شهادةُ العبـَّاس عليه السلام:
ولمْ يَستطعِ العبَّاسُ عليه السلام صَبراً على البقاءِ، بعدَ مَقتلِ إخوتِه
وعُمومِ أهلِ بيتِ الحسينِ عليهم السلام وأصحابِهِ، فجاءَ إلى أخيهِ الحسينِ عليه
السلام، يستأذِنُهُ في القتالِ، ويَطْلُبُ الرُّخصةَ منه، فما كانَ جوابُ الحسينِ
عليه السلام إلَّا أنْ قالَ: "يا أَخِي، أنتَ صاحبُ لِوائي، وإذا مضَيتَ تفرَّقَ
عَسْكرِي".
فقالَ العبَّاسُ عليه السلام: "يا أخي قدْ ضاقَ صَدري.. وأريدُ أنْ آخُذَ ثأري
منْ هؤلاء المنافقينَ".
فقالَ الحسينُ عليه السلام: "إذاً فاطلُبْ لهؤلاءِ الأطفالِ قليلاً منَ الماءِ".
فذَهَبَ العبَّاسُ عليه السلام إلى القَومِ، ووَعَظَهم، وحذَّرَهم غَضَبَ
الجبَّارِ وطلَب منهم شيئاً منَ الماءِ للأطفالِ.
الصفحة (61)
فأَجابَهُ الشمرُ اللعينُ قائلاً: يابنَ أبي تُرابٍ، لو كانَ وَجهُ الأرضِ كلُّه
ماءً، وهو تحتَ أيدينا، لمَا سَقَيناكم منهُ قَطرةً، إلَّا أنْ تدخُلوا في بَيعةِ
يزيدَ. فرَجَعَ العباسُ إلى أخيهِ عليه السلام وأخبَرَه بمَقالةِ القومِ، فسَمِعَ
الأطفالَ ومعَهم سُكينةُ بنتُ الحسينِ عليها السلام ينادُونَ: العطشَ العطشَ.
فلمْ يتحمَّلْ ذلكَ فرَكِبَ جوادَه، وأخذَ سيفَه والقِربةَ، وقَصدَ الفُراتَ،
وركبَ الحسينُ عليه السلام يريدُ الفراتَ والعبَّاس أَخوهُ بينَ يَدَيه فاعترضَه
خَيلُ ابنِ سَعد ... ثمَّ اقتطعوا العبَّاسَ عنه، فأحاطَ بالعبَّاس الموكَلُونَ
بالفراتِ، ورَمَوْهُ بالنّبالِ، فلم يعبأْ بجَمعهم ولا رَاعَتْهُ كَثرتُهم،
فكَشَفَهم عن وجههِ وقتلَ عدداً منهم، ودخلَ الفراتَ مطمئنّاً.
ثمَّّ اغترفَ منَ الماءِ غُرفةً، وأدناها منْ فَمهِ ليشرب، فتذكَّرَ عَطشَ أخيهِ
الحسينِ عليه السلام وعِيالهِ وأطفالهِ، فرمَى الماءَ منْ يَدهِ وقالَ:
يا نفسُ من بعدِ الحسين هُوني وبـعدَهُ لاَ كُـنْتِ أنْ تَكوني هـذا حـسينٌ واردُ الـمَنون وتَـشْـربينَ بـارِدَ الـمَعينِ
|
الصفحة (62)
تاللهِ مــا هــذا فِـعـالُ دِيـني ولا فِــعَـالُ صَــادِقِ الـيـقينِ اشلون اشرب واخوي احسين عطشان وسـكنة والـحرم واطـفال رضعان وظـن گلـب الـعليل التهب نيران يـريت الـماي بـعده لا حله أومر
|
ثمَّّ مَلأَ القِربةَ، ورَكِبَ جوادَه وتوجَّهَ نحوَ المُخَيَّمِ مسرعاً، فقطعَ
الأعداءُ عليهِ الطريقَ، فجعلَ يصولُ في أوْساطِهم، ويضرِبُ فيهِمْ بسيفِهِ حتى
أَكثرَ القتلَ فيهِم وكَشَفَهم عنِ الطريقِ وهُوَ يقولُ:
لا أرهـبُ الموتَ إذا الموتُ زَقَا حـتى أُوارى في المَصاليتِ لِقَى نفسي لِسِبطِ المُصْطَفى الطُّهرِ وِقا إنّـي أنـا الـعبَّاسُ أغْدُو بالسِقَا
ولا أخـافُ الـشرَّ يومَ المُلتقى
|
فكَمَنَ له زَيدُ بنُ الرَّقّادِ الجهنيُّ من وراء نخلةٍ، وعاوَنهُ آخرُ،
فضرَبهُ على يمينهِ بالسيفِ فبَرَاها.
فقالَ عليه السلام:
واللهِ إن قَطعتُمُ يمينــي إنّي أحامي أبداً عن دِيني
وعنْ إمامٍ صادقِ اليقينِ نجلِ النّبيِّ الطــاهرِ الأمينِ
الصفحة (63)
وحَمَلَ على القومِ كالأسدِ الغضبانِ، فكمَنَ له حكيمُ بنَ الطُّفَيْلِ منْ
وراءِ نخلةٍ أخرى وضربَهُ على شِمالهِ، فقطَعَها من الزَّندِ، فقالَ عليه السلام:
يا نفسُ لا تَخشَيْ منَ الكُفّارِ وأبـشِري بـرحمةِ الجبّارِ معَ النّبيِّ المصطفى المختارِ قـدْ قـطعوا ببَغْيِهم يَساري
فـأَصْلِهِم يا ربُِّ حَرَّ النّارِ
|
وجَعَلَ يُسرِعُ ليوصِلَ الماءَ إلى المخيمِ، فلمّا نظرَ ابنُ سعدٍ إلى شِدّةِ
اهتمامِ العبَّاسِ عليه السلام بالقِربةِ، صاحَ بالقومِ: ويلَكُم، ارْشُقوا
القِربةَ بالنبلِ، فواللهِ إنْ شَرِبَ الحسينُ منْ هذا الماءِ أفناكُم عن آخرِكُم.
فأتتهُ السهامُ كالمطرِ وأصابتْهُ في صَدرهِ، وسهمٌ أصابَ إحدى عينيهِ فأطفأَها،
وجَمَدَ الدمُ على عينهِ الأخرى فلم يُبْصِرْ بها، وأصابَ القِرْبةَ سهمٌ فأُريقَ
ماؤُها. وضَرَبهُ لَعينٌ بالعمودِ على رأسهِ فَفَلَقَ هَامتَهُ وسقطَ على الأرضِ
منادياً: "عليكَ منّي السلامُ أبا عبدِ اللهِ".
عَظّمَ اللهُ لكَ الأجْرَ سيّدي أبا عبدِ اللهِ..!
الصفحة (64)
الفارسُ عندَما يقعُ إلى الأرضِ يتلقّى الأرضَ بيدَيهِ، لكنْ إذا كانتْ يداهُ
مقطوعتَينِ، والسهامُ في صدرهِ، فبأيّ حالٍ يقعُ إلى الأرضِ.!!
فأتاهُ الحسينُ عليه السلام مُسرعاً، ففرَّقَ القومَ عنه، وقتلَ منهم رجالاً
وجَندلَ فُرساناً، حتّى إذا وصلَ إليهِ رآهُ مقطوعَ اليَدينِ، مَفْضوخَ الهامةِ،
مُطفأَ العينِ، مُثخناً بالجراحِ، فأخذَ رأسَه الشريفَ ووَضَعَهُ في حِجْرِه، وجعلَ
يَمْسَحُ الدمَ والترابَ عنهُ، وقالَ بَاكياً: "الآنَ انكسَرَ ظَهري، وقلَّتْ
حِيلَتي، وَشمِتَ بي عَدُوِّي".
يخويه انكسر ظهري ولا اگدر اگوم صرت مركز يخويه الكل الهموم
يخويه استـوحـدوني عگبك القـوم ولا واحـد عليّه
بعد ينغـر
ثمَّّ انْحَنَى عليهِ واعتَنَقَه وجعلَ يُقبِّلُ مَواضعَ السيوفِ من
الصفحة (65)
وَجههِ ونَحرهِ وصَدرهِ، ثمَّّ فاضَتْ نَفْسُ العبَّاسِ المقدَّسةُ ورأسُهُ في
حِجْرِ أخيهِ الحسينِ عليه السلام.
وتَركَ الحسينُ عليهِ السلامُ أخاهُ العبَّاسَ في مَكانهِ، وقامَ عنه، ولمْ
يحمِلْهُ إلى الفُسطاطِ الذي كانَ يحمِلُ القَتلَى من أهلِ بيتهِ وأصحابِهِ إليهِ.
يخويه احسين خليني ابمكاني يكــله ليــش يا زهــرة زماني
يكله واعـدت سكــنة ترانــي ابماي واستحي منها من اسدر
ورَجَعَ إلى المخيّمِ، وقدْ تَدافعَتِ الخيلُ والرجالُ على مخيّمِهِ، فنادَى:
"أمَا منْ مُغيثٍ يُغيثُنَا؟ أما منْ مُجيرٍ يجيرُنَا؟ أما منْ طالبِ حقٍّ
فينصرَنا؟ أما من خائفٍ منَ النّار فيَذِبَّ عنّا؟".
فأَتتْهُ سُكَينةُ وسألَتْه عنْ عمِّها، فأخبرَها بمَقتلِهِ، وسمِعَتْهُ زينبُ
عليها السلام فصاحَتْ: واأخاه واعبَّاساه واضَعَيتنا بعدَك.
الصفحة (66)
شهادة الإمام الحسين عليه السلام:
ولمّا بَقِيَ الحُسَينُ عليه السلام وَحيدَاً فَرِيدَاً قَدْ قُتِلَ جَميعُ
أَصحابِه وأَهلُ بَيتِه، وَرآهُم عَلى وجهِ الأَرضِ مُجزَّرينَ كَالأضَاحِي، وَلم
يَجِدْ أَحَدَاً يَنْصُرُه وَيذبُّ عَن حَريمِه، وَهو إِذْ ذَاك يَسمعُ عَويلَ
العيالِ وصُراخَ الأطفَال.
عندَ ذلك نَادَى بِأعلَى صَوتِه: "هَل مِنْ ذَابٍّ عَن حُرَمِ رَسُولِ اللهِ؟
هَل مِن مُوَحّدٍ يَخافُ اللهَ فِينا؟ هَل مِن مُغيثٍ يَرجُو اللهَ في
إِغَاثَتِنا؟!".
فارتَفعتْ أَصواتُ النِّساء بِالبُكاءِ وَالعَويْلِ.
ونَهَضَ عَليُّ بنُ الحُسَين زينُ العَابدينَ عليه السلام وَخَرَجَ يَتوكَّأُ
عَلَى عَصَاً وَيَجُرُّ سَيفَه، إِذْ لا يَقدِرُ عَلَى حَملِهِ لأنَّه كَانَ
مَريضَاً لا يستطيعُ الحَرَكةَ.
الصفحة (67)
فَصَاحَ الحُسَينُ عليه السلام بأمِّ كُلثومٍ: "إِحبِسيهِ يَا أُختَاهُ، لِئَلاّ
تَبقَى الأرضُ خَاليةً مِن نَسلِ آلِ مُحمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم".
فَقَالَ زينُ العَابدينَ: "يَا عَمَّتَاهُ، ذَرينِي أُقَاتِلْ بَينَ يَدَي ابنِ
رَسُولِ اللهِ". فَأَخَذتْ أُمُّ كُلثومٍ تُمانِعُه، وتُنادِي خَلفَه: يا بُنيَّ
ارجِعْ، حتَّى أَرْجَعتهُ إِلى فِراشِهِ.
الصفحة (68)
الوَداعُ:
ولمَّا عَزمَ الحُسينُ عليه السلام عَلَى مُلاقاةِ الحُتُوف، جَاءَ وَوَقَفَ
بِبَابِ خَيمةِ النّساءِ مُوَدِّعاً لِحُرَمهِ مُخَدَّراتِ الرِّسَالةِ وَعَقائِلِ
النُّبُوَّةِ، وَنَادَى: "يَا زَينبُ، ويَا أُمّ كُلثوم، ويَا فَاطِمةُ، ويَا
سُكينةُ، عَليكُنّ مِنِّي السَّلامُ".
فَنَادته سُكينةُ: يَا أَبَه، إستسلَمتَ للِموتِ؟
فَقَال عليه السلام: "كيفَ لا يستسلمُ لِلموتِ مَن لا نَاصرَ لَه ولا مُعينَ؟!"
فَقَالت عليها السلام: رُدَّنا إِلى حَرمِ جَدِّنَا رَسُولِ اللهِ.
فَقَال عليه السلام: "هَيهَاتِ!! لَو تُرِكَ القَطا لَغَفَا وَنَام".
فَرفَعتْ سُكينةُ صَوتَها باِلبُكاءِ وَالنّحِيبِ، فَضَمَّها الحُسَينُ إِلى
صَدرِه، وَمَسَحَ دُمُوعَها بِكُمِّهِ، وَكَانَ يُحبُّها حُبَّاً شَدِيدَاً،
وَجَعَلَ
الصفحة (69)
يقولُ:
سَيطولُ بَعدي يَا سُكينةُ فَاعلَمِي مِـنكِ البُكاءُ إِذَا الحِمَامُ
دَهَانِي لا تُـحرقِي قَلبِي بِدَمعِكِ
حَسرَةً مَا دَامَ مِنِّي الرُّوحُ فِي
جُثمانِي فَـإِذَا قُـتِلتُ فَأَنتِ أَولَى
بِالَّذِي تَـبْكِينَه يَـا خِـيرةَ
النسوانِ
|
|