الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

هذا الكتاب

نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف

شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي

بانتظار أن يوفقنا الله تعالى لتصحيح نصه وتقديمه بصورة أفضل في فرصة أخرى قريبة إنشاء الله تعالى.


تذكرة الفقهاء

تأليف العلامة الحلى

الحسن بن يوسف بن المطهر

المتوفى سنة 726 ه‍

الجزء الثالث

[3]

 

الفصل الخامس: في القبلة ومباحثه ثلاثة: الاول: الماهية.

بسم الله الرحمن الرحيم

مسألة 135: القبلة كانت أولا بيت المقدس، وكان النبي صلى الله عليه وآله يحب التوجه إلى الكعبة، لانها كانت قبلة أبيه إبرهيم عليه السلام، وكان بمكة يجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس، ويتوجه إليهما، فلما انتقل إلى المدينة، تعذر ذلك، فبقي سبعة عشر شهرا يصلي إلى بيت المقدس خاصة، فدعا الله أن يحول قبلته إلى الكعبة وكان يقلب وجهه إلى السماء، وينتظر الوحي فأنزل الله تعالى: * (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها) *(1) الآية.وكان الناس بقبا في صلاة الصبح، فأتاهم آت، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قد انزل عليه الليلة قرآن، وقد امر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة(2).

___________________________________

(1) البقرة 144.

(2) صحيح البخاري 1: 111، صحيح مسلم 1: 375 / 526، سنن النسائي 1: 244 - 245 و 2: 61، سنن الدارمي 1: 281، الموطأ 1: 195 / 6، مسند أحمد 2: 16 و 113.

(*)

[6]

مسألة 136: القبلة هي الكعبة مع المشاهدة إجماعا لقوله تعالى: * (فول وجهك شطر المسجد الحرام) *(1) ولاجماع العلماء عليه.

وروى اسامة أن النبي صلى الله عليه وآله صلى قبل الكعبة وقال: (هذه القبلة)(2).

ومن كان في حكم المشاهد يجري مجراه كالكائن بمكة وبينه وبين الكعبة حائل لتمكنه من العلم، وكذا الاعمى بمكة، وكذا المصلي بالمدينة يجعل محراب رسول الله صلى الله عليه وآله قبلته من غير اجتهاد، لعدم الخطأ في حقه عليه السلام.

وأما من بعد فالواجب عليه الاستقبال إلى جهتها، قاله المرتضى(3)، وأبوحنيفة، وأحمد، والشافعي في أحد القولين(4)، لقوله تعالى: * (وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره) *(5) للاجماع على الاستقبال إلى الكعبة، ولحديث اسامة(6).ومن طريق الخاصة ماروي عن أحدهم عليهما السلام أن بني

___________________________________

(1) البقرة: 144.

(2) صحيح مسلم 2: 968 / 1330، سنن النسائي 5: 220، سنن البيهقي 2: 9 مسند أحمد 5: 201.

(3) جمل العلم والعمل (ضمن رسائل الشريف المرتضى) 3: 29.

(4) فتح العزيز 3: 242، المهذب للشيرازي 1: 74، تفسير الرازي 4: 128، الام 1: 94، اللباب 1: 63 و 64، بدائع الصنائع 1: 118، المغني 1: 491، الشرح الكبير 1: 519، المحرر في الفقه 1: 51 و 52، بداية المجتهد 1: 111 - 112، نيل الاوطار 2: 179 و 180.

(5) البقرة: 144.

(6) صحيح مسلم 2: 968 / 1330، سنن النسائي 5: 220، سنن البيهقي 2: 9، مسند أحمد 5: 201.

(*)

[7]

عبد الاشهل أتوهم وهم في الصلاة قد صلوا ركعتين إلى بيت المقدس فقيل لهم: إن نبيكم قد صرف إلى الكعبة فتحول النساء مكان الرجال والرجال مكان النساء وجعلوا الركعتين الباقيتين إلى الكعبة فصلوا صلاة واحدة إلى قبلتين، فلذلك سمي مسجدهم مسجد القبلتين(1).وليقين البراء‌ة بالتوجه نحوه.إذا ثبت هذا فالجهة يريد بها هنا ما يظن أنه الكعبة، حتى لو ظن خروجه عنها لم تصح.

وقال أبوحنيفة: المشرق قبلة لاهل المغرب وبالعكس، والجنوب قبلة لاهل الشام وبالعكس(2).وهو غلط.

وقال الشافعي في الآخر: الواجب التوجه إلى عين الكعبة للقريب والبعيد - وبه قال الجرجاني من الحنفية(3) - لقوله تعالى * (وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره) *(4) يعني نحوه.وهو غلط، لاستلزامه التكليف بالمحال إذ مع البعد يمتنع التوجه إلى عين الكعبة مع صغر حجهما، وظهور التفاوت الكثير مع يسير الانحراف، وقد أجمعنا على صحة صلاة الصف الطويل على خط مستو مع العلم بأن المتوجه إلى الكعبة من كان بقدرها.

وقال الشيخ رحمه الله - وبه قال مالك(5) -: الكعبة قبلة لمن كان في

___________________________________

(1) التهذيب 2: 44 / 138.

(2) فتح العزيز 3: 242.

(3) المجموع 3: 207 و 208، فتح العزيز 3: 242، شرح فتح القدير 1: 235، الكفاية 1: 235، شرح العناية 1: 235، عمدة القارئ 4: 126، المغني 1: 491 - 492 و 519، نيل الاوطار 2: 180.

(4) البقرة: 144.

(5) فتح العزيز 3: 243، تفسير الرازي 4: 127.

(*)

[8]

المسجد الحرام، والمسجد قبلة لمن كان في الحرم، والحرم قبلة لمن نأى عنه من أهل الدنيا(1)، لما روى مكحول عن عبدالله بن عبدالرحمن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (الكعبة قبلة لاهل المسجد، والمسجد قبلة لاهل الحرم، والحرم قبلة لاهل الآفاق)(2).

ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " إن الله تعالى جعل الكعبة قبلة لاهل المسجد، وجعل المسجد قبلة لاهل الحرم وجعل الحرم قبلة لاهل الدنيا "(3).ولان البعد يستلزم خروج المصلين عن التوجه، لصغر الكعبة بخلاف الحرم المتطاول، والروايات ممنوعة لعدم الوثوق بالرواة، والخروج آت في الحرم.فإن أجاب بطلب الجهة فهو جوابنا.

مسألة 137: ولافرق بين المصلي فوق الكعبة وغيره في وجوب التوجه إليها - عند أكثر العلماء(4) - لعموم الامر وللشيخ - رحمه الله - قول بأنه يستلقي على قفاه ويصلي إلى البيت المعمور - وهو في السماء الرابعة بحذاء الكعبة يسمى بالضراح - بالايماء(5)، لما رواه عبدالسلام عن الرضا عليه السلام قال في الذي تدركه الصلاة وهو فوق الكعبة فقال: " إن قام لم يكن له قبلة، ولكن يستلقي على قفاه ويفتح عينيه إلى السماء - ويعقد بقلبه القبلة التي في السماء البيت المعمور - ويقرأ، فإذا أراد أن يركع غمض عينيه، وإذا أراد أن يرفع رأسه من الركوع فتح

___________________________________

(1) الخلاف 1: 295 مسألة 41، النهاية: 62 - 63.

(2) سنن البيهقي 2: 10 عن ابن عباس.

(3) الفقيه 1: 177 / 841، التهذيب 2: 44 / 139.

(4) منهم: الشيخ الطوسي في المبسوط 1: 85، وابن إدريس في السرائر: 58، والمحقق في المعتبر: 144.

(5) الخلاف 1: 441 مسألة 188.

(*)

[9]

عينيه، والسجود على نحو ذلك "(1).

ولم يثبت صحة السند فلا يعول عليه مع منافاته للاصل وهو ترك القيام الذي هو ركن والاستقبال.

إذا ثبت هذا فإنه يجب عليه أن يبرز بين يديه شيئا منها وإن قل، وبه قال أبوحنيفة(2).

مسألة 138: قال الشيخ: يستحب لاهل العراق من والاهم التياسر قليلا إلى يسار المصلي(3) - وهو بناء على مذهبه من أن التوجه إلى الحرم - لقول الصادق عليه السلام وقد سئل لم صار الرجل ينحرف في الصلاة إلى اليسار؟ فقال: " لان للكعبة ستة حدود: أربعة منها على يسارك واثنان منها على يمينك، فمن أجل ذلك وقع التحريف على اليسار"(4).

وسأل المفضل ابن عمر الصادق عليه السلام عن التحريف لاصحابنا ذات اليسار عن القبلة، وعن السبب فيه فقال: " إن الحجر الاسود لما نزل به من الجنة ووضع في موضعه جعل أنصاب الحرم من حيث يلحقه النور نور الحجر فهي عن يمين الكعبة أربعة أميال، وعن يسارها ثمانية أميال، كله اثنا عشر ميلا، فإذا انحرف الانسان ذات اليمين خرج عن حد القبلة لقلة أنصاب الحرم، وإذا انحرف ذات اليسار لم يكن خارجا من حد القبلة "(5).والروايتان مرسلتان مع ضعف المفضل

___________________________________

(1) الكافي 3: 392 / 21، التهذيب 2: 376 / 1566.

(2) المجموع 3: 198 - 199، فتح العزيز 3: 220 - 221.

(3) النهاية: 63، المبسوط للطوسي 1: 78، الخلاف 1: 297 مسألة 42 ظاهر عبارة الشيخ فيها الوجوب لا الاستحباب فلاحظ.

(4) الكافي 3: 487 / 6، التهذيب 2: 44 / 141.

(5) الفقيه 1: 178 / 842، التهذيب 2: 44 / 142، علل الشرائع: 318 باب 3 الحديث 1.

(*)

[10]

مسألة 139: المصلي جوف الكعبة يستقبل أي جدرانها شاء، وصلاته صحيحة فريضة كانت أو نافلة عند أكثر علمائنا(1) - وبه قال الشافعي، وأبو حنيفة(2) - خلافا للشيخ في بعض أقواله(3)، ولمالك، وأحمد(4)، وقد سلف تحقيقه، وكل من قال بصحة الصلاة سوغ استقبال أي الجدران شاء.

ولا فرق بين أن يصلي إلى الباب أو غيره (وسواء كان مفتوحا أو لا، وسواء كانت له عتبة مرتفعة أو لا)(5) وسواء نصب بين يديه شيئا أو لا، عند علمائنا، خلافا للشافعي(6) وقد سبق.

فروع:

أ - المصلي خارج الكعبة وهو مشاهد لها يستقبل أي جدرانها شاء، وكذا لو كان في حكم المشاهد.

ولو تعددوا وأرادوا الاجتماع ففي صلاتهم مستديرين حولها إشكال، ولا إشكال لو كانوا منفردين.

ب - لو انهدمت الكعبة - والعياذ بالله - صحت صلاته خارج العرصة متوجها إليها للامتثال، ولو وقف فيها وجب أن يبرز بين يديه بعضها، ولا

___________________________________

(1) منهم: الشيخ الطوسي في المبسوط 1: 86، وابن إدريس في السرائر: 57، والمحقق في المعتبر: 144.

(2) الام 1: 98، المجموع 3: 195، فتح العزيز 3: 220، الوجيز 1: 38، المهذب للشيرازي 1: 74، اللباب 1: 135، السراج الوهاج: 40، المبسوط للسرخسي 2: 79، بدائع الصنائع 1: 121.

(3) الخلاف 1: 439 مسألة 186.

(4) المدونة الكبرى 1: 91، الشرح الصغير 1: 108 - 109، الانصاف 1: 496، المجموع 3: 195، فتح العزيز 3: 220، المبسوط للسرخسي 2: 79، بدائع الصنائع 1: 121.

(5) ما بين القوسين لم يرد في نسخة (ش).

(6) الام 1: 98، المجموع 1: 195، فتح العزيز 3: 220، الوجيز 1: 38.

(*)

[11]

يجب نصب شئ يصلي إليه، خلافا للشافعي(1).

ج - المصلي على جبل أبي قبيس يستقبل هواء البيت، وكذا كل موضع أرفع من الكعبة.

د - يجب أن يستقبل الكعبة بجميع بدنه فلو وقف على طرف من أطراف البيت وبعض بدنه خارج عن المحاذاة لم تصح صلاته، وهو أظهر وجهي الشافعي لصحة نفي الاستقبال، وإنما استقبل بعض الكعبة، والآخر: يصح لحصول التوجه بالوجه(2).

ه‍ - الاجتزاء بالجهة في حق البعيد، أما القريب فلا بد له من التوجه إلى عين الكعبة - وبه قال الشافعي(3) - لقوله تعالى: * (فول وجهك شطر المسجد الحرام) *(4) وقال أبوحنيفة: الجهة كافية في القريب والبعيد(5).فلو استطال صف المأمومين حتى خرج بعضهم عن المحاذاة بطلت صلاة الخارج عندنا - خلافا لابي حنيفة(6) - ولو تراخى الصف الطويل ووقفوا آخر المسجد صحت صلاة المتوجه دون الخارج، وجوزه هنا الشافعي، لانهم مع البعد يعدون مستقبلين(7).

و - المصلي بمكة خارج المسجد إن كان يعاين الكعبة توجه إليها، فلو سوى محرابه بناء على المعاينة صلى إليه أبدا، وإن كان يصلي حيث لا

___________________________________

(1) المجموع 3: 198 - 199، فتح العزيز 3: 220 - 221، الوجيز 1: 38، المهذب للشيرازي 1: 74.

(2) المجموع 3: 192، فتح العزيز 3: 222، الوجيز 1: 38.

(3) المجموع 3: 192، فتح العزيز 3: 222، المهذب للشيرازي 1: 74.

(4) البقرة: 144.

(5) شرح فتح القدير 1: 235، اللباب 1: 63، فتح العزيز 3: 222.

(6) فتح العزيز 3: 222.

(7) فتح العزيز 3: 223، الوجيز 1: 38.

(*)

[12]

يمكنه المعاينة وجب أن يصعد على سطح داره إن كان بحيث يشاهد الكعبة، ويستدل على القبلة إن لم يتمكن.

مسألة 140: كل إقليم يتوجهون إلى سمت الركن الذي يحاذيهم ويقابلهم، وقد وضع الشارع لهم علامات يستدل بها على القبلة فالعراقي - وهو الذي فيه الحجر - لاهل العراق ومن والاهم.

وأهل الشام يتوجهون إلى الركن الشامي.

وأهل الغرب إلى الغربي.

وأهل اليمن إلى اليماني.

وعلامة أهل العراق جعل الجدي خلف منكبه الايمن، والفجر موازيا لمنكبه الايسر والشفق لمنكبه الايمن، وعين الشمس عند الزوال على طرف حاجبه الايمن مما يلي الانف.

وعلامة الشام جعل بنات نعش حال غيبوبتها خلف الاذن اليمنى، والجدي خلف الكتف اليسرى إذا طلع، ومغيب سهيل على العين اليمنى، وطلوعه بين العينين، والصبا على الخد الايسر، والشمال على الكتف الايمن وعلامة المغرب جعل الثريا على اليمين، والعيوق على اليسار، والجدي على صفحة الخد الايسر.

وعلامة اليمن جعل الجدي وقت طلوعه بين العينين، وسهيل وقت غيبوبته بين الكتفين، والجنوب على مرجع الكتف الايمن.

وأوثق أدلتها النجوم قال الله تعالى: * (وبالنجم هم يهتدون) *(1) ولامكان ضبطه بخلاف غيره.

وآكدها القطب الشمالي، وهو نجم خفي حوله أنجم دائرة في أحد

___________________________________

(1) النحل 16.

(*)

[13]

طرفها الفرقدان، وفي الآخر الجدي، وبين ذلك أنجم صغار ثلاثة من فوق وثلاثة من أسفل، يدور حول القطب في كل يوم وليلة دورة واحدة، فيكون الجدي عند طلوع الشمس مكان الفرقدين عند غروبها.

ويمكن الاستدلال بها على ساعات الليل والازمنة لمن عرفها وعرف كيفية دورانها وحولها مما يلي الفرقدين بنات النعش تدور حولها، والقطب لا يتغير عن مكانه إلا يسيرا لا يبين عند الحسن، وهو نجم خفي يراه حديد النظر، إذا استدبر في الارض الشامية كان مستقبلا للقبلة، وينحرف في دمشق وما قاربها إلى الشرق قليلا، وكلما قرب إلى المغرب كان انحرافه أكثر.

وإن كان بحران وما يقاربها اعتدل، وجعل القطب خلف ظهره معتدلا من غير انحراف، وفي العراق يجعله بحذاء ظهر اذنه اليمنى على علوها فيكون مستقبلا باب الكعبة إلى المقام.

والشمس تطلع في المشرق، وتغرب في المغرب، وتختلف مطالعها ومغاربها على حسب اختلاف منازلها، وتكون في الشتاء حال توسطها في قبلة المصلي، وفي الصيف محاذية القبلة.

والقمر يبدو أول ليلة من الشهر هلالا في المغرب عن يمين المصلي ثم يتأخر كل ليلة نحو المشرق منزلا حتى يكون ليلة السابع وقت المغرب في قبلة المصلي أو مائلا عنها يسيرا، ثم يطلع ليلة الرابع عشر من المشرق قبل غروب الشمس بدرا تاما، وليلة احدى وعشرين يكون في قبلة المصلي أو قريبا منها وقت الفجر.

ومنازل الشمس والقمر ثمانية وعشرون وهي: الشرطين، والبطين، والثريا، والدبران، والهقعة، والهنعة، والذراع، والنثرة، والطرف، والجبهة، والزبرة، والصرفة، والعوا، والسماك، والغفر، والزبانا

[14]

والاكليل، والقلب، والشولة، والنعايم، والبلدة، وسعد الذابح، وسعد بلع، وسعد السعود، وسعد الاخبية، والفرع المقدم، والفرع المؤخر، وبطن الحوت.

منها أربعة عشر دائما فوق الارض، ومثلها تحتها، فأربعة عشر شامية تطلع من وسط المشرق أو مائلة عنه إلى الشمال قليلا، أولها الشرطين وآخرها السماك، وأربعة عشر يمانية تطلع من المشرق مائلة إلى التيامن، أولها الغفر وأخرها بطن الحوت.

ولكل نجم من الشامية رقيب من اليمانية وإذا اطلع أحدها غاب رقيبه، فالقمر ينزل كل ليلة بمنزل منها قريبا منه ثم ينتقل في الليلة الثانية إلى المنزل الذي يليه، والشمس تنزل بكل منزل منها ثلاثة عشر يوما فيكون عودها إلى المنزل الذي نزلت به عند تمام حول كامل من أحوال السنة الشمسية.

وهذه المنازل يكون منها فيما بين غروب الشمس وطلوعها أربعة عشر منزلا، ومن طلوعها إلى غروبها مثل ذلك، ووقت الفجر منها منزلان، ووقت المغرب منزل، وسواد الليل اثنا عشر منزلا، وكلها تطلع من المشرق وتغرب في المغرب إلا أن أول الشامية وآخر اليمانية تطلع من وسط المشرق بحيث إذا جعل الطالع منها محاذيا لكتفه الايسر كان مستقبلا للكعبة.

وأما الرياح فكثيرة يستدل منها بأربع تهب من زوايا السماء: فالجنوب: تهب من الزاوية التي بين القبلة والمشرق، مستقبلة بطن كتف المصلى الايسر مما يلي وجهه إلى يمينه.

والشمال: مقابلها تهب من الزاوية التي بين المغرب والشمال، مارة إلى مهب الجنوب.

والدبور: تهب من الزاوية التي من المغرب واليمين مستقبلة شطر وجه

[15]

المصلي الايمن، مارة إلى الزاوية المقابلة لها.

والصبا: مقابلها تصب من ظهر المصلي.

وسأل محمد بن مسلم أحدهما عليهما السلام عن القبلة، قال: " ضع الجدي في قفاك وصل "(1).

___________________________________

(1) التهذيب 2: 45 / 143.

 

البحث الثاني: فيما يستقبل له

مسألة 141: يجب الاستقبال في فرائض الصلوات إجماعا مع التمكن فلو صلى فريضة غير مستقبل مع قدرته بطلت صلاته، أما النافلة في الحضر والقدرة فالاقرب وجوب الاستقبال فيها أيضا - وبه قال الشافعي(2) - لمداومة النبي وأهل بيته عليهم السلام على ذلك.

وقال أبوسعيد من الشافعية: يجوز ترك الاستقبال بالنافلة حضرا، لانه يجوز في السفر لمصلي النافلة، وهذا موجود في الحضر(3).وهو خطأ، لمداومة النبي صلى الله عليه وآله على الاستقبال، والفرق ظاهر بين الحضر والسفر، فإن الحضر الغالب فيه الكف، والغالب في السفر السير.ولا فرق بين جميع الفرائض كقضاء الواجب، وصلاة النذر، والطواف، والكسوف، والجنائز.وأما سجود التلاوة، وسجود الشكر فلا يجب فيه الاستقبال عملا بالاصل، وأوجبه الشافعي(4).ويجب عندنا الاستقبال بالذبيحة عند الذبح، وبالميت عند احتضاره،

___________________________________

(2) المجموع 3: 239، فتح العزيز 3: 212.

(3) المجموع 3: 239، فتح العزيز 3: 212.

(4) الام 1: 93، المجموع 4: 63 و 68.

(*)

[16]

وتغسيله، والصلاة عليه، ودفنه على ما تقدم البحث فيه، خلافا للشافعي(1).ويستحب للجلوس للقضاء والدعاء.

مسألة 142: لا تجوز الصلاة الفريضة على الراحلة اختيارا، لاختلال أمر الاستقبال بلا خلاف.

وسأل عبدالله بن سنان الصادق عليه السلام يصلي الرجل شيئا من الفرائض راكبا من غير ضرورة؟ فقال " لا"(2).وإن تمكن من استيفاء الافعال على إشكال ينشأ من الاتيان بالمأمور به فيخرج عن العهدة.والمنع للاختلال منتف لانتفاء سببه، ومن عموم النهي على الراحلة(3).

وكذا لا تجوز صلاة الجنائز على الراحلة، لان الركن الاعظم فيها القيام، والاقرب صحة الصلاة على بعير معقول، وارجوحة معلقة بالحبال، وقد سبق.

ولا تصلى المنذورة على الراحلة لانها فرض عندنا، وللشافعي وجهان مبنيان على أن المنذورة يسلك بها مسلك الواجبات أو يحمل على أقل ما يتقرب به(4).

وعن أبي حنيفة: أن الصلاة التي نذرها على وجه الارض لا تؤدى على الراحلة، والتي نذرها وهو راكب تؤدى عليها(5).وليس بشئ.

___________________________________

(1) المجموع 5: 116.

9: 86: الوجيز 2: 212.

(2) التهذيب 3: 308 / 954.

(3) التهذيب 3: 308 / 954.

(4) فتح العزيز 3: 208، الوجيز 1: 37.

(5) فتح العزيز 3: 208.

(*)

[17]

ولا بأس بالصلاة في السفينة واقفة كانت أو سائرة.

مسألة 143: يسقط فرض الاستقبال حالة الخوف في الفرائض والنوافل إجماعا لعدم التمكن، ولقوله تعالى: * (فأينما تولوا فثم وجه الله) *(1) وقال عليه السلام: (إن كان الخوف أشد فصلوا مستقبليها ومستدبريها)(2) وسيأتي.

ولايختص الخوف بالقتال بل لو انكسرت السفينة وبقي على لوح منها وخاف بالغرق لو ثبت متوجها إلى القبلة يجوز له ترك الاستقبال.ولا يرخص مطلق القتال بل السائغ.وكذا يسقط في النوافل سفرا - للراكب والماشي - وحضرا.

ويجوز التنفل على الراحلة في السفر الطويل إجماعا حيث توجهت به لان النبي صلى الله عليه وآله كان يصلي على راحلته في السفر حيث توجهت به(3)، ولتمكن صاحب الاوراد من أوراده مع كفاية مصالح السفر.

فروع:

أ - لا يجب حالة القتال الاستقبال في الفريضة سفرا، وحضرا، راكبا كان أو راجلا - وبه قال الشافعي(4) - لقوله تعالى: * (فإن خفتم فرجالا أو

___________________________________

(1) البقرة: 115.

(2) صحيح البخاري 6: 38، سنن البيقهي 2: 8 وروي عن ابن عمر.

(3) أمالي الطوسي 2: 13، قرب الاسناد: 10، تفسير العياشي 1: 57 / 82.

(4) الام 1: 222، المجموع 3: 231 و 4: 425 - 426، مختصر المزني: 13، كفاية الاخيار 1: 91، السراج الوهاج: 93، الوجيز 1: 68.

(*)

[18]

ركبانا) *(1) قال ابن عمر: مستقبل القبلة وغير مستقبلها(2).

وقال أبوحنيفة: يجوز للراكب ترك الاستقبال حالة القتال، أما الراجل فلا(3).

ب - يجوز للمريض الصلاة على الراحلة للضرورة، الدال عليها فحوى قوله تعالى: * (فإن خفتم)*(4) وقول الصادق عليه السلام: " لا يصلي على الدابة إلا مريض "(5).

وقال الصادق عليه السلام: " صلى رسول الله صلى الله عليه وآله الفريضة في المحمل في يوم وحل ومطر "(6).ولا تجب عليه الاعادة عندنا، لانه فعل المأمور به، وكذا لو صلى على لوح ولم يتمكن من الاستقبال.

وقال الشافعي: يعيد، لانه ترك القبلة لعذر نادر لا يدوم(7).

وليس بجيد، للامتثال فيخرج عن العهدة.

وكذا المريض العاجز عن الحركة إذا لم يجد من يصرف وجهه إلى القبلة يصلي على حسب حاله ولا إعادة عليه عندنا، خلافا للشافعي(8).

ج - يجوز التنفل ماشيا لاشتماله على المصلحة الناشئة من مداومة

___________________________________

(1) البقرة: 239.

(2) الام 1: 96 و 222، المجموع 3: 231، مغني المحتاج 1: 142، أحكام القرآن للكيا الهراسي 1: 218.

(3) بدائع الصنائع 1: 245.

(4) البقرة: 239.

(5) التهذيب 3: 308 / 952.

(6) التهذيب 3: 232 / 602.

(7) المجموع 3: 243.

(8) المجموع 3: 243.

(*)

[19]

الطاعة، واستيفاء وجوه الانتفاع - وبه قال الشافعي(1) - لانه أحد اليسيرين، فأشبه الراكب، ولقوله تعالى: * (فأينما تولوا فثم وجه الله) *(2) قال الصادق عليه السلام: " إنها نزلت في النافلة "(3).

وقال أبوحنيفة: لا تجوز ماشيا لانه عمل كثير(4) والضرورة سوغته.

د - الراكب في النافلة يتوجه إلى حيث توجهت دابته، لان عليا عليه السلام كان يوتر على راحلته، وكذا النبي صلى الله عليه وآله(5)، ولا يجب عليه الاستقبال إلى القبلة دفعا للحرج ولا في أول الصلاة أما الفريضة إذا اضطر إلى الصلاة على الراحلة وجب عليه أن يستقبل ما أمكن، فأن تعذر وقدر على الاستقبال في تكبيرة الاحرام وجب وإلا فلا.

ه‍ - يجوز التنفل على الراحلة في السفر - طويله وقصيره - وهو أظهر قولي الشافعي للمقتضي في الطويل، وله قول: إنه لايتنفل على الراحلة في السفر القصير، وهو الذي لا تقصر في مثله الصلاة - وبه قال مالك(6) - لانها رخصة تتعلق بالسفر فتعلقت بالطويل كالقصر والمسح.وأما الحضر فالاقرب جواز الصلاة نفلا فيه راكبا، وبه قال أبوسعيد من

___________________________________

(1) الام 1: 97، المجموع 3: 237، فتح العزيز 3: 211، كفاية الاخيار 1: 62.

(2) البقرة: 115.

(3) تفسير العياشي 1: 56 - 57 / 81 و 82 وانظر النهاية للشيخ الطوسي: 64.

(4) المجموع 3: 237، فتح العزيز 3، 211.

(5) قرب الاسناد: 54، وانظر صحيح البخاري 1: 110، وسنن النسائي 1: 243.

(6) الام 1: 97، مختصر المزني: 13، المجموع 3: 234، مغني المحتاج 1: 142، المهذب للشيرازي 1: 76، الوجيز 1: 37، كفاية الاخيار 1: 62، القوانين الفقهية: 60، المنتقى للباجي 1: 269، المغني 1: 485.

(*)

[20]

الشافعية، خلافا للباقين(1).

و - المتنفل في السفر ماشيا لا يجب عليه الاستقبال كالراكب، وقال الشافعي: يجب في ثلاثة مواضع: حالة تكبيرة الافتتاح، وركوعه، وسجوده(2).وإن كان راكبا في كنيسة(3) واسعة جاز أن يصلي إلى غير القبلة للعذر، خلافا للشافعي(4).وإن كانت ضيقة، أو على قتب، أو سرج، أو ظهر فإن كانت واقفة مقطرة صلى إلى حيث ما توجهت لتعذر إدارتها إلى القبلة، وإن كانت مفردة فكذلك، خلافا للشافعي(5).وإن كانت سائرة مقطرة افتتح إلى جهة سيره، وإن كانت مفردة صعبة لم يلزمه إدارتها للمشقة، وكذا إن كانت سهلة، وللشافعي وجهان(6).وإن دخل بلد إقامته جاز أن يتنفل على الراحلة - خلافا للشافعي(7) - وكذا إن كان مجتازا

ز - لو صرف وجه الدابة عن الطريق عامدا فالاقرب عدم البطلان، وقال الشافعي: يبطل(8).وإن أخطأ فصرفه إلى غير الطريق ظنا أنه الطريق أو غلطت الدابة فالصلاة صحيحة وإن لم يكن وجهه إلى القبلة، وقال

___________________________________

(1) المجموع 3: 239، فتح العزيز 3: 212، المهذب للشيرازي 1: 76.

(2) الام 1: 97، المجموع 3: 237، المغني 1: 488.

(3) الكنيسة: هي شئ يغرز في المحمل أو الرحل ويلقى عليه ثوب يستظل به الراكب ويستتر به.

مجمع البحرين 4: 100 " كنس ".

(4) المجموع 3: 232، مغني المحتاج 1: 142.

(5) المجموع 3: 234، مغني المحتاج 1: 143.

(6) المجموع 3: 234 و 235، مغني المحتاج 1: 143.

(7) المجموع 3: 238، كفاية الاخيار 1: 62 - 63.

(8) المجموع 3: 236، الوجيز 1: 37، كفاية الاخيار 1: 62.

(*)

[21]

الشافعي: إن كثر بطلت(1) ولو كان ظهره في طريقه إلى القبلة فركب مقلوبا وجعل وجهه إلى القبلة صحت صلاته، لانه إذا صحت إلى غير القبلة فإليها أولى.

وقال بعض الشافعية: لا يصح لان قبلة المتنفل على الدابة طريقه(2).وهو خطأ، لانه جعل رخصة.

وراكب التعاسيف(3) - وهو الهائم الذي لا مقصد له، بل يستقبل تارة ويستدبر اخرى - له أن يتنفل في سيره كغيره خلافا للشافعي(4).

ح - لو اضطر إلى الفريضة على الراحلة والدابة إلى القبلة فحرفها عمدا لا لحاجة بطلت صلاته، لانه ترك الاستقبال اختيارا، وإن كان لجماح الدابة لم تبطل وإن طال الانحراف إذا لم يتمكن من الاستقبال.

وقال الشافعي: تبطل مع الطول، ومع القصر وجهان(5).

ولو كان مطلبه يقتضي الاستدبار لم تبطل صلاته.

ط - يجب على المفترض الاستقبال بتكبيرة الافتتاح إن أمكن، وكذا باقي الافعال ويسقط مع العذر كالمطارد، والدابة الصائلة، والمتردية.

ي - المصلي على الراحلة يؤمي للركوع والسجود، ويجعل السجود أخفض، وكذا الماشي.

___________________________________

(1) المجموع 3: 236، الوجيز 1: 37، كفاية الاخيار 1: 62.

(2) المجموع 3: 241، الوجيز 1: 37، كفاية الاخيار 1: 62.

(3) التعسيف: السير على غير علم ولا أثر.

لسان العرب 9: 245 " عسف ".

(4) المجموع 3: 240، فتح العزيز 3: 215، الوجيز 1: 37 كفاية الاخيار 1: 63.

(5) فتح العزيز 3: 215 و 216، الوجيز 1: 37، كفاية الاخيار 1: 61 و 62، مغني المحتاج 1: 143.

(*)

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة