) الناصريات: 230 مسألة 80.

(5) الكافي 3: 284 / 3، التهذيب 2: 48 / 154، الاستبصار 1: 296 / 1090 (*)

[30]

القولين: إذا تبين الخطأ بعد الصلاة لم يعد(1) وأطلقوا فلم يفصلو إلى الاستدبار وغيره، والى الوقت وخروجه، لان عامر بن ربيعة قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وآله في ليلة سوداء مظلمة فلم نعرف القبلة فجعل كل واحد منا يصلي وبين يديه أحجار فلما أصبحنا إذا نحن على غير القبلة فذكرنا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله فأنزل الله تعالى: * (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله)*(2)(3) ولانه صلى إليها للعذر فإذا زال العذر لم تجب الاعادة كالخائف.

وفي الآخر للشافعي: يعيد(4) وأطلق لانه تعين له يقين الخطأ فيما يؤمر مثله في القضاء فلزمه الاعادة كالحاكم إذا تيقن الخطأ، والمصلي بمكة.

فروع:

أ - إذا صلى إلى ما أداه اجتهاده ثم أعاد الاجتهاد فأداه إلى اخرى صلى الثانية إلى الجهة الاخرى ولا يعيد الاولى - وبه قال الشافعي(5) - ولا نعلم فيه خلافا لان الاجتهاد لا ينقض الاجتهاد.

ب - لو تغير اجتهاده في أثناء الصلاة استدار إن كان الانحراف يسيرا وبنى، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وفي الاخرى: لاينتقل ويمضي

___________________________________

(1) المجموع 3: 243، مختصر المزني: 13، كفاية الاخيار: 1: 59، بداية المجتهد 1: 112، المغني 1: 513 و 514، الشرح الكبير 1: 526، كشاف القناع 1: 312، بدائع الصنائع 1: 119، اللباب 1: 64.

(2) البقرة: 115.

(3) سنن الترمذي 2: 176 / 345، سنن الدار قطني 1: 272 / 5، سنن البيهقي 2: 11.

(4) المجموع 3: 243 كفاية الاخيار 1: 59، المغني 1: 514 و 515، الشرح الكبير 1: 526.

(5) المجموع 3: 219، مغني المحتاج 1: 147، المهذب للشيرازي 1: 75، كفاية الاخيار 1: 59، المغني 1: 500، الشرح الكبير 1: 527.

(*)

[31]

على اجتهاده الاول، لا ينقض الاجتهاد بالاجتهاد(1).وهو غلط، لانه مجتهد أداه اجتهاده إلى جهة فلا يجوز العدول عنها، وليس نقضا للاجتهاد بل يعمل في المستقبل كما يعمل في الصلاة الثانية.ولو كان الانحراف كثيرا استأنف.

ج - لو تغير اجتهاده في الاثناء ولم يؤده اجتهاده إلى جهة اخرى بنى على ما مضى من صلاته لانه لم يظهر له جهة اخرى يتوجه إليها.

وإن بان له يقين الخطأ في الصلاة ولم يعلم غيرها فإن كان الوقت متسعا استأنف الاجتهاد وإلا استمر على حاله، وإن شك في اجتهاده لم يزل عن جهته لان الاجتهاد ظاهر فلا يزول عنه بالشك.

د - لو صلى باجتهاده فعمي في الاثناء استمر، لان اجتهاده أولى من اجتهاد غيره، فإن استدار استدرك إن تمكن وإلا أبطلها وبحث أو قلد.

وإن شرع فيها وهو أعمى فأبصر في أثنائها فإن ظهر له الصحة أو خفي الامران استمر، لانه دخل دخولا مشروعا.

وقال بعض الجمهور: تبطل مع الخفاء لان فرضه الاجتهاد(2).ولو ظهر البطلان استدار إن كان يسيرا وإلا استأنف.

ه‍ - لا فرق بين المسافر والحاضر.

وقال أحمد: لو ظهر للحاضر الخطأ في اجتهاده استأنف سواء صلى بدليل أو غيره، لان الحضر ليس محل الاجتهاد(3).

___________________________________

(1) المغني 1: 501، الشرح الكبير 1: 527، كشاف القناع 1: 310 - 311.

(2) المجموع 3: 229، المغني 1: 511 - 512، الشرح الكبير 1: 525.

(3) المغني 1: 522، الشرح الكبير 1: 525، المحرر في الفقيه 1: 52، كشاف القناع 1: 311.

(*)

[32]

وقال في الاعمى: إذا كان في حضر فكالبصير لانه يقدر على الاستدلال بالخبر، والمحاريب فإنه إذا لمس المحراب وعلم أنه محراب وأنه متوجه إليه فهو كالبصير(1).

و - لو صلى الاعمى بقول البصير، فقال له آخر: قد أخطأ بك فإن كان الثاني أعدل انحرف، وإن انعكس، أو تساويا استمر، ولو أخبره بالخطأ متيقن استدار إن كان بين المشرق والمغرب وإلا استأنف.

مسألة 149: الاعمى يجب عليه الاستقبال إجماعا إلا داود فإنه قال: يصلي إلى أي جهة شاء لانه عاجز(2)، وهو خطأ لعموم الامر، والعجز ينتفي بالسؤال كالعامي أو بالصلاة إلى أربع جهات، ولا يجوز له تقليد الفاسق، وظاهر مذهب الشافعي: الجواز لانتفاء التهمة في مثل هذا(3).

والحق خلافه.

وله في تقليد الصبي قولان(4)، والوجه: المنع لانه ليس من أهل التكليف، ويعلم انتفاء الحرج عنه.

مسألة 150: من ترك الاستقبال عمدا بطلت صلاته، وأعاد في الوقت وخارجه، بإجماع العلماء لانتفاء شرط الصلاة.ولو صلى ظانا ثم ظهر الخطأ فإن كان بين المشرق والمغرب وهو في الصلاة استدار، ولو تبين بعد فراغه لم يعد إجماعا، لقوله صلى الله عليه وآله: (ما بين المشرق والمغرب قبلة)(5).

___________________________________

(1) المغني 1: 523، الشرح الكبير 1: 525، كشاف القناع 1: 311.

(2) حلية العلماء 2: 64.

(3) المجموع 3: 201.

(4) المجموع 3: 200، حلية العلماء 2: 61، فتح العزيز 3: 226.

(5) سنن الترمذي 2: 171 و 173 / 342 و 344، سنن ابن ماجة 1: 323 / 1011، سنن الدار قطني 1: 270 و 271 / 1 و 2.

(*)

[33]

ولو بان أنه صلى إلى المشرق أو المغرب أعاد في الوقت، لانه أخل بشرط الصلاة مع بقاء وقته، ولو خرج الوقت احتمل مساواته للاستدبار فيعيد، وعدم القضاء لانه تكليف ثان والاصل عدمه.

ولما رواه سليمان بن خالد عن الصادق عليه السلام في الرجل يكون في قفر من الارض في يوم غيم فيصلي إلى غير القبلة، ويصحى فيعلم أنه صلى إلى غير القبلة كيف يصنع؟ قال: " إن كان في وقت فليعد صلاته، وإن مضى الوقت فحسبه اجتهاده "(1).

وقال أبوحنيفة، ومالك، وأحمد: لا يعيد مطلقا.وللشافعي قولان(2) وقد سبق.

قال الشيخ: إذا صلى إلى غير القبلة ناسيا، أو لشبهة أعاد إن كان الوقت باقيا، ولو كان قد خرج لم يعد(3).

فألحقه بالظان، وفيه إشكال.

مسألة 151: قد بينا أن المجتهد ليس له أن يقلد بل يجتهد فإن ضاق الوقت فالاقرب أن له التقليد، ولو فقد من يقلده صلى إلى أي جهة شاء ولا إعادة عليه لانه امتثل المأمور به، وهو أحد وجوه الشافعي.

وله ثان: أنه يصلي كيف اتفق ثم يجتهد ويقضي.

وثالث: أنه لا يصلي إلى أن يتم الاجتهاد وإن خرج الوقت(4).

___________________________________

(1) الكافي 3: 285 / 9، التهذيب 2: 47 / 152، الاستبصار 1: 296 / 1091.

(2) اللباب 1: 64، بداية المجتهد 1: 112، المغني 1: 514، الشرح الكبير 1: 526، فتح العزيز 3: 233، السراج الوهاج: 40، المجموع 3: 225، المهذب للشيرازي 1: 75، الوجيز 1: 39.

(3) النهاية: 64.

(4) المجموع 3: 230، فتح العزيز 3: 227 و 228، السراج الوهاج: 40، كفاية الاخيار 1: 59.

(*)

[34]

ولوكان محبوسا أو في ظلمة صلى إلى أربع جهات مع السعة، ومع الضيق إلى أي جهة شاء.

وللشافعي قولان: أحدهما: أنه يقلد، وفي القضاء وجهان، والثاني: أنه لا يقلد ويصلي كيف اتفق ويقضي(1).

ولو صلى أربع صلوات إلى أربع جهات بأربع اجتهادات ولم يتبين الخطأ فلا قضاء عليه.

ولو قال للاعمى: الشمس وراء‌ك وهو عدل وجب قبول قوله لانه إخبار عن محسوس لا اجتهاد.

مسألة 152: تجوز الصلاة في السفينة فرضا ونفلا، والافضل الشط مع التمكن، فإن صلى فيها وجب القيام، والاستقبال مع المكنة، فإن تعذر القيام والشط صلى جالسا مستقبلا، فإن دارت السفينة فليدر معها ويستقبل القبلة، فإن تعذر استقبل بتكبيرة الافتتاح ثم يصلي كيفما دارت، ويجوز أن يصلي النوافل إلى رأس السفينة إذا تعذر الاستقبال.

سئل الصادق عليه السلام عن الصلاة في السفينة فقال: " إن استطعتم أن تخرجوا إلى الجدد فاخرجوا، وإن لم تقدروا فصلوا قياما، فإن لم تستطيعوا فصلوا قعودا وتحروا القبلة "(2) وقال سليمان بن خالد: سألته عن الصلاة في السفينة، فقال: " يصلي قائما فإن لم يستطع القيام فليجلس ويصلي وهو مستقبل القبلة، فإن دارت السفينة فليدر مع القبلة إن قدر على ذلك، وإن لم يقدر على ذلك فليثبت على مقامه وليتحر القبلة بجهده "، وقال: " يصلي النافلة مستقبل صدر

___________________________________

(1) المجموع 3: 230، كفاية الاخيار 1: 59، السراج الوهاج: 40، المهذب للشيرازي 1: 75.

فتح العزيز 3: 228 - 229.

(2) الكافي 3: 441 / 1، التهذيب 3: 170 / 374، الاستبصار 1: 454 / 1761، قرب الاسناد: 11.

(*)

[35]

السفينة وهو مستقبل القبلة إذا كبر ثم لا يضره حيث دارت "(1).

وقال أبوحنيفة: يجوز أن يصلي مختارا في السفينة قائما أو قاعدا(2).والحق ما ذكرناه، وبه قال الشافعي، وأبو يوسف، ومحمد(3).

___________________________________

(1) التهذيب 3: 171 / 377.

(2) المبسوط للسرخسي 2: 2، بدائع الصنائع 1: 109.

(3) المجموع 3: 242، مغني المحتاج 1: 153، الميزان 1: 138، المبسوط للسرخسي 2: 2، بدائع الصنائع 1: 109.

(*)

 

الفصل السادس: في الاذان والاقامة

ومباحثه أربعة: الاول: الماهية مسألة 153: الاذان لغة الاعلام، وشرعا الاعلام بأوقات الصلوات بألفاظ مخصوصة: وهو عند أهل البيت عليهم السلام مستفاد من الوحي على لسان جبرئيل عليه السلام تلقينا، لقول الصادق عليه السلام: " لما هبط جبرئيل عليه السلام بالاذان على رسول الله صلى الله عليه وآله كان رأسه في حجر علي عليه السلام فأذن جبرئيل عليه السلام وأقام، فلما انتبه رسول الله صلى الله عليه وآله قال: يا علي سمعت؟ قال: نعم، قال: حفظت؟ قال: نعم، قال: أدع بلالا فعلمه فدعا علي عليه السلام بلالا وعلمه "(1).

ولانه أمر مشروع مأمور به من النبي صلى الله عليه وآله وقد قال الله تعالى: * (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) *(2) ولان الامور

___________________________________

(1) الكافي 3: 302 / 2، الفقيه 1: 183 / 865، التهذيب 2: 277 / 1099.

(2) النجم: 3 و 4.

(*)

[38]

الشرعية منوطة بالمصالح والفطنة(1) البشرية تعجز عن إدراكها، ولا يعلمها مفصلة إلا الله تعالى فلا خيرة فيها للنبي صلى الله عليه وآله، ولان ما هو أقل منها ذكرا مستفاد من الوحي فكيف هذا المهم.

وأطبق الجمهور على أن محمد بن عبدالله بن زيد بن عبد ربه قال: حدثني أبي عبدالله بن زيد قال: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وآله بالناقوس يعمل ليضرب به لجمع الناس للصلاة طاف بي - وأنا نائم - رجل يحمل ناقوسا في يده، قلت: يا عبدالله أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ قلت: ندعو به إلى الصلاة قال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ فقلت له: بلى، فقال: تقول: الله أكبر إلى آخر الاذان، ثم استأخر عني غير بعيد ثم قال: تقول إذا قمت إلى الصلاة: الله أكبر إلى آخر الاقامة، فلما أصبحت أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبرته بما رأيت، فقال: (إنها رؤيا حق إن شاء الله تعالى، فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن به فإنه أندى منك صوتا) فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه ويؤذن به(2).

وهذا الحديث مدفوع من وجوه:

أ - اختلاف الرواية فيه فإن بعضهم روى أن عبدالله بن زيد لما أمره النبي صلى الله عليه وآله بتعليم بلال قال: إئذن لي حتى أؤذن مرة فأكون أول مؤذن في الاسلام، فأذن له فأذن(3).

___________________________________

(1) في نسخة " ش " والفطرة.

(2) سنن ابي داود: 135 / 499، سنن ابن ماجة 1: 232 / 706، سنن الترمذي 1: 395 / 189، سنن الدارمي 1: 268، سنن الدار قطني 1: 245 / 56، سنن البيهقي 1: 390.

(3) أورد نحوه أبوداود في سننه 1: 141 / 512 وانظر الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار: 67 - 68.

(*)

[39]

ب - شهادة المرء لنفسه غير مسموعة، وهذا منصب جليل فلا يسمع قوله عن نفسه فيه.

ج - كيف يصح أن يأمر النبي صلى الله عليه وآله بالناقوس مع أنه صلى الله عليه وآله نسخ شريعة عيسى.

د - كيف أمر بالناقوس ثم رجع عنه؟ ! إن كان الامر به مصلحة استحال نسخه قبل فعله وإلا استحال أمره به.

ه‍ - إن كان أمره بالناقوس بالوحي لم يكن له تغييره إلا بوحي مثله فإن كان الاذان بوحي فهو المطلوب وإلا لزم الخطأ، وإن لم يكن الامر بالناقوس بالوحي كان منافيا لقوله تعالى: * (وما ينطق عن الهوى) *(1).

و - كيف يصح استناد هذه العبادة الشريفة العامة البلوى المؤبدة الموضوعة علامة على أشرف العبادات وأهمها إلى منام من يجوز عليه الغلط؟ ! ! والنبي صلى الله عليه وآله لم يلق عليه، ولا على أجلاء الصحابة.

ز - أهل البيت عليهم السلام أعرف بمواقع الوحي والتنزيل، وقد نصوا على أنه بوحي.

وقال الباقر عليه السلام: " لما اسري برسول الله صلى الله عليه وآله فبلغ البيت المعمور حضرت الصلاة فأذن جبرئيل عليه السلام وأقام فتقدم رسول الله صلى الله عليه وآله فصف الملائكة والنبيون خلف رسول الله صلى الله عليه وآله "(2).ومثل هذا الذي تعبد به الملائكة وغيرهم يستحيل استناده إلى الاجتهاد الذي تجوزونه على النبي صلى الله عليه وآله.

___________________________________

(1) النجم: 3.

(2) الكافي 3: 302 / 1، التهذيب 2: 60 / 210، الاستبصار 1: 305 / 1134.

(*)

[40]

مسألة 154: والاذان من وكيد السنن إجماعا، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (ثلاثة على كثبان المسك يوم القيامة يغبطهم الاولون والآخرون: رجل ينادي بالصلوات الخمس في كل يوم وليلة، ورجل يؤم قوما وهم به راضون، وعبد أدى حق الله وحق مواليه)(1).

وقال عليه السلام: (من أذن اثنتي عشرة سنة وجبت له الجنة، وكتب له بكل أذان ستون حسنة، وبكل إقامة ثلاثون حسنة)(2).

ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أذن في مصر من أمصار المسلمين سنة وجبت له الجنة "(3).

وقال الصادق عليه السلام: " ثلاثة في الجنة على المسك الاذفر: مؤذن أذن احتسابا، وإمام أم قوما وهم به راضون، ومملوك يطيع الله ويطيع مواليه "(4).

وقال الباقر عليه السلام: " من أذن سبع سنين احتسابا جاء يوم القيامة ولا ذنب له "(5).

مسألة 155: الامامة أفضل من الاذان وهو أحد قولي الشافعي(6) لان النبي صلى الله عليه وآله فعل الامامة ولم يشتغل بالاذان والاقامة بل قام بهما غيره، ولا يجوز أن يترك الافضل لغيره، ولان الامام يحتاج إلى معرفة أحوال الصلاة

___________________________________

(1) الكافي 3: 307 / 27، عوالي اللآلي 4: 16 / 41، سنن الترمذي 4: 697 / 2566، مسند أحمد 2: 26.

(2) سنن ابن ماجة 1: 241 / 728، مستدرك الحاكم 1: 205.

(3) الفقيه 1: 185 / 881، التهذيب 2: 283 / 1126، ثواب الاعمال: 52 / 1.

(4) التهذيب 2: 283 / 1127.

(5) الفقيه 1: 186 / 883، التهذيب 2: 283 / 1128، ثواب الاعمال: 52 / 1.

(6) المجموع 3: 78 - 79 فتح العزيز 3: 193، المهذب للشيرازي 1: 61، مغني المحتاج 1: 138، كفاية الاخيار 1: 70، السراج الوهاج: 38.

(*)

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة