الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الفصل الثالث: في التروك

وفيه بحثان:

الاول: في التروك الواجبة .

مسألة 318: يجب ترك الحدث فإن فعله عمدا أو سهوا في الصلاة بطلت إجماعا لانه مخل بالطهارة، وهي شرط وفساد الشرط يقتضي فساد المشروط، فإن وجد بعد الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله قبل التسليم فمن جعل التسليم واجبا أبطل الصلاة، وبه قال الشافعي(1) ومن جعله ندبا لم تبطل صلاته، وبه قال أبوحنيفة(2)، وقد تقدم.

أما لو سبقه الحدث فللشيخ، والمرتضى قول: باستئناف الوضوء، والبناء(3) وبه قال الشافعي في القديم، وأبوحنيفة، وابن أبي ليلى، وداود(4) لقوله عليه السلام: (من قاء أو رعف، أو أمذى فلينصرف وليتوضأ

___________________________________

(1) المجموع 3: 481، الوجيز 1: 45، فتح العزيز 3: 520، المهذب للشيرازي 1: 89، سنن الترمذي 2: 262 ذيل الحديث 408.

(2) الهداية للمرغيناني 1: 59 - 60، الكفاية 1: 334، المجموع 3: 481، اللباب 1: 85.

(3) المبسوط للطوسي 1: 117، الخلاف 1: 409 مسألة 157 وحكى قول المرتضى المحقق في المعتبر: 194.

(4) المجموع 4: 75 و 76، الوجيز 1: 46، فتح العزيز 4: 5، المهذب للشيرازي 1: 93 - 94، الميزان 1: 158، رحمة الامة 1: 54، المبسوط للسرخسي 1: 169، الهداية للمرغيناني 1: 59، اللباب 1: 85، بدائع الصنائع 1: 220، حلية العلماء 2: 127.

(*)

[272]

وليبن على ما مضى من صلاته ما لم يتكلم)(1).

ومن طريق الخاصة ما رواه فضيل بن يسار، قال: قلت للباقر عليه السلام: أكون في الصلاة فأجد غمزا في بطني أو أذى أو ضربانا فقال: " انصرف ثم توضأ وابن على ما مضى من صلاتك ما لم تنقض الصلاة متعمدا، وإن تكلمت ناسيا فلا بأس عليك فهو بمنزلة من تكلم في الصلاة ناسيا " قلت: وإن قلب وجهه عن القبلة؟ قال: " نعم وإن قلب وجهه عن القبلة "(2) قال المرتضى: لو لم يكن الاذى والغمز ناقضا للطهارة لم يأمره بالانصراف(3)، وقد بينا أن الرعاف، والقئ، والمذي، ليست ناقضة للطهارة.فيحمل الوضوء على غسل ما أصابه للتحسين، لانه الحقيقة الاصلية، وكذا الاز، والغمز، والاذى ليست ناقضة.

وقال أكثر علمائنا: ببطلان الصلاة(4) وبه قال الشافعي في الجديد، ومالك، وابن شبرمة(5).

وقال الثوري: إن كان حدثه من رعاف أو قئ توضأ وبنى، وإن كان من بول، أو ريح، أو ضحك أعاد الوضوء والصلاة(6) لقوله عليه السلام: (إذا قاء أحدكم في صلاته فلينصرف، وليتوضأ، وليعد صلاته)(7)، وهو إلزامي، وقوله عليه السلام: (إذا فسا

___________________________________

(1) سنن ابن ماجة 1: 385 / 1221، سنن البيهقي 1: 142.

(2) الفقيه 1: 240 / 1060، التهذيب 2: 332 / 1370، الاستبصار 1: 401 / 1533.

(3) حكاه المحقق في المعتبر: 194.

(4) منهم أبوالصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 120، وابن إدريس في السرائر: 49، والمحقق في المعتبر: 194.

(5) المجموع 4: 76، الوجيز 1: 46، فتح العزيز 4: 4، الميزان 1: 158، رحمة الامة 1: 54، المهذب للشيرازي 1: 93، بلغة السالك 1: 102، المنتقى للباجي 1: 83 المحلى 4: 156.

(6) الميزان 1: 158، رحمة الامة 1: 54.

(7) سنن البيهقي 2: 255.

(*)

[273]

أحدكم وهو في الصلاة فلينصرف وليتوضأ وليعد الصلاة)(1).

ومن طريق الخاصة قول الباقر والصادق عليهما السلام: " لا يقطع الصلاة إلا أربع: الخلاء، والبول، والريح، والصوت "(2).ولان الطهارة شرط وقد بطلت فيبطل المشروط، ولانه حدث يمنع المضي في الصلاة فمنع من البناء عليها كما لو رمي بحجر فشج، فإن أبا حنيفة سلم ذلك(3) وكذا إذا رماه به الطائر لسقوطه عليه.

إذا ثبت هذا فإن قلنا: بالبطلان فلا بحث، وإن لم نقل به، فلو انصرف من الصلاة وأخرج باقي الحدث وتوضأ لم يكن له البناء لانه حدث اختياري فأبطل الصلاة كما أبطل الطهارة.

وقالت الشافعية بناء على القديم: إن له البناء، واختلفوا في التعليل، فمنهم من قال: إنما لم تبطل لان الحدث لا يؤثر بعد نقض الطهارة فيها، ومنهم من قال: إنه محتاج إلى إخراج بقيته وهو حدث واحد فكان حكم باقيه حكم أوله(4) ويلزم الاول أنه أحدث حدثا آخر لا تبطل صلاته.

قال الشيخ تفريعا على البناء: لو سبقه الحدث فأحدث ناسيا استأنف - وبه قال أبوحنيفة(5) - للتمسك بإطلاق الاحاديث(6)، وقال الشافعي في القديم: يبني لانه حدث طرأ على حدث فلم يكن له حكم(7).

___________________________________

(1) سنن أبي داود 1: 263 - 264 / 1005، سنن البيهقي 2: 255 وانظر فتح العزيز 4: 5.

(2) الكافي 3: 364 / 4، التهذيب 2: 331 / 1362، الاستبصار 1: 400 - 401 / 1530.

(3) بدائع الصنائع 1: 221.

(4) المجموع 4: 75، فتح العزيز 4: 8 و 9، المهذب للشيرازي 1: 94.

(5) بدائع الصنائع 1: 222.

(6) الخلاف 1: 412 مسألة 158.

(7) المجموع 4: 75، المهذب للشيرازي 1: 94، فتح العزيز 4: 8.

(*)

[274]

مسألة 319: يجب ترك الكلام بحرفين فصاعدا مما ليس بقرآن، ولا دعاء، فلو تكلم عامدا بحرفين، وإن لم يكن مفهما بطلت صلاته سواء كان لمصلحة الصلاة، أولا عند علمائنا أجمع - وبه قال الشافعي، وسعيد بن المسيب، والنخعي، وحماد بن أبي سليمان، وهو محكي عن عبدالله بن مسعود، وعبدالله بن الزبير، وعبدالله بن عباس، وأنس بن مالك، والحسن البصري، وعطاء، وعروة بن الزبير، وقتادة، وابن أبي ليلى(1) - لقوله عليه السلام: (إنما صلاتنا هذه تكبير، وتسبيح، وقرآن، ليس فيها شئ من كلام الناس)(2) وهو خير يراد به النهي فيكون منافيا للصلاة.

وقال مالك، والاوزاعي: إن كان لمصلحة الصلاة لم يبطلها كتنبيه الامام، ودفع المار بين يديه(3) لان ذا اليدين تكلم عامدا، ولم يأمره النبي صلى الله عليه وآله بالاعادة(4).

وقال الاوزاعي أيضا: إن تكلم لمصلحة لا تتعلق بالصلاة كأن يقول للاعمى: البئر أمامك، أو يرى من يحترق ماله فيعرفه ذلك لم تبطل صلاته(5).وهو غلط، لانه خطاب أوقعه على وجه العمد فأبطل الصلاة كما لو لم يكن لمصلحة.وخبر ذي اليدين عندنا باطل، لان النبي صلى الله عليه وآله لا يجوز عليه

___________________________________

(1) المجموع 4: 85، الوجيز 1: 49، فتح العزيز 4: 113 و 114، المغني 1: 741.

(2) مصنف ابن أبي شيبة 2: 432، صحيح مسلم 1: 381 و 382 / 537، سنن النسائي 3: 17، مسند أحمد 5: 447 و 448، سنن البيهقي 2: 249 و 250.

(3) بداية المجتهد 1: 119، المجموع 4: 85، الميزان 1: 158، رحمة الامة 1: 55، المغني 1: 740، الشرح الكبير 1: 713، نيل الاوطار 2: 365.

(4) صحيح البخاري 2: 86 و 9: 108، صحيح مسلم 1: 403 / 573، الموطأ 1: 93 / 58، سنن النسائي 3: 22، سنن الترمذي 2: 247 / 399.

(5) الميزان 1: 158، رحمة الامة 1: 55، بداية المجتهد 1: 119.

(*)

[275]

السهو، مع أن جماعة من أصحاب الحديث طعنوا فيه(1)، لان راويه أبو هريرة وكان إسلامه بعد موت ذي اليدين بسنتين، فإن ذا اليدين قتل يوم بدر وذلك بعد الهجرة بسنتين، وأسلم أبوهريرة بعد الهجرة بسبع سنين(2).

قال المحتجون به: إن المقتول يوم بدر هو ذو الشمالين واسمه عبد الله بن عمرو بن نضلة(3) الخزاعي، وذو اليدين عاش بعد النبي صلى الله عليه وآله، ومات في أيام معاوية وقبره بذي خشب(4) واسمه الخرباق(5) لان عمران بن الحصين روى هذا الحديث فقال فيه: فقام الخرباق فقال: أقصرت الصلاة؟(6).

واجيب بأن الاوزاعي قال: فقام ذو الشمالين، فقال: أقصرت الصلاة؟ وذو الشمالين قتل يوم بدر لا محالة(7) وروي في هذا الخبر أن ذا اليدين قال: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال: (كل ذلك لم يكن)(8)

___________________________________

(1) انظر إرشاد الساري 2: 365، عمدة القارئ 4: 264.

(2) الطبقات الكبرى 4: 327، تهذيب التهذيب 12: 290، تهذيب الاسماء واللغات 1: 186، شرح صحيح مسلم للنووي 3: 245، الاصابة 1: 422.

(3) وفي نسخة (ش): فضلة.

(4) ذو خشب: محركة موضع باليمن.وخشب.كجنب واد باليمامة وواد بالمدينة.القاموس المحيط 1: 62، معجم البلدان 2: 372.

(5) قيل: ان ذا اليدين اسمه الخرباق بن عمرو من بني سليم، وإن ذا الشمالين اسمه عمير بن عبد عمرو بن نضلة الخزاعي، وقيل: إن ذا اليدين وذا الشمالين واحد وقيل: غير ذلك، وسمي بذي اليدين لانه كان يعمل بيديه جميعا وقيل: لانه كان في يديه طول.

تهذيب الاسماء واللغات 1: 185، الاصابة 1: 422 و 3: 33، الطبقات الكبرى 3: 167، شرح صحيح مسلم للنووي 3: 241.

(6) سنن ابن ماجة 1: 384 / 1215.

سنن النسائي 3: 26، سنن أبي داود: 1: 267 / 1018.

(7) حكاه الشيخ في الخلاف 1: 405، المسألة 154.

(8) صحيح مسلم 1: 404 / 99، النسائي 3: 22، الموطأ 1: 94 / 59، سنن البيهقي 2: 335.

(*)

[276]

وروي أنه قال: (إنما أسهو لابين لكم)(1) وروي أنه قال: (لم أنس ولم تقصر الصلاة)(2) وروي من طريق الخاصة أن ذا اليدين كان يقال له ذو الشمالين عن الصادق عليه السلام.(3).

فروع:

أ - الكلام الواجب يبطل الصلاة أيضا كإجابة النبي صلى الله عليه وآله لما تقدم، وقال الشافعي: لا تبطل الصلاة(4) لان أبا هريرة قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله على أبي بن كعب وهو يصلي في المسجد، فقال: (السلام عليك يا أبي) فالتفت إليه أبي فلم يجبه، ثم إن أبيا خفف الصلاة، ثم انصرف إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: السلام عليك يا نبي الله، فقال: (وعليك السلام، ما منعك أن تجيبني إذ دعوتك؟) فقال: يا رسول الله كنت أصلي، قال: (أفلم تجد فيما أوحي إلي أن * (استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) *؟ !) *(5) قال: بلى يا رسول الله لا أعود(6).

ولا حجة فيه لان رد السلام عندنا واجب في الصلاة وغيرها.

ب - للشافعية في تنبيه الاعمى على بئر يخاف من التردي فيها، والصبي على نار يقع فيها قولان: أحدهما: البطلان - كما قلناه نحن - لجواز أن لا يقع، بخلاف إجابة النبي عليه السلام، والثاني: عدمه لانه واجب كإجابة

___________________________________

(1) أورده الشيخ في الخلاف 1: 406 المسالة 154، وانظر الموطأ 1: 100 / 2.

(2) صحيح البخاري 2: 86، سنن أبي داود 1: 265 / 1008، الموطأ 1: 94 / 60، سنن النسائي 3: 21، سنن ابن ماجة 1: 383 / 1214، سنن الدارقطني 1: 366 / 1(3) انظر الكافي 3: 357 / 6، التهذيب 2: 345 / 1433.

(4) المجموع 4: 81، المغني 1: 739، المهذب للشيرازي 1: 94، الشرح الكبير 1: 715.

(5) الانفال: 24.

(6) سنن الترمذي 5: 155 / 2875.

(*)

[277]

النبي صلى الله عليه وآله(1)، والاصل ممنوع.وأما رد الوديعة، وتفرقة الزكاة فإنهما وإن وجبا لكنهما مبطلان إن كان عملا كثيرا لانه لا يتعين في الصلاة لامكان حصوله قبلها وبعدها بخلاف إجابة النبي صلى الله عليه وآله، وإنقاذ الاعمى.

ج - الجاهل وهو الذي يقصد الكلام ويعتقد أنه جائز في الصلاة كالعالم عند علمائنا - وبه قال أبوحنيفة(2) - لقوله عليه السلام: (إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شئ من كلام الآدميين)(3) ولان علمه مبطل فكذا جهله كالحدث.

وقال الشافعي: لا تبطل به الصلاة، وبه قال مالك، والاوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأبوثور(4) لان النبي صلى الله عليه وآله لما انصرف من اثنتين قال ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال: (أصدق ذو اليدين؟) فقال الناس: نعم، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله فصلى اثنتين أخريين، ثم سلم، ثم كبر، ثم سجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع(5).

وقد بينا بطلان الحديث، ولانه عليه السلام يمتنع عليه جهل تحريم الكلام في الصلاة.

___________________________________

(1) المجموع 4: 81 و 82، المهذب للشيرازي 1: 94، المغني 1: 739، الشرح الكبير 1: 715.

(2) المبسوط للسرخسي 1: 170، اللباب 1: 85، بدائع الصنائع 1: 233 و 234، الهداية للمرغيناني 1: 61، شرح العناية 1: 344، حاشية الچلبي 1: 344.

(3) صحيح مسلم 1: 381 / 537، سنن النسائي 3: 17، مصنف ابن أبي شيبة 2: 432، مسند أحمد 5: 447 و 448، سنن البيهقي 2: 249 و 250.

(4) المجموع 4: 80، الوجيز 1: 49، فتح العزيز 4: 110، مغني المحتاج 1: 195، الميزان 1: 158، السراج الوهاج: 56، الشرح الكبير 1: 712.

(5) صحيح البخاري 9: 108، صحيح مسلم 1: 403 / 573، سنن الترمذي 2: 247 / 399، سنن النسائي 3: 22، الموطأ 1: 93 / 58.

(*)

[278]

ولا فرق بين أن يكون قريب العهد بالاسلام أو لا - خلافا للشافعي في قول له(1) - ولو علم تحريم الكلام ولم يعلم أنه مبطل لم يعذر، وبه قال الشافعي(2)، لانه لما عرف التحريم كان حقه الامتناع منه.

د - لو تكلم ناسيا لم تبطل صلاته، ويسجد للسهو عند علمائنا - وبه قال مالك، والشافعي، والاوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأبوثور(3) - لقوله صلى الله عليه وآله: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)(4).

من طريق الخاصة قول الباقر عليه السلام في الرجل يسهو في الركعتين ويتكلم، قال: " يتم ما بقي من صلاته "(5) وسئل الصادق عليه السلام عن الرجل يتكلم في الصلاة ناسيا يقول: أقيموا صفوفكم، قال: " يتم صلاته، ثم يسجد سجدتين "(6).

وقال أبوحنيفة: تبطل إلا أن يسلم من اثنتين ساهيا(7) لان عمده يبطل الصلاة فكذا سهوه كالحدث.

والفرق أن الحدث يبطل الطهارة أو يوجبها.

ه‍ - لا فرق بين أن يطول كلام الناسي أو يقصر لانه خطاب الآدمي على وجه السهو، وللشافعي قول بالفرق فأبطلها مع الكثرة كالفعل(8).

___________________________________

(1) المجموع 4: 80، فتح العزيز 4: 110، مغني المحتاج 1: 195، الوجيز 1: 49، السراج الوهاج: 56.

(2) المجموع 4: 80، فتح العزيز 4: 111، مغني المحتاج 1: 196.

(3) المجموع 4: 85، مغني المحتاج 1: 195، كفاية الاخيار 1: 75، بلغة السالك 1: 124، بداية المجتهد 1: 119، أحكام القران لابن العربي 1: 227.

(4) الجامع الصغير 2: 16 / 4461، كنز العمال 4: 233 / 10307، نيل الاوطار 2: 360.

(5) التهذيب 2: 191 / 756، الاستبصار 1: 378 / 1434.

(6) الكافي 3: 356 / 4، التهذيب 2: 191 / 755، الاستبصار 1: 378 / 1433.

(7) المبسوط للسرخسي 1: 170 و 171، الكفاية 1: 345، الميزان 1: 158.

(8) المجموع 3: 80، الميزان 1: 158، مغني المحتاج 1: 195، السراج الوهاج: 56، الشرح الكبير 1: 715.

(*)

[279]

ونمنع الاصل، ويفرق بأن الفعل آكد، فإن عتق المجنون لا ينفذ، وينفذ إحباله.

و - لا خلاف في أن الحرف الواحد ليس مبطلا لانه لا يعد كلاما، ولعدم انفكاك الصوت منه غالبا، نعم في الحرف الواحد المفهم ك‍ (ق) و (ش) و (ع) إشكال ينشأ من حصول الافهام به فأشبه الكلام، ومن دلالة مفهوم النطق بحرفين على عدم الابطال به.وأما الحرف بعد مده ففيه نظر أيضا ينشأ من تولد المد من إشباع الحركة ولا يعد حرفا، ومن أنه إما ألف، أو واو، أو ياء.

ز - لو تكلم مكرها عليه فالاقوى الابطال به لانه مناف للصلاة فاستوى الاختيار فيه وعدمه كالحدث، ويحتمل عدمه لرفع ما استكرهوا عليه(1) وللشافعي قولان(2).

ح - لا يجوز أن يئن بحرفين، ولا يتأوه بهما لانه يعد كلاما.

ط - السكوت الطويل إن خرج به عن كونه مصليا أبطل، وإلا فلا.

مسألة 320: يجوز التنبيه على الحاجة إما بالتصفيق، أو بتلاوة القرآن، كما لو أراد الاذن لقوم فقال: * (ادخلوها بسلام آمنين) *(3) أو قال لمن أراد التخطي على البساط بنعله: * (فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى) *(4) أو أراد إعطاء كتاب لمن اسمه يحيى: * (يا يحيى خذ الكتاب بقوة) *(5) أو

___________________________________

(1) الجامع الصغير 2: 16 / 4461، كنز العمال 4: 233 / 10307.

(2) المجموع 4: 80 - 81، الوجيز 1: 49، السراج الوهاج: 56، فتح العزيز 4: 112، مغني المحتاج 1: 196، كفاية الاخيار 1: 60 و 76.

(3) الحجر: 46.

(4) طه: 12.

(5) مريم: 12.

(*)

[280]

* (يوسف أعرض عن هذا) *(1) أو أتى بتسبيح، أو تهليل، وقصد القرآن، والتنبيه - وبه قال الشافعي -(2) لان عليا عليه السلام قال: " كانت لي ساعة أدخل فيها على رسول الله صلى الله عليه وآله فإن كان في الصلاة سبح وذلك إذنه، وإن كان في غير الصلاة أذن "(3).

ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " نعم " لما قال له ناجية أبوحبيب: أضرب الحائط لا وقظ الغلام؟(4) وقال أبوحنيفة: تبطل صلاته إلا أن ينبه إمامه، والمار بين يديه(5) لانه قصد به خطاب الآدمي لا لاصلاح الصلاة، فأشبه رد السلام.والاصل ممنوع، والفرق بأنه خطاب الآدمي بالوضع.

فروع:

أ - لو لم يقصد إلا التفهيم بطلت صلاته لانه لم يقصد القرآن فلم يكن قرآنا، وفيه إشكال ينشأ من أن القرآن لا يخرج عن كونه قرآنا بعدم قصده.

ب - لا فرق بين الرجل والمرأة في ذلك - وبه قال مالك -(6) لعموم قوله عليه السلام: (من نابه في صلاته شئ فليسبح)(7).

___________________________________

(1) يوسف: 29.

(2) المجموع 4: 83، السراج الوهاج: 56، الوجيز 1: 49، مغني المحتاج 1: 196، المهذب للشيرازي 1: 95، فتح العزيز 4: 115.

(3) سنن البيهقي 2: 247، مسند أحمد 1: 77.

(4) الكافي 3: 301 / 8، الفقيه 1: 243 / 1080، التهذيب 2: 325 / 1329.

(5) بدائع الصنائع 1: 235، فتح العزيز 4: 115، الميزان 1: 159.

(6) المدونة الكبرى 1: 100، بداية المجتهد 1: 198، الميزان 1: 159.

(7) صحيح البخاري 1: 175، صحيح مسلم 1: 317 / 421، سنن أبي داود 1: 248 / 940، الوطأ 1: 164 / 61.

(*)

[281]

وقال الشافعي: يسبح الرجل، وتصفق المرأة(1) لقوله عليه السلام: (إذا نابكم شئ في الصلاة فالتسبيح للرجال، والتصفيق للنساء)(2) ولو خالفا فسبحت المرأة، وصفق الرجل لم تبطل الصلاة عنده بل خالفا السنة(3).

ج - لو صفقت المرأة أو الرجل على وجه اللعب لا للاعلام بطلت صلاتهما لان اللعب ينافي الصلاة، ويحتمل ذلك مع الكثرة خاصة.

مسألة 321: إذا سلم عليه وهو في الصلاة وجب عليه الرد لفظا عند علمائنا - وبه قال سعيد بن المسيب، والحسن، وقتادة(4) - لقول الباقر عليه السلام: " إن عمارا سلم على رسول الله صلى الله عليه وآله فرد عليه السلام "(5).

وقال محمد بن مسلم: دخلت على الباقر عليه السلام وهو في الصلاة، فقلت: السلام عليك، فقال: " السلام عليك " قلت: كيف أصبحت فسكت، فلما انصرف، قلت له: أيرد السلام وهو في الصلاة؟ قال: " نعم مثل ما قيل له "(6).

ولان الامر بالرد مطلق فيتناول حال الصلاة كغيرها، ولانه واجب فلا تبطل الصلاة به كالكلام الواجب عند الشافعي(7).

وقال الشافعي: يرد السلام بالاشارة(8) لان أبا مسعود لما قدم من

___________________________________________

(1) المجموع 4: 82، السراج الوهاج: 56، الميزان 1: 159، مغني المحتاج 1: 197 - 198، المهذب للشيرازي 1: 95.

(2) صحيح البخاري 2: 89، صحيح مسلم 1: 317 / 421، سنن أبي داود 1: 248 / 941، سنن النسائي 2: 88، سنن الدارمي 1: 317.

(3) المجموع 4: 82، مغني المحتاج 1: 198، المهذب للشيرازي 1: 95.

(4) الميزان 1: 159، بداية المجتهد 1: 181.

(5) الفقيه 1: 241 / 1066.

(6) التهذيب 2: 329 / 1349.

(7) المجموع 4: 81 و 82، فتح العزيز 4: 115.

(8) المجموع 4: 93، الميزان 1: 159، المهذب للشيرازي 1: 95، فتح العزيز 4: 117.

(*)

[282]

الحبشة سلم على رسول الله صلى الله عليه وآله وهو في الصلاة فلم يرد عليه، قال أبومسعود: فأخذني ما قرب وما بعد، فلما فرغ، قلت: يا رسول الله أنزل في شئ؟ قال: (لا ولكن الله يحدث من أمره ما يشاء، وأن مما أحدث أن لا تتكلموا في الصلاة)(1) وليس حجة لجواز أن يكون قبل الامر بالرد، أو أنه حياه بغير السلام وسماه سلاما مجازا.

وقال أبوحنيفة: لا يرد عليه وتبطل(2)، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله دخل مسجد بني عمرو بن عوف يصلي، ودخل معه صهيب، فدخل معه رجال من الانصار يسلمون عليه، فسألت(3) صهيبا كيف كان يصنع إذا سلم عليه؟ فقال: كان يشير بيده(4).

وقال عطاء، والنخعي، والثوري: يرد بعد فراغه، ونقله الجمهور عن أبي ذر(5).

فروع:

أ - لا يكره السلام على المصلي - وبه قال ابن عمر، وأحمد -(6) للاصل، ولقوله تعالى: * (إذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم) *(7) وهو عام، وحكى ابن المنذر عن عطاء، وأبي مجلز، والشعبي، وإسحاق بن

___________________________________

(1) صحيح البخاري 9: 187، سنن النسائي 3: 9، سنن أبي داود 1: 243 / 924، مسند أحمد 1: 435 و 463 وفي جميع المصادر ورد عن ابن مسعود.

(2) اللباب 1: 84، بدائع الصنائع 1: 237.

(3) كذا في الاصلين.

والسائلهو عبدالله بن عمر كما في المصادر.

(4) سنن البيهقي 2: 259.

(5) المجموع 4: 105، الميزان 1: 159، المغني 1: 748.

(6) المغني 1: 748، المجموع 4: 105.

(7) النور: 61.

(*)

[283]

راهويه، وجابر الكراهة(1)، وعن أحمد روايتان(2)، وظاهر كلام الشافعي الكراهة لانه كره السلام على الامام حال الخطبة(3) فحال الصلاة أولى.

ب - إذا سلم بقوله: سلام عليكم رد مثله، ولا يقول: وعليكم السلام لانه عكس القرآن، ولقول الصادق عليه السلام وقد سأله عثمان بن عيسى عن الرجل يسلم عليه وهو في الصلاة: " يقول: سلام عليكم، ولا يقول: وعليكم السلام، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله كان قائما يصلي فمر به عمار بن ياسر فسلم عليه فرد عليه النبي صلى الله عليه وآله هكذا "(4).

ج - لو سلم عليه بغير اللفظ المذكور فإن سمي تحية فلوجه: جواز الرد به، وبقوله: سلام عليكم، لعموم قوله تعالى، * (فحيوا بأحسن منها أو ردوها) *(5) ولو لم تسم تحية جاز إجابته بالدعاء له إذا كان مستحقا له وقصد الدعاء، لا رد السلام، ولو سلم عليه بقوله: عليك السلام ففي جواز إجابته بالصورة إشكال ينشأ من النهي، ومن جواز الرد مثل التحية.

د - لو اتقى رد فيما بينه وبين نفسه تحصيلا لثواب الرد وتخليصا من الضرر، ولقول الصادق عليه السلام: " إذا سلم عليك رجل من المسلمين وأنت في الصلاة فرد عليه فيما بينك وبين نفسك، ولا ترفع صوتك "(6) وفي رواية أخرى: " ترد عليه خفيا " (7).

مسألة 322: يجوز تسميت العاطس بأن يقول المصلي له: يرحمك الله لانه.

___________________________________

(1) المجموع 4: 105، المغني 1: 748، الشرح الكبير 1: 720.

(2) كشاف القناع 1: 378.

(3) مختصر المزني 1: 27، المجموع 4: 523.

(4) التهذيب 2: 328 / 1348، الكافي 3: 366 / 1 وفيه: عثمان بن عيسى عن سماعة عن أبي عبدالله عليه السلام.فلاحظ.

(5) النساء: 86.

(6) الفقيه 1: 240 / 1064، التهذيب 2: 331 / 1365.

(7) الفقيه 1: 241 / 1065، التهذيب 2: 332 / 1366.

(*)

[284]

دعاء، وقد دعا رسول الله صلى الله عليه وآله لقوم، ودعا على آخرين(1) وهو محكي عن الشافعي(2) وظاهر مذهبه: البطلان(3) لان معاوية بن الحكم السلمي قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وآله فعطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أماه وما شأنكم تنظرون إلي؟ قال: فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم فعرفت أنهم يصمتوني، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وآله قال: (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شئ من كلام الناس إنما هي تكبير وقراء‌ة القرآن)(4) ولا حجة فيه لان إنكاره عليه السلام وقع على كلامه لا على تسميته.

إذا عرفت هذا فإنه يجوز أن يحمد الله تعالى إن عطس هو أو غيره لانه شكر لله تعالى على نعمه، ولقول الصادق عليه السلام: " إذا عطس الرجل فليقل: الحمد لله "(5) وقال له أبوبصير: أسمع العطسة فأحمد الله وأصلي على النبي عليه السلام وأنا في الصلاة؟ قال: " نعم ولو كان بينك وبين صاحبك البحر "(6).

مسألة 323: التنحنح جائز لانه لا يعد كلاما، وأظهر وجوه الشافعية: البطلان به إن ظهر منه حرفان، وإن لم يبين كما إذا استرسل سعال لا يبين منه

___________________________________

(1) انظر على سبيل المثال: سنن البيهقي 2: 197 وما بعدها، مصنف ابن أبي شيبة 2: 316، مصنف عبدالرزاق 2: 445.

(2) المجموع 4: 84، فتح العزيز 4: 117.

(3) المجموع 4: 84، فتح العزيز 4: 117، مغني المحتاج 1: 197، السراج الوهاج: 56.

(4) صحيح مسلم 1: 381 / 537، سنن النسائي 3: 14 - 17، سنن أبي داود 1: 244 / 930، سنن الدارمي 1: 353، مسند أحمد 5: 447 و 448، سنن البيهقي 2: 249، مسند الطيالسي: 150 / 1105.

(5) الكافي 3: 366 / 2، التهذيب 2: 332 / 1367.

(6) الكافي 3: 366 / 3، الهذيب 2: 332 / 1368.

(*)

[285]

حرف لم يبطل(1)،.

والثاني: عدم البطلان وإن بان منه حرفان لانه ليس من جنس الكلام(2)، والثالث: إن كان مطبقا شفتيه لم يضر كقرقرة البطن، وإن كان فاتحا فمه فإن بان منه حرفان بطلت وإلا فلا(3).ولو تعذرت القراء‌ة إلا به فهو معذور، وإن أمكنه القراء‌ة وتعذر الجهر فوجهان عندهم:

أحدهما: إنه كالقراء‌ة لاقامة شعار الجهر،

والثاني: المنع لان الجهر سنة فلا ضرورة إلى التنحنح له(4).ولو تنحنح الامام وبان منه حرفان فللشافعية وجهان في مداومة المأموم:

أظهرهما: ذلك لان الاصل بقاء عبادته والظاهر من حاله الاحتراز عن مبطلات الصلاة، وأنه غير مختار فيه، والثاني: المنع(5) لان العاقل لا يفعل إلا عن قصد، فالظاهر أن الامام قاصد فبطلت صلاته فلا يجوز له المتابعة.

مسألة 324: الدعاء المحرم مبطل للصلاة إجماعا لانه ليس بقرآن، ولا دعاء مأمور به بل هو منهي عنه، والنهي يدل على الفساد، أما الدعاء بالمباح فقد بينا جوازه في جميع أحوال الصلاة.

ولو جهل تحريم المطلوب ففي بطلان الصلاة إشكال ينشأ من عدم التحريم لجهله، ومن تفريطه بترك التعلم، أما لو جهل تحريم الدعاء فالوجه: البطلان.

مسألة 325: القهقهة عمدا تبطل الصلاة إجماعا منا، وعليه أكثر العلماء(6)

___________________________________

(1) المجموع 4: 79، فتح العزيز 4: 107، مغني المحتاج 1: 195، السراج الوهاج: 55 - 56، كفاية الاخيار 1:60.

(2) المجموع 4: 79، فتح العزيز 4: 107، السراج الوهاج: 56، مغني المحتاج 1: 195.

(3) المجموع 4: 79 - 80، فتح العزيز 4: 107.

(4) المجموع 4: 80، الوجيز: 49، كفاية الاخيار 1: 60، فتح العزيز 4: 107.

(5) المجموع 4: 80، فتح العزيز 4: 107، كفاية الاخيار 1: 60.

(6) المغني 1: 741.

(*)

[286]

سواء غلب عليه أولا لقوله (صلى الله عليه وآله: (من قهقه فليعد صلاته)(1) ومن طريق الخاصة قول الباقر عليه السلام: " القهقهة لا تنقض الوضوء وتنقض الصلاة "(2).

وقالت الشافعية: إن غلب عليه لم تبطل صلاته لعدم الاختيار فأشبه الناسي(3)، وإن كان مختارا فإن لم يظهر في صوته حرفان لم تبطل صلاته وإن ظهر فقولان: البطلان لان التفوه بما يتهجى حرفين وقد وجد على وجه يسمع من قصده، وهو الظاهر من مذهبه، والعدم لعدم تسميته كلاما(4).ونحن لا نبطل من حيث الكلام بل للنص، والحكمة هتك الحرمة.

فروع:

أ - القهقهة لا يبطل بها الوضوء - خلافا لبعض علمائنا(5) - لحديث الباقر عليه السلام(6)، وقد سبق.

ب - لو قهقه ناسيا لم تبطل صلاته إجماعا.

ج - لو تبسم - وهو ما إذا لم يكن له صوت - لم تبطل صلاته إجماعا.

مسألة 326: البكاء خوفا من الله تعالى، وخشية من عقابه غير مبطل للصلاة وإن نطق فيه بحرفين، وإن كانت لامور الدنيا بطلت صلاته وإن لم ينطق بحرفين عند علمائنا - وبه قال أبوحنيفة(7) - لقوله تعالى: * (إذا تتلى عليهم

___________________________________

(1) كنز العمال 7: 491 / 19925.

(2) الكافي 3: 364 / 6، الفقيه 1: 240 / 1062، التهذيب 2: 324 / 1324 (وفي الجميع عن الصادق عليه السلام).

(3) كفاية الاخيار 1: 60 و 75، المهذب للشيرازي 1: 94.

(4) المجموع 4: 79 و 89، كفاية الاخيار 1: 60، مغني المحتاج 1: 195.

(5) حكاه المحقق عن ابن الجنيد في المعتبر: 30.

(6) الكافي 3: 364 / 6، الفقيه 1: 240 / 1062، التهذيب 2: 324 / 1324 وفيها عن الصادق عليه السلام.

(7) الهداية للمرغيناني 1: 61، بدائع الصنائع 1: 235، فتح العزيز 4: 108.

(*)

[287]

آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا) *(1) ولان أبا مطرف قال: أتيت النبي صلى الله عليه وآله وهو يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل(2)، والازيز غليان صدره وحركته بالبكاء.

وسأل أبوحنيفة الصادق عليه السلام عن البكاء في الصلاة أيقطع الصلاة؟ فقال: " إن كان لذكر جنة أو نار فذلك أفضل الاعمال في الصلاة، وإن كان لذكر ميت له فصلاته فاسدة(3).

وقال الشافعي: إن كان مغلوبا لم تبطل صلاته، وإن كان مختارا: فإن لم يظهر فيه حرفان لم تبطل سواء كان لمصاب الدنيا أو الآخرة لعدم الاعتبار بما في القلب، وإنما يعتبر الظاهر وهو في الحالتين واحد(4).وهو ممنوع لانه مأمور به في امور الآخرة لانه من الخشوع المأمور به بخلاف أمر الدنيا.

وإن ظهر فيه حرفان فوجهان: الظاهر: عدم البطلان(5) لان الشمس كسفت على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله فلما كان في السجدة الاخيرة جعل ينفخ في الارض ويبكي(6)، ولانه لايسمى كلاما من غير تفصيل.

مسألة 327: النفخ بحرفين يوجب الاعادة، وكذا الانين، والتأوه، ولو كان بحرف واحد لم تبطل - وهو أحد قولي الشافعي(7) - لان تعمد الكلام مناف

___________________________________

(1) مريم: 58.

(2) سنن النسائي 3: 13: مسند أحمد 4: 25 - 26، سنن أبي داود 1: 238 / 904.

(3) الفقيه 1: 208 / 941، التهذيب 2: 317 / 1295، الاستبصار 1: 408 / 1558.

(4) المجموع 4: 79، فتح العزيز 4: 108.

(5) فتح العزيز 4: 107 و 108، مغني المحتاج 1: 195.

(6) سنن النسائي 3: 138 و 149.

(7) المجموع 4: 79 و 89، فتح العزيز 4: 108، المهذب للشيرازي 1: 94، السراج الوهاج: 56، مغني المحتاج 1: 195.

(*)

[288]

للصلاة، ولقول علي عليه السلام: " من أن في صلاته فقد تكلم "(1) وللشافعي قول آخر: أنه لا يبطلها وإن كان بحرفين(2) لانه لايعد كلاما.وهو ممنوع.

وقال أبوحنيفة: النفخ يبطلها وإن كان بحرف واحد، والتأوه للخوف من الله تعالى عند ذكر المخوفات لا يبطلها ولو كان بحرفين، ويبطلها لو كان لغير ذلك كالالم يجده(3).ولا دليل على هذا التفصيل.

مسألة 328: الفعل الذي ليس من أفعال الصلاة إن كان قليلا لم تبطل به الصلاة كالاشارة بالرأس، والخطوة، والضربة، وإن كان كثيرا أبطلها بلا خلاف في الحكمين لان النبي صلي الله عليه وآله أمر بقتل الاسودين في الصلاة: الحية، والعقرب(4)، ودفع عليه السلام المار بين يديه(5) وحمل أمامة بنت أبي العاص، وكان إذا سجد وضعها وإذا قام رفعها(6)، وقتل عقربا وهو يصلي(7) وأخذ باذن ابن عباس وأداره عن يساره إلى يمينه(8).واختلف الفقهاء في حد الكثرة، فالذي عول عليه علماؤنا البناء على

___________________________________

(1) التهذيب 2: 330 / 1356.

(2) السراج الوهاج: 56، مغني المحتاج 1: 195، فتح العزيز 4: 107 و 108.

(3) بدائع الصنائع 1: 234 و 235، المجموع 4: 89، اللباب 1: 85، المغني 1: 742، وفي المصادر: وإن سمع النفخ فهو بمنزلة الكلام[ فتبطل الصلاة ] وإلا فلا يضر.

(4) سنن النسائي 3: 10، سنن ابن ماجة 1: 394 / 1245، سنن الدارمي 1: 354، مسند أحمد 2: 233 و 248 و 255 و 284 و 473 و 475 و 490(5) سنن ابن ماجة 1: 305 / 948.

(6) صحيح البخاري 1: 137، صحيح مسلم 1: 385 و 386 / 543، سنن النسائي 3: 10، سنن أبي داود 1: 241 / 917 و 918 و 242 / 919 و 920، الموطأ 1: 170 / 81، سنن البيهقي 2: 262 - 263.

(7) سنن ابن ماجة 1: 395 / 1247.

(8) سنن أبي داود 1: 166 / 610، سنن النسائي 2: 87، سنن البيهقي 3: 95.

(*)

[289 ]

العادة فما يسمى في العادة كثيرا فهو كثير وإلا فلا لان عادة الشرع رد الناس فيما لم ينص عليه إلى عرفهم، وبه قال بعض الشافعية(1).

وقال بعضهم: القليل ما لا يسع زمانه لفعل ركعة من الصلاة، والكثير ما يسع(2).

وقال بعضهم: ما لا يحتاج إلى فعل اليدين معا كرفع العمامة وحل الازار فهو قليل، وما يحتاج إليهما معا كتكوير العمامة وعقل السراويل فهو كثير(3).

وقال بعضهم: القليل مالا يظن الناظر إلى فاعله أنه ليس في الصلاة: والكثير ما يظن به الناظر إلى فاعله الاعراض عن الصلاة(4).إذا عرفت هذا فالخطوة الواحدة والضربة قليل، والثلاث كثير، وفي الفعلين للشافعية وجهان: أحدهما: أنه كثير لتكرره.والاصح خلافه(5) لان النبي صلى الله عليه وآله خلع نعليه في الصلاة وهما فعلان(6).

فروع:

أ - الكثير إذا توالى أبطل، أما مع التفرق فإشكال ينشأ من صدق الكثرة عليه، وعدم للتفرق، فإن النبي صلى الله عليه وآله كان يضع أمامة ويرفعها، فلو خطا خطوة ثم بعد زمان خطوة أخرى لم تبطل صلاته، وقال بعض الشافعية: ينبغي أن يقع بين الاولى والثانية قدر ركعة (7).

___________________________________

(1) المجموع 4: 93، فتح العزيز 4: 129، مغني المحتاج 1: 199.

(2) المجموع 4: 93، فتح العزيز 4: 126، مغني المحتاج 1: 199.

(3) المجموع 4: 93، فتح العزيز 4: 126، مغني المحتاج 1: 199.

(4) المجموع 4: 93، فتح العزيز 4: 127.

(5) المجموع 4: 93، المهذب للشيرازي 1: 95، فتح العزيز 4: 129.

(6) سنن الدارمي 1: 320، سنن أبي داود 1: 175 / 50، مسند أحمد 3: 20 و 92.

(7) المجموع 4: 93، فتح العزيز 4: 129، مغني المحتاج 1: 199.

(*)

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة